خُطُورَةُ الشَّائِعَاتِ عَلَى الْأَفْرَادِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ


 ((خُطُورَةُ الشَّائِعَاتِ عَلَى الْأَفْرَادِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ))

إِنَّ الشَّائِعَاتِ تُخِلُّ بِالْأَمْنِ، وَتَجْلِبُ الْوَهَنَ، وَتُحَقِّقُ مُرَادَ الْأَعْدَاءِ فِي تَرْكِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَاسْتِضْعَافِهِمْ، وَكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ وَتَيْئِيسِهِمْ وَقَتْلِ رُوحِ الْمُقَاوَمَةِ فِي نُفُوسِهِمْ.

*دَوْرُ الشَّائِعَاتِ الرَّئِيسُ فِي الْحَرْبِ النَّفْسِيَّةِ؛ لِهَدْمِ الْمُجْتَمَعَاتِ:

تُعَدُّ الْإِشَاعَاتُ مِنْ أَهَمِّ أَسَالِيبِ وَوَسَائِلِ الْحَرْبِ النَّفْسِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ بِفَاعِلِيَّةٍ وَقْتَ الْحَرْبِ وَكَذَلِكَ وَقْتَ السِّلْمِ فِيمَا يُعْرَفُ بِالْحَرْبِ الْبَارِدَةِ، وَتَتَمَيَّزُ بِشِدَّةِ تَأْثِيرِهَا عَلَى عَوَاطِفِ الْجَمَاهِيرِ، وَقُدْرَتِهَا الْكَبِيرَةِ عَلَى الِانْتِشَارِ، وَفَاعِلِيَّتِهَا الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَبْدَأُ مِنْ وُصُولِهَا إِلَى الْمَكَانِ الْمُوَجَّهَةِ إِلَيْهِ.

وَتَخْتَلِفُ الْإِشَاعَاتُ عَنِ الْأَسَالِيبِ الْأُخْرَى فِي أَنَّ الْوَسِيلَةَ الَّتِي تَحْمِلُهَا وَتَنْقُلُهَا وَتَزِيدُ مِنْ حِدَّتِهَا هِيَ الْمُجْتَمَعُ الْمُسْتَهْدَفُ نَفْسُهُ، فَمَا أَنْ تَصِلَ الْإِشَاعَةُ إِلَى بَعْضِ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْتَهْدَفِ حَتَّى يَقُومَ بِرِوَايَتِهَا وَتَرْويجِهَا إِلَى كُلِّ مَنْ يَعْرِفُ.

بَلْ لَا يَقْتَصِرُ الْأَمْرُ عِنْدَ حَدِّ الرِّوَايَةِ أَوِ النَّقْلِ فَقَطْ، يَتَعَدَّى الْأَمْرُ إِلَى أَنَّ الشَّخْصَ الَّذِي يَنْقُلُ الْإِشَاعَةَ غَالِبًا مَا يُضِيفُ إِلَيْهَا وَيُبَالِغُ فِيهَا.

وَرُبَّمَا اخْتَلَقَ أَجْزَاءً كَثِيرَةً مِنْ تَفَاصِيلِهَا، مِمَّا يَجْعَلُ الْفَائِدَةُ مِنَ الْإِشَاعَةِ أَعْظَمَ وَأَقْوَى مِنْ أَيِّ وَسِيلَةٍ بِالنِّسْبَةِ لِمُوَجِّهِ الْإِشَاعَةِ؛ لِأَنَّ الْجُمْهُورَ الْمُسْتَهْدَفَ قَدْ حَمَلَ عِبْءَ نَقْلِ الْإِشَاعَةِ إِلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ، مِمَّا سَاعَدَ عَلَى سُرْعَةِ نَقْلِها.

وَكَذَلِكَ سَاعَدَ عَلَى زِيَادَةِ فَعَالِيَّاتِهَا وَتَأْثِيرَاتِهَا؛ لِأَنَّ الْفَرْدَ سَمِعَ هَذِهِ الْإِشَاعَةَ مِنْ صَدِيقِهِ، مِنْ حَمِيمِهِ، مِنْ دَاخِلِ مُجْتَمَعِهِ، وَهَذَا عَكْسُ الْإِشَاعَاتِ الَّتِي تُذَاعُ أَوْ تُنْشَرُ فِي إِذَاعَاتِ وَصُحُفِ الْعَدُوِّ؛ لِأَنَّ الْوَسَائِلَ الْمَكْشُوفَةَ مِنْ جَانِبِ الْعَدُوِّ غَالِبًا مَا تَكُونُ مَحَلَّ شَكٍّ وَرِيبَةٍ مِنْ قِبَلِ الْجُمْهُورِ الْمُسْتَهْدَفِ.

مِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ تَتَّضِحُ لَنَا الْعَلَاقَةُ الْوَطيِدَةُ بَيْنَ الْإِشَاعَةِ وَالْحَرْبِ النَّفْسِيَّةِ، وَهِيَ عَلَاقَةُ الْجُزْءِ بِالْكُلِّ، فَالْإِشَاعَةُ بِمَثَابَةِ الْجُزْءِ، وَالْحَرْبُ النَّفْسِيَّةُ بِمَثَابَةِ الْكُلِّ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْمُخْتَصُّونَ وَالْبَاحِثُونَ فِي هَذَا الْمَجَالِ عَلَى أَنَّ الْإِشَاعَةَ تُعَدُّ أَحَدَ أَسَالِيبِ الْحَرْبِ النَّفْسِيَّةِ.

وَقَدْ وَرَدَ فِي جَمِيعِ كُتُبِ الْحَرْبِ النَّفْسِيَّةِ أَنَّ الْإِشَاعَةَ أُسْلُوبٌ مِنْ أَسَالِيبِهَا أَوْ هِيَ وَسِيلَةٌ مِنْ أَقْوَى وَسَائِلِهَا، مَثَلُهَا فِي ذَلِكَ مَثَلُ الدَّعَايَةِ وَغَسْلِ الدِّمَاغِ أَوْ افْتِعَالِ الْفِتَنِ وَالْأَزْمَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسَالِيبِ الْكَثِيرَةِ.

وَتَلْعَبُ الْإِشَاعَةُ دَوْرًا خَطِيرًا فِي الْحَرْبِ النَّفْسِيَّةِ، وَهِيَ وَسِيلَةُ الْبَلْبَلَةِ فِي الْحَرْبِ وَالسِّلْمِ، وَالْبَلْبَلَةُ الْفِكْرِيَّةُ وَالنَّفْسِيَّةُ مِفْتَاحٌ لِتَغْيِيرِ الِاتِّجَاهَاتِ وَاللَّعِبِ بِالْعُقُولِ، ثُمَّ السَّيْطَرَةِ، وَالتَّحْوِيرِ الْفِكْرِيِّ، وَغَسِيلِ الْأَدْمِغَةِ.

وَالْإِشَاعَةُ سِلَاحٌ فَعَّالٌ بِيَدِ الْمُحْتَرِفِينَ مِنْ رِجَالِ الْحَرْبِ النَّفْسِيَّةِ، يُسْتَعْمَلُ لِلسَّيْطَرَةِ عَلَى الِاتِّجَاهَاتِ الشَّعْبِيَّةِ، وَزَعْزَعَةِ الْوِحْدَةِ الْفِكْرِيَّةِ وَالِانْتِمَاءِ وَالتَّمَاسُكِ الِاجْتِمَاعِيِّ.

وَلَهَا دَوْرٌ كَبِيرٌ فِي دَعْمِ اتِّجَاهَاتِ الْجَبْهَةِ الدَّاخِلِيَّةِ الْمُعَادِيَةِ؛ لِبَثِّ رُوحِ الْفُرْقَةِ، وَلِبَثِّ الْيَأْسِ بَيْنَ صُفُوفِ وَأَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ، وَكَذَلِكَ فِي بَثِّ رُوحِ الِانْتِقَامِ لِنَشْرِ جَوٍّ مِنَ الشَّكِّ بَيْنَ الْقَادَةِ وَالشَّعْبِ، وَبَيْنَ الضُّبَّاطِ وَالْجُنُودِ، وَبَيْنَ الْأَصْدِقَاءِ وَالْحُلَفَاءِ.

وَلَقَدْ كَانَ الْأَلْمَانُ سَادَةَ الْمَوْقِفِ فِي الْحَرْبِ الْعَالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ فِي اسْتِخْدَامِ الْإِشَاعَاتِ فِي الْحَرْبِ النَّفْسِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ حَمَلَاتِ الْإِشَاعَةِ مِنْ أَقْوَى الْحَمَلَاتِ تَأْثِيرًا عَلَى الْعَدُوِّ.

فَهِيَ تَصِلُ إِلَى السَّامِعِ دُونَ أَنْ يَبْدُوَ أَنَّهَا دَعَايَةٌ مُعَادِيَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَسْمَعُهَا مِنْ أَخِيهِ أَوْ صَدِيقِهِ أَوْ زَمِيلِهِ فِي الْعَمَلِ، فَهُوَ يَسْمَعُهَا مِنْ دَاخِلِ مُجْتَمَعِهِ، وَكَانَتْ أَيَّةُ أَخْبَارٍ تُذَاعُ عَلَى الْمَوْجَةِ الْقَصِيرَةِ فِي أَلْمَانِيَا أَوْ أَيَّةُ قِصَّةٍ يَنْشُرُهَا عَمِيلٌ أَلْمَانِيٌّ فِي صَحِيفَةٍ بِبَلْدَةٍ مُحَايِدَةٍ سَرْعَانَ مَا تَبْدُو وَكَأَنَّهَا صَادِرَةٌ مِنَ الْعَدُوِّ، إِذْ يَضِيعُ أَصْلُهَا الْأَلْمَانِيُّ تَمَامًا فِي عَمَلِيَّةِ تَدَاوُلِهَا.

وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ السَّامِعَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُطَالِبَ بِالدِّلِيلِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَعْرِضُ مِثْلَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ لَا يَزْعُمُ أَنَّ لَدَيْهِ أَيَّ دَلِيلٍ، بَلْ يُوَضِّحُ مُنْذُ الْبِدَايَةِ أَنَّ مَا يَقُولُهُ مَا هُوَ إِلَّا مَجُرَّدَ كَلَامٍ سَمِعَهُ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا»، يَقُولُ: زَعَمُوا كَذَا وَكَذَا، يَقُولُونَ: كَذَا وَكَذَا، إِنَّهُمْ يُرَوِّجُونَ كَذَا وَكَذَا، مَنْ هَؤُلَاءِ؟!!

لَا يَدْرِي عَنْهُمْ شَيْئًا!!

 الْحَقِيقَةُ أَنَّ السَّامِعَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُطَالَبَ بِالدَّلِيلِ وَلَا أَنْ يُطَالِبَ بِهِ، لِأَنَّ الَّذِي يَعْرِضُ مِثْلَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ لَا يَزْعُمُ أَنَّ لَدَيْهِ أَيَّ دَلِيلٍ، بَلْ يُوَضِّحُ مُنْذُ الْبِدَايَةِ أَنَّ مَا يَقُولُهُ مَا هُوَ إِلَّا مَجُرَّدُ كَلَامٍ سَمِعَهُ، وَعَلَى هَذَا الْأَسَاسِ يُكَرِّرُهُ وَيُعِيدُ تَكْرَارَهُ.

 إِنَّ التَّصْدِيقَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَاتِ أَسْهَلُ مِنَ الْكَذِبِ، لَاسِيَّمَا إِذَا كَانَ الْأَمَلُ أَوِ الْخَوْفُ يُعَضِّدُ الْإِشَاعَةَ.

*أَسَالِيبُ مُهِمَّةٌ لِلْإِشَاعَاتِ فِي الْحَرْبِ النَّفْسِيَّةِ:

وَهُنَاكَ بَعْضُ الْأَسَالِيبِ الْمُهِمَّةِ الَّتِي تَقُومُ الْإِشَاعَاتُ مِنْ خِلَالِهَا بِدَوْرٍ فَاعِلٍ فِي الْحَرْبِ النَّفْسِيَّةِ.

مِنْ أَهَمِّ هَذِهِ الْأَسَالِيبِ:

*الِاسْتِخْدَامُ بِقَصْدِ التَّفْتِيتِ: يُمْكِنُ أَنْ يُقْصَدُ بِالتَّفْتِيتِ؛ الرُّوحَ الْمَعْنَوِيَّةَ أَوْ تَفْتِيتَ الصُّفُوفِ، وَزَرْعَ الْفِتْنَةِ وَالْفُرْقَةِ بَيْنَهَا، وَبِهَذِهِ الْوَسِيلَةِ تَقُومُ الْإِشَاعَةُ بِدَوْرِهَا فِي تَدْمِيرِ الْقُوَى الْمَعْنَوِيَّةِ وَتَفْتِيتِهَا.

*وَمِنَ الْأَسَالِيبِ اسْتِخْدَامُ الْإِشَاعَةِ كَسِتَارَةِ دُخَانٍ -أَيْ لِلْخِدَاعِ-:

وَهَذَا الْأُسْلُوبُ يَعْتَمِدُ عَلَى حَقِيقَةِ أَنَّ الْإِشَاعَاتِ يُمْكِنُ أَنْ تُخْفِيَ الْحَقِيقَةَ، فَيَقُومُ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ بِالسَّمَاحِ بِتَسَرُّبِ بَعْضِ الْمَعْلُومَاتِ، بِذَلِكَ يَصْعُبُ عَلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ مَعْرِفَةُ الْأَسْرَارِ الْحَقِيقِيَّةِ مِنَ الْأَخْبَارِ الْكَاذِبَةِ.

وَلَقْدْ كَانَ الْأَلْمَانُ سَادَةً فِي هَذَا الْأُسْلُوبِ، فَقَدْ كَانُوا يُطْلِقُونَ الْكَثِيرَ مِنَ الْأَنْبَاءِ الْمُتَنَاقِضَةِ مِنْ دَاخِلِ أَلْمَانْيَا إِلَى الْبِلَادِ الَّتِي يُرِيدُونَ أَنْ يُحْدِثُوا فِيهَا اضْطِرَابًا وَفَوْضَى بَيْنَ النَّاسِ.

*وَمِنَ الْأَسَالِيبِ: الْحَطُّ مِنْ شَأْنِ مَصَادِرِ الْأَنْبَاءِ: وَيَقُومُ هَذَا الْأُسْلُوبُ عَلَى أَسَاسِ خِدَاعِ الْخَصْمِ بِالْإِيحَاءِ إِلَيْهِ بِبَعْضِ الْأَخْبَارِ وَالْمَعْلُومَاتِ الْخَاطِئَةِ، وَمَا أَنْ يُذِيعَ الْخَصْمُ هَذِهِ الْأَخْبَارَ وَالْمَعْلُومَاتِ حَتَّى يَتِمَّ تَوْضِيحُ الْأَمْرِ لِلرَّأْيِ الْعَامِّ؛ حَتَّى تُصْبِحَ لَدَيْهِمْ قَنَاعَةٌ بِكَذِبِ مَصَادِرِ أَنْبَاءِ الْعَدُوِّ.

وَمِنَ الْأَمْثِلَةِ عَلَى ذَلِكَ: فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْحَرْبِ الْعَالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ، حَاوَلَ الْبِرِيطَانِيُّونَ أَنْ يُدَمِّرُوا مَحَطَّةَ السِّكَكِ الْحَدِيدِيَّةِ الرَّئِيسَةِ فِي بِرْلِين عِدَّةَ مَرَّاتٍ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَنْجَحُوا فِي مُحَاوَلَاتِهِمْ تِلْكَ.

وَقَامَ الْأَلْمَانُ بِنَشْرِ تَقَارِيرَ غَيْرِ مُؤَكَّدَةٍ تُوحِي بِأَنَّ الْإِنْجِلِيزَ قَدْ نَجَحُوا فِي مُحَاوَلَاتِهِمْ، عِنْدَمَا وَصَلَتْ هَذِهِ الْإِشَاعَاتُ إِلَى بِرِيطَانِيَا، اعْتَبَرَهَا الْإِنْجِلِيزُ تَأْكِيدًا وَإِثْبَاتًا لِنَجَاحِ مُحَاوَلَاتِهِمْ، وَسَرْعَانَ مَا أَذَاعُوا الْخَبَرَ بِطَرِيقَةٍ رَسْمِيًّةٍ.

حِينَئِذٍ أَخَذَتْ وَزَارَةُ الدَّعَايَةِ الْأَلْمَانِيَّةِ بَعْضَ الصَّحَفِيِّينَ الْأَمْرِيكِيِّينَ إِلَى الْمَحَطَّةِ الرَّئِيسَةِ؛ لِإثْبَاتِ كَذِبِ الْإِذَاعَةِ الْبِرِيطَانِيَّةِ، وَبِذَلِكَ اسْتَطَاعَ الْأَلْمَانُ أَنْ يَحُطُّوا مِنْ شَأْنِ الْإِذَاعَةِ الْبِرِيطَانِيَّةِ عَلَى أَسَاسِ أَنَّ أَنْبَاءَهَا كَاذِبَةً.

*وَمِنَ الْأَسَالِيبِ: اسْتِخْدَامُ الْإِشَاعَةِ كَطُعْمٍ يُقْصَدُ بِهِ إِيضَاحُ الْحَقِيقَةِ:

وَخَيْرُ مِثْالٍ لِذَلِكَ مَا قَامَ بِهِ الْيَابَانِيُّونَ فِي الْحَرْبِ الْعَالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ، إِذْ رَوَّجُوا إِشَاعَاتٍ مُبَالَغًا فِيهَا عَنْ خَسَائِرِ الْأَمْرِيكِيِّينَ فِي الِاشْتِبَاكَاتِ الْبَحَرِيَّةِ.

كَانُوا يَعْرِفُونَ حَقِيقَةَ مَا صَنَعُوا، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ حَقِيقَةَ خَسَائِرِ الْأَمْرِيكِيِّينَ، وَكَانَ الْيَابَانِيُّونَ يَهْدِفُونَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ أَنْ يُثِيرُوا الْأَمْرِيكِيِّينَ، فَيَقُومُوا بِدَوْرِهِمْ بِنَشْرِ حَقِيقَةِ خَسَائِرِهِمْ.

وَبِالْفِعْلِ نَجَحَتْ هَذِهِ الْوَسِيلَةُ؛ إِذْ أَنَّ انْتِشَارَ هَذِهِ الْإِشَاعَاتِ أَثَّرَ تَأْثِيرًا بَالِغًا فِي مَعْنَوِيَّاتِ الشَّعْبِ الْأَمْرِيكِيِّ، مِمَّا جَعَلَ الْحُكُومَةَ الْأَمْرِيكِيَّةَ تُسْرِعُ فِي إِذَاعَةِ الْحَقَائِقِ عَنِ الْخَسَائِرِ؛ رَغْبَةً مِنْهَا فِي دَعْمِ الرُّوحِ الْمَعْنَوِيَّةِ، وَبِذَلِكَ اسْتَطَاعَ الْيَابَانِيُّونَ أَنْ يَعْرِفُوا الْحَقَائِقَ الَّتِي تَهُمُّهُمْ.

«وَتَقُومُ الْإِشَاعَةُ فِي الْحُرُوبِ عَلَى اسْتِرَاتِيجِيَّةٍ وَتِكْتِيكٍ مُعَيَّنَيْنِ، لَيْسَتْ عَمَلًا ارْتِجَالِيًّا وَلَا عَمَلًا فَوْضَوِيًّا يَقُومُ بِهِ فَرْدٌ هَاوٍ أَوْ جَمَاعَةٌ؛ لِتَحْقِيقِ مَقَاصِدَ قَرِيبَةٍ أَوْ بَعِيدَةٍ.

الْإِشَاعَةُ حَرْبٌ مُنَظَّمَةٌ مِنْ أَجْلِ تَفْكِيكِ الرَّوَابِطِ بَيْنَ أَبْنَاءِ الْمُجْتَمَعِ الْوَاحِدِ، وَإِشَاعَةِ الْبَلْبَلَةِ، وَبَثِّ رُوحِ الْفُرْقَةِ وَالِانْقِسَامِ فِي الْمُجْتَمَعِ الْوَاحِدِ» .

*الْإِشَاعَةُ مِنْ أَخْطَرِ الْأَسْلِحَةِ الْمُدَمِّرَةِ لِلْأَشْخَاصِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ:

«إِذَنْ؛ الْإِشَاعَةُ مِنْ أَخْطَرِ الْأَسْلِحَةِ الْفَتَّاكَةِ وَالْمُدَمِّرَةِ لِلْأَشْخَاصِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ، وَلَقَدْ لَجَأَ إِلَيْهَا الْأَعْدَاءُ كَوِسيلَةٍ مِنْ وَسَائِلِ الْهَدْمِ وَالتَّدْمِيرِ لِلْمُجْتَمَعِ الْإِسْلَامِيِّ.

فَكَمْ أَقْلَقَتِ الْإِشَاعَةُ مِنْ أَبْرِيَاءَ، وَحَطَّمَتْ مِنْ عُظَمَاءَ، وَقَطَّعَتْ مِنْ وَشَائِجَ، وَتَسَبَّبَتْ فِي جَرَائِمَ، وَفَكَّكَتْ مِنْ عَلَاقَاتٍ وَصَدَاقَاتٍ، وَكَمْ هَزَمَتْ مِنْ جُيُوشٍ.

وَالْمِثَالُ عَلَى ذَلِكَ فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ ﷺ، أَعْنِي  حَادِثَةَ الْإِفْكِ، وَهَذَا الْحَادِثُ يُعْتَبَرُ حَدَثَ الْأَحْدَاثِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، لَمْ يُمْكَرْ بِالْمُسْلِمِينَ مَكْرٌ أَشَدَّ مِنْ تِلْكَ الْوَقْعَةِ، وَهِيَ مَجُرَّدُ فِرْيَةٍ وَإِشَاعَةٍ مُخْتَلَقَةٍ، بَيَّنَ اللهُ كَذِبَها فِي قُرْآنٍ يُتْلَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

وَلِلْإِشَاعَةِ قُدْرَةٌ عَلَى تَفْتِيتِ الصَّفِّ الْوَاحِدِ وَالرَّأْيِ الْوَاحِدِ وَتَوْزِيعِهِ وَبَعْثَرَتِهِ، فَالنَّاسُ أَمَامَ الْإِشَاعَةِ بَيْنَ مُصَدِّقٍ وَمُكَذِّبٍ، وَمُتَرَدِّدٍ وَمُتَبَلْبِلٍ، وَمُتَنَاقِضٍ يَنْظُرُ إِلَى هَذِهِ الْأَخْبَار أَمَامَ نَاظِرَيْهِ وَسَمْعِهِ؛ فَيَجِدُ هَذَا يَنْفِي، وَذَاكَ يُثْبِتُ، وَذَاكَ يُشَكِّكُ، وَيَجِدُ آخِرَ يُؤَكِّدُ!!

فَكَمْ مِنْ حَيٍّ قَدْ قِيلَ إِنَّهُ مَيِّتٌ، وَكَمْ مِنْ مَيِّتٍ زَعَمُوا حَيَاتَهُ!!

وَكَمْ مِنْ ضَالٍّ شَاعَ أَمْرُهُ بِأَنَّهُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَأَصْحَابِ الْكَرَامَاتِ، وَكَمْ مِنْ رَجُلٍ صَالِحٍ شَاعَ أَمْرُهُ أَنَّهُ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَفَعَلَ الْأَفَاعِيلَ!!

وَكَمْ مِنْ بَرِيءٍ قَدِ اتُّهِمَ، وَكَمْ مِنْ مُتَّهَمٍ حَوْلَهُ قَرَائِنُ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلَى جَرِيمَتِهِ؛ تَأْتِي الْإِشَاعَةُ فَتُبَرِّئُهُ حَتَّى يَصِيرَ كَالشَّمْسِ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ!!

يَخْتَلِطُ الْحَابلُ بِالنَّابِلِ، وَالصَّحِيحُ بِالْمَرِيضِ، وَالسَّلِيمُ بِالْعَلِيلِ، وَالْأَحْمَرُ بِالْأَسْوَدِ!!» .

إِنَّ أُسْلُوبَ الْإِشَاعَةِ مِنْ أَخْطَرِ أَسَالِيبِ الْحَرْبِ النَّفْسِيَّةِ، إِنَّهُ يُثِيرُ الْبَلْبَلَةَ فِي نُفُوسِ النَّاسِ، وَيُضْعِفُ رُوحَهُمُ الْمَعْنَوِيَّةَ، فَيَنْهَزِمُونَ دَاخِلَ نُفُوسِهِمْ، وَبِذَلِكَ يَنْهَزِمُونَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَهَزِيمَةُ النَّفْسِ هِيَ الْهَزِيمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ الَّتِي يَتْبَعُهَا الِانْهِيَارُ وَالِانْدِحَارُ.

وَكُلُّ خَبَرٍ هَامٍّ يُشَكُّ فِي صِحَّتِهِ، وَيَتَعَذَّرُ التَّحَقُّقُ مِنْ أَصْلِهِ فَهُوَ إِشَاعَةٌ؛ لِتَحَقُّقِ الشَّرْطَيْنِ الرَّئِيسَيْنِ لَهَا، وَهُمَا: الْغُمُوضُ، وَالْأَهَمِّيَّةُ.

الْقَلَقُ وْالْحُبُّ، وَالْكُرْهُ وَالْحِقْدُ، وَالْخَوْفُ وَالْأَمَلُ، وَالِانْتِقَامُ وَالتَّشَفِّي، كُلُّهَا دَوَافِعُ نَفْسِيَّةٌ إِنْسَانِيَّةٌ يَتِمُّ التَّرْكِيزُ عَلَيْهَا عِنْدَ إِطْلَاقِ الْإِشَاعَاتِ.

فَالْإِنْسَانُ الْقَلِقُ مِنْ فَشَلِهِ مَثَلًا، يَكُونُ أَكْثَرَ مَيْلًا مِنْ غَيْرِهِ لِتَصْدِيقِ خَبَرٍ عَنْ فَشَلِ أَعْدَادٍ كَبِيرَةٍ مِنَ النَّاسِ، ثُمَّ لِنَشْرِ هَذَا الْخَبَرِ، وَالشَّخْصُ الَّذِي يَكْرَهُ آخَرَ أَوْ مَجْمُوعَةً مِنَ النَّاسِ مَثَلًا، يُسَارِعُ إِلَى تَصْدِيقِ أَوْ نَشْرِ أَيِّ خَبَرٍ يُسِيءُ إِلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ أَوْ إِلَى تِلْكَ الْمَجْمُوعَةِ.

وَوَضْعُ الْيَدِ عَلَى هَذِهِ الِاتِّجَاهَاتِ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ قَدْ تَوَصَّلَ إِلَيْهَا الْأَعْدَاءُ مَجَّانًا فِي هَذَا الْعَصْرِ، بِطَوَاعِيَةٍ وَأَرْيَحِيَّةٍ مِنَ الْمُجْتَمَعَاتِ نَفْسِهَا، وَهِيَ مُسْتَهْدَفَةٌ فِي وُجُودِهَا، وَذَلِكَ عَنْ طَرِيقِ «مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ»، تُبَثُّ الْأَسْرَارُ، وَتُذَاعُ الْهُمُومُ، وَيَسْرُدُ كُلٌّ مِنْهُمْ مَا لَدَيْهِ، وَيَنْثُرُ مَكْنُونَ صَدْرِهِ!!

وَهُنَالِكَ مَنْ يُرَاقِبُ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَشِيعَ الشَّائِعَاتِ عَلَى قَدْرٍ مُنْضَبِطٍ، مَعَ مَا تُعَانِيهِ الْمُجْتَمَعَاتُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تِلْكَ الضُّرُوبِ الَّتِي هِيَ فِي حَقِيقَتِهَا مِنَ الْحَرْبِ النَّفْسِيَّةِ عَلَى الْمُجْتَمَعَاتِ، وَلَكِنَّ النَّاسَ لِلْأَسَفِ يَهْدِمُونَ أَوْطَانَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ، وَيُدَمِّرُونَ ذَوَاتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ أَيْضًا، وَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.

*الْأَهْدَافُ الْخَبِيثَةُ لِلْإِشَاعَاتِ:

*الْمِحْوَرُ الَّذِي تَهْدُفُ إِلَيْهِ الْإِشَاعَةُ: هُوَ إِضْعَافُ الرُّوحِ الْمَعْنَوِيَّةِ لِلْخَصْمِ، تَمْهِيدًا لِانْهِيَارِهَا، وَبِالتَّالِي إِجْبَارُ هَذَا الْخَصْمِ عَلَى الِاسْتِسْلَامِ، وَتَنْفِيذُ الشُّرُوطِ الَّتِي تُمْلَى عَلَيْهِ، وَتَعْرِيضُهُ لِهَزِيمَةِ الِانْكِسَارِ، أَوْ لِلْخَسَارَةِ الْكُبْرَى، وَهَذِهِ الْهَزِيمَةُ هِيَ النَّتِيجَةُ النِّهَائِيَّةُ لِجُمْلَةٍ مِنَ الْأَهْدَافِ تُحَقِّقُهَا الْإِشَاعَةُ فِي صُفُوفِ الْخَصْمِ أَوِ الْعَدُوِّ.

*وَمِنْ هَذِهِ الْأَهْدَافِ: تَفْرِيقُ الصُّفُوفِ، وَتَوْسِيعُ الثَّغَرَاتِ، وَتَبْدِيدُ الْإِمْكَانَاتِ، وَالتَّشْكِيكُ فِي كُلِّ عَمَلٍ أَوْ حَرَكَةٍ يَقُومُ بِهَا الْخَصْمُ، خَاصَّةً فِي عَدَالَةِ الْهَدَفِ الَّذِي يَسْعَى إِلَيْهِ، أَوْ فِي أَهَمِّيَّتِهِ أَوْ دَوَافِعِهِ وَمُبَرِّرَاتِهِ، مَعَ بَثِّ عَوَامِلِ الضَّعْفِ وَالْوَهَنِ، وَفِي طَلِيعَةِ ذَلِكَ زَعْزَعَةُ ثِقَةِ الْخَصْمِ بِنَفْسِهِ، وَبِعَوَامِلِ قُوَّتِهِ وَتَمَاسُكِهِ.

 

المصدر: خُطُورَةُ الشَّائِعَاتِ

التعليقات


فوائد مفرغة قد تعجبك


  رِضَا اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَجَلُّ الْغَايَاتِ
  تَقْدِيمُ الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ فِي حَالَاتٍ يُهْلِكُ الْجَمِيعَ!!
  اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- لَكَ كَمَا تَكُونُ أَنْتَ لَهُ وَلِعِبَادِهِ
  مِنْ صُوَرِ الْعَمَلِ التَّطَوُّعِيِّ: إِطْعَامُ الْفُقَرَاءِ، وَقَضَاءُ دُيُونِهِمْ
  مُحَاسَبَةُ النَّفْسِ قَبْلَ الْعَمَلِ وَبَعْدَ الْعَمَلِ
  نِعْمَةُ الْمَاءِ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ عَلَيْنَا
  مَتَى تَعُودُ إِلَيْنَا الْقُدْسُ وَنَسْتَرِدُّ الْأَقْصَى السَّلِيبَ؟!!
  رَحْمَةُ الْإِسْلَامِ بِالْمُسِنِّينَ
  الدرس الثالث والعشرون : «غُضُّوا أَبْصَارَكُم وَاحْذَرُوا الفَوَاحِشَ المُهْلِكَةَ»
  مِصْرُ أُمَّةٌ لَهَا تَارِيخٌ فِي الدِّفَاعِ عَنِ الْإِسْلَامِ
  مِثَالٌ مَضْرُوبٌ فِي الْعَفْوِ وَالْإِحْسَانِ
  فَضَائِلُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ
  تَرْبِيَةُ النَّبِيِّ ﷺ الصَّحَابَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- عَلَى الْجُودِ
  حُبُّ الْوَطَنِ غَرِيزَةٌ مُتَأَصِّلَةٌ فِي النُّفُوسِ السَّوِيَّةِ
  مِنْ صُوَرِ الْعَمَلِ التَّطَوُّعِيِّ النَّبِيلِ: زِيَارَةُ الْمَرْضَى، وَمُوَاسَاتُهُمْ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان