((الْأَمْنُ الْفِكْرِيُّ.. اسْتِقْرَارٌ مُجْتَمَعِيٌّ وَوَطَنِيٌّ))
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَمَّا بَعْدُ:
((نِعْمَةُ الْأَمْنِ وَأَهَمِّيَّتُهَا وَدَلَائِلُهَا))
فَالْأَمْنُ وَالْأَمَانُ فِي الْأَوْطَانِ مِنْ أَعْظَمِ مِنَنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ عَلَى الْإِنْسَانِ، قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55].
وَقَدْ قَرَنَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْأَمْنَ بِالْعِبَادَةِ؛ وَذَلِكَ لِعَظِيمِ قِيمَتِهِ، فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35].
((وَالِابْتِدَاءُ بِطَلَبِ نِعْمَةِ الْأَمْنِ فِي هَذَا الدُّعَاءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ وَالْخَيْرَاتِ، وَأَنَّهُ لَا يَتِمُّ شَيْءٌ مِنْ مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا إِلَّا بِهِ.
وَقَدْ سُئِلَ أَحَدُ الْعُلَمَاءِ: الْأَمْنُ أَفْضَلُ أَمِ الصِّحَّةُ؟
فَقَالَ: «الْأَمْنُ أَفْضَلُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ شَاةً لَوِ انْكَسَرَتْ رِجْلُهَا فَإِنَّهَا تَصِحُّ بَعْدَ زَمَانٍ، ثُمَّ إِنَّهَا تُقْبِلُ عَلَى الرَّعْيِ وَالْأَكْلِ، وَأَمَّا إِذَا رُبِطَتْ فِي مَوْضِعٍ، وَرُبِطَ بِالْقُرْبِ مِنْهَا ذِئْبٌ؛ فَإِنَّهَا تُمْسِكُ عَنِ الْعَلَفِ، وَلَا تَتَنَاوَلُ شَيْئًا إِلَى أَنْ تَمُوتَ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الضَّرَرَ الْحَاصِلَ مِنَ الْخَوْفِ أَشَدُّ مِنَ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ مِنْ أَلَمِ الْجَسَدِ».
((وَقَدْ أَجَابَ اللهُ -تَعَالَى- دَعْوَةَ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-؛ فَجَعَلَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ آمِنًا، وَجَعَلَ مَكَّةَ بَلَدًا آمِنًا تُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ؛ رَزْقًا مِنْ لَدُنْهُ -تَعَالَى- وَتَفَضُّلًا)).
وَقَرَنَ اللهُ -تَعَالَى- الْأَمْنَ بِالرِّزْقِ، فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 126].
((وَامْتَنَّ اللهُ -تَعَالَى- عَلَى أَهْلِ حَرَمِهِ الْآمِنِ بِالْأَمْنِ فَقَالَ: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67].
أَيْ: أَجَهِلَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ قِيمَةَ النِّعْمَةِ الَّتِي هُمْ فِيهَا، وَلَمْ يُدْرِكُوا وَيُشَاهِدُوا أَنَّا جَعَلْنَا بَلَدَهُمْ مَكَّةَ حَرَمًا آمِنًا يَأْمَنُونَ فِيهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَعَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَعَلَى أَعْرَاضِهِمْ، وَالْحَالُ أَنَّ النَّاسَ مِنْ حَوْلِهِمْ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَعْتَدِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَقَدْ كَانَ الْعَرَبُ حَوْلَ مَكَّةَ يَغْزُو بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَتَغَاوَرُونَ وَيَتَنَاهَبُونَ، يُغِيرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَيَنْهَبُ بَعْضُهُمْ مَالَ غَيْرِهِ، وَأَهْلُ مَكَّةَ مُسْتَقِرُّونَ فِيهَا آمِنُونَ، لَا يُعْتَدَى عَلَيْهِمْ مَعَ قِلَّتِهِمْ وَكَثْرَةِ غَيْرِهِمْ، فَذَكَّرَهُمُ اللهُ -تَعَالَى- بِهَذِهِ النِّعْمَةِ الْخَاصَّةِ بِهِمْ.
وَالِاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-: {أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ} لِلتَّعْجِيبِ مِنْ حَالِهِمْ، وَلِلتَّوْبِيخِ لَهُمْ عَلَى هَذَا الْجُحُودِ وَالْكُفْرِ لِنِعَمِ اللهِ -تَعَالَى-، أَيْ: أَفَبَعْدَ هَذِهِ النِّعْمَةِ الْجَلِيلَةِ يُؤْمِنُونَ بِالْأَصْنَامِ، وَبِنِعْمَةِ اللهِ الَّتِي تَسْتَدْعِي اسْتِجَابَتَهُمْ لِلْحَقِّ يَكْفُرُونَ؟!)).
((وَكَانَ أَمْنُ أَهْلِ مَكَّةَ بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَقَدْ مَدَحَهُ اللهُ -تَعَالَى- مَدْحًا عَظِيمًا، فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97]، وقال -جَلَّ وَعَلَا-: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا} [البقرة: 125].
فَجَعَلَهُ اللهُ -تَعَالَى- مَرْجِعًا لِلنَّاسِ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَمَلَاذًا وَحِصْنًا لَهُمْ مِنْ كُلِّ قَوْمٍ؛ فَهُوَ مَوْضِعُ أَمْنِهِمْ وَاطْمِئْنَانِهِمْ)).
وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} [الكافرون: 3-4].
للهِ -جَلَّ وَعَلَا- عَلَى عِبَادِهِ نِعَمٌ كَثِيرَةٌ لَا تُحْصَى، وَيَمْتَنُّ اللهُ -تَعَالَى- عَلَى خَلْقِهِ بِمَا شَاءَ مِنْهَا، وَلَا رَيْبَ أَنَّ ذِكْرَ النِّعْمَةِ الْمُعَيَّنَةِ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ دَلِيلٌ عَلَى مَكَانَةِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، وَعَلَى مَا لَهَا مِنْ أَهَمِّيَّةٍ فِي حَيَاةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَقَدِ امْتَنَّ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ بِنِعْمَةِ الْأَمْنِ، وَذَكَّرَهُمْ بِذَلِكَ فِي الْعَدِيدِ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْطِنٍ.
فَامْتَنَّ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ بِنِعْمَةِ الْأَمْنِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ؛ حَيْثُ ذَكَّرَهُمْ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ فِي ذَلِكَ الْمَوْطِنِ الصَّعْبِ الَّذِي احْتَاجُوا فِيهِ لِلرَّاحَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ وَالْأَمْنِ، فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ} [آل عمران: 154].
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((يَقُولُ -تَعَالَى- مُمْتَنًّا عَلَى عِبَادِهِ فِيمَا أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّكِينَةِ وَالْأَمَنَةِ؛ وَهُوَ النُّعَاسُ الَّذِي غَشِيَهُمْ وَهُمْ مُسْتَلْئِمُونَ السِّلَاحَ فِي حَالِ هَمِّهِمْ وَغَمِّهِمْ، وَالنُّعَاسُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْحَالِ دَلِيلٌ عَلَى الْأَمَانِ)).
وَقَالَ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: (({ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ}: الَّذِي أَصَابَكُمْ {أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ}: وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا رَحْمَةٌ بِهِمْ، وَإِحْسَانٌ وَتَثْبِيتٌ لِقُلُوبِهِمْ، وَزِيَادَةُ طُمَأْنِينَةٍ؛ لِأَنَّ الْخَائِفَ لَا يَأْتِيهِ النُّعَاسُ؛ لِمَا فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَوْفِ، فَإِذَا زَالَ الْخَوْفُ مِنَ الْقَلْبِ أَمْكَنَ أَنْ يَأْتِيَهُ النُّعَاسُ، وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ الَّتِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهَا بِالنُّعَاسِ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ هَمٌّ إِلَّا إِقَامَةُ دِينِ اللهِ، وَرِضَا اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَصْلَحَةُ إِخْوَانِهِمُ الْمُسْلِمِينَ)).
وَقَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 82].
أَيِ: الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ -تَعَالَى-، وَلَمْ يَخْلِطُوا إِيمَانَهُمْ بِالشِّرْكِ؛ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ مِنَ الْخَوْفِ وَالْعَذَابِ وَالْمَشَقَّةِ وَالشَّقَاءِ، وَلَهُمُ الْهِدَايَةُ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، فَإِنْ لَمْ يَخْلِطُوا إِيمَانَهُمْ بِشِرْكٍ وَظُلْمٍ مُطْلَقًا، لَا بِشِرْكٍ وَلَا بِمَعَاصٍ؛ حَصَلَ لَهُمُ الْأَمْنُ الْعَامُّ، وَالْهِدَايَةُ التَّامَّةُ الْمُطْلَقَةُ، وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَخْلِطُوا إِيمَانَهُمْ بِالشِّرْكِ وَحْدَهُ، وَلَكِنَّهُمْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ؛ حَصَلَ لَهُمْ أَصْلُ الْهِدَايَةِ، وَأَصْلُ الْأَمْنِ؛ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ كَمَالُهُمَا، فَهَذَا مَنْطُوقُ الْآيَةِ.
وَمَفْهُومُهَا: أَنَّ الَّذِينَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمُ الْأَمْرَانِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ هِدَايَةٌ وَلَا أَمْنٌ، بَلْ حَظُّهُمُ الضَّلَالُ وَالشَّقَاءُ.
وَلَقَدْ ذَكَّرَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- الْأُمَمَ بِمَا مَنَّ بِهِ مِنْ نِعْمَةٍ عَلَى أَهْلِ الْحِجْرِ، وَهُمْ قَوْمُ صَالِحٍ، فَمَعَ مَا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ نِعْمَةِ الْمَسْكَنِ وَالْأَمْنِ كَذَّبُوا الْمُرْسَلِينَ، قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ} [الحجر: 80-82].
فَمَعْنَى الْآيَاتِ: وَكَانُوا مِنْ كَثْرَةِ إِنْعَامِ اللهِ عَلَيْهِمْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ؛ آمِنِينَ مِنَ الْمَخَاوِفِ، مُطْمَئِنِّينَ فِي دِيَارِهِمْ، فَلَوْ شَكَرُوا النِّعْمَةَ، وَصَدَّقُوا نَبِيَّهُمْ صَالِحًا -عَلَيْهِ السَّلَامُ-؛ لَأَدَرَّ اللهُ عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ، وَلَأَكْرَمَهُمْ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الثَّوَابِ الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ.
وَفِي قِصَّةِ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يُبَيِّنُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- كَيْفَ مَنَّ عَلَى مُوسَى بِالْأَمْنِ، وَأَذْهَبَ عَنْهُ الْخَوْفَ لَمَّا أَمَرَهُ أَنْ يُلْقِيَ عَصَاهُ؛ لِيَعْلَمَ أَنَّهَا آيَةٌ وَمُعْجِزَةٌ، وَلِيَسْتَعِدَّ لِتَحَدِّي سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ، فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا- مُخَاطِبًا مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَا مُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ ۖ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ} [القصص: 31].
فَقَدْ أَمَرَهُ اللهُ -تَعَالَى- بِأَنْ يُقْبِلَ، وَلَا يَكُونَ خَائِفًا، فَقَالَ لَهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلَا تَخَفْ}، وَلَكِنْ قَدْ يُقْبِلُ وَهُوَ غَيْرُ خَائِفٍ؛ أَيْ: يُقْبِلُ مَعَ احْتِمَالِ عَدَمِ حُصُولِ الْوِقَايَةِ وَالْأَمْنِ لَهُ، فَبَشَّرَهُ اللهُ -تَعَالَى- بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: {إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ}، حِينَهَا ذَهَبَ عَنْهُ الْخَوْفُ وَالْمَحْذُورُ، وَأَقْبَلَ وَقَدِ ازْدَادَ إِيمَانُهُ.
وَامْتَنَّ اللهُ -تَعَالَى- عَلَى قَوْمِ سَبَأٍ أَوْ مَمْلَكَةِ سَبَأٍ وَأَهْلِهَا بِعَدِيدٍ مِنَ النِّعَمِ، مِنْهَا: أَمْنُ الطَّرِيقِ بَيْنَ الْقُرَى وَالْأَمَاكِنِ، مَعَ وُضُوحِ الطَّرِيقِ بِرُؤْيَةِ الْقُرَى، قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ ۖ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ} [سبأ: 18].
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْمُشَرَّفَةِ: ((يَذْكُرُ -تَعَالَى- مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْغِبْطَةِ وَالنِّعْمَةِ، وَالْعَيْشِ الْهَنِيِّ الرَّغِيدِ، وَالْبِلَادِ الرَّخِيَّةِ، وَالْأَمَاكِنِ الْآمِنَةِ، وَالْقُرَى الْمُتَوَاصِلَةِ الْمُتَقَارِبَةِ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ؛ فَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُرًى ظَاهِرَةً} أَيْ: بَيِّنَةً وَاضِحَةً، يَعْرِفُهَا الْمُسَافِرُونَ، يَقِيلُونَ فِي وَاحِدَةٍ، وَيَبِيتُونَ فِي أُخْرَى.
وَقَوْلُهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ}: يُرِيدُ أَنَّ الْأَمْنَ حَاصِلٌ لَهُمْ فِي سَيْرِهِمْ لَيْلًا وَنَهَارًا)).
فَتَأَمَّلْ نِعْمَةَ الْأَمْنِ كَيْفَ يَمْتَنُّ اللهُ بِهَا عَلَى الْخَلْقِ مُنْذُ الْقِدَمِ؛ حَيْثُ تُسَافِرُ أَنْتَ وَأَهْلُكَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، بِخِلَافِ إِذَا مَا ذَهَبَ الْأَمْنُ، وَوَقَعَتِ الْفَوْضَى، وَاخْتَلَّتِ الْأُمُورُ، وَتَجَمَّعَ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ يَدَّعُونَ الدَّعْوَةَ وَنُصْرَةَ الدِّينِ فِي أَمَاكِنَ يَرْصُدُونَ فِيهَا عَامَّةَ النَّاسِ فَيَقْتُلُونَهُمْ فِي الطُّرُقِ وَالْحَافِلَاتِ، لَا يُمَيِّزُونَ الطِّفْلَ مِنَ الْبَالِغِ، وَلَا الذَّكَرَ مِنَ الْأُنْثَى؛ لِأَجْلِ تَحْقِيقِ مَطَالِبِهِمْ وَمَطَامِعِهِمْ؛ فَمَا ذَنْبُ الْأَبْرِيَاءِ؟!
لَقَدْ قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112].
فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا لَمْ يَشْكُرِ النِّعْمَةَ سَلَبَهَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْهُ، وَإِذَا كَفَرَ الْإِنْسَانُ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي أَنْعَمَ اللهُ بِهَا عَلَيْهِ؛ أَزَالَهَا اللهُ -تَعَالَى- عَنْهُ، وَلَا يَسْتَبْقِي النِّعَمَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ الَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ بِالنِّعَمِ شَيْءٌ كَشُكْرِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى نِعَمِهِ، وَتَصْرِيفِ تِلْكَ النِّعَمِ فِي مَرْضَاةِ رَبِّهِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَصْنَعْ ذَلِكَ أَذَاقَهُ اللهُ -تَعَالَى- لِبَاسَ الْخَوْفِ، وَأَذَاقَهُ لِبَاسَ الْجُوعِ، وَسَلَبَ عَنْهُ النِّعْمَةَ، فَيَنْدَمُ؛ وَلَاتَ حِينَ مَنْدَمِ!
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَه، وَالْبُخَارِيُّ فِي ((الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ))، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ)) مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْأَنْصَارِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافىً فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ؛ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا)).
فَتَأَمَّلْ هَذَا الْحَدِيثَ الشَّرِيفَ؛ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ حَازَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الثَّلَاثَةَ فَكَأَنَّهُ مَلَكَ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا.
أَوَّلًا: الْأَمْنُ فِي النَّفْسِ، وَالْمَالِ، وَالْأَهْلِ، وَالْعِيَالِ، وَالدَّارِ.
ثَانِيًا: الصِّحَّةُ وَالْعَافِيَةُ فِي الْجَسَدِ.
ثَالِثًا: تَوَفُّرُ قُوتِ الْيَوْمِ.
فَبَدَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِنِعْمَةِ الْأَمْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا لَذَّةَ وَلَا تَمَتُّعَ بِنِعْمَةِ الْعَافِيَةِ وَلَا بِنِعْمَةِ الطَّعَامِ إِلَّا بِوُجُودِ نِعْمَةِ الْأَمْنِ وَالْأَمَانِ.
فَقَوْلُهُ ﷺ: ((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ)): أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ((آمِنًا)): غَيْرَ خَائِفٍ مِنْ عَدُوٍّ ((فِي سِرْبِهِ)) أَيْ: فِي نَفْسِهِ، وَقِيلَ: السِّرْبُ: الْجَمَاعَةُ، وَالْمَعْنَى: فِي أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ، وَقِيلَ -بِفَتْحِ السِّينِ- أَيْ: فِي مَسْلَكِهِ وَطَرِيقِهِ، وَقِيلَ -بِفَتْحَتَيْنِ- أَيْ: فِي بَيْتِهِ.
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: ((يُقَالُ: فُلَانٌ آمِنٌ فِي سِرْبِهِ -بِالْكَسْرِ- أَيْ: فِي نَفْسِهِ)).
فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ عِظَمَ قَدْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ الْجَلِيلَةِ، وَهِيَ أَنْ يُصْبِحَ الْمَرْءُ آمِنًا فِي نَفْسِهِ، وَفِي أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ، وَفِي مَسْلَكِهِ وَطَرِيقِهِ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ مَا ذَكَرَ بَعْدُ ﷺ مِنْ عَافِيَةِ الْجَسَدِ، وَمِنْ نِعْمَةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ.
وَمَنْ آتَاهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هَذِهِ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ فَكَأَنَّمَا مَلَكَ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا!
((مَفْهُومُ الْأَمْنِ الْفِكْرِيِّ))
يَتَمَثَّلُ الْأَمْنُ الْفِكْرِيُّ فِي سَلَامَةِ فِكْرِ الْإِنْسَانِ مِنَ الِانْحِرَافِ وَالِاضْطِرَابِ، وَحِمَايَةِ عَقِيدَتِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ الْمُضَلِّلَةِ، وَعَقْلِهِ مِنَ الْأَفْكَارِ الْهَدَّامَةِ، وَوَعْيِهِ مِنَ الْغُلُوِّ وَالتَّطَرُّفِ، وَنَفْسِهِ مِنَ الشَّهَوَاتِ الْمُرْدِيَةِ؛ فَيَسْلَمُ مِنْ فِتْنَتَيِ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ؛ فَـ((الْفِتْنَةُ نَوْعَانِ: فِتْنَةُ الشُّبُهَاتِ وَهِىَ أَعْظَمُ الْفِتْنَتَيْنِ، وَفِتْنَةُ الشَّهَوَاتِ.
وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ لِلْعَبْدِ، وَقَدْ يَنْفَرِدُ بِإِحْدَاهُمَا.
فَفِتْنَةُ الشُّبُهَاتِ: مِنْ ضَعْفِ الْبَصِيرَةِ، وَقِلَّةِ الْعِلْمِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا اقْتَرَنَ بِذَلِكَ فَسَادُ الْقَصْدِ، وَحُصُولُ الْهَوَى، فَهُنَالِكَ الْفِتْنَةُ الْعُظْمَى، وَالْمُصِيبَةُ الْكُبْرَى، فَقُلْ مَا شِئْتَ فِي ضَلَالِ سَيِّئِ الْقَصْدِ، الْحَاكِمِ عَلَيْهِ الْهَوَى لَا الْهُدَى، مَعَ ضَعْفِ بَصِيرَتِهِ، وَقِلَّةِ عِلْمِهِ بِمَا بَعَثَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ، فَهُوَ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللهُ -تَعَالَى- فِيهِمْ: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ} [النجم: ٢٣].
وَقَدْ أَخْبَرَ اللهُ -سُبْحَانَهُ- أَنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى يُضِلُّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: ٢٦].
وَهَذِهِ الْفِتْنَةُ مَآلُهَا إِلَى الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ، وَهِيَ فِتْنَةُ الْمُنَافِقِينَ، وَفِتْنَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ عَلَى حَسَبِ مَرَاتِبِ بِدَعِهِمْ؛ فَجِمِيعُهُمْ إِنَّمَا ابْتْدَعُوا مِنْ فِتْنَةِ الشُّبُهَاتِ الَّتِي اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ فِيهَا الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ، وَالْهُدَى بِالضَّلَالِ.
وَلَا يُنْجِي مِنْ هَذِهِ الْفِتْنَةِ إِلَّا تَجْرِيدُ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ، وَتَحْكِيمُهُ فِي دِقِّ الدِّينِ وَجِلِّهِ، ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ، عَقَائِدِهِ وَأَعْمَالِهِ، حَقَائِقِهِ وَشَرَائِعِهِ، فَيَتَلَّقَى عَنْهُ حَقَائِقَ الْإِيمَانِ، وَشَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، وَمَا يُثْبِتُهُ اللهُ مِنَ الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ وَالْأَسْمَاءِ، وَمَا يَنْفِيهِ عَنْهُ، كَمَا يَتَلَقَّى عَنْهُ وُجُوبَ الصَّلَوَاتِ وَأَوْقَاتَهَا وَأَعْدَادَهَا، وَمَقَادِيرَ نُصُبِ الزَّكَوَاتِ وَمُسْتَحِقِّيهَا، وَوُجُوبَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَصَوْمَ رَمَضَانَ، فَلَا يَجْعَلُهُ رَسُولًا فِي شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، بَلْ هُوَ رَسُولٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْأُمَّةُ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، لَا يُتَلَقَّى إِلَّا عَنْهُ، وَلَا يُؤْخَذُ إِلَّا مِنْهُ، فَالْهُدَى كُلُّهُ دَائِرٌ عَلَى أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَكُلُّ مَا خَرَجَ عَنْهَا فَهُوَ ضَلَالٌ.
فَإِذَا عَقَدَ قَلْبَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَعْرَضَ عَمَّا سِوَاهُ، وَوَزَنَهُ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ؛ فَإِنْ وَافَقَهُ قَبِلَهُ، لَا لِكَوْنِ ذَلِكَ الْقَائِلِ قَالَهُ، بَلْ لِمُوَافَقَتِهِ لِلرِّسَالَةِ، وَإِنْ خَالَفَهُ رَدَّهُ، وَلَوْ قَالَهُ مَنْ قَالَهُ، فَهَذَا الَّذِي يُنْجِيهِ مِنْ فِتْنَةِ الشُّبُهَاتِ، وَإِنْ فَاتَهُ ذَلِكَ أَصَابَهُ مِنْ فِتْنَتِهَا بِحَسَبِ مَا فَاتَهُ مِنْهُ.
وَهَذِهِ الْفِتْنَةُ تَنْشَأُ تَارَةً مِنْ فَهْمٍ فَاسِدٍ، وَتَارَةً مِنْ نَقْلٍ كَاذِبٍ، وَتَارَةً مِنْ حَقٍّ فَائِتٍ خَفِيٍّ عَلَى الرَّجُلِ فَلَمْ يَظْفَرْ بِهِ، وَتَارَةً مِنْ غَرَضٍ فَاسِدٍ وَهَوًى مُتَّبَعٍ؛ فَهِيَ مِنْ عَمًى فِي الْبَصِيرَةِ، وَفَسَادٍ فِي الْإِرَادَةِ.
وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي مِنَ الْفِتْنَةِ: فَفِتْنَةُ الشَّهَوَاتِ.
وَقَدْ جَمَعَ -سُبْحَانَهُ- بَيْنَ ذِكْرِ الْفِتْنَتَيْنِ فِي قَوْلِهِ: {كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ۚ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [التوبة: ٦٩]، أَيْ: تَمَتَّعُوا بِنَصِيبِهِمْ مِنَ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا، وَالْخَلَاقُ: هُوَ النَّصِيبُ الْمُقَدَّرُ، ثُمَّ قَالَ: {وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا}: فَهَذَا الْخَوْضُ بِالْبَاطِلِ، وَهُوَ الشُّبُهَاتُ.
فَأَشَارَ -سُبْحَانَهُ- فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ فَسَادُ الْقُلُوبِ وَالْأَدْيَانِ؛ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِالْخَلَاقِ، وَالْخَوْضِ بِالْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ فَسَادَ الدِّينِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِاعْتِقَادِ الْبَاطِلِ وَالتَّكَلُّمِ بِهِ، أَوْ بِالْعَمَلِ بِخِلَافِ الْعِلْمِ الصَّحِيحِ.
فَالْأَوَّلُ: هُوَ الْبِدَعُ وَمَا وَالَاهَا.
وَالثَّانِي: فِسْقُ الْأَعْمَالِ.
فَالْأَوَّلُ: فَسَادٌ مِنْ جِهَةِ الشُّبُهَاتِ.
وَالثَّانِي: مِنْ جِهَةِ الشَّهَوَاتِ.
وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ يَقُولُونَ: ((احْذَرُوا مِنَ النَّاسِ صِنْفَيْنِ: صَاحِبَ هَوًى قَدْ فَتَنَهُ هَوَاهُ، وَصَاحِبَ دُنْيَا أَعْمَتْهُ دُنْيَاهُ)).
وَكَانُوا يَقُولُونَ: ((احْذَرُوا فِتْنَةَ الْعَالِمِ الْفَاجِرِ، وَالْعَابِدِ الْجَاهِلِ؛ فَإِنَّ فِتْنَتَهُمَا فِتْنَةٌ لِكُلِّ مَفْتُونٍ)).
وَأَصْلُ كُلِّ فِتْنَةٍ إِنَّمَا هُوَ مِنْ تَقْدِيمِ الرَّأْيِ عَلَى الشَّرْعِ، وَالْهَوَى عَلَى الْعَقْلِ.
فَالْأَوَّلُ: أَصْلُ فِتْنَةِ الشُّبْهَةِ.
وَالثَّانِي: أَصْلُ فِتْنَةِ الشَّهْوَةِ.
فَفِتْنَةُ الشُّبُهَاتِ: تُدْفَعُ بِالْيَقِينِ.
وَفِتْنَةُ الشَّهَوَاتِ: تُدْفَعُ بِالصَبْرِ.
وَلِذَلِكَ جَعَلَ -سُبْحَانَهُ- إِمَامَةَ الدِّينِ مَنُوطَةً بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ، فَقَالَ: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: ٢٤].
فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ بِالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ تُنَالُ الْإِمَامَةُ فِي الدِّينِ.
وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا -أَيْضًا- فِي قَوْلِهِ: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: ٣]، فَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ الَّذِي يَدْفَعُ الشُّبُهَاتِ، وَبِالصَّبْرِ الَّذِي يَكُفُّ عَنِ الشَّهَوَاتِ.
وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ} [ص: ٤٥].
فَالْأَيْدِي: الْقُوَى وَالْعَزَائِمُ فِي ذَاتِ اللهِ، وَالْأَبْصَارُ: الْبَصَائِرُ فِي أَمْرِ اللهِ.
وَعِبَارَاتُ السَّلَفِ تَدُورُ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ((أُولِي الْقُوَّةِ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَالْمَعْرِفَةِ بِاللهِ)).
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ((الْأَيْدِي: الْقُوَّةُ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَالْأَبْصَارُ: الْبَصَرُ فِي الْحَقِّ)).
فَبِكَمَالِ الْعَقْلِ وَالصَّبْرِ تُدْفَعُ فِتْنَةُ الشَّهْوَةِ، وَبِكَمَالِ الْبَصِيرَةِ وَالْيَقِينِ تُدْفَعُ فِتْنَةُ الشُّبْهَةِ.
وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ.
إِذَا سَلِمَ الْعَبْدُ مِنْ فِتْنَةِ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ حَصَلَ لَهُ أَعْظَمُ غَايَتَيْنِ مَطْلُوبَتَيْنِ، بِهِمَا سَعَادَتُهُ وَفَلَاحُهُ وَكَمَالُهُ، وَهُمَا الْهُدَى وَالرَّحْمَةُ.
قَالَ -تَعَالَى- عَنْ مُوسَى وَفَتَاهُ: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: ٦٥].
فَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ الرَّحْمَةِ وَالْعِلْمِ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ: {رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} [الكهف: ١٠].
فَإِنَّ الرُّشْدَ: هُوَ الْعِلْمُ بِمَا يَنْفَعُ وَالْعَمَلُ بِهِ.
مَنْ سَلِمَ مِنْ فِتْنَةِ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ جُمِعَ لَهُ بَيْنَ الْهُدَى وَالرَّحْمَةِ، وَالْفَلَاحِ وَالْهُدَى)).
((التَّوْحِيدُ أَعْظَمُ سُبُلِ الْأَمْنِ الْفِكْرِيِّ
وَالِاسْتِقْرَارِ الْمُجْتَمَعِيِّ وَالْوَطَنِيِّ))
إِنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ أَعْظَمُ سُبُلِ الْأَمْنِ الْفِكْرِيِّ، وَأَكْبَرُ وَسَائِلِ الِاسْتِقْرَارِ الْمُجْتَمَعِيِّ وَالْوَطَنِيِّ، وَمَا ثَبَتَتْ دَعَائِمُ وَطَنٍ وَقَوِيَتْ رَكَائِزُهُ بِمِثْلِ تَوْحِيدِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، لِلتَّوْحِيدِ فَضَائِلُ، لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى؛ مِنْهَا: أَنَّ التَّوْحِيدَ فِيهِ الْأَمْنُ وَالْأَمَانُ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ:
قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82].
{آمَنُوا}: أَيْ أَخْلَصُوا الْعِبَادَةَ للهِ؛ صَدَّقُوا بِقُلُوبِهِمْ، ونَطَقُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَعَمِلُوا بِجَوَارِحِهِمْ.
وَهَذِهِ حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ: تَصْدِيقٌ بِالْجَنَانِ، وَنُطْقٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ وَالْأَرْكَانِ.
{الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا}: أَيْ لَمْ يَخْلِطُوا {إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}: الْمُرَادُ بِهِ فِي الْآيَةِ الشِّرْكُ؛ وَهِيَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ؛ فَتُفِيدُ الْعُمُومَ.
{الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ}
وَالْأَمْنُ: طُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ وَالنَّفْسِ، وَزَوَالُ الْخَوْفِ.
{وَهُمْ مُهْتَدُونَ}: مُوَفَّقُونَ لِلسَّيْرِ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، ثَابِتُونَ عَلَيْهِ.
{وَهُمْ مُهْتَدُونَ} فِي الدُّنْيَا إِلَى شَرْعِ اللهِ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ؛ فَالِاهْتِدَاءُ بِالْعِلْمِ هِدَايَةُ إِرْشَادٍ، وَالِاهْتِدَاءُ بِالْعَمَلِ: هِدَايَةُ تَوْفِيقٍ.
وَهُمْ مُهْتَدُونَ فِي الْآخِرَةِ إِلَى الْجِنَّةِ.
فَبَيَّنَ ثَوَابَ الْمُوَحِّدِ، وَأَخْبَرَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- عَنْ حَالِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَخْلَصُوا الْعِبَادَةَ لَهُ وَحْدَهُ، وَلَمْ يَخْلِطُوا تَوْحِيدَهُمْ بِظُلْمٍ -أَيْ بِشِرْكٍ- أَنَّهُمْ هُمُ الْآمِنُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، الْمُهْتَدُونَ إِلَى صِرَاطِ اللهِ الْمُسْتَقِيمِ.
{الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}:
الظُّلْمُ أَنْوَاعٌ:
الظُّلْمُ: هُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ:
*ظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ بِالشِّرْكِ: وَهُوَ أَعْظَمُ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ، وَسُمِّيَ الشِّرْكُ ظُلْمًا وَالْمُشْرِكُ ظَالِمًا؛ لِأَنَّهُ وَضَعَ الْعِبَادَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، وَصَرَفَهَا لِغَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا؛ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13].
*الثَّانِي: ظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ بِالْمَعَاصِي؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء: 110].
*الثَّالِثُ مِنْ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ: ظُلْمُ الْعَبْدِ غَيْرَهُ فِي نَفْسٍ، أَوْ مَالٍ، أَوْ عِرْضٍ؛ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: ((يَا عِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا)).
{الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}:.
الظُّلْمُ هَا هُنَا: الشِّرْكُ.
وَيَتَفَاوَتُ حُصُولُ الْأَمْنِ وَالِاهْتِدَاءِ عَلَى حَسَبِ الْإِتْيَانِ بِالتَّوْحِيدِ عَلَى وَجْهِهِ الْمَطْلُوبِ، فَمَنْ سَلِمَ مِنْ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ الثَّلَاثَةِ؛ كَانَ لَهُ الْأَمْنُ التَّامُّ، وَالِاهْتِدَاءُ التَّامُّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
ومَنْ سَلِمَ مِنَ الظُّلْمِ الْأَكْبَرِ وَلَمْ يَسْلَمْ مِنَ النَّوْعَيْنِ الْآخَرَيْنِ؛ حَصَلَ لَهُ مِنْ نَقْصِ الْأَمْنِ وَالِاهْتِدَاءِ عَلَى قَدْرِ ظُلْمِهِ لِنَفْسِهِ، وَظُلْمِهِ لِعِبَادِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.
وَمَنْ لَمْ يَسْلَمْ مِنَ الظُّلْمِ الْأَكْبَرِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَمْنٌ وَلَا اهْتِدَاءٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ.
فَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي نَفْيِ الشِّرْكِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي نَفْيِ ظُلْمِهِ لِنَفْسِهِ بِالْوُقُوعِ فِي الْمَعَاصِي.
وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَوَقَّى تَمَامًا مِنْ ظُلْمِ عِبَادِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ لِأَنَّ هَذَا الدِّيوَانَ لَا يَتْرُكُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْهُ شَيْئًا، لَابُدَّ فِيهِ مِنَ الْقَصَاصِ.
وَالْقَصَاصُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ بِالدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ؛ وَإِنَّمَا هُوَ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، فَيَأْخُذُ صَاحِبُ الْحَقِّ مِنْ حَسَنَاتِ الظَّالِمِ، فَإِذَا فَنِيَتْ حَسَنَاتُ الظَّالِمِ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَظْلُومِ، ثُمَّ طُرِحَ عَلَى الظَّالِمِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ -نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ-.
{الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}؛ فَالْأَمْنُ وَالِاهْتِدَاءُ عَلَى قَدْرِ الْبَرَاءَةِ مِنْ هَذَا الظُّلْمِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْمُطَهَّرَةِ.
وَشَبِيهٌ بِهَا قَوْلُ رَبِّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36].
الْجَوَابُ: بَلَى كَافٍ، وَهَذِهِ الْكِفَايَةُ إِنَّمَا تَكُونُ عَلَى قَدْرِ تَحْقِيقِ الْعُبُودِيَّةِ، فَمَنْ أَتَى بِعُبُودِيَّةٍ حَقَّةٍ؛ فَلَهُ كِفَايَةٌ خَالِصَةٌ، وَيَنْقُصُ مِنْ كِفَايَتِهِ عَلَى قَدْرِ نَقْصِهِ مِنْ عُبُودِيَّتِهِ {أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}.
فَعَلَى قَدْرِ الْعُبُودِيَّةِ تَكُونُ الْكِفَايَةُ، فَعُبُودِيَّةٌ كَامِلَةٌ لَهَا كِفَايَةٌ كَامِلَةٌ، وَعُبُودِيَّةٌ نَاقِصَةٌ لَهَا كِفَايَةٌ عَلَى حَسَبِهَا.
وَأَمَّا ثَمَرَاتُ التَّوْحِيدِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: فَالْفَوْزُ بِرِضَا اللهِ -سُبْحَانَهُ-، وَالْأَمْنُ النَّفْسِيُّ، وَالشُّعُورُ بِالطُّمَأْنِينَةِ، وَالْحَيَاةُ السَّعِيدَةُ، وَالْبُعْدُ عَنِ الْقَلَقِ وَالشَّقَاءِ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ يَقْتَرِبُونَ مِنْ هَذِهِ الْحِيَاضِ النَّيِّرَةِ، وَالرَّوْضَاتِ الْمُونِقَةِ يُؤْتِيهِمُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَمْنًا نَفْسِيًّا، وَسَوَاءً عَقْلِيًّا، وَشُعُورًا بِالطُّمَأْنِينَةِ وَالِاسْتِقْرَارِ؛ يَحْسُدُهُمْ عَلَيْهِ الْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ.
كَمَا قَالَ سَلَفُنَا الصَّالِحُونَ: ((إِنَّهُ لَيَأْتِي عَلَيَّ أَوْقَاتٌ -يَعْنِي مِنْ قُرْبِهِ مِنْ رَبِّهِ، وَلَجْئِهِ إِلَيْهِ، وَانْطِرَاحِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمَا يَجِدُ كِفَاءَ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ وَضَمِيرِهِ وَعَقْلِهِ وجَسَدِهِ- يَقُولُ: إِنَّهُ لَتَأَتِي عَلَيَّ أَوْقَاتٌ أَقُولُ: لَوْ كَانَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي مِثْلِ مَا نَحْنُ فِيهِ، إنَّهُمْ لَفِي عَيْشٍ طَيِّبٍ)) .
فَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا حُقِّقَ هَذَا الْأَمْرُ؛ {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}.
فَالْأَمْنُ وَالِاهْتِدَاءُ عَلَى قَدْرِ تَحْقِيقِ هَذَا الْأَمْرِ الْكَبِيرِ.
مِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الْأَمْنُ التَّامُّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82].
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ: ((أَيْ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَخْلَصُوا الْعِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا؛ هُمُ الْآمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمُهْتَدُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)).
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَمْنَ وَالْهِدَايَةَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْأَهَمِّيَّةِ لِلْمَرْءِ وَالْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ، فَمَنِ اجْتَمَعَ لَهُ هَاتَانِ الْخَصْلَتَانِ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا.
وَقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}؛ فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: ((لَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالُوا: ((أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟!)).
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّهُ لَيْسَ بِذَاكَ، أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13])). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
فَلَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} صَعُبَ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ؛ إِذْ حَمَلُوا الظُّلْمَ فِي الْآيَةِ عَلَى ظُلْمِ النَّفْسِ، أَوْ ظُلْمِ الْعِبَادِ أَوْ مَا أَشْبَهَ، فَقَالُوا: ((أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟!)).
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِنَّهُ لَيْسَ بِذَاكَ الَّذِي ذَهَبْتُمْ إِلَيْهِ وَفَهِمْتُمُوهُ، أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ})).
فَفَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الظُّلْمَ فِي الْآيَةِ بِالشِّرْكِ.
{الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}، أَيْ: بِشِرْكٍ {أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}.
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((أَجَابَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الظُّلْمَ الرَّافِعَ لِلْأَمْنِ وَالْهِدَايَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ هُوَ الشِّرْكُ، وَهَذَا -وَاللهِ- هُوَ الْجَوَابُ الَّذِي يَشْفِي الْعَلِيلَ، وَيَرْوِي الْغَلِيلَ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ الْمُطْلَقَ التَّامَّ هُوَ الشِّرْكُ الَّذِي هُوَ وَضْعُ الْعِبَادَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، وَالْأَمْنُ وَالْهُدَى الْمُطْلَقَانِ هُمَا الْأَمْنُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْهُدَى إِلَى صِرَاطِ اللهِ الْمُسْتَقِيمِ)).
مِمَّا يَدُلُّ -أَيْضًا- عَلَى أَنَّ التَّوْحِيدَ أَمَانٌ مِنَ الْخَوْفِ، بَلْ هُوَ أَعْظَمُ وَسِيلَةٍ لِلِاسْتِخْلَافِ فِي الْأَرْضِ: قَوْلُ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55].
وَقَالَ تَعَالَى: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} [قريش: 1-4].
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: (({فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ}، أَيْ: فَلْيُوَحِّدُوهُ بِالْعِبَادَةِ، كَمَا جَعَلَ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا وَبَيْتًا مُحَرَّمًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} أَيْ: فَلْيُفْرِدُوهُ بِالْعِبَادَةِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا يَعْبُدُوا مِنْ دُونِهِ صَنَمًا وَلَا نِدًّا وَلَا وَثَنًا، وَلِهَذَا مَنِ اسْتَجَابَ لِهَذَا الْأَمْرِ جَمَعَ اللهُ لَهُ بَيْنَ أَمْنِ الدُّنْيَا وَأَمْنِ الْآخِرَةِ، وَمَنْ عَصَاهُ سَلَبَهُمَا مِنْهُ جَمِيعًا، كَمَا قَالَ -سُبْحَانَهُ-: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112])).
فَمِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّهُ يَحْصُلُ بِالتَّوْحِيدِ الْأَمْنُ التَّامُّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
عِبَادَ اللهِ! التَّوْحِيدُ يَحْصُلُ لِصَاحِبِهِ الْهُدَى الْكَامِلُ وَالْأَمْنُ التَّامُّ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ.
* التَّوْحِيدُ هُوَ الْغَايَةُ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ:
لَقَدْ قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].
أَيْ: إِلَّا لِيُوَحِّدُونِي.
فَالتَّوْحِيدُ لِأَجْلِهِ خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ، خَلَقَهُمْ لِيُفْرِدُوهُ وَحْدَهُ بِالْعِبَادَةِ لَا شَرِيكَ لَهُ.
وَالْعِبَادَةُ: كُلُّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، كَمَا عَرَّفَهَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ-.
فَكُلُّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَيَرْضَاهُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ مِنْ قَوْلِ اللِّسَانِ وَعَمَلِ الْجَوَارِحِ، وَالْبَاطِنَةِ مِنْ قَوْلِ الْقَلْبِ وَعَمَلِهِ، فَكُلُّ ذَلِكَ عِبَادَةٌ للهِ -جَلَّ وَعَلَا-.
وَعَلَيْهِ؛ فَحَيَاةُ الْإِنْسَانِ كُلُّهَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عِبَادَةً للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فِلِأَجْلِ ذَلِكَ خَلَقَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.
وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَتْ فَضَائِلُ التَّوْحِيدِ كَثِيرَةً جِدًّا.
فَمِنْ فَضَائِلِهِ: أَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ الْغَايَةُ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، قَالَ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]..
فَتَوْحِيدُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هُوَ أَعْظَمُ عَمَلٍ، وَأَشْرَفُ مُهِمَّةٍ، وَهُوَ السَّبَبُ الَّذِي خَلَقَ اللهُ -سُبْحَانَهُ- مِنْ أَجْلِهِ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ.
وَفِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((التَّوْحِيدُ هُوَ الْغَايَةُ الْمَطْلُوبَةُ مِنْ جَمِيعِ الْمَقَامَاتِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَحْوَالِ، فَغَايَتُهَا كُلُّهَا التَّوْحِيدُ، وَإِنَّمَا كَلَامُ الْعُلَمَاءِ وَالْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ السُّلُوكِ كُلِّهِ لِقَصْدِ تَصْحِيحِهِ -أَيْ: لِقَصْدِ تَصْحِيحِ التَّوْحِيدِ-؛ بِإِفْرَادِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِالْعِبَادَةِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، قَالَ: وَذَلِكَ بَيِّنٌ مِنْ أَوَّلِ الْمَقَامَاتِ إِلَى آخِرِهَا؛ فَإِنَّهَا تُشِيرُ إِلَى تَصْحِيحِ التَّوْحِيدِ وَتَجْرِيدِهِ)).
وَقَالَ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((هَذِهِ الْغَايَةُ الَّتِي خَلَقَ اللهُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ لَهَا، وَبَعَثَ جَمِيعَ الرُّسُلِ يَدْعُونَ إِلَيْهَا، وَهِيَ عِبَادَتُهُ الْمُتَضَمِّنَةُ لِمَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ، وَالْإِعْرَاضِ عَمَّا سِوَاهُ)).
فَهَذِهِ هِيَ الْغَايَةُ الَّتِي خَلَقَ اللهُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ لَهَا.
وَقَالَ الشَّيْخُ الْحَكَمِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَلِأَجْلِهَا خُلِقَتِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ)).
وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْعَزِيزِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((فَبَيَّنَ -سُبْحَانَهُ- الْحِكْمَةَ فِي خَلْقِهِمْ، وَهِيَ أَنْ يَعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يُخْلَقُوا عَبَثًا وَلَا سُدًى، بَلْ خُلِقُوا لِهَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ، وَهُوَ أَنْ يَعْبُدُوا اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَخُصُّوهُ وَحْدَهُ بِدُعَائِهِمْ، وَخَوْفِهِمْ وَرَجَائِهِمْ، وَصَلَاتِهِمْ وَصَوْمِهِمْ، وَذَبْحِهِمْ وَنَذْرِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ)).
وَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَ (اللَّامُ) فِي قَوْلِهِ: {لِيَعْبُدُونِ} لِلتَّعْلِيلِ، لَكِنْ هَذَا التَّعْلِيلُ تَعْلِيلٌ شَرْعِيٌّ، أَيْ: لِأَجْلِ أَنْ يَعْبُدُونِي، حَيْثُ أَمَرَهُمْ فَيَمْتَثِلُوا أَمْرَهُ، وَلَيْسَتِ (اللَّامُ) هُنَا تَعْلِيلًا قَدَرِيًّا، وَإِنَّمَا هِيَ تَعْلِيلٌ شَرْعِيٌّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَعْلِيلًا قَدَرِيًّا لِلَزِمَ أَنْ يَعْبُدَهُ جَمِيعُ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، لَكِنَّ (اللَّامَ) هُنَا لِبَيَانِ الْحِكْمَةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي خَلْقِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَالْأَمْرُ الشَّرْعِيُّ قَدْ يُطَاعُ وَقَدْ لَا يُطَاعُ، وَالْأَمْرُ الْقَدَرِيُّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ كَمَا أَرَادَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- -يَعْنِي: بِالْإِرَادَةِ الْكَوْنِيَّةِ الْقَدَرِيَّةِ-)).
فَإِذَنْ؛ مِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّهُ الْغَايَةُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا خَلَقَ اللهُ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ.
فَهَذِهِ وَظِيفَتُكَ، وَهَذِهِ هِيَ الْغَايَةُ مِنْ خَلْقِكَ، فَاجْتَهِدْ فِي تَحْقِيقِ هَذِهِ الْغَايَةِ بِالْعَمَلِ بِهَذِهِ الْوَظِيفَةِ، وَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْمُسْتَعَانُ.
* مِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ الْأَسَاسُ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ دِينُ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ.
دَعَا النَّبِيُّ ﷺ لِلتَّوْحِيدِ فِي مَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَفِي الْمَدِينَةِ دَعَا إِلَى التَّوْحِيدِ إِلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-.
عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عِبَادٍ الدُّؤَلِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ وَهُوَ يَقُولُ -يَعْنِي: لِلنَّاسِ فِي السُّوقِ-: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ! قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تُفْلِحُوا)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وَهُوَ يَقُولُ: ((أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَالنَّبِيُّ ﷺ يَنْهَى عَنْ كُلِّ مَا هُوَ ذَرِيعَةٌ لِلشِّرْكِ قَبْلَ مَوْتِهِ ﷺ، وَمِنْ آخِرِ مَا يَأْمُرُ بِهِ: ((أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ)).
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ- عَنِ الْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ كَلِمَةِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) قَالَ: ((هَذِهِ الْكَلِمَةُ هِيَ أَسَاسُ الدِّينِ)).
وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي فَضْلِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ: ((هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي قَامَتْ بِهَا الْأَرْضُ وَالسَّمَاوَاتُ، وَفَطَرَ اللهُ عَلَيْهَا جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَعَلَيْهَا أُسِّسَتِ الْمِلَّةُ، وَنُصِبَتِ الْقِبْلَةُ، وَجُرِّدَتْ سُيُوفُ الْجِهَادِ، وَهِيَ مَحْضُ حَقِّ اللهِ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ، وَهِيَ الْكَلِمَةُ الْعَاصِمَةُ لِلدَّمِ وَالْمَالِ وَالذُّرِّيَّةِ فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَالْمُنْجِيَةُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ.
وَهِيَ الْمَنْشُورُ الَّذِي لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ إِلَّا بِهِ، وَالْحَبْلُ الَّذِي لَا يَصِلُ إِلَى اللهِ إِلَّا مَنْ تَعَلَّقَ بِسَبَبِهِ، وَهِيَ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ، وَمِفْتَاحُ دَارِ السَّلَامِ، وَبِهَا انْقَسَمَ النَّاسُ إِلَى شَقِيٍّ وَسَعِيدٍ، وَمَقْبُولٍ وَطَرِيدٍ.
وَبِهَا انْفَصَلَتْ دَارُ الْكُفْرِ عَنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَتَمَيَّزَتْ دَارُ النَّعِيمِ مِنْ دَارِ الشَّقَاءِ وَالْهَوَانِ، وَهُوَ الْعَمُودُ الْحَامِلُ لِلْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ)).
فَالْإِيَمانُ بِاللهِ هُوَ أَسَاسُ كُلِّ خَيْرٍ، وَمَصْدَرُ كُلِّ هِدَايَةٍ، وَسَبَبُ كُلِّ فَلَاحٍ، ذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَمَّا كَانَ مَخْلُوقًا مَرْبُوبًا عَادَ فِي عِلْمِهِ وَعَمَلِهِ إِلَى خَالِقِهِ وَبَارِيهِ، فَبِهِ يَهْتَدِي، وَلَهُ يَعْمَلُ، وَإِلَيْهِ يَصِيرُ، فَلَا غِنَى لَهُ عَنْهُ، وَانْصِرَافُهُ إِلَى غَيْرِهِ عَيْنُ هَلَاكِهِ وَفَسَادِهِ.
وَالْإِنْسَانُ لَهُ بِاللهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ عِوَضٌ، وَلَيْسَ لِكُلِّ شَيْءٍ عَنِ اللهِ عِوَضٌ، فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ صَلَاحٌ وَلَا فَلَاحٌ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ رَبِّهِ وَعِبَادَتِهِ، فَإِذَا حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ فَهُوَ الْغَايَةُ الْمُرَادَةُ لَهُ، وَالَّتِي خُلِقَ مِنْ أَجْلِهَا، فَمَا سِوَى ذَلِكَ إِمَّا فَضْلٌ نَافِعٌ، أَوْ فُضُولٌ غَيْرُ نَافِعَةٍ، أَوْ فُضُولٌ ضَارَّةٌ، وَلِهَذَا صَارَتْ دَعْوَةُ الرُّسُلِ لِأُمَمِهِمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللهِ وَعِبَادَتِهِ، فَكُلُّ رَسُولٍ يَبْدَأُ دَعْوَتَهُ بِذَلِكَ، كَمَا يَعْلَمُ مَنْ تَتَبَّعَ دَعَوَاتِ الرُّسُلِ فِي الْقُرْآنِ)).
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((مَنْ أَرَادَ عُلُوَّ بُنْيَانِهِ فَعَلَيْهِ بِتَوْثِيقِ أَسَاسِهِ وَإِحْكَامِهِ، وَشِدَّةِ الِاعْتِنَاءِ بِهِ؛ فَإِنَّ عُلُوَّ الْبُنْيَانِ عَلَى قَدْرِ تَوْثِيقِ الْأَسَاسِ وَإِحْكَامِهِ، فَالْأَعْمَالُ وَالدَّرَجَاتُ بُنْيَانٌ وَأَسَاسُهَا الْإِيمَانُ، وَمَتَى كَانَ الْأَسَاسُ وَثِيقًا حَمَلَ الْبُنْيَانَ وَاعْتَلَى عَلَيْهِ)).
وَقَالَ الْبِقَاعِيُّ: ((التَّوْحِيدُ هُوَ الْأَسَاسُ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ كُلُّ خَيْرٍ، وَالْمُنْتَهَى الَّذِي هُوَ غَايَةُ السَّيْرِ، وَالْعَالِي عَلَى كُلِّ غَيْرٍ)).
فَمِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّهُ الْأَسَاسُ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ دِينُ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ.
* وَمِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي قَامَتْ بِهَا الْأَرْضُ وَالسَّمَاوَاتُ:
قَالَ الْإَمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ- عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ: ((هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي قَامَتْ بِهَا الْأَرْضُ وَالسَّمَاوَاتُ)).
فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.
* وَمِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّ التَّوْحِيدَ رَأْسُ الْأَمْرِ:
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ)). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَه، وَالْحَاكِمُ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ((التَّوْحِيدُ وَالْكُفْرُ هُمَا رَأْسُ الْأَمْرَيْنِ)).
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَكَانَ التَّوْحِيدُ بِقَوْلِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) رَأْسَ الْأَمْرِ)).
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَكَانَ تَوْحِيدُ الْإِلَهِيَّةِ رَأْسَ الْأَمْرِ)).
وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْعَزِيزِ: ((التَّوْحِيدُ هُوَ أَصْلُ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ أَسَاسُ الْمِلَّةِ، وَهُوَ رَأْسُ الْأَمْرِ)).
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَاسِمٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((رَأْسُ الْأَمْرِ وَالْأَمْرُ هُوَ الدِّينِ، يَعْنِي: رَأْسَ الدِّينِ الَّذِي جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ الْأَمِينُ ﷺ وَهُوَ الْإِسْلَامُ، الَّذِي هُوَ مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، الْمُتَضَمِّنُ لِلْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ وَالْإِيمَانِ بِاللهِ -جَلَّ وَعَلَا- )).
وَهَذَا مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) يَعْنِي: الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ، وَالْإِيمَانَ بِاللهِ.
الْإِسْلَامُ: هُوَ الِاسْتِسْلَامُ للهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالِانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالْخُلُوصُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ.
هَذَا هُوَ رَأْسُ أَمْرِ الدِّينِ، الشَّهَادَتَانِ هُمَا رَأْسُ الْإِسْلَامِ، وَهُمَا أَصْلُ الْإِسْلَامِ، فَلَا يَدْخُلُ الْإِنْسَانُ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا إِذَا أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ نُطْقًا وَعِلْمًا وَعَمَلًا وَاعْتِقَادًا، لَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ مُسْلِمًا إِلَّا بِذَلِكَ.
فَمِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّ التَّوْحِيدَ رَأْسُ الْأَمْرِ.
* وَمِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ أُسُّ الْإِيمَانِ وَرَأْسُ أَعْمَالِ الدِّينِ:
قَالَ السَّفَّارِينِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ وَهِيَ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وَهِيَ أُسُّ الْإِيمَانِ)).
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: ((لَا يَصِحُّ عَمَلٌ مِنَ الْأَعْمَالِ الدِّينِيَّةِ أَقْوَالِهَا وَأَفْعَالِهَا إِلَّا بِنِيَّةٍ دَخَلَ فِيهَا التَّوْحِيدُ الَّذِي هُوَ رَأْسُ أَعْمَالِ الدِّينِ، فَلَا يَصِحُّ الْقَوْلُ بِالتَّوْحِيدِ إِلَّا بِمَعْرِفَةٍ وَقَصْدِ إِخْلَاصٍ فِيهِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَعْمَالِ الدِّينِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْوُضُوءِ بِالْمَاءِ وَالتَّيَمُّمِ بِالتُّرَابِ؛ فَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالتَّوْحِيدِ، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ وَقَصْدِ إِخْلَاصٍ فِيهِ)).
فَمِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّهُ أُسُّ الْإِيمَانِ وَرَأْسُ أَعْمَالِ الدِّينِ.
* وَمِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّ التَّوْحِيدَ أَوَّلُ وَاجِبَاتِ الشَّرِيعَةِ.
فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: ((ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ إِلَى فُقَرَائِهِمْ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ بِلَفْظٍ: ((فَلَيْكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ)).
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: ((فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْعِلْمِ أَنَّهُ رَتَّبَ وَاجِبَاتِ الشَّرِيعَةِ، فَقَدَّمَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ، ثُمَّ أَتْبَعَهَا فَرَائِضَ الصَّلَاةِ لِأَوْقَاتِهَا، وَأَخَّرَ ذِكْرَ الصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا تَجِبُ عَلَى قَوْمٍ مِنَ النَّاسِ دُونَ آخَرِينَ، وَإِنَّمَا تَلْزَمُ بِمُضِيِّ الْحَوْلِ عَلَى الْمَالِ وَاسْتِكْمَالِ النِّصَابِ)).
فَأَخَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ لِذَلِكَ، وَقَدَّمَ الصَّلَاةَ عَلَيْهَا، وَقَدَّمَ التَّوْحِيدَ عَلَى الْجَمِيعَ، فَقَدَّمَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ: فَـ((ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))، ((فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))، ((فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ)).
فَهَذَا أَوَّلُ الْأَمْرِ، وَأَصْلُهُ، وَأَسَاسُهُ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ((قَرَنَ اللهُ التُّقَى وَنَفَى الْإِشْرَاكَ بِهِ -تَعَالَى-؛ لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، فَهِيَ أَعْظَمُ دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ، وَأَقْرَبُ الْوَسَائِلِ إِلَى اللهِ -تَعَالَى-، وَمَفْهُومُ هَذِهِ الْآيَةِ -وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الروم: ٣١]- يَدُلُّ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُقِمَ الصَّلَاةَ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ: ((وَلَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ)) )).
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((أَعْمَالُ الْقُلُوبِ؛ كَمَحَبَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ، وَإِخْلَاصِ الدِّينِ للهِ، وَالْخَوْفِ مِنْهُ، وَالرَّجَاءِ لَهُ، وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، مَأْمُورُونَ بِهِ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الدِّينِ، لَا يَكُونُ تَرْكُهَا مَحْمُودًا فِي حَالِ أَحَدٍ وَإِنِ ارْتَقَى مَقَامُهُ)).
فَمِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّ التَّوْحِيدَ أَوَّلُ وَاجِبَاتِ الشَّرِيعَةِ.
* وَمِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّ التَّوْحِيدَ أَوَّلُ الدِّينِ وَآخِرُهُ وَظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ:
التَّوْحِيدُ أَوَّلُ الدِّينِ وَآخِرُهُ وَظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ.
عَنْ مُعَاذٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ ﷺ: ((فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
التَّوْحِيدُ أَوَّلُ الدِّينِ، ((فَلَيْكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ)).
قَالَ الْفَيْرُوزَ آبَادِيُّ: ((وَالدِّينُ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ بِمَعْنَى التَّوْحِيدِ وَالشَّهَادَةِ، {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]، {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر: 3]، {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ} [آل عمران: 83]، أَيِ: التَّوْحِيدُ، وَلَهُ نَظَائِرُ)).
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((أَوَّلُ الدِّينِ وَآخِرُهُ وَظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ هُوَ التَّوْحِيدُ، وَإِخْلَاصُ الدِّينِ كُلِّهِ للهِ هُوَ تَحْقِيقُ قَوْلِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) )).
وَقَالَ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((أُصُولُ الْإِيمَانِ وَأَعْلَاهَا وَأَفْضَلُهَا هُوَ التَّوْحِيدُ، وَهُوَ شَهَادَةُ أَنْ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45]، وَقَالَ تَعَالَى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ} [الشورى: 13])).
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((التَّوْحِيدُ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ أَوَّلُ الدِّينِ وَآخِرُهُ وَبَاطِنُ الدِّينِ وَظَاهِرُهُ)).
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ كُلَّ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ حَقٌّ، وَأَبْرَأُ مِنْ كُلِّ دِينٍ خَالَفَ دِينَ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ بَالِغٌ صَحِيحُ الْعَقْلِ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، فَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَظْهَرَ الْكُفْرَ كَانَ مُرْتَدًّا، يَجِبُ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُرْتَدِّ)).
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((مَقَامُ التَّوْحِيدِ أَوْلَى الْمَقَامَاتِ أَنْ يُبْدَأَ بِهِ، كَمَا أَنَّهُ أَوَّلُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: ((فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))، وَفِي رِوَايَةٍ: ((إِلَى أَنْ يَعْرِفُوا اللهَ))، وَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مَقَامٌ مِنَ الْمَقَامَاتِ وَلَا حَالٌ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا بِالتَّوْحِيدِ، فَلَا وَجْهَ لِجَعْلِهِ آخِرَ الْمَقَامَاتِ، وَهُوَ مِفْتَاحُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ، وَأَوَّلُ فَرْضٍ فَرَضَهُ اللهُ عَلَى الْعِبَادِ، وَمَا عَدَا هَذَا مِنَ الْأَقْوَالِ فَخَطَأٌ، كَقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: أَوَّلُ الْفُرُوضِ النَّظَرُ، أَوِ الْقَصْدُ إِلَى النَّظَرِ، أَوِ الْمَعْرِفَةُ، أَوِ الشَّكُّ الَّذِي يُوجِبُ النَّظَرَ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ خَطَأٌ)).
أَوَّلُ فَرْضٍ فَرَضَهُ اللهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَمَا عَدَا هَذَا مِنَ الْأَقْوَالِ فَخَطَأٌ.
فَأَهَمُّ مَا عَلَيْكَ مَعْرِفَةُ التَّوْحِيدِ قَبْلَ مَعْرِفَةِ الْعِبَادَاتِ كُلِّهَا، حَتَّى الصَّلَاةِ.
فَمِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّ التَّوْحِيدَ أَوَّلُ الدِّينِ وَآخِرُهُ وَظَاهِرُ الدِّينِ وَبَاطِنُهُ.
* وَمِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّ التَّوْحِيدَ أَوَّلُ مَنَازِلِ الطَّرِيقِ، وَأَوَّلُ مَقَامٍ يَقُومُ فِيهِ السَّالِكُ إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-:
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((التَّوْحِيدُ أَوَّلُ مَنَازِلِ الطَّرِيقِ، وَأَوَّلُ مَقَامٍ يَقُومُ فِيهِ السَّالِكُ إِلَى اللهِ -تَعَالَى-)).
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الْعِزِّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((اعْلَمْ أَنَّ التَّوْحِيدَ أَوَّلُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ، وَأَوَّلُ مَنَازِلِ الطَّرِيقِ، وَأَوَّلُ مَقَامٍ يَقُومُ فِيهِ السَّالِكُ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- )).
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَلَمَّا كَانَ كَمَالُ الْإِرَادَةِ بِحَسَبِ كَمَالِ مُرَادِهَا، وَشَرَفُ الْعِلْمِ تَابِعًا لِشَرَفِ مَعْلُومِهِ؛ كَانَتْ نِهَايَةُ سَعَادَةِ الْعَبْدِ الَّذِي لَا سَعَادَةَ لَهُ بِدُونِهَا، وَلَا حَيَاةَ لَهُ إِلَّا بِهَا؛ أَنْ تَكُونَ إِرَادَتُهُ مُتَعَلِّقَةً بِالْمُرَادِ الَّذِي لَا يَبْلَى وَلَا يَفُوتُ، وَعَزَمَاتُ هِمَّتِهِ مُسَافِرَةٌ إِلَى حَضْرَةِ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى هَذَا الْمَطْلَبِ الْأَسْنَى وَالْحَظِّ الْأَوْفَى إِلَّا بِالْعِلْمِ الْمَوْرُوثِ عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَخَلِيلِهِ وَحَبِيبِهِ الَّذِي بَعَثَهُ لِذَلِكَ دَاعِيًا، وَأَقَامَهُ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ هَادِيًا، وَجَعَلَهُ وَاسِطَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَنَامِ، وَدَاعِيًا لَهُمْ بِإِذْنِهِ إِلَى دَارِ السَّلَامِ.
وَأَبَى -سُبْحَانَهُ- أَنْ يَفْتَحَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا عَلَى يَدَيْهِ، أَوْ يَقْبَلَ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ سَعْيًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُبْتَدِئًا مِنْهُ وَمُنْتَهِيًا إِلَيْهِ ﷺ )).
فَالتَّوْحِيدُ أَوَّلُ مَنَازِلِ الطَّرِيقِ، وَأَوَّلُ مَقَامٍ يَقُومُ فِيهِ السَّالِكُ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.. وَهَذَا مِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ.
* مِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ هِيَ الْأَعْلَى:
قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40].
عَنْ أَبِي مُوسَى -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، أَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللهِ؟)).
قَالَ: ((مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: ((قَوْلُهُ: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ}: وَهِيَ الشِّرْكُ بِاللهِ، {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا}: وَهِيَ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) )).
وَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَقُولُ: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ}، وَقَالَ: {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا}، وَلَمْ يَقُلْ: وَجَعَلَ كَلِمَةَ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا لَا بِجَعْلِ جَاعِلٍ، وَأَمَّا كَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَمَجْهُولَةٌ سُفْلَى، {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا}: وَهِيَ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ).
وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ -رَحِمَهُ اللهُ-، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ -رَحِمَهُ اللهُ-، وَالْبَيْهَقِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي ((الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ))، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (({وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ}: قَالَ: هِيَ الشِّرْكُ، {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا}: قَالَ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) )).
وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ -رَحِمَهُ اللهُ- عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ -رَحِمَهُ اللهُ- مِثْلَهُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: (({وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا}: وَهِيَ كَلِمَةُ الشِّرْكِ {السفلى}: لِأَنَّهَا قُهِرَتْ وَأُذِلَّتْ وَأَبْطَلَهَا اللهُ -تَعَالَى-، وَمَحَقَ أَهْلَهَا، وَكُلُّ مَقْهُورٍ وَمَغْلُوبٌ فَهُوَ أَسْفَلُ مِنَ الْغَالِبِ، وَالْغَالِبُ هُوَ الْأَعْلَى، {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا}: يَقُولُ: دِينُ اللهِ وَتَوْحِيدُهُ وَقَوْلُ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وَهِيَ كَلِمَتُهُ الْعُلْيَا عَلَى الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ الْغَالِبَةُ)).
قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ -رَحِمَهُ اللهُ-: (({وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ} يَعْنِي: دَعْوَةَ الشِّرْكِ السُّفْلَى، {وَكَلِمَةُ اللَّهِ} بِمَعْنَى: دَعْوَةِ الْإِخْلَاصِ، {هِيَ الْعُلْيَا} يَعْنِي: الْعَالِيَةَ، {وَاللَّهُ عَزِيزٌ}: فِي مُلْكِهِ، {حَكِيمٌ}: حَكَمَ بِإِطْفَاءِ دَعْوَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَإِظْهَارِ التَّوْحِيدِ)).
وَقَالَ الْفَرَّاءُ -رَحِمَهُ اللهُ-: (({وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ} يَعْنِي: الشِّرْكَ بِاللهِ، {وَكَلِمَةُ اللَّهِ}: هِيَ قَوْلُ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) )).
فَمِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ هِيَ الْعُلْيَا، وَمَا دُونَهَا أَسْفَلُ.
* وَمِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّ التَّوْحِيدَ مَصْدَرُ كُلِّ هِدَايَةٍ:
قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 82].
قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ -رَحِمَهُ اللهُ-: (({الَّذِينَ آمَنُوا}: بِرَبٍّ وَاحِدٍ، {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} يَعْنِي: وَلَمْ يَخْلِطُوا تَصْدِيقَهُمْ بِشِرْكٍ؛ فَلَمْ يَعْبُدُوا غَيْرَهُ، {أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُون}: مِنَ الضَّلَالَةِ)).
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: (({أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} فَإِنَّهُ يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَخْلِطُوا إِيمَانَهُمْ بِشِرْكٍ، {لَهُمُ الْأَمْنُ}: يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَذَابِ اللهِ، {وَهُم مُّهْتَدُونَ}: وَهُمُ الْمُصِيبُونَ سَبِيلَ الرَّشَادِ، وَالسَّالِكُونَ طَرِيقَ النَّجَاةِ)).
قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ -رَحِمَهُ اللهُ-: (({الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا} يَعْنِي: يَخْلِطُوا {إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} أَيْ: بِشِرْكٍ، {أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ}: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، {وَهُم مُّهْتَدُونَ}، أَيْ: فِي الدُّنْيَا)).
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((الْهِدَايَةُ لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَلَوْ بَلَغَ الْعَبْدُ فِيهَا مَا بَلَغَ فَفَوْقَ هِدَايَتِهِ هِدَايَةٌ أُخْرَى وَفَوْقَ تِلْكَ الْهِدَايَةِ هِدَايَةٌ أُخْرَى إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ)).
قَالَ الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((قَالَ اللهُ -تَعَالَى- فَاصِلًا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا}، أَيْ: يَخْلِطُوا {إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}: الْأَمْنُ مِنَ الْمَخَاوِفِ وَالْعَذَابِ وَالشَّقَاءِ، وَالْهِدَايَةُ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، فَإِنْ كَانُوا لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ مُطْلَقًا لَا بِشِرْكٍ وَلَا بِمَعَاصٍ حَصَلَ لَهُمُ الْأَمْنُ التَّامُّ وَالْهِدَايَةُ التَّامَّةُ، وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِالشِّرْكِ وَحْدَهُ، وَلَكِنَّهُمْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَصَلَ لَهُمْ أَصْلُ الْهِدَايَةِ وَأَصْلُ الْأَمْنِ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ كَمَالُهُمَا)).
* مِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّ الِاعْتِصَامَ بِالتَّوْحِيدِ أَسَاسُ كُلِّ خَيْرٍ:
قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء: 146-147].
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((أَيْ: بَدَّلُوا الرِّيَاءَ بِالْإِخْلَاصِ، فَيَنْفَعُهُمُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَإِنْ قَلَّ)).
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ الْمُرَادَ بِالشُّكْرِ التَّوْحِيدُ)).
وَقَالَ تَعَالَى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} [النساء: 175].
أَيْ: جَمَعُوا بَيْنَ مَقَامِ الْعِبَادَةِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِصَامَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى أَسَاسِ تَوْحِيدِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَأَنَّ الْأَرْكَانَ لَا تَنْبَنِي إِلَّا عَلَى التَّوْحِيدِ.. مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)). الْحَدِيثَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَالتَّوْحِيدُ هُوَ حَبْلُ اللهِ الْمَتِينُ، وَصِرَاطُهُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ عُصِمَ، وَمَنْ حَادَ عَنْهُ قُصِمَ.
مِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّ التَّوْحِيدَ أَصْلُ صَلَاحِ النَّاسِ.
التَّوْحِيدُ أَصْلُ الصَّلَاحِ.
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((ابْنَ آدَمَ! هَلْ لَكَ بِمُحَارَبَةِ اللهِ مِنْ طَاقَةٍ؛ فَإِنَّ مَنْ عَصَى اللهَ فَقَدْ حَارَبَهُ)).
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((التَّوْحِيدُ أَصْلُ صَلَاحِ النَّاسِ، وَالْإِشْرَاكُ أَصْلُ فَسَادِ النَّاسِ، وَالْقِسْطُ -أَيِ: الْعَدْلُ- مَقْرُونٌ بِالتَّوْحِيدِ؛ إِذِ التَّوْحِيدُ أَصْلُ الْعَدْلِ، وَإِرَادَةُ الْعُلُوِّ مَقْرُونَةٌ بِالْفَسَادِ؛ إِذْ هُوَ أَصْلُ الظُّلْمِ، فَهَذَا مَعَ هَذَا، وَهَذَا مَعَ هَذَا كَالْمَلْزُوزَيْنِ -كَالْمُقْتَرِنَيْنِ- فِي قَرَنٍ.
فَالتَّوْحِيدُ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ صَلَاحٌ وَعَدْلٌ، وَلِهَذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ هُوَ الْقَائِمَ بِالْوَاجِبَاتِ، وَهُوَ الْبِرُّ وَهُوَ الْعَدْلُ.
وَالذُّنُوبُ الَّتِي فِيهَا تَفْرِيطٌ أَوْ عُدْوَانٌ فِي حُقُوقِ اللهِ -تَعَالَى- وَحُقُوقِ عِبَادِهِ فَسَادٌ وَظُلْمٌ، وَلِهَذَا سُمِّيَ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ مُفْسِدِينَ، وَكَانَتْ عُقُوبَتُهُمْ حَقًّا للهِ -تَعَالَى-؛ لِاجْتِمَاعِ الْوَصْفَيْنِ مِنَ الْفَسَادِ وَالظُّلْمِ، وَالَّذِي يُرِيدُ الْعُلُوَّ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَبْنَاءِ جِنْسِهِ ظَالِمٌ لَهُ بَاغٍ؛ إِذْ لَيْسَ كَوْنُكَ عَالِيًا عَلَيْهِ بِأَوْلَى مِنْ كَوْنِهِ عَالِيًا عَلَيْكَ، وَكِلَاكُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ.
فَالْقِسْطُ وَالْعَدْلُ أَنْ يَكُونُوا إِخْوَةً كَمَا وَصَفَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، لَا أَنْ يَعْلُوَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَا أَنْ يَبْغِيَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
وَالتَّوْحِيدُ -وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الصَّلَاحِ- فَهُوَ أَعْظَمُ الْعَدْلِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64])).
فَأَصْلُ الصَّلَاحِ التَّوْحِيدُ وَالْإِيمَانُ، وَأَصْلُ الْفَسَادِ الشِّرْكُ وَالْكُفْرَانُ، كَمَا قَالَ -تَعَالَى- عَنِ الْمُنَافِقِينَ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 11-12].
ذَلِكَ أَنَّ صَلَاحَ كُلِّ شَيْءٍ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَحْصُلُ لَهُ وَبِهِ الْمَقْصُودُ الَّذِي يُرَادُ مِنْهُ.
فَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- خَلَقَ الْإِنْسَانَ وَأَرَادَ مِنْهُ شَرْعًا عِبَادَتَهُ -سُبْحَانَهُ-، إِذَنْ؛ لَوْ أَنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ لَمْ يَأْتِ بِهَذَا الْمُرَادِ مِنْهُ فَهَذَا هُوَ الْفَسَادُ، وَصَلَاحُ الْإِنْسَانِ هُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْمُرَادِ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَابِدًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ.
((الْوَسَطِيَّةُ قَاعِدَةُ الْأَمْنِ الْفِكْرِيِّ))
تُعَدُّ الْوَسَطِيَّةُ وَالِاعْتِدَالُ مِنْ أَهَمِّ الْأُسُسِ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا الْأَمْنُ الْفِكْرِيُّ؛ فَبِهِمَا يَسْتَقِيمُ فَهْمُ الْإِنْسَانِ لِدِينِهِ، وَيَتَوَازَنُ فِكْرُهُ وَسُلُوكُهُ، وَيَسْلَمُ مِنَ الْغُلُوِّ وَالتَّشَدُّدِ كَمَا يَسْلَمُ مِنَ التَّفْرِيطِ وَالِانْحِلَالِ؛ فَالْإِسْلَامُ الْعَظِيمُ هُوَ دِينُ الْوَسَطِ، {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143].
أُمَّةٌ وَسَطٌ فِي الْعَقِيدَةِ، وَفِي الْعِبَادَةِ، وَفِي الْمُعَامَلَةِ، وَفِي الْأَخْلَاقِ..
أُمَّةٌ وَسَطٌ فِي الْعَلَاقَاتِ..
أُمَّةٌ وَسَطٌ فِي الزَّمَانِ وَفِي الْمَكَانِ؛ حَتَّى فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، أُمَّةٌ وَسَطٌ مَكَانًا؛ لِأَنَّهَا فِي سُرَّةِ الْأَرْضِ، فَهِيَ مُشْرِفَةٌ عَلَى الْأَرْضِ شَرْقًا وَغَرْبًا، أُمَّةٌ وَسَطٌ فِي الزَّمَانِ؛ لِأَنَّهَا جَاءَتْ بَعْدَ طُفُولَةِ الْإِنْسَانِ تَحْرُسُ رُشْدَهُ وَقَدْ بَلَغَهُ، قَدْ بَلَغَ الْإِنْسَانُ رُشْدَهُ بِمَجِيءِ نَبِيٍّ هَذِهِ الْأُمَّةِ ﷺ؛ فَهِيَ أُمَّةٌ وَسَطٌ زَمَانًا وَمَكَانًا.
أُمَّةٌ وَسَطٌ تَرْعَى الْمِثَالِيَّةَ، وَتَرْعَى الْوَاقِعِيَّةَ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ..
أُمَّةٌ وَسَطٌ تَنْظُرُ فِي أَمْرِ الرُّوحِ كَمَا تَنْظُرُ فِي أَمْرِ الْجَسَدِ..
أُمَّةٌ وَسَطٌ حَتَّى فِي الِانْفِعَالَاتِ..
قَالَ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}: وَسَطًا فِي الْمَشَاعِرِ، وَسَطًا فِي الْعَوَاطِفِ، وَسَطًا فِي تَصْرِيفِ الْغَرَائِزِ، وَسَطًا فِي تَصْرِيفِ الشَّهَوَاتِ وَالنَّزَعَاتِ وَالنَّزَغَاتِ، وَسَطًا فِي السُّلُوكِ وَفِي الْمُعَامَلَةِ، وَسَطًا فِي الْعِبَادَةِ، وَسَطًا فِي الِاعْتِقَادِ بَيْنَ الْمَادِّيَّةِ الْجَارِفَةِ وَالتَّجْرِيدِ الْكَامِلِ الَّذِي يَعْبُدُ الْعَدَمَ.
يَأْتِي النَّبِيُّ ﷺ بِالْأُمَّةِ الْوَسَطِ فِي الْمَنْهَجِ الْوَسَطِ لِلْأُمَّةِ الْوَسَطِ.
{وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}.
{وَكَذَلِكَ}: جَاءَتْ تَعْقِيبًا عَلَى الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (142) وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 142-143]: لَا شَرْقِيَّةً وَلَا غَرْبِيَّةً، وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى أَمْتٍ مُسْتَقِيمٍ، وَعَلَى صِرَاطٍ لَاحِبٍ، هُوَ أَقْصَرُ الطُّرُقِ إِلَى النِّهَايَةِ إِلَى رِضْوَانِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
النَّبِيُّ ﷺ يَأْخُذُ بِيَدِ الْأُمَّةِ فِي كُلِّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِهَا؛ اعْتِقَادًا كَانَ أَمْ عِبَادَةً، أَمْ مُعَامَلَةً أَمْ أَخْلَاقًا، أَمْ سُلُوكًا أَمْ عَاطِفَةً أَمْ غَرِيزَةً، يَأْخُذُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِ الْأُمَّةِ لِكَيْ تَتَوَازَنَ مِنْ حَيْثُ النَّفْسِيَّةُ، لِكَيْ تَكُونَ عَلَى السَّوَاءِ النَّفْسِيِّ بِغَيْرِ غُلُوٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ، مِنْ غَيْرِ انْحِرَافٍ بِإِفْرَاطٍ وَلَا تَفْرِيطٍ.
يَأْتِي النَّبِيُّ ﷺ لِكَيْ يَأْتِيَ بِالشَّارِدِ الَّذِي شَرَدَ فَبَعُدَ لِيُقِيمَهُ عَلَى الصِّرَاطِ الْأَوْسَطِ الْخَالِدِ، وَلِكَيْ يَمُدَّ الْيَدَ بِالْمُسَاعَدَةِ إِلَى الْمُقَصِّرِ الَّذِي قَدْ سُبِقَ لِكَيْ يُقِيمَهُ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.
النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الصِّرَاطِ الْقَاصِدِ وَعَلَى الْأَمْتِ اللَّاحِبِ مِنْ غَيْرِ مَا عِوَجٍ، وَمِنْ غَيْرِ إِفْرَاطٍ وَلَا تَفْرِيطٍ؛ وَلِذَلِكَ لَمَّا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ -كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-- رَأَى رَجُلًا قَائِمًا وَهُوَ يَخْطُبُ ﷺ، ((بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ)).
رَأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ لَا يَسْتَظِلُّ، ضَاحِيًا لَا يَسْتَظِلُّ، وَقَدْ وَقَفَ وَقْفَةً مُرِيبَةً، فَسَأَلَ عَنْهَا النَّبِيُّ ﷺ وَعَنْهُ.. قَدْ سَأَلَ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟!
فَقَالُوا: ((أَبُو إِسْرَائِيلَ، نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ، وَلَا يَسْتَظِلَّ، وَلَا يَتَكَلَّمَ، وَيَصُومَ)).
نَذَرَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَنْ يَظَلَّ قَائِمًا فِي الشَّمْسِ لَا يَسْتَظِلُّ، وَأَنْ يَظَلَّ قَائِمًا لَا يَقْعُدُ، وَأَلَّا يُكَلِّمَ أَحَدًا، وَأَنْ يَصُومَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا رَأَى أَبَا إِسْرَائِيلَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَائِمًا فِي الشَّمْسِ لَا يَقْعُدُ، وَلَا يَتَكَلَّمُ، فَسَأَلَ عَنْ حَالِهِ فَأُخْبِرَ بِهِ؛ قَالَ: ((مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ)) ﷺ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ )).
فَلَمَّا أُخْبِرُوا بِهَا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا؛ فَقَالُوا: ((أَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟!)).
فَالثَّلَاثَةُ النَّفَرِ يَعْلَمُونَ عِبَادَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي ظَاهِرِهَا، وَأَمَّا مَا خَفِيَ، وَمَا كَانَ فِي جَوْفِ الْبَيْتِ فِي جَوْفِ الظَّلَامِ، لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا مَنْ كَانَ شَدِيدَ الْقُرْبِ مِنَ النَّبِيِّ الْهُمَامِ ﷺ؛ فَقَدْ ذَهَبُوا يَسْأَلُونَ عَنْهَا وَعَنْ كَيْفِيَّتِهَا، فَلَمَّا أُخْبِرُوا بِهَا مِنْ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِنَّ-؛ كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا -يَعْنِي: عَدُّوهَا قَلِيلَةً-.
قَالُوا: هَذَا النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ غَفَرَ لَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَمَا يَقْتَصِدُ فِي الْعِبَادَةِ إِلَّا لِهَذِهِ الْعِلَّةِ، وَمَا يَقْتَصِدُ فِي الْعِبَادَةِ ﷺ إِلَّا لِأَجْلِ هَذَا الْغَرَضِ!
((فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَأُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ الْآخَرُ: أَنَا أَصُومُ النَّهَارَ أَبَدًا وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ الْآخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا)).
قَالُوا مَقُولَاتِهِمْ وَمَضَوْا رَاشِدِينَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ أُخْبِرَ بِمَا قَالُوا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَجَاءُوا، فَقَالَ: ((أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟!))، وَكَذَلِكَ يَكُونُ التَّثَبُّتُ مِنَ النَّبِيِّ الْمُنْصِفِ ﷺ عَلَى الْعَدْلِ كُلِّهِ، قَرَّرَهُمْ أَوَّلًا ﷺ.
فَلَمَّا أَقَرُّوا رَاجَعَهُمْ فِيمَا قَالُوا، وَأَرْشَدَهُمْ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، فَقَالَ: ((أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟! أَمَا وَاللَّهِ! إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)) ﷺ.
قِيَامٌ وَرُقُودٌ، وَصِيَامٌ وَفُطُورٌ، النَّبِيُّ ﷺ يَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ كَمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ ﷺ.
وَعَلَيْهِ؛ فَحَرَكَةُ الْحَيَاةِ مُتَوَازِنَةٌ تَوَازُنًا صَحِيحًا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا حَمَلَ عَلَى نَفْسِهِ فَحَمَّلَهَا فَوْقَ مَا تَطِيقُ فَإِنَّهُ لَنْ يَلْبَثَ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى يَنْقَطِعَ، وَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا ظَهْرًا أَبْقَى، وَلَا أَرْضًا قَطَعَ، الَّذِي يَحْمِلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي الْفَلَوَاتِ حَمْلًا شَدِيدًا وَهِيَ مَرْكَبُهُ الَّذِي يُبَلِّغُهُ مَا يُرِيدُ أَنْ يَبْلُغَ مِنْ غَايَتِهِ، يَحْمِلُ عَلَى دَابَّتِهِ حَمْلًا شَدِيدًا حَتَّى يُكَلِّفَهَا مَا لَا تَطِيقُ، فَتَنْقَطِعُ بِهِ الدَّابَّةُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ؛ فَمَاذَا يَكُونُ شَأْنُهُ؟!
شَأْنُهُ أَنَّهُ قَدِ انْبَتَّ -يَعْنِي: انْقَطَعَ-، لَا أَرْضًا قَطَعَ، وَلَا غَايَةً إِلَيْهَا قَدْ وَصَلَ، وَهُوَ -أَيْضًا- قَدِ انْقَطَعَ، فَلَا ظَهْرًا أَبْقَى، وَلَا دَابَّةٌ تَحْتَمِلُهُ قَدْ بَقِيَتْ لَهُ، إِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ، وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى.
فَالنَّبِيُّ ﷺ الَّذِي أَمَرَ أَبَا إِسْرَائِيلَ بِأَنْ يُتِمَّ صَوْمَهُ هُنَاكَ هَاهُنَا يَأْمُرُ هَؤُلَاءِ بِأَنْ يَكُونُوا عَلَى سُنَّتِهِ الْقَاصِدَةِ ﷺ، النَّبِيُّ ﷺ -كَمَا فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-- يَقُولُ: ((إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ)). كَمَا قَالَ الرَّسُولُ ﷺ.
أُمَّةٌ وَسَطٌ..
أُمَّةٌ مُتَوَازِنَةٌ مِنْ حَيْثُ الشُّعُورُ..
أُمَّةٌ مُتَوَازِنَةٌ مِنْ حَيْثُ الْقُلُوبُ..
أُمَّةٌ عَلَى السَّوَاءِ النَّفْسِيِّ، لَا تَجِدُ فِيهَا اضْطِرَابًا نَفْسِيًّا يَشْمَلُ أَفْرَادَهَا، بَلْهَ مَجْمُوعَهَا -نَسْأَلُ اللهَ الْعَافِيَةَ-، لَا تَجِدُ فِيهَا اضْطِرَابًا نَفْسِيًّا، وَلَا تَجِدُ فِيهَا مَرَضًا نَفْسِيًّا يَشْمَلُ الْأُمَّةَ فِي مَجْمُوعِهَا بِإِحْسَاسِهَا بِالِانْكِسَارِ، وَرُوحِ الْهَزِيمَةِ الْمُتَغَلْغِلَةِ فِي ذَوَاتِهَا بِإِحْسَاسِهَا بِالِاحْتِقَارِ النَّفْسِيِّ، وَالِانْهِزَامِ الدَّاخِلِيِّ، وَهُوَ أَخْطَرُ مَرَضٍ يُمْكِنُ أَنْ يُصِيبَ أُمَّةً تَرْجُو الْحَيَاةَ، وَتُؤَمِّلُ فِي الْبَقَاءِ؛ أَنْ تَحْتَقِرَ الْأُمَّةُ نَفْسَهَا دَاخِلِيًّا، وَأَنْ تَنْكَسِرَ الْأُمَّةُ غَرِيزِيًّا مِنْ حَيْثُ الْقُلُوبُ، وَأَنْ تُحِسَّ الْأُمَّةُ بِالِاحْتِقَارِ النَّفْسِيِّ، وَالِانْهِزَامِ الدَّاخِلِيِّ.
وَأَمَّا الْأُمَّةُ الْمُتَوَازِنَةُ الَّتِي جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيُنْشِأَهَا -وَقَدْ أَنْشَأَهَا بِالْفِعْلِ-؛ هَذِهِ الْأُمَّةُ أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهَا فَأَقَامَهَا عَلَى التَّوَازُنِ الْحَقِّ عَقَدِيًّا، وَعِبَادِيًّا، وَمُعَامَلَةً وَأَخْلَاقًا وَسُلُوكًا، وَشُعُورًا وَغَرِيزَةً وَعَاطِفَةً وَإِحْسَاسًا.
أَقَامَهَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى السَّوَاءِ النَّفْسِيِّ، فَلَا اضْطِرَابَ وَلَا مَرَضَ، وَلَا قَلَقَ وَلَا مَلَلَ، بَلْ قَامَتِ الْأُمَّةُ فِي عُقُودٍ يَسِيرَةٍ لَا تَتَجَاوَزُ فِي الْعَدِّ أَصَابِعَ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ، فِي عُقُودٍ يَسِيرَةٍ قَامَتِ الْأُمَّةُ فَحَطَّمَتْ جَمِيعَ مَقَايِيسِ التَّارِيخِ السَّابِقَةِ.
أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: إِنَّ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- قَدْ نَعَتَهَا بِالْأُمَّةِ الْوَسَطِ؟! فَهِيَ وَسَطٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
يَقُولُ النَّبِيُّ الْمَأْمُونُ ﷺ: ((هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ، هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ، هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ)) قَالَهَا ثَلَاثًا ﷺ.
وَعَلَيْهِ؛ فَعَلَيْنَا أَنْ نَتَوَازَنَ -عِبَادَ اللهِ-!
((مِنْ وَسَائِلِ الْأَمْنِ الْفِكْرِيِّ: مُحَارَبَةُ الشَّائِعَاتِ))
يُعَدُّ التَّثَبُّتُ مِنَ الْأَخْبَارِ مِنْ أَهَمِّ دَعَائِمِ الْأَمْنِ الْفِكْرِيِّ، وَوَسَائِلِ حِمَايَةِ الْمُجْتَمَعِ مِنَ التَّضْلِيلِ وَالِاضْطِرَابِ؛ إِذْ قَدْ تَتَحَوَّلُ الْكَلِمَةُ الَّتِي تُنْقَلُ بِغَيْرِ تَحَقُّقٍ إِلَى شَرَارَةٍ تُشْعِلُ الْفِتَنَ، «وَقَدْ تَوَعَّدَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- أَهْلَ الشَّرِّ بِقَوْلِهِ -سُبْحَانَهُ-: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [الأحزاب: 60] أَيْ: مَرَضُ شَكٍّ أَوْ شَهْوَةٍ.
{وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ} أَيْ: الْمُخَوِّفُونَ الْمُرْهِبُونَ الْأَعْدَاءَ، الْمُتَحَدِّثُونَ بِكَثْرَتِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ وَضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ.
وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَعْمُولَ الَّذِي يَنْتَهُونَ عَنْهُ؛ لِيَعُمَّ ذَلِكَ كُلَّ مَا تُوحِي بِهِ أَنْفُسُهُمْ إِلَيْهِمْ، وَتُوَسْوِسُ بِهِ، وَتَدْعُو إِلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ: مِنَ التَّعْرِيضِ بِسَبِّ الْإِسْلَامِ وَأهْلِهِ، وَالْإِرْجَافِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَتَوْهِينِ قُوَاهُمْ، وَالتَّعَرُّضِ لِلْمُؤْمِنَاتِ بِالسُّوءِ وَالْفَاحِشَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَاصِي الصَّادِرَةِ مِنْ أَمْثَالِ هَؤُلَاءِ.
{لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} أَيْ: لَنَأْمُرَنَّكَ بِعُقُوبَتِهِمْ وَقِتَالِهِمْ، وَلَنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ، لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِكَ، وَلَيْسَ لَهُمْ قُوَّةٌ وَلَا امْتِنَاعٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا} أَيْ: لَا يُجَاوِرُونَكَ فِي الْمَدِينَةِ إِلَّا قَلِيلًا، بِأَنْ تَقْتُلَهُمْ أَوْ تَنْفِيَهُمْ.
وَهَذَا فِيهِ دَلِيلٌ لِنَفْيِ أَهْلِ الشَّرِّ، الَّذِينَ يُتَضَرَّرُ بِإِقَامَتِهِمْ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْسَمُ لِلشَّرِّ، وَأَبْعَدُ مِنْهُ، وَيَكُونُونَ {مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} أَيْ: مُبْعَدِينَ حَيْثُ وُجِدُوا، لَا يَحْصُلُ لَهُمْ أَمْنٌ، وَلَا يَقَرُّ لَهُمْ قَرَارٌ، يَخْشَوْنَ أَنْ يُقْتَلُوا أَوْ يُحْبَسُوا أَوْ يُعَاقَبُوا».
إِنَّ الْأَرَاجِيفَ وَالشَّائِعَاتِ الَّتِي تَنْطَلِقُ مِنْ مَصَادِرَ شَتَّى، وَمَنَافِذَ مُتَعَدِّدَةٍ إِنَّمَا تَسْتَهْدِفُ التَّآلُفَ وَالتَّكَاتُفَ، وَتَسْعَى إِلَى إِثَارَةِ النَّعْرَاتِ وَالْأَحْقَادِ، وَنَشْرِ الظُّنُونِ السَّيِّئَةِ، وَتَرْوِيجِ السَّلْبِيَّاتِ، وَتَضْخِيمِ الْأَخْطَاءِ.
الْإِشَاعَاتُ وَالْأَرَاجِيفُ سِلَاحٌ بِيَدِ الْمُغْرِضِينَ وَأَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ وَالْأَعْدَاءِ وَالْعُمَلَاءِ، يَسْلُكُهُ أَصْحَابُهُ؛ لِزَعْزَعَةِ الثَّوَابِتِ، وَهَزِّ الصُّفُوفِ، وَخَلْخَلَةِ تَمَاسُكِهَا.
وَالْمُرْجِفُونَ: هُمُ الَّذِينَ يَنْشُرُونَ الشَّائِعَاتِ الْكَاذِبَةَ، أَوْ يُبَالِغُونَ فِي تَعْظِيمِ قُوَّةِ الْأَعْدَاءِ وَقُدُرَاتِهِمْ، وَاسْتِحَالَةِ هَزِيمَتِهِمْ، وَكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ؛ مِنْ أَجْلِ تَخْذِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَخْوِيفِهِمْ مِنْ أَعْدَائِهِمْ.
وَقَدْ لَعَنَهُمُ اللهُ حَيْثُمَا وُجِدُوا، وَتَوَعَّدَهُمْ بِأَنْ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ مَنْ يَسْتَأْصِلُ شَأْفَتَهُمْ، وَيَقْطَعَ دَابِرَهُمْ.
وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- أَنَّ هَذَا هُوَ دَيْدَنُ الْمُنَافِقِينَ فِي الْمُوَاجَهَاتِ الَّتِي تَقَعُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، وَتَوَعَّدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ، وَحَذَّرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ السَّمَاعِ لَهُمْ، وَتَصْدِيقِهِمْ، وَإِشَاعَةِ تَخْوِيفَاتِهِمْ وَأَرَاجِيفِهِمْ؛ فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [الأحزاب: 60- 61].
وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا- كَاشِفًا حَقِيقَةَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ، وَمُبَيِّنًا أَثَرَهُمْ فِي الْإِرْجَافِ وَالتَّخْوِيفِ، وَالتَّعْوِيقِ وَالتَّخْذِيلِ، وَنَشْرِ الْفِتْنَةِ بَيْنَ أَبْنَاءِ الْمُجْتَمَعِ الْوَاحِدِ: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب: 18].
وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: 47].
فَبَيَّنَ أَنَّ وُجُودَهُمْ فِي صَفِّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا شَرًّا وَفَسَادًا، وَضَعْفًا وَهَوانًا، وَفِتْنَةً وَفُرْقَةً.
وَيَعْظُمُ الْبَلَاءُ حِينَ يَكُونُ فِي الْمُسْلِمِينَ جَهَلَةٌ سُذَّجٌ، يَسْمَعُونَ لِهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الْمَفْتُونِينَ، فَيَتَأَثَّرُونَ بِإشَاعَاتِهِمْ، وَيَسْتَجِيبُونَ لِتَخْوِيفَاتِهِمْ، وَيُصْبِحُونَ أَبْوَاقًا لَهُمْ، وَبَبَّغَاوَاتٍ يُرَدِّدُونَ أَرَاجِيفَهُمْ، وَيَنْشُرُونَ فِتَنَهُمْ؛ لِهَذَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ}.
فَيَتَوَلَّدُ مِنْ سَعْيِ أُولَئِكَ الْمُنَافِقِينَ، وَقَبُولِ هَؤُلَاءِ السَّاذَجِينَ مِنَ الشَّرِّ وَالْبَلَاءِ، وَتَوْهِينِ عَزَائِمِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِرْعَابِهِمْ مَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْبَلَاءِ عَلَى أُمَّتِهِمْ، وَأَكْبَرِ الْمَدَدِ لِأَعْدَائِهِمْ.
وَمَنْ نَظَرَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ خَاصَّةً, وَفِي التَّارِيخِ عَامَّةً؛ يَعْلَمُ يَقِينًا مَا لِلشَّائِعَاتِ مِنْ خَطَرٍ عَظِيمٍ، وَأَثَرٍ بَلِيغٍ، فَالشَّائِعَاتُ تُعْتَبَرُ مِنْ أَخْطَرِ الْأَسْلِحَةِ الْفَتَّاكَةِ وَالْمُدَمِّرَةِ لِلْمُجْتَمَعَاتِ وَالْأَشْخَاصِ.
وَكَمْ أَقْلَقَتِ الْإِشَاعَةُ مِنْ أَبْرِيَاءَ, وَحَطَّمَتْ عُظَمَاءَ، وَهَزَمَتْ مِنْ جُيُوشٍ، وَهَدَمَتْ مِنْ وَشَائِجَ، وَتَسَبَّبَتْ فِي جَرَائِمَ, وَفَكَّكَتْ مِنْ عَلَاقَاتٍ وَصَدَاقَاتٍ، وَأَخَّرَتْ مِنْ سَيْرِ أَقْوَامٍ!!
لِخَطَرِهَا وَجَدْنَا الدُّوَلَ تَهْتَمُّ بِهَا، وَالْحُكَّامَ يَرْقُبُونَهَا، مُعْتَبِرينَ إِيَّاهَا مِقْيَاسَ مَشَاعِرِ الشَّعْبِ نَحْوَ الْإِدَارَةِ صُعُودًا وَهُبُوطًا، وَبَانِينَ عَلَيْهَا تَوقُّعَاتِهِمْ لِأَحْدَاثٍ مَا, سَوَاءٌ عَلَى الْمُسْتَوَى الْمَحَلِّيِّ أَوِ الْمُسْتَوَى الْخَارِجِيِّ.
وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ».
وَفِي رِوَايَةٍ: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي «مُقَدِّمَةِ الصَّحِيحِ».
وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ -رَحِمَهُ اللهُ-: «اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ».
وَأَثَرُ الشَّائِعَاتِ سَيِّئٌ جِدُّ سَيِّئٌ , وَيَنْتُجُ عَنْهَا غَالِبًا آثَارٌ أُخْرَى أَسْوَءُ مِنْهَا،
«إِذَنْ؛ الْإِشَاعَةُ مِنْ أَخْطَرِ الْأَسْلِحَةِ الْفَتَّاكَةِ وَالْمُدَمِّرَةِ لِلْأَشْخَاصِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ، وَلَقَدْ لَجَأَ إِلَيْهَا الْأَعْدَاءُ كَوِسيلَةٍ مِنْ وَسَائِلِ الْهَدْمِ وَالتَّدْمِيرِ لِلْمُجْتَمَعِ الْإِسْلَامِيِّ.
فَكَمْ أَقْلَقَتِ الْإِشَاعَةُ مِنْ أَبْرِيَاءَ، وَحَطَّمَتْ مِنْ عُظَمَاءَ، وَقَطَّعَتْ مِنْ وَشَائِجَ، وَتَسَبَّبَتْ فِي جَرَائِمَ، وَفَكَّكَتْ مِنْ عَلَاقَاتٍ وَصَدَاقَاتٍ، وَكَمْ هَزَمَتْ مِنْ جُيُوشٍ.
وَالْمِثَالُ عَلَى ذَلِكَ فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ ﷺ -أَعْنِي: حَادِثَةَ الْإِفْكِ-، وَهَذَا الْحَادِثُ يُعْتَبَرُ حَدَثَ الْأَحْدَاثِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، لَمْ يُمْكَرْ بِالْمُسْلِمِينَ مَكْرٌ أَشَدُّ مِنْ تِلْكَ الْوَقْعَةِ، وَهِيَ مَجُرَّدُ فِرْيَةٍ وَإِشَاعَةٍ مُخْتَلَقَةٍ، بَيَّنَ اللهُ كَذِبَها فِي قُرْآنٍ يُتْلَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَلِلْإِشَاعَةِ قُدْرَةٌ عَلَى تَفْتِيتِ الصَّفِّ الْوَاحِدِ، وَالرَّأْيِ الْوَاحِدِ وَتَوْزِيعِهِ وَبَعْثَرَتِهِ، فَالنَّاسُ أَمَامَ الْإِشَاعَةِ بَيْنَ مُصَدِّقٍ وَمُكَذِّبٍ، وَمُتَرَدِّدٍ وَمُتَبَلْبِلٍ، وَمُتَنَاقِضٍ يَنْظُرُ إِلَى هَذِهِ الْأَخْبَار أَمَامَ نَاظِرَيْهِ وَسَمْعِهِ؛ فَيَجِدُ هَذَا يَنْفِي، وَذَاكَ يُثْبِتُ، وَذَاكَ يُشَكِّكُ، وَيَجِدُ آخِرَ يُؤَكِّدُ!!
فَكَمْ مِنْ حَيٍّ قَدْ قِيلَ إِنَّهُ مَيِّتٌ، وَكَمْ مِنْ مَيِّتٍ زَعَمُوا حَيَاتَهُ!!
وَكَمْ مِنْ ضَالٍّ شَاعَ أَمْرُهُ بِأَنَّهُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَأَصْحَابِ الْكَرَامَاتِ، وَكَمْ مِنْ رَجُلٍ صَالِحٍ شَاعَ أَمْرُهُ أَنَّهُ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَفَعَلَ الْأَفَاعِيلَ!!
وَكَمْ مِنْ بَرِيءٍ قَدِ اتُّهِمَ، وَكَمْ مِنْ مُتَّهَمٍ حَوْلَهُ قَرَائِنُ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلَى جَرِيمَتِهِ؛ تَأْتِي الْإِشَاعَةُ فَتُبَرِّئُهُ؛ حَتَّى يَصِيرَ كَالشَّمْسِ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ!!
يَخْتَلِطُ الْحَابلُ بِالنَّابِلِ، وَالصَّحِيحُ بِالْمَرِيضِ، وَالسَّلِيمُ بِالْعَلِيلِ، وَالْأَحْمَرُ بِالْأَسْوَدِ!!» .
إِنَّ أُسْلُوبَ الْإِشَاعَةِ مِنْ أَخْطَرِ أَسَالِيبِ الْحَرْبِ النَّفْسِيَّةِ؛ إِنَّهُ يُثِيرُ الْبَلْبَلَةَ فِي نُفُوسِ النَّاسِ، وَيُضْعِفُ رُوحَهُمُ الْمَعْنَوِيَّةَ، فَيَنْهَزِمُونَ دَاخِلَ نُفُوسِهِمْ، وَبِذَلِكَ يَنْهَزِمُونَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَهَزِيمَةُ النَّفْسِ هِيَ الْهَزِيمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ الَّتِي يَتْبَعُهَا الِانْهِيَارُ وَالِانْدِحَارُ.
وَكُلُّ خَبَرٍ هَامٍّ يُشَكُّ فِي صِحَّتِهِ، وَيَتَعَذَّرُ التَّحَقُّقُ مِنْ أَصْلِهِ فَهُوَ إِشَاعَةٌ؛ لِتَحَقُّقِ الشَّرْطَيْنِ الرَّئِيسَيْنِ لَهَا، وَهُمَا: الْغُمُوضُ، وَالْأَهَمِّيَّةُ.
وَالَّذِي يَنْبَغِي عَلَى الْمُسْلِمِ عِنْدَ سَمَاعِهِ مِثْلَ هَذِهِ الْإِشَاعَاتِ وَالْأَخْبَارِ:
* أَنْ يُقَدِّمَ حُسْنَ الظَّنِّ بِأَخِيِه الْمُسْلِمِ، وَهُوَ طَلَبُ الدَّلِيلِ الْبَاطِنيِّ الْوُجْدَانِيِّ، وَأَنْ يُنْزِلَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ بِمَنْزِلَتِهِ، وَهَذِهِ هِيَ وِحْدَةُ الصَّفِّ الدَّاخِلِيِّ: {لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا} [النور: 12].
* وَأنْ يَطْلُبَ الدَّلِيلَ الْخَارِجِيَّ الْبُرْهَانيَّ: {لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النور: 13].
* وَأَلَّا يَتَحَدَّثَ بِمَا سَمِعَهُ وَلَا يَنْشُرَهُ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَوْ لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِمِثْلِ هَذِهِ الشَّائِعَاتِ لَمَاتَتْ فِي مَهْدِهَا، وَلَمْ تَجِدْ مَنْ يُحْيِيهَا إِلَّا مِنَ الْمُنَافِقِينَ: {ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا} [النور: 16].
* وَأَنْ يُرَدَّ الْأَمْرُ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ، وَلَا يُشِيعُ النَّاسُ بَيْنَ النَّاسِ الشَّائِعَاتِ، فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ فِي كُلِّ الْأَخْبَارِ الْمُهِمَّةِ، وَالَّتِي لَهَا أَثَرُهَا الْوَاقِعِيُّ، كَمَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا} [النساء: 83].
فَأَنْكَرَ اللهُ -تَعَالَى- عَلَيْهِمْ خَوْضَهُمْ فِي الْأُمُورِ الْعَامَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَمْنِ وَالْخَوْفِ، وَإِذَاعَتَهُمْ لِأَخْبَارِهَا قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنُوا حَقِيقَتَهَا، وَيَتَأَمَّلُوا فِي آثَارِهَا وَعَوَاقِبِهَا.
ثُمَّ حَثَّهُمْ عَلَى رَدِّ الْأَمْرِ إِلَى وُلَاةِ الْأَمْرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْأُمَرَاءِ، فَهُمْ بِحَسَبِ فِقْهِهِمْ بِالشَّرْعِ وَمَعْرِفَتِهِمْ بِالْوَاقِعِ أَقْدَرُ عَلَى إِدْرَاكِ الْحَقَائِقِ، وَالنَّظَرِ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ وَمَآلَاتِهَا، وَمَا يَنْبَغِي نَشْرُهُ وَإِعْلَانُهُ، وَمَا يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَنْهُ وَكِتْمَانُهُ.
وَعَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْإِشَاعَةَ بِاسْتِنْفَارِ الطَّاقَاتِ، وَتَجْمِيعِ الْقُوَى وَالْإِمْكَانَاتِ حَوْلَ هَدَفٍ وَاحِدٍ مُحَدَّدٍ، مَعَ السُّرْعَةِ فِي اتِّخَاذِ الْإِجْرَاءَاتِ بَعْدَ أَيِّ إِشَاعَةٍ، وَقَبْلَ أَنْ تَفْعَلَ فِعْلَهَا الْمُدَمِّرَ فِي الصَّفِّ الْمُسْلِمِ.
* وَتُعَامَلُ الشَّائِعَاتُ بِالصَّمْتِ، وَعَدَمِ الْخَوْضِ فِيهَا: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ».
فَالْإِنْسَانُ لَا يَخْسَرُ بِالسُّكُوتِ شَيْئًا، كَمَا يَخْسَرُ حِينَ يَخُوضُ فِيمَا لَا يُحْسِنُهُ أَوْ يَتَدَخَّلُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، وَالسَّلَامَةُ لَا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ.
وَفِي «الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ» عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: «لَا تَكُونُوا عُجُلًا، مَذَايِيعَ، بُذْرًا». وَهُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.
«لَا تَكُونُوا عُجُلًا»: جَمْعُ عَجُولٍ، لَا تَكُنْ عَجُولًا، كُنْ حَلِيمًا ذَا أَنَاةٍ، كُنْ وَرِعًا مُتَثَبِّتًا، وَالْعَجَلَةُ دَاءٌ عَظِيمٌ، وَالْمُؤْمِنُ ذُو تَثَبُّتٍ وَأَنَاةٍ.
«لَا تَكُونُوا عُجُلًا مَذَايِيعَ»: مَذَايِيعَ: جَمْعُ مِذْيَاعٍ، وَهُوَ الْمُبَالِغُ فِي نَشْرِ الْأَخْبَارِ، وَهُمُ الَّذِينَ يُشِيعُونَ الْفَاحِشَةَ.
وَمَذَايِيعُ: بِنَاءُ مُبَالَغَةٍ، كُلَّمَا سَمِعَ كَلَامًا رَدَّدَهُ وَبَثَّهُ وَأَذَاعَهُ.
«بُذْرًا»: جَمْعُ بَذُورٍ، الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكْتُمَ سِرَّهُ، يَعْنِي الْمُفْشِينَ لِلْأَسْرَارِ، يُقَالُ: بَذَرْتُ الْكَلَامَ بَيْنَ النَّاسِ، أَيْ: أَفْشَيْتَهُ وَفَرَّقْتَهُ.
أَيْ: لَا تَسْتَعْجِلُوا فِي إِذَاعَةِ الْأَشْيَاءِ وَالْأَخْبَارِ وَالْفَوَاحِشِ، وَلَا تُفْشُوا الْأَسْرَارَ، فَهُنَاكَ بَلَاءٌ شَدِيدٌ شَاقٌّ يَنْتَظِرُكُمْ، وَفِتَنٌ ثَقِيلَةٌ تَتَرَقَّبُكُمْ، فَلَا تُسْهِمُوا فِي صُنْعِ الْفِتَنِ وَالرَّزَايَا.
وَفِي الْأَثَرِ: النَّهْيُ عَنْ إِشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ، وَإِفْشَاءِ أَسْرَارِ النَّاسِ، فَإِذَا ذَكَرْتَ عُيُوبَ النَّاسِ وَأَشَعْتَ الْفَاحِشَةَ، وَكُنْتَ عَجُولًا لَا تَتَثَّبَتُ، فَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ وَرَائِكَ بَلَاءً مُبَرِّحًا مُبْلِحًا، وَأُمُورًا مُتَمَاحِلَةً رُدُحًا، وَسَتَأْتِي فِتَنٌ عَظِيمَةٌ ثَقِيلَةٌ -نَسْأَلُ اللهَ الْعَافِيَةَ-.
وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ الْإِنْسَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَثَبَّتَ؛ لِأَنَّ عَامَّةَ مَا يُقَالُ فِي زَمَانِ الْفِتَنِ لَا أَصْلَ لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الْمُخْتَلَقَاتِ مِنَ التُّرَّهَاتِ.
فَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ مُتَوَقِّيًا، فَلَا يُصَدِّقُ كُلَّ مَا يَسْمَعُ، فَمَا أَكْثَرَ الْكَذِبِ فِي النَّاسِ!
وَمَا أَحْرَى الْمُسْلِمِينَ فِي أَيَّامِ الْفِتَنِ بِالْتِزَامِ هَذَا النَّهْجِ الشَّرِيفِ، الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ عَلِيٌّ ﭬ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ مُقْتَبِسٌ!
فَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَتَثَبَّتَ، وَلَا يَقُولَ وَلَا يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا يَسْمَعُ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي «مُقَدِّمَةِ الصَّحِيحِ»، وَأَبُو دَاوُدَ فِي «سُنَنِهِ».
«وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يُشِيعُونَ كُلَّ مَا يَسْمَعُونَهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَيَدُورُونَ بِهِ عَلَى الْمُجْتَمَعَاتِ وَالنَّوَادِي، بَلْ إِنَّهُ لَيْسَ شَرْطًا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْبَاطِلِ قَدْ غُنُوا عَنْ بَذْلِ الْمَجْهُودِ فِي ذَلِكَ فِي هَذَا الْعَصْرِ؛ لِمَا سَبَقَتِ الشِّقْوَةُ عَلَيْهُمْ.
فَإِنَّ الْوَاحِدَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي خَلْوَتِهِ مُخَاطِبًا الْعَالَمَ كُلَّهُ، وَيَنْشُرُ الْأَكَاذِيبَ، وَيُشِيعُ الْفَاحِشَةَ فِي الدُّنْيَا بِأَرْجَائِهَا عَنْ طَرِيقِ الْوَسَائِلِ الْحَدِيثَةِ فِي الْمَعْلُومَاتِ وَالِاتِّصَالَاتِ».
أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُسَلِّمَ مُجْتَمَعَنَا وَجَمِيعَ مُجْتَمَعَاتِ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ بِقَاعِ الْأَرْضِ، إِنَّهُ تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
((مِنْ وَسَائِلِ الْأَمْنِ الْفِكْرِيِّ: لُزُومُ غَرْزِ الْعُلَمَاءِ))
يُعَدُّ سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ مِنْ أَهَمِّ دَعَائِمِ الْأَمْنِ الْفِكْرِيِّ؛ إِذْ يَحْمِي الْعُقُولَ مِنَ الْجَهْلِ وَسُوءِ الْفَهْمِ، وَيَقِي الْمُجْتَمَعَ مِنَ الْفَتَاوَى الْمُنْحَرِفَةِ وَالتَّفْسِيرَاتِ الْمَغْلُوطَةِ لِلنُّصُوصِ، وَيُعِينُ الْإِنْسَانَ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَبَيْنَ الْفَهْمِ الرَّشِيدِ وَالتَّحْرِيفِ الَّذِي تَحْكُمُهُ الْأَهْوَاءُ، قَالَ تَعَالَى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
((الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الدِّينِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْإِنْسَانِ عِلْمٌ مِنْهَا أَنْ يَسْأَلَ مَنْ يَعْلَمُهَا مِنَ الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ)).
وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا».
هَذَا الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَانْظُرْ حَوْلَكَ وَاسْمَعْ تُوقِنْ وَتَقْنَعْ.
هَذَا النَّصُّ الَّذِي ذَكَرَهُ نَبِيُّنَا ﷺ يَتَنَاوَلُهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْبَيَانِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ: «اعْلَمُوا -رَحِمَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ- أَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَالْمُعْتَزِلَةِ قَدِ اجْتَهَدُوا أَنْ يُدْخِلُوا عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ شَيْئًا مِنْ بِدَعِهِمْ وَضَلَالِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ؛ لِذَبِّ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَدَفْعِ الْبَاطِلِ، حَتَّى ظَفِرُوا بِقَوْمٍ فِي آخِرِ الْوَقْتِ مِمَّنْ تَصَدَّى لِلْعِلْمِ، وَلَا عِلْمَ لَهُ، وَلَا فَهْمَ لَهُ، وَيَسْتَنْكِفُ وَيَتَكَبَّرُ أَنْ يَتَفَهَّمَ وَأَنْ يَتَعَلَّمَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مُتَصَدِّرًا مُعَلِّمًا -بِزَعْمِهِ-، فَيَرَى بِجَهْلِهِ أَنَّ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ عَارًا وَغَضَاضَةً، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ سَبَبًا إِلَى ضَلَالِهِ وَضَلَالِ جَمَاعَتِهِ مِنَ الْأُمَّةِ ((حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا».
وَقَالَ الرَّاغِبُ الْأَصْبَهَانِيُّ: «لَا شَيْءَ أَوْجَبُ عَلَى السُّلْطَانِ مِنْ رِعَايَةِ أَحْوَالِ الْمُتَصَدِّرِينَ لِلرِّيَاسَةِ فِي الْعِلْمِ؛ فَمِنَ الْإِخْلَالِ بِهَا يَنْتَشِرُ الشَّرُّ، وَيَكْثُرُ الْأَشْرَارُ، وَيَقَعُ بَيْنَ النَّاسِ التَّظَاهُرُ وَالتَّنَافُرُ، وَلَمَّا تَرَشَّحَ قَوْمٌ لِلزَّعَامَةِ فِي الْعِلْمِ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، وَأَحْدَثُوا بِجَهْلِهِمْ بِدَعًا اسْتَغْنَوْا بِهَا عَامَّةً، وَاسْتَجْلَبُوا بِهَا مَنْفَعَةً وَرِيَاسَةً، فَوَجَدُوا مِنَ الْعَامَّةِ مُسَاعَدَةً بِمُشَارَكَةٍ لَهُمْ، وَقُرْبِ جَوْهَرِهِمْ مِنْهُمْ.
وَفَتَحَوُا بِذَلِكَ طُرُقًا مُنْسَدَّةً، وَرَفَعُوا بِهِ سُتُورًا مُسْبَلَةً، وَطَلَبُوا مَنْزِلَةَ الْخَاصَّةِ، فَوَصَلُوهَا بِالْوَقَاحَةِ، وَبِمَا فِيهِمْ مِنَ الشَّرَهِ، فَبَدَّعُوا الْعُلَمَاءَ، وَجَهَّلُوهُمُ اغْتِصَابًا لِسُلْطَانِهِمْ، وَمُنَازَعَةً لِمَكَانِهِمْ، فَأَغْرَوْا بِهِمْ أَتْبَاعَهُمْ؛ حَتَّى وَطَئُوهُمْ بِأَظْلَافِهِمْ وَأَخْفَافِهِمْ، فَتَوَلَّدَ بِذَلِكَ الْبَوَارُ وَالْجَوْرُ الْعَامُّ وَالْعَارُ».
تَأَمَّلْ فِي كَلَامِهِ، وَانْظُرْ فِي حَالِ النَّاسِ حَوْلَكَ.
«مَا حَلَّ بِالنَّاسِ مَا حَلَّ؛ مِنِ انْحِرَافِ بَعْضِ الشَّبَابِ فِي مُعْتَقَدِهِ، وَظُهُورِ بَوَادِرِ الْفِتَنِ، وَتَجَرُّؤِ الصِّغَارِ عَلَى كِبَارِ الْأَئِمَّةِ، وَخُرُوجِهِمْ عَنْ طَرِيقَتِهِمُ الْمُسْتَقَاةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْأَثَرِ مَعَ مَعْرِفَةٍ تَامَّةٍ بِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وَمَوَاقِعِ الْمَصْلَحَةِ؛ مَا حَلَّ بِالنَّاسِ مَا حَلَّ مِنْ هَذَا إِلَّا لِاخْتِلَالِ الْمِيزَانِ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ الْعُلَمَاءُ، وَارْتِقَاءِ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ إِلَى مَصَافِّ الْكِبَارِ زُورًا وَظُلْمًا وَبُهْتَانًا، وَإِلَى اللهِ الْمُشْتَكَى!!».
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: «إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ كَثِيرٍ فُقَهَاؤُهُ، قَلِيلٍ خُطَبَاؤُهُ، قَلِيلٍ سُؤَّالُهُ، كَثِيرٍ مُعْطُوهُ». هَذَا حَالٌ.
وَقَدْ كَانَ الْعَمَلُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ قَائِدًا لِلْهَوَى، «وَسَيَأْتِي مِنْ بَعْدِكُمْ زَمَانٌ قَلِيلٌ فُقَهَاؤُهُ، كَثِيرٌ خُطَبَاؤُهُ، كَثِيرٌ سُؤَّالُهُ، قَلِيلٌ مُعْطُوهُ، الْهَوَى فِيهِ قَائِدٌ لِلْعَمَلِ؛ اعْلَمُوا أَنَّ حُسْنَ الْهَدْيِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ خَيْرٌ مِنْ بَعْضِ الْعَمَلِ». أَخْرَجَ مَالِكٌ هَذَا الْأَثَرَ فِي «الْمُوَطَّأِ»، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي «الِاسْتِذْكَارِ»: «هَذَا الْحَدِيثُ وَرَدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ وُجُوهٍ مُتَّصِلَةٍ حِسَانٍ مُتَوَاتِرَةٍ».
قَالَ: «وَالْعِيَانُ –يَعْنِي: الْمُشَاهَدَةَ- فِي هَذَا الزَّمَانِ –أَيْ: فِي زَمَانِهِ فِي مُنْتَصَفِ الْقَرْنِ الْخَامِسِ الْهِجْرِيِّ؛ فَقَدْ تُوُفِّيَ سَنَةَ 463هـ- عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ كَالْبُرْهَانِ».
يَقُولُ: «لَقَدْ وَقَعَ فِي زَمَانِنَا هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ». فَكَأَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ أَمْرِ الْمُشَاهَدَةِ كَالْبُرْهَانِ عَلَى صِدْقِ مَا قَالَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي زَمَانِهِ فَمَا نَقُولُ فِي زَمَانِنَا؟!
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ، قَالُوا: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الرَّجُلُ التَّافِهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي يَعْلَى: «الْفُوَيْسِقُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ».
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «السَّفِيهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ».
وَفِي بَعْضِهَا: «مَنْ لَا يُؤْبَهُ لَهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ».
وَعَلَيْهِ؛ فَكُلُّ مَا وَقَعَ مِنْ هَذَا الْفَشَلِ الذَّرِيعِ؛ فَهَذَا اجْتِهَادُ أَقْوَامٍ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَجْتَهِدُوا أَصْلًا؛ لِأَنَّهُمْ جُهَّالٌ بِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ.
لِأَنَّهُمْ جُهَّالٌ بِحَقَائِقِ رُوحِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ.
لِأَنَّهُمْ جُهَّالٌ بِمَآلَاتِ الْأَحْوَالِ.
لِأَنَّهُمْ جُهَّالٌ بِهَذَا الْوَاقِعِ الْمَنْظُورِ الْمُشَاهَدِ؛ وَإِنِ ادَّعَوْا أَنَّهُمْ وَحْدَهُمُ الَّذِينَ يَفْهَمُونَهُ.
وَالْحَقُّ أَنَّهُمْ وَحْدَهُمُ الَّذِينَ لَا يَفْهَمُونَهُ.
وَحْدَهُمُ الَّذِينَ لَا يَفْقَهُونَهُ.
وَحْدَهُمُ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَهُ.
وَإِنَّمَا لَا يَعْرِفُونَ الْأَمْرَ إِلَّا بِالتَّجْرِبَةِ وَالْخَطَأِ، وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى إِلَّا مِنِ اثْنَيْنِ: مِنَ الْحَيَوَانِ، وَالطِّفْلِ الصَّغِيرِ، فَالطِّفْلُ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي يَتَعَلَّمُ بِالتَّجْرِبَةِ وَالْخَطَأِ، وَالْحَيَوَانُ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي يَتَعَلَّمُ أَوْ لَا يَتَعَلَّمُ بِالتَّجْرِبَةِ وَالْخَطَأِ.
فَالْعِلْمُ فِيهِ الْهِدَايَةُ وَالِاهْتِدَاءُ، وَالْجَهْلُ فِيهِ الضَّلَالُ وَالْإِضْلَالُ.
((الْأَمْنُ الْفِكْرِيُّ الْإِلِكْتُرُونِيُّ))
لَقَدْ أَصْبَحَ الْأَمْنُ الْفِكْرِيُّ فِي عَصْرِ الِانْفِتَاحِ الْإِعْلَامِيِّ وَالتَّوَاصُلِ الرَّقَمِيِّ ضَرُورَةً لِحِمَايَةِ هُوِيَّةِ الْمُجْتَمَعِ وَعَقِيدَتِهِ وَثَوَابِتِهِ، وَصِيَانَةِ عُقُولِ أَفْرَادِهِ مِنَ التَّضْلِيلِ وَالِاسْتِلَابِ الْفِكْرِيِّ، وَقَدْ نَهَى الْقُرْآنُ عَنِ اتِّبَاعِ مَا لَا يَقُومُ عَلَى عِلْمٍ أَوْ دَلِيلٍ، فَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36].
وَلَا تَتَّبِعْ -أَيُّهَا الْإِنْسَانُ- فِي أَيِّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ حَيَاتِكَ شَيْئًا لَا تَعْلَمُ أَنَّهُ حَقٌّ وَصَوَابٌ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ؛ فَإِنَّ لَدَيْكَ مِنْ أَدَوَاتِ الْمَعْرِفَةِ مَا تَسْتَطِيعُ بِهِ التَّبَصُّرَ فِي الْأُمُورِ.
فَإِذَا أَنْتَ اتَّبَعْتَ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَقَدْ عَطَّلْتَ أَدَوَاتِ الْمَعْرِفَةِ الَّتِي لَدَيْكَ.
إِنَّ الْإِنْسَانَ مَسْؤُولٌ عَمَّا اسْتَعْمَلَ فِيهِ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَعُمْقَ قَلْبِهِ الَّذِي هُوَ أَدَاةُ الْإِدْرَاكِ فِي الْإِنْسَانِ، وَمَرْكَزُ اسْتِقْرَارِ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ وَالَّذِي تَنْطَلِقُ مِنْهُ الْإِرَادَاتُ.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [البقرة: 168].
إنَّمَا يُوَسْوِسُ لَكُمُ الشَّيْطَانُ بِطَاعَتِهِ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ مِنْ فِعْلِ السُّوءِ، بَدْءًا مِنْ صَغَائِرِ الذُّنُوبِ وَالمَعَاصِي إلَى أَشَدِّهَا وَكَبَائِرهَا، وَلِطَاعَتِهِ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ مِنَ الكَبَائِرِ المُتَعَلِّقَةِ بِالفُرُوجِ، وَلِطَاعَتِهِ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ مِنْ تَقَوُّلٍ عَلَى اللهِ فِي دِينِهِ وَتَحْرِيفٍ فِي أَحْكَامِ شَرِيعَتِهِ لِعِبَادِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ فِي الحَقَائِقِ العِلْمِيَّةِ الِاعْتِقَادِيَّةِ أَوْ فِي الأَحْكَامِ السُّلُوكِيَّةِ.
وَالشَّيْطَانُ بِخُطُوَاتِهِ المُتَنَازِلَاتِ يَبْدَأُ بِأَهْوَنِ الذُّنُوبِ وَأَصْغَرِهَا، وَيَنْتَقِلُ بِمَنْ يُغْوِيهِمْ وَيَخْدَعُهُمْ شَيْئًا فَشَيْئًا إلَى المَعَاصِي الأَشَدِّ فَالأَشَدِّ، التِّي تَمْتَدُّ بُقْعَةُ انْتِشَارِهَا وَآثَارُهَا الفَاسِدَةُ وَالمُفْسِدَةُ حَتَّى يُوصِلَهُمْ إِلَى الشِّرْكِ فَمَا هُوَ أَقْبَحُ وَأَخَسُّ مِنَ الشِّرْكِ؛ كَالإِلْحَادِ؟! وَإِنْكَارِ وُجُودِ الخَالِقِ العَظِيم، وَكَالنِّفَاقِ.
وَهُوَ إنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِمَا يَسُوءُ مِنَ الآثَامِ وَمَا يَعْظُمُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ فِي العَقَائِدِ وَالشَّرَائِعِ بِغَيْرِ عِلْمٍ جَاءَكُمْ عَنِ اللهِ أَوْ عَنْ رَسُولِهِ ﷺ.
وَأَرْشَدَ الْقُرْآنُ إِلَى الْإِعْرَاضِ عَنْ مَجَالِسِ الْخَوْضِ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالْبُعْدِ عَنْ مَجَالِسِ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَكُونُ عَلَى مَوَاقِعِ الِانْتَرْنِت، فَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68].
وَإِذَا كُنْتَ -يَا رَسُولَ اللهِ، وَيَا كُلَّ مُؤْمِنٍ- قَاعِدًا مَعَ كَافِرِينَ تَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ، وَرَأَيْتَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ وَسَمِعْتَهُمْ يَطْعَنُونَ فِي آيَاتِنَا، وَيَسْخَرُونَ مِنْهَا مُعْلِنِينَ كُفْرَهُمْ بِهَا، فَأَدِرْ عَارِضَ وَجْهِكَ عَنْهُمْ، وَلَا تُجَالِسْهُمْ حَتَّى يَكُونَ خَوْضُهُمْ فِي غَيْرِ الْحَدِيثِ الَّذِي كَانُوا يَخُوضُونَ فِيِه كُفْرًا بِآيَاتِنَا وَاسْتِهْزَاءً بِهَا.
وَإِنْ أَنْسَاكَ الشَّيْطَانُ هَذَا الْأَمْرَ نِسْيَانًا مُؤَكَّدًا فَقَعَدْتَ مَعَهُمْ، وَلَمْ تُعْلِنْ كَرَاهِيَتَكَ لِحَدِيثِهِمْ بِصُورَةٍ عَمَلِيَّةٍ فَقُمْ عَنْهُمْ، وَلَا تَقْعَدْ بَعْدَ تَذَكُّرِكَ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَسْتَهْزِؤُونَ بِهَا.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ: وُجُوبُ اجْتِنَابِ مَجَالِسِ الْمُلْحِدِينَ وَأَهْلِ الْمَعَاصِي وَالْأَهْوَاءِ.
((الْحَيَاةُ بِالْوَحْيِ صِمَامُ أَمْنِ الْأُمَّةِ الْفِكْرِيِّ))
عِبَادَ اللهِ! إِنَّ اللَّهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- خَلَقَ الخَلْقَ لِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَقَامَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ، وَقَطَعَ عَنْهُمُ العُذْرَ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ، وَإِنْزَالِ الكُتُبِ، وَقَدْ أَرْسَلَ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَى كُلِّ قَوْمٍ رَسُولًا: {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فَاطِر: 24]؛ لِكَيْ لَا يَقُومَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَوْمَ القِيَامَةِ حُجَّةٌ، فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ!
وَخَتَمَ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الأُمَمَ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَخَتَمَ النَّبِيِّينَ وَالمُرْسَلِينَ بِسَيِّدِهِمْ وَمُقَدَّمِهِمْ وَخَاتَمِهِمْ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَكَانَ كُلُّ رَسُولٍ يُرْسَلُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَأُرْسِلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ فِي عُمُومِ الزَّمَانِ وَعُمُومِ الْمَكَانِ، فَأَقَامَ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِهِ الحُجَّةَ، وَقَطَعَ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِهِ المَعْذِرَةَ.
لَمَّا كَانَتْ رِسَالَةُ الْإِسْلَامِ آخِرَ بَلَاغَاتِ السَّمَاءِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ؛ كَانَ حَتْمًا أَنْ تَكُونَ مَحْفُوظَةً قَائِمَةً دَائِمَةً إِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا.
وَتَوَلَّى اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حِفْظَ الْوَحْيِ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَسْتَحْفِظْ عَلَيْهِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ، وَكَانَتِ الْأُمَمُ قَبْلَنَا يُسْتَحْفَظُونَ عَلَى وَحْيِ اللَّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَيْهِمْ، فَبَدَّلُوهُ وَحَرَّفُوهُ، وَزَادُوا فِيهِ وَنَقَصُوا مِنْهُ، فَتَوَلَّى اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حِفْظَ الرِّسَالَةِ الخَاتِمَةِ، فَتَوَلَّى حِفْظَ القُرْآنِ بِنَفْسِهِ، وَيَشْمَلُ ذَلِكَ حِفْظَ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّ القُرْآنَ هُوَ المُبَيَّنُ، وَلِأَنَّ السُّنَّةَ هِيَ المُبَيِّنُ، وَلَوْ أَنَّ اللَّهَ -جَلَّ وَعَلَا- حَفِظَ المُبَيَّنَ وَلَمْ يَحْفَظِ المُبَيِّنَ؛ لَأَحَالَنَا عَلَى مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَهُ وَلَا أَنْ نَسْتَوعِبَ مَعَانِيَهُ.
يَعْنِي: إِذَا قَالَ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَنَا: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البَقَرَة: 196]، وَقَالَ لَنَا: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البَقَرَة: 43]؛ فَهَذَا مُبَيَّنٌ تَأْتِي السُّنَّةُ مِنْ أَجْلِ أَنْ تُبَيِّنَهُ.
لَوْ حَفِظَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْمُبَيَّنَ وَلَمْ يَحْفَظْ لَنَا الْمُبَيِّنَ؛ فَإِنَّنَا -حِينَئِذٍ- نُحَالُ عَلَى مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَهُ!!
فَنَقُولُ: إِذَا لَمْ يَحْفَظْ لَنَا السُّنَّةَ؛ كَيْفَ نُصَلِّي؟! وَكَيْفَ نُزَكِّي؟! وَكَيْفَ نَحُجُّ؟! وَكَيْفَ نَعْتَمِرُ؟! إِلَى آخِرِ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ التَّكْلِيفَاتِ.
إِذَنْ؛ يَقُولُ اللَّهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحِجْر: 9].
وَالذِّكْرُ هُوَ القُرْآنُ بِالقَصْدِ الْأَوَّلِ، وَيَشْمَلُ السُّنَّةَ -أَيْضًا- بِفَضْلِ اللَّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ حَتْمًا لِإِقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَى الْخَلْقِ فِي الْأَرْضِ؛ مِنْ حِفْظِ الذِّكْرِ وَالوَحْيِ الذِي يُقِيمُ تِلْكَ الحُجَّةَ.
الوَحْيُ هُوَ رُوحُ العَالَمِ وَنُورُهُ وَحَيَاتُهُ، وَإِذَا خَلَا العَالَمُ مِنَ الرُّوحِ وَالنُّورِ وَالحَيَاةِ؛ أَقَامَ اللَّهُ -تَعَالَى- السَّاعَةَ؛ لِأَنَّ القُرْآنَ يُرْفَعُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ مِنَ الصُّدُورِ وَمِنَ السُّطُورِ، فَيُصْبِحُ النَّاسُ وَلَيْسَ فِي الْأَرْضِ آيَةٌ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَذَلِكَ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ.
وَحِينَئِذٍ -عِنْدَمَا يَخْلُو الْعَالَمُ مِنَ الْحَيَاةِ وَالنُّورِ وَمَادَّةِ هَذَا الوُجُودِ الحَقِّ- فَإِنَّ اللَّهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يُقِيمُ السَّاعَةَ.
إِذَنِ؛ الْوَحْيُ هُوَ نُورُ العَالَمِ وَحَيَاتُهُ وَهِدَايَتُهُ، وَعَلَى قَدْرِ تَمَسُّكِ الْإِنْسَانِ بِهَذَا النُّورِ وَالحَيَاةِ وَالهُدَى يَكُونُ تَحْقِيقُهُ لِلْقَصْدِ الَّذِي لِأَجْلِهِ خَلَقَهُ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ فَإِنَّ اللَّهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- خَلَقَنَا لِغَايَةٍ، وَهَذِهِ الغَايَةُ مُبَيَّنَةٌ فِي الوَحْيِ المَعْصُومِ، وَإِذَا مَا عَاشَ النَّاسُ بِهَذَا الوَحْيِ؛ سَعِدُوا فِي الحَيَاةِ، وَتَجَنَّبُوا سُبُلَ الشَّقَاءِ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، وَلَا حَيَاةَ لِهَذَا العَالَمِ إِلَّا بِأَنْ يَتَمَسَّكَ بِالْوَحْيِ.
الشَّيْطَانُ فِي مَعْرَكَتِهِ مَعَ الْإِنْسَانِ حَرِيصٌ تَمَامَ الْحِرْصِ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ النَّاسَ عَائِشِينَ بِنَقِيضِ الوَحْيِ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا وَحْيٌ وَإِمَّا نَقِيضُهُ، فَإِمَّا أَنْ تَحْيَا بِالْوَحْيِ، وَإِمَّا أَنْ تَحْيَا بِنَقِيضِ الْوَحْيِ.
أَمَّا مَنِ اتَّبَعَ الْوَحْيَ؛ فَهُوَ مُتَّبِعٌ لِلَّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَلِرَسُولِهِ، وَأَمَّا مَنْ فَارَقَ الْوَحْيَ؛ فَهُوَ مُتَّبِعٌ لِلشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا وَحْيٌ، وَإِمَّا نَقِيضُ الوَحْيِ.
وَالَّذِي يُرِيدُهُ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنَّا هُوَ: ((أَنْ نَحْيَا بِالْوَحْيِ))، وَهَذِهِ الجُمْلَةُ لَوْ أَنَّكَ أَخَذْتَ مَعْنَاهَا الصَّحِيحَ، وَجَعَلْتَهُ فِي حَيَاتِكَ نِبْرَاسًا وَمِنْهَاجًا، وَحَقَّقْتَهُ فِي ذَاتِكَ، وَفِي رُوحِكَ، وَفِي نَفْسِكَ، وَفِي جَسَدِكَ، وَفِي مَنْ حَوْلَكَ؛ هَذِهِ الجُمْلَةُ تُورِثُكَ السَّعَادَةَ دُنْيَا وَآخِرَةً، وَتُجَنِّبُكَ الشَّقَاءَ وَالتَّعَاسَةَ دُنْيَا وَآخِرَةً، وَهِيَ: ((عِشْ بِالْوَحْيِ)).. ((عِشْ بِالْوَحْيِ)).
يَقُولُ سُفْيَانُ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((إِنِ اسْتَطَعْتَ أَلَّا تَحُكَّ جِلْدَكَ بِظُفُرِكَ إِلَّا بِأَثَرٍ وَسُنَّةٍ فَافْعَلْ)).
مَعْنَى هَذَا: أَنْ تَكُونَ عَائِشًا بِالوَحْيِ..
مَاذَا قَالَ اللَّهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ؟
وَمَاذَا قَالَ الرَّسُولُ ﷺ فِي هَذَا الشَّأْنِ؟
ثُمَّ تَتَّبِعُ ذَلِكَ، إِنْ جَانَبْتَهُ فَأَنْتَ عَائِشٌ بِنَقِيضِ الوَحْيِ.
النَّبِيُّ ﷺ أَرْسَلَهُ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِكُلِّ مَا يَنْفَعُنَا -يَأْمُرُنَا بِهِ- مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَأُمُورِ الدِّينِ، وَأَرْسَلَهُ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مُحَذِّرًا وَمُنْذِرًا مِنَ اتِّبَاعِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَمِنَ اتِّخَاذِ سُبُلِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مَنْهَجًا وَطَرِيقًا وَسَبِيلًا.
وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ كُلَّ شَيءٍ مِمَّا فِيهِ سَعَادَةُ الْعَبْدِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَمِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ.
قَدْ قِيلَ لِسَلْمَانَ -قَالَ لَهُ حَبْرٌ يَهُودِيٌّ-: عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ؛ حَتَّى الْخِرَاءَةَ!!)).
يَعْنِي: حَتَّى كَيْفَ يَقْضِي الْإِنْسَانُ حَاجَتَهُ.
فَقَالَ: «أَجَلْ؛ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ –أَي: عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ-، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ».
فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ كَيْفَ يَقْضِي الْإِنْسَانُ حَاجَتَهُ، أَفَيُبَيِّنُ هَذَا وَيَتْرُكُ مَا هُوَ فَوْقَهُ مِنْ أُمُورِ الِاعْتِقَادِ، وَمِنْ أُمُورِ الْعِبَادَةِ، وَمِنْ أُمُورِ الْمُعَامَلَةِ، وَمِنْ أُمُورِ الْأَخْلَاقِ وَالسُّلُوكِ؟!!
هَذَا مِمَّا لَا يَقْبَلُهُ عَقْلٌ!!
فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ مِمَّا يَنْفَعُنَا فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، وَكُلَّمَا اسْتَكْثَرَ المَرْءُ مِنْ مَعْرِفَةِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ؛ زَادَ فَلَاحُهُ، وَقَلَّ طَلَاحُهُ، وَازْدَادَ خَيْرُهُ، وَانْتَفَى شَرُّهُ.
نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُفَهِّمَنَا دِينَنَا، وَأَنْ يَرْزُقَنَا مَعْرِفَةَ حَقِيقَتِهِ، وَأَنْ يُمَسِّكَنَا بِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَأَنْ يَهْدِيَنَا وَالْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا إِلَى الْحَقِّ وَالْهُدَى وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
المصدر: الْأَمْنُ الْفِكْرِيُّ.. اسْتِقْرَارٌ مُجْتَمَعِيٌّ وَوَطَنِيٌّ