الْمُسْلِمُ الْحَقُّ نَظِيفٌ طَاهِرٌ وَمَظَاهِرُ حَثِّ النَّبِّي ﷺ عَلَى النَّظَافَةِ


 ((الْمُسْلِمُ الْحَقُّ نَظِيفٌ طَاهِرٌ

وَمَظَاهِرُ حَثِّ النَّبِّي ﷺ عَلَى النَّظَافَةِ))

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ الْإِسْلَامَ أَرَادَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُونُوا شَامَةً فِي النَّاسِ مُتَمَيِّزِينَ فِي زِيِّهِمْ وَهَيْآتِهِمْ وَتَصَرُّفَاتِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ؛ حَتَّى يَكُونُوا قُدْوَةً حَسَنَةً تَجْعَلُهُمْ جَدِيرِينَ بِحَمْلِ رِسَالَتِهِمُ الْعُظْمَى لِلنَّاسِ.

فِي حَدِيثِ الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ ابْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ وَكَانُوا فِي سَفَرٍ قَادِمِينَ عَلَى إِخْوَانِهِمْ: ((إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ؛ فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ، وَأَحْسِنُوا لِبَاسَكُمْ، حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فِي النَّاسِ؛ فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ)) . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْأَلْبَانِيُّ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلتَّحْسِينِ بِشَوَاهِدِهِ، بَلْ قَدْ حُسِّنَ.

وَ((الرِّحَالُ)): مَا يُوضَعُ عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ عِنْدَ رُكُوبِهِ، وَ((الْفُحْشُ وَالتَّفَحُّشُ)): كُلُّ مَا يَشْتَدُّ قُبْحُهُ.

فَقَدْ عَدَّ الرَّسُولُ ﷺ الْهَيْئَةَ الرَّدِيئَةَ، وَالْحَالَةَ الزَّرِيَّةَ، وَإِهْمَالَ الْعِنَايَةِ بِالْمَظْهَرِ، وَالتَّبَذُّلَ فِي اللِّبَاسِ أَوِ الْمَرَافِقِ الْمَفْرُوشَةِ: فُحْشًا وَتَفَحُّشًا، وَهُوَ مَمَّا يَكْرَهُهُ الْإِسْلَامُ الْحَنِيفُ وَيَنْهَى عَنْهُ.

إِنَّ الْمُسْلِمَ الْحَقَّ لَا يُهْمِلُ نَفْسَهُ، وَلَا يَنْسَى ذَاتَهُ مَعَ التَّكَالِيفِ الْعُلْيَا الَّتِي يَحْمِلُهَا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ؛ إِذْ لَا يَنْفَصِلُ فِي نَفْسِهِ مَظْهَرُ الْإِنْسَانِ عَنْ مَخْبَرِهِ، فَإِنَّ الشَّكْلَ الْمُرَتَّبَ الْحَسَنَ أَلْيَقُ بِالْمُحْتَوَى الْجَلِيلِ وَالْجَوْهَرِ النَّبِيلِ.

فَالْمُسْلِمُ الْحَقُّ الْوَاعِي الْحَصِيفُ هُوَ الَّذِي يُوَازِنُ بَيْنَ جِسْمِهِ وَعَقْلِهِ وَرُوحِهِ، فَيُعْطِي لِكُلٍّ حَقَّهُ، وَلَا يُغَالِي فِي جَانِبٍ مِنْ هَذِهِ الْجَوَانِبِ عَلَى حِسَابِ جَانِبٍ، مُسْتَهْدِيًا بِهَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمُتَوَازِنِ الْحَكِيمِ.

وَذَلِكَ فِيمَا يَرْوِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلِمَ بِشَأْنِهِ -أَيْ بِشَأْنِ عَبْدِ اللهِ- فِي الْعِبَادَةِ، فَقَالَ لَهُ: ((أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟!)).

قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ.

قَالَ: ((فَلَا تَفْعَلْ.. صُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ؛ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنَيْكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا))؛ أَيْ: لِضِيفَانِكَ عَلَيْكَ حَقًّا. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ» .

نُرِيدُ اسْتِعَادَةَ التَّوَازُنَ، نُرِيدُ أَنْ نَعُودَ إِلَى السَّوَاءِ النَّفْسِيِّ؛ فَإِنَّ مَا أَصَابَنَا مِنَ الْخَلَلِ أَصَابَنَا فِي الصَّمِيمِ، وَإِذَا لَمْ نَتَدَارَكْ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ مِنَّا خَيْرٌ لَا لِأَنْفُسِنَا وَلَا لِغَيْرِنَا.

فَعَلَيْنَا أَنْ نَتَدَارَكَ، وَعَلَيْنَا أَنْ نُحَاوِلَ اسْتِعَادَةَ الْهُدُوءِ النَّفْسِيِّ، وَالسَّلَامِ الْعَقْلِيِّ، وَاسْتِقْرَارِ الرُّوحِ، وَاطْمِئْنَانِ الضَّمِيرِ، وَسَلَامَةِ التَّصَوُّرِ، وَنَظَافَةِ الشُّعُورِ؛ لِأَنَّنَا بِدُونِ هَذِهِ الْأُمُورِ لَا يُمْكِنُ أَنْ نُفْلِحَ فِي شَيْءٍ.

((فَالْمُسْلِمُ يُحَقِّقُ هَذَا التَّوَازُنَ بَيْنَ جِسْمِهِ وَعَقْلِهِ وَرُوحِهِ هَكَذَا.

الْمُسْلِمُ مُعْتَدِلٌ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ؛ فَيَحْرِصُ الْمُسْلِمُ كُلَّ الْحِرْصِ عَلَى أَنْ يَكُونَ صَحِيحَ الْجِسْمِ قَوِيَّ الْبِنْيَةِ؛ وَلِهَذَا فَهُوَ يَعْتَدِلُ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ، لَا يُقْبِلُ عَلَى الطَّعَامِ إِقْبَالَ الشَّرِهِ النَّهِمِ، وَإِنَّمَا يُصِيبُ مِنْهُ مَا يُقِيمُ بِهِ صُلْبَهُ، وَيَحْفَظُ عَلَيْهِ صِحَّتَهُ وَقُوَّتَهُ وَنَشَاطَهُ.

وَقَدْ قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31].

* وَمِنْ مَظَاهِرِ حَثِّ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى النَّظَافَةِ: حَثُّ النَّبِيِّ عَلَى نَظَافَةِ الْجِسْمِ وَالثِّيَابِ؛ فالنَّبِيُّ ﷺ دَلَّنَا عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نَظِيفَ الْجِسْمِ وَالثِّيَابِ، يَغْتَسِلُ الْمُسْلِمُ الَّذِي يُرِيدُ الْإِسْلَامَ شَامَةً بَيْنَ النَّاسِ؛ لِكَيْ يَكُونَ نَظِيفَ الْجَسَدِ نَظِيفَ الثَّوْبِ، كَمَا أَنَّهُ نَظِيفُ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ وَالضَّمِيرِ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ أَمَرَنَا بِهَذَا الْأَمْرِ: ((اغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاغْسِلُوا رُؤُوسَكُمْ وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا جُنُبًا، وَأَصِيبُوا مِنَ الطِّيبِ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((الصَّحِيحِ)) .

وَبَلَغَ مِنْ شِدَّةِ حَضِّهِ عَلَى النَّظَافَةِ بِالِاسْتِحْمَامِ وَالِاغْتِسَالِ أَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الِاغْتِسَالَ وَاجِبٌ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ -وَهُوَ الْحَقُّ- فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا؛ يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ» .

أَيُّ دِينٍ هَذَا لَوْ كَانَ لَهُ رِجَالٌ!!

وَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا)).

وَلَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَغْتَسِلُ إِلَّا كُلَّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، لَا.. هَذَا أَقْصَى الْمُدَّةِ، كَمَا وَقَّتَ فِي أَخْذِ الظُّفُرِ، وَكَذَلِكَ فِي أَخْذِ الشَّعْرِ مِنَ الْعَانَةِ وَالْإِبْطِ كَمَا وَقَّتَ فِي ذَلِكَ أَرْبَعِينَ عَلَى أَنَّهُ أَقْصَى الْمُدَّةِ، كَمَا أَخْبَرَ أَنَسٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنْهُ ﷺ، فَذَلِكَ أَقْصَى الْمُدَّةِ، لَا أَنَّكَ تَتْرُكُ إِلَى الْأَرْبَعِينَ، بَلِ السُّنَّةُ أَنْ تَفْعَلَ ذَلِك فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً، قَالَ: ((يَغْسِلُ فِيهِ -أَيْ: فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ- رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

((الْمُسْلِمُ الْحَقُّ نَظِيفٌ فِي ثَوْبِهِ وَجَوْرَبِهِ، يَتَفَقَّدُ ثِيَابَهُ وَجَوْرَبَهُ بَيْنَ الْحِينِ وَالْحِينِ؛ لَا يَرْضَى أَنْ تَفُوحَ مِنْ أَرْدَانِهِ أَوْ قَدَمَيْهِ رَائِحَةٌ مُنَفِّرَةٌ، وَيَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ بِالطِّيبِ أَيْضًا.

وَيَتَعَهَّدُ الْمُسْلِمُ الْوَاعِي فَمَهُ، فَلَا يَشُمُّ أَحَدٌ مِنْهُ رَائِحَةً مُؤْذِيَةً كَرِيهَةً، وَذَلِكَ بِتَنْظِيفِ أَسْنَانِهِ كُلَّ يَوْمٍ بِالسِّوَاكِ مَرَّاتٍ، وَبِغَيْرِهِ مِنَ الْمُطَهِّرَاتِ وَالْمُنَظِّفَاتِ.

يَتَفَقَّدُ فَمَهُ وَيَعْرِضُهُ عَلَى الْمُخْتَصِّ بِعِلَاجِهِ إِنِ احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ، وَإِلَى مَنْ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِأَسْنَانِهِ مِمَّنْ لَهُ اخْتِصَاصٌ بِالْفَمِ وَالْحَنْجَرَةِ وَالْأَمْرَاضِ الْبَطْنِيَّةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ تَغَيُّرَ رَائِحَةِ الْفَمِ قَدْ تَكُونُ نَاشِئَةً مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ أَوْ مِنْ بَعْضِهَا؛ فَإِنِ احْتَاجَ الْأَمْرُ إِلَى ذَلِكَ عَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى مَنْ يَخْتَصُّ بِذَلِكَ؛ حَتَّى يَبْقَى فَمُهُ نَقِيًّا مُعَطَّرَ الْأَنْفَاسِ.

تَرْوِي عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ لَا يَرْقُدُ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا فَيَسْتَيْقِظُ إِلَّا تَسَوَّكَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.

وَتَبْلُغُ عِنَايَةُ الرَّسُولِ الْكَرِيمِ بِنَظَافَةِ الْفَمِ حَدًّا يَجْعَلُهُ يَقُولُ: ((لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- عَنْ أَيِّ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ فَقَالَتْ: ((السِّوَاكُ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

وَمِمَّا يُؤْسَفُ لَهُ أَنْ تَرَى بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ يُهْمِلُونَ هَذِهِ الْجَوَانِبَ، وَإِنَّهَا مِنَ الدِّينِ لَفِي الصَّمِيمِ!!

لَا يَعْتَنُونَ بِنَظَافَةِ أَفْوَاهِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ وَمَلَابِسِهِمْ وَجَوَارِبِهِمْ، وَتَرَاهُمْ يَغْشَوْنَ الْمَسَاجِدَ وَغَيْرَهَا مِنْ مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَحَلْقَاتِ الدَّرْسِ وَالْمُذَاكَرَةِ وَرَوَائِحُهُمُ الْبَشِعَةُ تُؤْذِي إِخْوَانَهُمُ الْحَاضِرِينَ، وَتُنَفِّرُ الْمَلَائِكَةَ الَّتِي تَحُفُّ هَذِهِ الْأَمَاكِنَ الْجَلِيلَةَ الْمُبَارَكَةَ.

وَمِنْ عَجَبٍ أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ وَيُرَدِّدُونَ قَوْلَ النَّبِيِّ الْمَأْمُونِ ﷺ فِيمَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا أَوْ كُرَّاثًا أَلَّا يَقْرَبَ الْمَسَاجِدَ؛ لِكَيْ لَا يُؤْذِيَ بِرَائِحَةِ فَمِهِ الْمَلَائِكَةَ وَالنَّاسَ، فَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي ((الصَّحِيحِ))  عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ)).

حَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الَّذِينَ أَكَلُوا بَعْضَ الْبُقُولِ ذَاتِ الرَّائِحَةِ الْخَبِيثَةِ الِاقْتِرَابَ مِنَ الْمَسْجِدِ؛ لِئَلَّا تَتَأَذَّى الْمَلَائِكَةُ وَالنَّاسُ مِنْ أَنْفَاسِهِمُ الْمُشْبَعَةِ بِتِلْكَ الرَّوَائِحِ؛ وَإِنَّهَا لَأَهْوَنُ شَأْنًا وَأَخَفُّ وَقْعًا مِنْ كَثِيرٍ مِنْ رَوَائِحِ الْمَلَابِسِ وَالْجَوَارِبِ الْمُتَّسِخَةِ وَالْأَبْدَانِ الْمُنْتِنَةِ وَالْأَفْوَاهِ الْبُخْرِ الَّتِي تَفُوحُ مِنْ بَعْضِ الْمُتَسَاهِلِينَ أَوِ الْغَافِلِينَ عَنِ النَّظَافَةِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ، وَيَتَأَذَّى النَّاسُ مِنْهَا فِي مَجَامِعِهِمْ.

وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ زَائِرًا، فَرَأَى رَجُلًا عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَسِخَةٌ، فَقَالَ: ((مَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ؟!)).

فَأَنْكَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَظْهَرَ الْإِنْسَانُ عَلَى الْمَلَأِ بِثِيَابٍ وَسِخَةٍ مَا دَامَ قَادِرًا عَلَى غَسْلِهَا وَتَنْظِيفِهَا؛ إِشْعَارًا مِنْهُ -صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ- لِلْمُسْلِمِ بِأَنْ يَكُونَ دَوْمًا نَظِيفَ الثِّيَابِ حَسَنَ الْمَظْهَرِ مُحَبَّبَهُ.

كَانَ يَقُولُ ﷺ -كَمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ-: ((مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدَ أَنْ يَتَّخِذَ ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ)) .

فَيَتَجَمَّلُ لِغِشْيَانِ الْمَجَامِعِ الْعَظِيمَةِ يَغْشَاهَا الْمُسْلِمُونَ.

* النَّبِيُّ ﷺ الْأُسْوَةُ الْحَسَنَةُ فِي الطَّهَارَةِ:

الْإِسْلَامُ يَحُضُّ أَبْنَاءَهُ جَمِيعًا فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّصُوصِ عَلَى النَّظَافَةِ؛ يُرِيدُ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونُوا نَظِيفِينَ دَوْمًا، تَضُوعُ مِنْهُمْ رَائِحَةُ الطِّيبِ، وَتَفُوحُ مِنْ أَجْسَامِهِمُ الرَّوَائِحُ الْعَطِرَةُ، وَهَذَا مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فيِ ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((مَا شَمَمْتُ عَنْبَرًا قَطُّ وَلَا مِسْكًا وَلَا شَيْئًا أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ)) .

وَالْأَحَادِيثُ وَالْأَخْبَارُ فِي نَظَافَةِ جِسْمِهِ ﷺ وَمَلَابِسِهِ وَطِيبِ رِيحِهِ وَعَرَقِهِ ﷺ كَثِيرَةٌ مُسْتَفِيضَةٌ؛ مِنْهَا:

أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَافَحَ الْمُصَافِحَ ظَلَّ يَوْمَهُ يَجِدُ رِيحَ الطِّيبِ فِي يَدِهِ، فَمَنْ وَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِ الرَّسُولِ ﷺ ظَلَّ يَوْمَهُ يَجِدُ رَائِحَةَ الطِّيبِ فِي يَدِهِ.

وَإِذَا وَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ الصَّبِيِّ عُرِفَ مِنْ بَيْنِ الصِّبْيَانِ بِالرَّائِحَةِ الزَّكِيَّةِ.

وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي ((تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ))  عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَمُرُّ فِي طَرِيقٍ فَيَتْبَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا عَرَفَ أَنَّهُ سَلَكَهُ؛ أَيْ سَلَكَ ذَلِكَ الطَّرِيقَ، مِنْ طِيبِهِ ﷺ)).

وَنَامَ ﷺ مَرَّةً فِي دَارِ أَنَسٍ فَعَرِقَ، فَجَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ -وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ- بِقَارُورَةٍ وَعُودٍ تَسْلُتُ الْعَرَقَ عَنْ جَبِينِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْعُودِ فِي قَارُورَتِهَا، فَانْتَبَهَ النَّبِيُّ فَزِعًا، فَقَالَ: ((مَا هَذَا يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟!)).

قَالَتْ: هَذَا عَرَقُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، نَجْعَلُهُ فِي طِيبِنَا، وَهُوَ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ.

هَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) .

مَا أَحْوَجَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قَبَسَاتٍ مِنْ هَدْيِ الرَّسُولِ الْعَظِيمِ.

* وَمِنْ مَظَاهِرِ حَثِّ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى النَّظَافَةِ: أَمْرُهُ بِرِعَايَةِ الشَّعْرِ وَإِصْلَاحِهِ وَتَجْمِيلِهِ التَّجْمِيلَ الْمَشْرُوعَ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ مَا تَأَنُّقٍ وَلَا إِسْرَافٍ؛ كَمَا أَخْرَجَ ذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ)).

وَإِكْرَامُ الشَّعْرِ فِي الْإِسْلَامِ يَكُونُ بِتَنْظِيفِهِ.. بِتَمْشِيطِهِ.. بِتَطْيِيبِهِ.. بِتَحْسِينِ شَكْلِهِ وَهَيْئَتِهِ، بِغَيْرِ إِغْرَاقٍ؛ فَإِنَّ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تَتَرَجَّلَ غِبًّا؛ أَيْ: يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالتَّرَجُّلِ غِبًّا؛ أَيْ: يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَالنَّبِيُّ ﷺ جَاءَ بِالْوَسَطِ الْخِيَارِ ﷺ.

كَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَدَعَ الْإِنْسَانُ شَعْرَهُ مُرْسَلًا مُهْمَلًا شَعِثًا مَنْفُوشًا بِحَيْثُ يَبْدُو لِلْأَعْيُنِ كَأَنَّهُ الْغُولُ الْهَائِجُ، وَشَبَّهَهُ الرَّسُولُ ﷺ لِقُبْحِ مَنْظَرِهِ بِالشَّيْطَانِ؛ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ فِي ((الْمُوَطَّأِ)) مُرْسَلًا عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ ثَائِرُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ بِيَدِهِ، كَأَنَّهُ يَأْمُرُهُ بِإِصْلَاحِ شَعْرِهِ وَلِحْيَتِهِ، فَفَعَلَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ ثَائِرُ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ؟!)).

وَوَاضِحٌ أَنَّ فِي تَشْبِيهِ النَّبِيِّ ﷺ الْمُنْتَفِشَ الشَّعْرِ بِالشَّيْطَانِ.. أَنَّ فِي ذَلِكَ تَعْبِيرًا عَنْ شِدَّةِ عِنَايَةِ الْإِسْلَامِ بِحُسْنِ الْمَنْظَرِ وَجَمَالِ الْهَيْئَةِ، وَفِيهِ إِنْكَارُهُ التَّبَذُّلَ وَقُبْحَ الْمَنْظَرِ.

وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ دَائِمَ التَّنْبِيهِ إِلَى هَذِهِ الْمَلَاحِظِ الْجَمَالِيَّةِ فِي هَيْئَةِ الْإِنْسَانِ؛ مَا رَأَى رَجُلًا رَدِيءَ الْهَيْئَةِ مُهْمِلًا شَعْرَهُ إِلَّا أَنْكَرَ عَلَيْهِ إِهْمَالَهُ وَتَقْصِيرَهُ وَزِرَايَتَهُ بِنَفْسِهِ.

رَوَى الْإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ زَائِرًا، فَرَأَى رَجُلًا شَعِثًا قَدْ تَفَرَّقَ شَعْرُهُ، فَقَالَ: ((مَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يُسَكِّنُ بِهِ رَأْسَهُ؟!)) ﷺ.

حُسْنُ الْهَيْئَةِ مِمَّا يُعْنَى بِهِ دِينُ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ.

الْمُسْلِمُ الْحَقُّ يُعْنَى بِلِبَاسِهِ وَهِنْدَامِهِ فِي غَيْرِ مَا غُلُوٍّ وَلَا إِسْرَافٍ؛ فَتَرَاهُ حَسَنَ الْهَيْئَةِ نَظِيفًا فِي قَصْدٍ مِنْ غَيْرِ مَا مُغَالَاةٍ وَلَا إِسْرَافٍ.

لَا يَغْدُو عَلَى النَّاسِ فِي هَيْئَةٍ رَدِيَّةٍ قَمِيئَةٍ قَبِيحَةٍ؛ بَلْ يَتَفَقَّدُ نَفْسَهُ دَوْمًا قَبْلَ خُرُوجِهِ عَلَى النَّاسِ، يَتَجَمَّلُ بِاعْتِدَالٍ.

كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَجَمَّلُ لِأَصْحَابِهِ، فَضْلًا عَنْ تَجَمُّلِهِ لِأَهْلِهِ.

الْمُسْلِمُ يَفْعَلُ هَذَا كُلَّهُ وَفْقَ تَعَالِيمِ الْإِسْلَامِ الْوَسَطِ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا، وَهِيَ طَرِيقَةُ الِاعْتِدَالِ الَّتِي لَا إِفْرَاطَ فِيهَا وَلَا تَفْرِيطَ؛ {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67].

أَرَادَ الْإِسْلَامُ لِأَبْنَائِهِ وَدُعَاتِهِ عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ أَنْ يَغْشَوُا الْمُجْتَمَعَاتِ وَهُمْ شَامَاتٌ مُشْتَهَاةٌ، لَا مَنَاظِرُ مُؤْذِيَةٌ تَقْتَحِمُهَا الْأَعْيُنُ وَتَصُدُّ عَنْهَا النُّفُوسُ.

فَلَيْسَ مِنَ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ أَنْ يُسِفَّ الْإِنْسَانُ فِي مَظْهَرِهِ إِلَى دَرَجَةِ الْإِهْمَالِ الْمُزْرِي بِصَاحِبِهِ بِدَعْوَى أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الزُّهْدِ وَالتَّوَاضُعِ؛ فَرَسُولُ اللهِ ﷺ -وَهُوَ سَيِّدُ الزُّهَّادِ وَالْمُتَوَاضِعِينَ- كَانَ يَلْبَسُ اللِّبَاسَ الْحَسَنَ، وَيَتَجَمَّلُ لِأَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَيَرَى هَذَا التَّجَمُّلَ وَحُسْنَ الْهِنْدَامِ إِظْهَارًا لِنِعْمَةِ اللهِ عَلَيْهِ؛ فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ)).

مَا دَامَ التَّجَمُّلُ لَا يَبْلُغُ حَدَّ التَّأَنُّقِ الْمُفْرِطِ فَهُوَ مِنَ الزِّينَةِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي أَبَاحَهَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِعِبَادِهِ، وَحَضَّ عَلَيْهَا: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 31-32].

فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ))  عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ)).

فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنًا؟

كَأَنَّهُ يُرِيدُ: أَيُعَدُّ هَذَا مِنَ الْكِبْرِ؟

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ؛ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ)) » .

فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُونُوا شَامَاتٍ بَيْنَ النَّاسِ بِقَصْدٍ لَا إِفْرَاطَ فِيهِ وَلَا تَفْرِيطَ، وَأَنْ يُقْبِلُوا عَلَى اللهِ؛ لِأَنَّ جَمَالَ الْأَنْفُسِ وَاسْتِقَامَةَ الْفِطْرَةِ تَنْضَحُ عَلَى الْوُجُوهِ.

وَقَدْ كَانَ عَطَاءٌ -رَحِمَهُ اللهُ- -كَانَ- أَسْوَدَ كَاللَّيْلِ الْبَهِيمِ، وَكَانَ أَعْوَرَ أَشَلَّ أَعْرَجَ مُفَلْفَلَ شَعْرِ الرَّأْسِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَقُولُ وَاصِفُوهُ: ((كُنْتَ إِذَا نَظَرْتَ فِي وَجْهِهِ رَأَيْتَ كَأَنَّ الشَّمْسَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ -رَحِمَهُ اللهُ-)).

((النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)): ((خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: الْخِتَانُ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظَافِرِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ)) .

رِعَايَةُ جَمَالِ الْفِطْرَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ مِمَّا حُبِّبَ فِي هَذَا الدِّينِ، وَرَغَّبَ فِيهِ كُلُّ ذِي طَبْعٍ رَاقٍ وَذَوْقٍ سَلِيمٍ.

عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْعِنَايَةَ بِالْمَظْهَرِ لَا تَنْزَلِقُ بِالْمُسْلِمِ الْحَقِّ الصَّادِقِ إِلَى الْمُغَالَاةِ فِي التَّزَيُّنِ وَالْإِفْرَاطِ فِي التَّأَنُّقِ إِلَى حَدٍّ يَخْتَلُّ فِيهِ التَّوَازُنُ الَّذِي أَقَامَ الْإِسْلَامُ عَلَيْهِ تَشْرِيعَاتِهِ جَمِيعًا)) .

* وَمِنْ مَظَاهِرِ حَثِّ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى النَّظَافَةِ: حَثُّهُ ﷺ أَلَّا يَسْتَنْجِيَ الْمُسْلِمُ بِيَمِينِهِ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((نَهَانَا ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ)).

وَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: ((كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى، وَكَانَتِ الْيُمْنَى لِوُضُوئِهِ وَلِمَطْعَمِهِ)) . الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَالْعِرَاقِيُّ، وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ تَجِدُهُ فِي ((الْإِرْوَاءِ))  لِلشَّيْخِ الْأَلْبَانِيِّ.

((كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ))، الْإِنْسَانُ يَسْتَعْمِلُ يَدَهُ الْيُسْرَى لِلْخَلَاءِ، لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، ((وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى)) فِي أَنْفِهِ، فِي أُذُنِهِ، تَحْتَ إِبْطِهِ، كَمَا يَكُونُ مِنْ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ، ((وَكَانَتِ الْيُمْنَى لِوُضُوئِهِ وَلِمَطْعَمِهِ)).

هَذِهِ أُمُورٌ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي بَيَّنَهَا دِينُ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمُ، وَهِيَ مِنَ الْأَهَمِّيَّةِ بِمَكَانٍ عَظِيمٍ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَا كَانَ مُتَّبِعًا لِلسُّنَّةِ كَانَ مَأْمُونًا، فَإِنَّهُ يَكُونُ مَأْمُونًا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ مُتَابِعٌ لِسُنَّةِ الْأَمِينِ الْمَأْمُونِ ﷺ.

* وَمِنْ مَظَاهِرِ حَثِّ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى النَّظَافَةِ: مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ، وَإِذَا أَتَى الخَلاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلا يَتَمَسَّحْ -أَيْ: لَا يَسْتَنْجِ- بِيَمِينِهِ». الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .

تَمَسَّكْ بِسُنَّةِ الرَّسُولِ ﷺ، وَالنَّبِيُّ ﷺ دَعَانَا إِلَى التَّمَسُّكِ بِسُنَنِ الْفِطْرَةِ، هِيَ مُلَامِسَةٌ لِلْفِطْرَةِ، وَهِيَ مِنْهَا، فَإِذَا أَخَذْتَ بِهَا فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَدِينُ الْإِسْلَامِ هُوَ الْفِطْرَةُ.

وَالرَّسُولُ ﷺ أَمَرَنَا بِأَنْ نَتَعَاهَدَ أَنْفُسَنَا فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ غَيْرِ إِغْرَاقٍ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ الَّذِي حَضَّنَا عَلَى التَّنَظُّفِ، وَالَّذِي كَانَ يَكْرَهُ ﷺ أَنْ تُشَمَّ مِنْهُ رَائِحَةٌ غَيْرُ طَيِّبَةٍ، وَالَّذِي كَانَ يُحِبُّ الطِّيبَ، وَحُبِّبَ إِلَيْنَا مِنْ دُنْيَانَا الطِّيبُ فِيمَا حُبِّبَ إِلَيْهِ.. الرَّسُولُ ﷺ الَّذِي دَلَّنَا عَلَى ذَلِكَ وَعَمِلَهُ؛ هُوَ الَّذِي قَالَ: ((الْبَذَاذَةُ مِنَ الْإِيمَانِ)) .

وَالْبَذَاذَةُ: رَثَاثَةُ الْهَيْئَةِ.

يَعْنِي: يَتَطَهَّرُ الْإِنْسَانُ، وَيَتَنَظَّفُ، وَيَتَجَمَّلُ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ، مِنْ غَيْرِ إِغْرَاقٍ، وَلَكِنْ يَجْتَهِدُ فِي أَنْ يَكُونَ مُتَوَازِنًا، وَأَنْ يَكُونَ وَسَطًا.

* وَمِنْ مَظَاهِرِ حَثِّ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى النَّظَافَةِ: أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ حَضَّنَا عَلَى تَنْظِيفِ الْفَمِ خَاصَّةً، وَكَانَ ﷺ شَدِيدَ الْحَسَاسِيَةِ لِهَذَا الْأَمْرِ، فَكَانَ يَتَسَوَّكُ عِنْدَ دُخُولِ الْبَيْتِ ؛ لِأَنَّهُ تَتَقَارَبُ الْأَنْفَاسُ، فَرُبَّمَا قَبَّلَ زَوْجَةً، فَلَا يُحِبُّ أَنْ تَشُمَّ مِنْهُ رَائِحَةً خَبِيثَةً ﷺ.

فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ((السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ)) . وَهَذَا رَوَاهُ مَرْفُوعًا كُلٌّ مِنْ أَحْمَدَ وَالْبُخَارِيُّ -وَلَكِنْ هُوَ مُعَلَّقٌ عِنْدَهُ- وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- كَمَا فِي ((صَحِيحِ سُنَنِ النَّسَائِيِّ)).

((السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ)).

طَهَارَةُ الْفَمِ وَمَرْضَاةُ الرَّبِّ تَكُونُ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى سُنِّيَّةِ السِّوَاكِ الْمُطْلَقَةِ حَدِيثُ عَائِشَةَ الَّذِي مَرَّ: ((السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ))، فَطَهَارَةُ الْفَمِ وَمَرْضَاةُ الرَّبِّ تَكُونُ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ.

فَهَذَا كُلُّهُ -كَمَا تَرَى- مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، وَحَضَّ عَلَيْهِ، وَحَثَّ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ وَالْتِزَامِهِ، وَكُلُّهُ مِنْ مَحَاسِنِ دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ؛ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا، وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ.

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ وَأَعَزَّنَا بِهِ، وَهُوَ -سُبْحَانَهُ- الْمُسْؤُولُ أَنْ يُمَسِّكَنَا كِتَابَهُ وَحَبْلَهُ، حَتَّى يَقْبِضَنَا عَلَى ذَلِكَ.

 

المصدر:الْإِسْلَامُ دِينُ النَّظَافَةِ

التعليقات


فوائد مفرغة قد تعجبك


  التَّوْحِيدُ أَكْبَرُ عَوَامِلِ الْقُوَّةِ فِي بِنَاءِ الدُّوَلِ وَعِزَّتِهَا وَنَصْرِهَا
  مُخْتَصَرُ أَحْكَامِ الْأُضْحِيَةِ
  حَالُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَتِلَاوَتِهِ
  أُمَّةٌ مُتَمَيِّزَةٌ مَتْبُوعَةٌ لَا تَابِعَةٌ
  مَاذَا يَصْنَعُ الْمُسْلِمُونَ لَوْ هُدِمَ الْأَقْصَى؟!!
  الْهِجْرَةُ هِجْرَتَانِ
  ثُبُوتُ سُنَّةِ صِيَامِ التِّسْعِ الْأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ
  نَصَائِحُ جَامِعَةٌ فِي يَوْمِ عِيدِ الْمُسْلِمِينَ
  بَرَاءَةُ الْإِسْلَامِ مِنْ جَرَائِمِ الْجَمَاعَاتِ الْمُتَطَرِّفَةِ
  الدرس الثاني : «الْإِخْلَاصُ»
  الْجُودُ وَالْإِيثَارُ فِي رَمَضَانَ
  مَبْنَى الْحَيَاةِ عَلَى الِابْتِلَاءِ
  الْأُخُوَّةُ الْإِيمَانِيَّةُ وَرَحِمُ الْإِسْلَامِ بَيْنَ أَبْنَاءِ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ
  احْذَرْ مِنَ الْبَطَالَةِ وَمِنَ الْفَارِغِينَ!!
  جُمْلَةٌ مِنْ حُقُوقِ الْمُسِنِّينَ فِي الْإِسْلَامِ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان