الشَّهَادَةُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالِادِّعَاءِ


 ((الشَّهَادَةُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالِادِّعَاءِ))

إِنَّ الْمَكَانَةَ السَّامِيَةَ وَالدَّرَجَةَ الْعَالِيَةَ الَّتِي أَعَدَّهَا اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- لِلشُّهَدَاءِ لَا يَنَالُهَا إِلَّا شَهِيدُ الْحَقِّ، فَهُنَاكَ شَهِيدُ الْحَقِّ، وَقَتِيلُ الْبَاطِلِ، فَالشَّهِيدُ الْحَقُّ هُوَ مَنْ دَافَعَ عَنْ دِينِهِ وَوَطَنِهِ ضِدَّ كُلِّ مُعْتَدٍ، وَبَذَلَ رُوحَهُ؛ فِدَاءً لِدِينِهِ، وَتَضْحِيَةً مِنْ أَجْلِ وَطَنِهِ، وَحِمَايَةً لِتُرَابِهِ، وَدِفَاعًا عَنْ أَهْلِهِ.

إِنَّ بِلَادَنَا بِلَادٌ إِسْلَامِيَّةٌ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَمَا دَامَتْ بِلَادُنَا إِسْلَامِيَّةً فَيَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَسْعَى لِاسْتِقْرَارِهَا, وَاكْتِمَالِ أَمْنِهَا, وَيَجِبُ حِيَاطَتُهَا بالرِّعَايَةِ، وَالْحِفَاظِ وَالْبَذْلِ.

قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينٍ -كَمَا فِي شَرْحِهِ عَلَى ((رِيَاضِ الصَّالِحِينَ))-: ((حُبُّ الْوَطَنِ: إِنْ كَانَ إِسْلَامِيًّا فَهَذَا تُحِبُّهُ؛ لِأَنَّهُ إِسْلَامِيٌّ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ وَطَنِكَ الَّذِي هُوَ مَسْقَطُ رَأْسِكَ، وَالوَطَنِ الْبَعِيدِ عَنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ, كُلُّهَا أَوْطَانٌ إِسْلَامِيَّةٌ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَحْمِيَهَا)).

الْوَطَنُ إِنْ كَانَ إِسْلَاميًّا يَجِبُ أَنْ يُحَبَّ، وَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُشَجِّعَ عَلَى الْخَيْرِ فِي وَطَنِهِ، وَعَلى بَقَائِهِ إِسْلَامِيًّا, وَأَنْ يَسْعَى لِاسْتِقْرَارِ أَوْضَاعِهِ وَأَهْلِهِ, وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ الْمُسْلِمِينَ.

وَمِنْ لَوَازِمِ الْحُبِّ الشَّرْعِيِّ لِلْأَوْطَانِ الْمُسْلِمَةِ: أَنْ يُحَافَظَ عَلَى أَمْنِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا، وَأَنْ تُجَنَّبَ الْأَسْبَابَ الْمُفْضِيَةَ إِلَى الْفَوْضَى وَالِاضْطِرَابِ وَالْفَسَادِ؛ فَالْأَمْنُ فِي الْأَوْطَانِ مِنْ أَعْظَمِ مِنَنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ عَلَى الْإِنْسَانِ.

فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَعْرِفَ قَدْرَ بَلَدِهِ الْإِسْلَامِيِّ، وَأَنْ يُدَافِعَ عَنْهُ، وَأَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَحْصِيلِ اِسْتِقْرَارِهِ وَأَمْنِهِ، وبُعْدِهِ وَإِبْعَادِهِ عَنِ الْفَوْضَى، وَعَنْ الِاضْطِرَابِ، وَعَنْ وُقُوعِ الْمُشَاغَبَاتِ.

عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُحِبَّ بَلَدَهُ الْإِسْلَامِيَّ، وَأَنْ يُدَافِعَ عَنْهُ، وَأَنْ يَمُوتَ دُونَهُ؛ فَإِنَّ مَنْ مَاتَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَالْأَرْضُ مَالٌ، فَمَنْ مَاتَ دُونَ مَالِهِ فَهُو شَهِيدٌ.

أَمَّا قَتِيلُ الْبَاطِلِ -الَّذِي يَسْفِكُ دِمَاءَ الْأَبْرِيَاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيُرَوِّعُ أَبْنَاءَ الْوَطَنِ، وَيُهَدِّدُ أَمْنَهُمْ وَأَمَانَهُمْ، وَيَسْعَى إِلَى نَشْرِ الْفَسَادِ وَالْفَوْضَى فِي الْأَرْضِ، وَيُرَوِّعُ الْآمِنِينَ بِعَمَلِيَّاتٍ انْتِحَارِيَّةٍ، وَتَفْجِيرَاتٍ إِرْهَابِيَّةٍ لَا يُقِرُّهَا دِينٌ، وَلَا يَقْبَلُهَا عَقْلٌ- لَا يُعَدُّ شَهِيدًا، وَوَصْفُهُ بِالشَّهِيدِ ادِّعَاءٌ كَاذِبٌ لَا صِحَّةَ لَهُ، وَتَحْرِيفٌ لِلْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ.

اللَّهُ -جَلَّ وَعَلَا- أَمَرَ بِجِهَادِ الكُفَّارِ تَحْتَ وِلَايَةٍ مِنْ وِلَايَاتِ المُسْلِمِينَ، أَمَّا التَّفْجِيرُ وَالتَّدْمِيرُ وَالقَتْلُ وَالتَّخْرِيبُ, وَالتَّفْزِيعُ وَالتَّرْوِيعُ؛ فَهَذَا مِمَّا يَنْهَى عَنْهُ الإِسْلَامُ؛ لِأَنَّهُ يُسَبِّبُ شَرًّا عَلَى المُسْلِمِينَ قَبْلَ غَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّهُ مَضَرَّةٌ مَحْضَةٌ بِدُونِ فَائِدَةٍ.

وَاللهُ -جَلَّ وَعَلَا- حَرَّمَ الِاعْتِدَاءَ عَلَى الأَنْفُسِ المَعْصُومَةِ وَالأَمْوَالِ المُحْتَرَمَةِ، وَحَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَجَعَلَهُ بَيْنَ عِبَادِهِ مُحَرَّمًا، وَنَهَاهُمْ -تَعَالَى- أَنْ يَتَظَالَمُوا.

وَالوَاجِبُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَنْ يَتَعَاوَنُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ الأَمْنَ مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ، كَمَا أَنَّ فَقْدَهُ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ العَذَابِ؛ فَإِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- لَمَّا ذَكَرَ أَهْلَ القَرْيَةِ الَّتِي كَانَ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَلَمْ تَشْكُرِ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا-؛ أَذَاقَهَا اللهُ لِباسَ الجُوعِ وَالخَوْفِ.

قَالَ تَعَالَى:{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112].

إِنَّ احْتِرَامَ دِمَاءِ النَّاسِ وَاحْتِرَامَ أَمْوَالِهِمْ أَمْرٌ قَرَّرَتْهُ شَرِيعَةُ الإِسْلَامِ، وَحُرْمَةُ الدِّمَاءِ وَالأَمْوَالِ مِمَّا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ شَرَائِعُ اللهِ كُلُّهَا، وَأَكْمَلُهَا شَرِيعَةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍﷺ.

وَقَدْ جَاءَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَعْظِيمُ أَمْرِ القَتْلِ، وَبَيَانُ خَطَرِهِ فِي الشَّرَائِعِ السَّابِقَةِ:

قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- عَنْ أَحَدِ ابْنَيْ آدَمَ:{فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 30].

وَقَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-:{مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32].

وَقَالَﷺ: «لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ-أَيْ: نَصِيبٌ-مِنْ دَمِهَا؛ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

وَقَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- عَنْ رَسُولِهِ وَكَلِيمِهِ مُوسَىأَنَّهُ قَالَ لِلخَضِرِ: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا} [الكهف: 74].

وَقَالَ اللهُ -تَعَالَى- عَنْهُ:{فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [القصص: 15- 16].

وَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»: عن سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، مَا أَسْأَلَكُمْ عَنِ الصَّغِيرَةِ، وَأَرْكَبَكُمْ لِلْكَبِيرَةِ، سَمِعْتُ أَبِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِيَقُولُ: «إِنَّ الْفِتْنَةَ تَجِيءُ مِنْ هَاهُنَا، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ، وَأَنْتُمْ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا قَتَلَ مُوسَى الَّذِي قَتَلَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ خَطَأً، فَقَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- لَهُ: {وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} [طه: 40]».

وَقَوْلُ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ:«مَا أَسْأَلَكُمْ عَنِ الصَّغِيرَةِ، وَمَا أَرْكَبَكُمْ لِلْكَبِيرَةِ» يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى مَا جَاءَ عَنْ أَبِيهِ فِي «صَحِيحِ البُخَارِيِّ» أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ العِرَاقِ عَنْ دَمِ البَعُوضِ؛ فَقَالَ: «انْظُرُوا إِلَى هَذَا! يَسْأَلُنِي عَن دَمِ البَعُوضِ، وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ النَّبِيِّﷺ، وَسَمِعْتُ النَّبِيَّيَقُولُ: «هُمَا-يَعْنِي الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا--رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا».

وَقَالَ تَعَالَى:{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} [البقرة: 84].

وَقَالَ تَعَالَى:{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45].

بَلْ إِنَّ اللهَ-تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حَرَّمَ تَحْرِيمًا أَكِيدًا أَنْ يَقْتُلَ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ, وَقَدْ جَاءَ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللهِ-تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَفِي سُنَّةِ نَبِيِّهِمَا هُوَ كَافٍ شَافٍ.

قَالَ اللهُ-جَلَّ وَعَلَا-:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 29- 30].

وَقَالَ رَسُولُ اللهِﷺ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ -أَيْضًا-: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّ رَسُولَ اللهِقَالَ: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فيه خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا».

وَعِنْدَ البُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّﷺ: «الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ».

وَكَذَلِكَ مَنْ فَجَّرَ نَفْسَهُ يُفَجِّرُهَا فِي النَّارِ, مَنْ أَدَّى عَمَلُهُ إِلَى شَيْءٍ يُذْهِبُ حَيَاتَهُ؛ فَهُوَ بِذَلِكَ يَفْعَلُهُ فِي النَّارِ؛ كَمَا قَالَ المُخْتَارُﷺ.

وَفِي هَذَا الحَدِيثِ فِي «مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ» وَغَيْرِهِ زِيَادَةٌ: «وَالَّذِي يَتَقَحَّمُ فِيهَا يَتَقَحَّمُ فِي النَّارِ».

وَفِي «صَحِيحَيِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ»: عَنِ الحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا جُنْدُبٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي هَذَا المَسْجِدِ، فَمَا نَسِينَا، وَمَا نَخَافُ أَنْ نَنْسَى، وَمَا نَخَافُ أَنْ يَكْذِبَ جُنْدُبٌ عَلَى النَّبِيِّﷺ قَالَ: «كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ, فَقَالَ اللهُ: بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ؛ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ اْلجَنَّةَ».

وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي «صَحِيحِهِ»: عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-:«أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ بِهِ جِرَاحَةٌ فَأَتَى قَرْنًا لَهُ، فَأَخَذَ مِشْقَصًا فَذَبَحَ بِهِ نَفْسَهُ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ النَّبِيُّﷺ». وَهُوَ صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ.

يَقُولُ رَبُّنَا-جَلَّ وَعَلَا-: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ}، وَهَذَا يَشْمَلُ قَتْلَ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ وَقَتْلَهُ لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ, فَلَا يَجُوزُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ, بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى نَفْسِهِ غَايَةَ المُحَافَظَةِ, وَلَا يَمْنَعُ هَذَا أَنَّهُ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَيُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَوْ تَعَرَّضَ لِلقَتْلِ وَالشَّهَادَةِ, أَمَّا أَنْ يَتَعَمَّدَ قَتْلَ نَفْسِهِ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ.

وَفِي عَهْدِ النَّبِيِّفِي بَعْضِ الغَزَوَاتِ كَانَ أَحَدُ الشُّجْعَانِ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ مَعَ الرَّسُولِﷺ، فَقَالَ النَّاسُ مُثْنِينَ عَلَيْهِ: مَا أَبْلَى مِنَّا أَحَدٌ مِثْلَ مَا أَبْلَى فُلَانٌ, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ ذَلِكَ الوَصْفِ: «هُوَ فِي النَّارِ»!!

هَذَا قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ, فَصَعُبَ ذَلِكَ عَلَى الصَّحَابَةِ, كَيْفَ بِمِثْلِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يُقَاتِلُ وَلَا يَتْرُكُ مِنَ الكُفَّارِ أَحَدًا إلَّا تَبِعَهُ وَقَاتَلَهُ؛ كَيْفَ يَكُونُ فِي النَّارِ؟!!

فَتَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَرَاقَبَهُ وَتَتَّبَعَهُ، فَجُرِحَ الرَّجُلُ, وَفِي النِّهَايَةِ رَآهُ وَضَعَ غِمْدَ السَّيْفِ عَلَى الأَرْضِ، وَجَعَلَ ذُبَابَةَ السَّيْفِ تَحْتَ ثَدْيِهِ الأَيْسَرِ، ثُمَّ اتَّكَأَ مُتَحَامِلًا عَلَى سَيْفِهِ، فَدَخَلَ السيفُ مِنْ صَدْرِهِ، وَخَرَجَ مِن ظَهْرِهِ؛ فَمَاتَ؛ فَقَالَ الصَّحَابيُّ: صَدَقَ رَسُولُ اللهِﷺ, وَعَرَفُوا أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى .

لِمَاذَا دَخَلَ النَّارَ مَعَ هَذَا العَمَلِ؟! وَكَانَ يُجَاهِدُ, لَا يَدَعُ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً, وَلَمْ يُبْلِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مَا أَبْلَاهُ؛ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمَّا انْتَحَرَ-فَلَمَّا قَتَلَ نَفْسَهُ-؛ دَخَلَ النَّارَ -وَالعِيَاذُ بِالعَزِيزِ الغَفَّارِ-, قَتَلَ نَفْسَهُ، وَلَم يَصْبِرْ!!

فَلَا يَجُوزُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ بِحُجَّةِ الجِهَادِ، بِحُجَّةِ البَحْثِ عَنِ الشَّهَادَةِ، بِحُجَّةِ أَنَّهَا مِنَ العَمَلِيَّاتِ الِاسْتِشْهَادِيَّةِ، بَلْ هِيَ عَمَلِيَّاتٌ انْتِحَارِيَّةٌ، وَلَا تَجُوزُ فِي أَيِّ دِينٍ، هَذَا خَطَأٌ كَبِيرٌ.

وَالَّذِي يَمْلكُ تَفْنِيدَ الأَدِلَّةِ مِنَ الإِثْخَانِ فِي العَدُوِّ وَالتُّرْسِ وَمَا أَشْبَهَ، الَّذِي يَمْلِكُ الجَوَابَ عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ هُمُ الَّذِينَ يَحْمِلُ عَلَيْهِمْ مَنْ يَحْمِلُ الحَمْلَةَ الشَّعْوَاءَ، وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ جَوَابًا عَنْ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ.

فَخَلُّوا -عِبَادَ اللهِ- عَنْ أَهْلِ العِلْمِ حَتَّى يَتَكَلَّمُوا مَعَ هَؤُلَاءِ، فَإِنَّ المَعْرَكَةَ مَعْرَكَةُ عَقِيدَةٍ، لَا يُفْلِحُ فِي خَوْضِهَا الزَّائِغُونَ، وَلَا المُنْحَرِفُونَ، وَلَا المُتَحَلِّلُونَ، وَلَا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الدِّينَ، وَلَا الَّذِينَ يَنْسِفُونَ تُرَاثَ المُسْلِمِينَ، هَؤُلَاءِ يَزِيدُونَ النَّارَ اشْتِعَالًا؛ لِأَنَّ الشَّابَّ إِذَا رَأَى مَنْ يُهَرْطِقُ فِي دِينِ اللهِ، وَيُجَدِّفُ فِيهِ، فَإِنَّهُ يُكَفِّرُهُ.

ثُمَّ كَمَا هِيَ القَاعِدَةُ عِنْدَ التَّكْفِيرِيِّينَ: يَسْحَبُ ذَيْلَ التَّكْفِيرِ فَيَقُولُ: إِنَّ السُّلْطَةَ الَّتِي لَا تَمْنَعُ هَذَا الزِّنْدِيقَ المُهَرْطِقَ المُجَدِّفَ الَّذِي يَحْمِلُ عَلَى دِينِ اللهِ، وَيَنْسِفُ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَصْفُهَا كوَصْفِهِ!!

ثُمَّ يَقُولُ: وَالمُجْتَمَعُ الَّذِي يَسْكُتُ عَلَى هَذَا كُلِّهِ وَصْفُهُ كَوَصْفِ السُّلْطَةِ وَوَصْفِ المُهَرْطِقِ!! وَمِنْ هُنَا انْسَحَبَ ذَيْلُ التَّكْفِيرِ عَلَى المُجْتَمَعِ كُلِّهِ!!

اتَّقُوا اللهَ!

اتَّقُوا اللهَ فِي هَذَا البَلَدِ!

اتَّقُوا اللهَ فِي مُسْتَقْبَلِ الإِسْلَامِ فِيهِ!

اتَّقُوا اللهَ فِي الدِّمَاءِ!

إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.

يَقُولُ المَأْمُونُﷺ:«لَا يَزَالُ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا».أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ.

فَاحْتِرَامُ الأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ شَرْعًا، وَالسَّعْيُ فِي زَعْزَعَةِ أَمْنِ الأُمَّةِ إِنَّمَا يَصْدُرُ مِنْ أُنَاسٍ فَهِمُوا الإِسْلَامَ عَلَى غَيْرِ فَهْمِهِ الشَّرْعِيِّ، وَجَاءَهُمُ الشَّيْطَانُ وَزَيَّنَ لَهُمُ البَاطِلَ؛ فَظَنُّوهُ حَقًّا، وَذَلِكَ مِنْ قُصُورِ الإِيمَانِ وَالعِلْمِ، قَالَ-جَلَّ وَعَلَا-: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [فاطر: 8].

وَمَا أَرَادُوهُ إِلَّا لِكَيْدِ الأُمَّةِ وَالنَّيْلِ مِنْهَا، وَزَعْزَعَةِ دَوْلَةِ الإِسْلَامِ، وَمَحَبَّةِ إِظْهَارِ الفَوْضَى فِي بِلَادِ المُسْلِمِينَ، وَهَؤُلَاءِ جَهَلَةٌ خُدِعُوا وَغُرِّرَ بِهِمْ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ مَا يَحْمِلُهُمْ عَلَى اتِّقَاءِ هَذِهِ المَصَائِبِ العَظِيمَةِ، وَأَعْدَاءُ الأُمَّةِ سَاعُونَ فِي الإِضْرَارِ بِالأُمَّةِ بِكُلِّ مَا أُوتُوا؛ بِالمَكَائِدِ مِنْ قِيلَ وَقَالَ، وَأَرَاجِيفَ وَإِشَاعَاتٍ بَاطِلَةٍ، وَمِنْ إِيحاءٍ لِضِعَافِ البَصَائِرِ؛ لِيَسْتَغِلُّوهُمْ فِي بَاطِلِهِمْ وَلِيَجْعَلُوهُمْ سَبَبًا لِحُصُولِ مَا يَحْصُلُ مِنَ النَّكَبَاتِ لِلأُمَّةِ.

فَاليَقَظَةُ وَالِانْتِبَاهُ وَاجِبَانِ لِمَعْرِفَةِ مُخَطَّطَاتِ أَعْدَاءِ الإِسْلَامِ، وَلْيَكُنِ المُسْلِمُونَ عَلَى حَذَرٍ مِنْ هَذِهِ الأُمُورِ، فَإِنَّ أَعْدَاءَ اللهِ لَا يُرِيدُونَ لَنَا نُصْحًا، وَإِنَّمَا يُحِبُّونَ أَنْ يُوقِعُوا بَيْنَنَا العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ.

فَلْيَحْذَرِ المُسْلِمُ أَنْ يَكُونَ مَطِيَّةً لِأَعْدَائِهِ؛ يُوَجِّهُهُ الأَعْدَاءُ كَيْفَ شَاءُوا، وَلْيَكُنْ عَلَى ثِقَةٍ بِدِينِهِ، وَلْيَسْتَقِمْ عَلَى الخَيْرِ، وَلْيَتَعَاوَنِ المُسْلِمُونَ جَمِيعًا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى.

وَلْيَحْذَرِ المُسْلِمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَوْنًا لِكُلِّ مُجْرِمٍ وَلِكُلِّ مُفْسِدٍ، فَإِنَّهَا تُخِلُّ بِالأَمَانَةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَأَمْنُ هَذَا البَلَدِ عُمُومًا مَسْئُولِيَّةُ كُلِّ فَرْدٍ مِنَّا، حَمَى اللهُ بِلَادَ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَجَنَّبَهَا المَهَالِكَ، وَكَفَاهَا شَرَّ الأَعْدَاءِ، وَبَصَّرَ الأُمَّةَ فِي دِينِهَا.

المصدر:مَفْهُومُ الشَّهَادَةِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالِادِّعَاءِ

التعليقات


فوائد مفرغة قد تعجبك


  مَسْئُولِيَّةُ الْمُسْلِمِ تِجَاهَ قَضَايَا أُمَّتِهِ كَقَضِيَّةِ الْأَقْصَى
  نَمَاذِجُ دَالَّةٌ عَلَى الْمَعِيَّةِ الْخَاصَّةِ
  الدرس الخامس : «الصِّدْقُ»
  الْهِجْرَةُ هِجْرَتَانِ
  المَوْعِظَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ : ((رَمَضَانُ شَهْرُ الْأَحْدَاثِ وَالِانْتِصَارَاتِ الْعَظِيمَةِ))
  الْعِيدُ وَاجْتِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ وَنَبْذُ الْخِلَافَاتِ
  فَضَائِلُ رِعَايَةِ الْبَنَاتِ
  بَيَانُ مَخَاطِرِ التَّدْخِينِ وَوُجُوهُ تَحْرِيمِهِ
  مِنْ حُقُوقِ الطِّفْلِ فِي الْإِسْلَامِ: رِعَايَتُهُ صِحِّيًّا
  ضَوَابِطُ الْعَمَلِ الْجَمَاعِيِّ الْمَشْرُوعِ وَالْعَمَلُ الْجَمَاعِيُّ التَّنْظِيمِيُّ الْمُبْتَدَعُ
  مِنْ أَعْظَمِ مُوجِبَاتِ الْعِتْقِ مِنَ النَّارِ فِي رَمَضَانَ: تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ
  مِنْ صُوَرِ الْعَمَلِ التَّطَوُّعِيِّ: إِطْعَامُ الْفُقَرَاءِ، وَقَضَاءُ دُيُونِهِمْ
  ثَمَرَاتُ الْمُرَاقَبَةِ وَرِعَايَةِ الضَّمَائِرِ
  مِنْ أَعْظَمِ سُبُلِ مُوَاجَهَةِ إِدْمَانِ الْمُخَدِّرَاتِ: صُحْبَةُ الصَّالِحِينَ وَمُجَانَبَةُ الْفَاسِدِينَ
  الدرس التاسع عشر : «فَضْلُ العَشْرِ الأَوَاخِرِ ولَيْلَةُ القَدْرِ»
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان