تفريغ خطبة فضل عشر ذي الحجة

فضل عشر ذي الحجة

تفريغ خطبة: ((فضل عشر ذي الحجة))

خطبة الجمعة 27 من ذي القعدة 1436 هـ الموافق 11/09/2015م

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-. أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. أَمَّا بَعْدُ:

فَقد قالَ اللهُ -جَلَّ وعلا-: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96-97].

قَال العلامةُ السعديُّ -رحمهُ اللهُ-: ((يُخبرُ تعالى بعظمةِ بيتِهِ الحرام، وأنهُ أَوَّلُ البيوتِ التي وَضَعَهَا اللهُ في الأرضِ لعبادتِهِ، وإقامةِ ذِكْرِهِ، وأنَّ فيه مِن البركاتِ، وأنواعِ الهِداياتِ، وتَنَوُّعِ المصالحِ والمنافعِ للعَالَمِين شيءٌ كثير، وفَضْلٌ غزير، وأَنَّ فيه آياتٍ بَيِّنَاتٍ، تُذَكِّرُ بمقاماتِ إبراهيمَ الخليل، وتَنَقُّلاتِهِ في الحَجِّ، ومن بعدِهِ تُذَكِّرُ بمقاماتِ سَيِّدِ الرُّسُلِ وإمامِهِم.

وفيه الأمنُ الذي مَن دَخَلَهُ كان آمِنًا قَدَرًا، مُؤمنًا شَرْعًا ودِينًا, فَلَمَّا احتوى على هذه الأمورِ التي هذه مُجمَلاتُها، وتَكْثُرُ تفصيلاتُهَا؛ أوجبَ اللهُ حَجَّهُ على المُكَلَّفِينَ المُستطيعين إليه سبيلًا، وهو الذي يَقْدِرُ على الوصولِ إليه بأيِّ مركوبٍ يُناسِبُهُ، وزادٍ يتزودهُ، ولهذا أتى بهذا اللفظِ الذي يُمْكِنُ تطبيقَهُ على جميعِ المركوباتِ الحادثةِ، والتي ستحدُثُ.

وهذا مِن آياتِ القرآنِ، حيث كانَت أحكامُهُ صالحةً لكلِّ زمانٍ وكلِّ حالٍ، ولا يُمْكِنُ الصلاحُ التَّامِّ بدونِهَا، فَمَن أَذْعَنَ لذلك وَقامَ به؛ فهو مِن المُهتدينَ المؤمنينَ، ومَن كَفَرَ فَلَم يَلتزم حَجَّ بيتِهِ؛ فهو خارجٌ عن الدِّينِ، {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ})).

وَقالَ اللهُ -جَلَّ وعَلا-: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 26-29].

ذَكَرَ تعالى عَظَمَةَ البيتِ الحرامِ وجلالَته، وعَظَمَةَ بَانِيه، وهو خليلُ الرحمنِ عَليهِ السَّلام- فَقَالَ -جَلَّ وعَلا-: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} أي: هَيَّأْنَاهُ له وأنزلناهُ إيَّاهُ، وجَعَلَ قِسْمًا مِن ذُريَّتِهِ مِن سُكَّانِهِ، وأَمَرَهُ اللهُ بِبُنيانِهِ، فَبَنَاهُ على تَقوَى اللهِ, وأَسَّسَهُ على طاعةِ اللهِ, وبَنَاهُ هو وابنُهُ إسماعيل، وأَمَرَهُ أنْ لا يُشرك به شيئًا، بأنْ يُخْلِصَ للهِ أعمالَهُ، ويَبنِيَهُ على اسمِ اللهِ تعالى.

{وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} أي: مِن الشِّرْكِ والمعَاصي، ومِن الأنجاسِ والأدناسِ، وأضافَهُ الرحمنُ إلى نَفْسِهِ؛ لشَرَفِهِ وفَضْلِهِ ولتَعْظُمَ مَحبتِهِ في القلوبِ، وتُنْصَبُ إليهِ الأفئدَةُ مِن كلِّ جانبٍ، وليكونَ أعظمَ لتطهيرِهِ وتعظيمِهِ؛ لكونِهِ بيتَ الرَّبِّ للطَّائفينَ به والعَاكفينَ عندَه, المُقيمينَ لعبادةٍ مِن العبادات مِن ذِكْرٍ وقراءةٍ وتَعَلُّمِ عِلْمٍ وتعليمِهِ وغيرِ ذلك مِن أنواعِ القُرْبِ.

{وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} أي: المُصَلِّين، أي: طَهِّرْهُ لهؤلاءِ الفُضلاء الذِين هَمُّهُم طاعةُ مَوْلاهم وخِدمتُه والتَّقَرُّب إليه عند بيتِهِ، فهؤلاء لهُم الحقُّ ولهم الإكرام، ومِن إكرامِهِم تطهيرُ البيتِ مِن أَجْلِهِم، ويدخلُ في تطهيرِهِ؛ تطهيرُهُ مِن الأصواتِ اللاغِيةِ والمرتفعةِ التي تُشَوِّشُ على المُتعبدينَ بالصلاةِ والطوافِ، وقَدَّمَ الطوافَ على الاعتكافِ والصلاةِ؛ لاختصاصِهِ بهذا البيتِ، ثم الاعتكافُ لاختصاصِهِ بجِنْسِ المساجد.

 {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} أي: أَعْلِمْهُم به وادْعُهُم إليه، وبَلِّغ دانِيهم وقاصِيهم فَرْضَهُ وفضِيلَتَهُ، فإنكَ إذا دَعوتهُم؛ أَتَوْكَ حُجَّاجًا وعُمَّارًا.

 {رِجَالًا} أي: مُشَاةً على أَرْجُلِهِم مِن الشَّوْقِ.

{وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} أي: ناقةٍ ضَامِرٍ تقطعُ المَهَامِهَ والمَفَاوِزَ، وتَواصِلُ السَّيْرَ حتى تأتيَ إلى أَشْرَفِ الأماكن.

{مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} أي: مِن كلِّ بلدٍ بعيدٍ، وقد فَعَلَ الخليلُ -عليه السلام-، ثم مِن بعدِهِ ابنه مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، فَدَعَوا الناسَ إلى حَجِّ هذا البيتِ، وأَبْدَيَا في ذلك وأَعَادَا، وقد حَصَلَ ما وَعَدَ اللهُ تعالى به، أَتَاهُ الناسَ رِجَالًا ورُكْبَانًا مِن مشارقِ الأرضِ ومغاربِهَا.

ثم ذَكَرَ فوائدَ زيارةِ بيتِ اللهِ الحرامِ مُرَغِّبًا فيه؛ فقال:

{لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} أي: لينالوا ببيتِ اللهِ منافعَ دينيةً مِن العباداتِ الفاضلةِ والعباداتِ التي لا تكون إلَّا فيه، ومنافعَ دنيويةً مِن التَّكَسُّبِ وحصولِ الأرباحِ الدنيوية، وكلُّ هذا أَمْرٌ مُشَاهَدٌ كُلٌّ يَعْرِفُهُ.

{وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ}، وهذا مِن المنافعِ الدينيةِ والدنيويةِ؛ أي: ليذكروا اسمَ اللهِ عند ذَبْحِ الهَدايَا؛ شُكْرًا للهِ على ما رَزَقَهُم منها ويَسَّرَهَا لهم، فإذا ذَبحتموهَا {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} أي: شديدَ الفَقر.

{ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} أي: يَقْضُوا نُسُكَهُم، ويُزِيلُوا الوَسَخَ والأَذَى الذي لَحِقَهُم في حالِ الإحرامِ.

 {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} التي أَوْجَبُوهَا على أَنْفُسِهِم مِن الحَجِّ والعُمرةِ والهَدايَا.

{وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} أي: القديمِ أفضلِ المساجدِ على الإطلاقِ، المُعْتَقِ مِن تَسَلُّطِ الجَبَابِرَةِ عليه، وهذا أَمْرٌ بالطوافِ خصوصًا بعد الأمرِ بالمناسكِ عمومًا لفضلِهِ وشَرَفِهِ، ولكونِهِ المقصود وما قَبْلَهُ وسائلُ إليه، ولَعَلَّهُ واللهُ أعلمُ لفائدةٍ أخرى؛ وهي أنَّ الطوافَ مشروعٌ كلَّ وقتٍ, وسواءٌ كان تابعًا لنُسُكٍ أم مُسَتَقِلًا بِنَفْسِهِ.

{ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 30-31].

{ذٰلِكَ} أي: ذَكَرْنَا لَكُم مِن تِلْكُم الأحكامِ وما فيها مِن تعظيمِ حُرُمَاتِ اللهِ وإجلالِهَا وتكريمِهَا؛ لأنَّ تعظيمَ حُرُمُاتِ اللهِ مِن الأمورِ المحبوبةِ للهِ، المُقَرِّبَة إليه، التي مَن عَظَّمَها وأَجَلَّهَا أَثَابَهُ اللهُ ثوابًا جزيلًا، وكانت خيرًا له في دينِهِ ودُنياهُ وأُخْرَاهُ عند رَبِّهِ.

وحُرُمَات اللهِ: كلُّ ما له حُرْمَةٌ، وأَمَرَ تعالى باحترامِهِ مِن عبادةٍ أو غيرِهَا، كالمناسكِ كلِّها، وكالحَرَمِ والإِحرَام، وكالهَدايَا، وكالعِباداتِ التي أَمَرَ اللهُ العبادَ بالقيامِ بها، فتعظِيمُهَا إجلالًا بالقلبِ، ومَحَبَّتُهَا وتَكمِيلُ العبوديةِ فيها غيرَ مُتَهَاونٍ ولا مُتَكَاسِلٍ ولا مُتَثَاقِلٍ.

 ثم ذَكَرَ تعالى مِنَّتَهُ وإحسانَهُ بِمَا أَحَلَّهُ لعبادِهِ مِن بهيمةِ الأنعامِ؛ مِن بَقَرٍ وإِبَلٍ وَغَنَمٍ، وَشَرَعَهَا مِن جُملةِ المَنَاسِك التي يُتَقَرَّبُ بها إليه، فَعَظُمَت مِنَّتُهُ فيها مِن الوجهين.

{إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} في القرآنِ تحريمُهِ مِن قوله:

{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ} الآية، ولَكِن الذي مِن رَحمتِهِ بعبادِهِ أنْ حَرَّمَهُ عليهم ومَنَعَهُم مِنهُ؛ تزكيةً لهم وتطهيرًا مِن الشِّركِ به وقولِ الزور، ولهذا قالَ -جَلَّ وعلا-:

{فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ} أي: الخبثَ القَذِر.

{مِنَ الْأَوْثَانِ} أي: الأَندَادِ التي جعَلتُموهَا آلِهَةً مع اللهِ، فإنَّهَا أكبرُ أنواعِ الرِّجْسِ، والظاهرُ أنَّ {مِن} هنا ليست لبيانِ الجِنْسِ، كما قالَهُ كثيرٌ مِن المُفسرين، وإنما هي للتَّبعِيضِ، وأنَّ الرِّجْسَ عامٌّ في جميعِ المَنْهياتِ المُحَرَّمَات، فيكونُ مَنْهيًّا عنها عمومًا، وعن الأوثانِ التي هي بعضُهَا خصوصًا.

{وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} أي: جميعَ الأقوالِ المُحَرَّمَات؛ فإنها مِن قولِ الزورِ الذي هو الكَذِبُ، ومِن ذلك شهادةُ الزُّورِ، فَلَمَّا نَهَاهُم عن الشركِ والرِّجْسِ وقولِ الزُّورِ؛ أَمَرَهُم أنْ يكُونوا {حُنَفَاءَ لِلَّهِ} أي: مُقبلينَ على اللهِ وعلى عِبادتِهِ، مُعْرِضينَ عمَّا سُواهُ، غَير مُشركينَ بهِ.

{وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ} فمَثَلُه {فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ} أي: سَقَطَ منها.

{فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ} بسُرعَة {أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} أي: بعيدٍ بعيد، كذلك المُشْرِكون، فالإيمانُ بمنزلةِ السماءِ المحفوظةِ المرفوعة، ومَن تركَ الإيمان بمنزلةِ الساقطِ مِن السماءِ، يكونُ عُرْضَةً للآفاتِ والبَلِيَّات، فإمَّا أنْ تَخْطَفَهُ الطيرُ فتَقطَعَهُ أعضاءً، كذلك المشركُ إذا تَرَكَ الاعتصامَ بالإيمانِ؛ تَخطَّفَتهُ الشياطينُ مِن كلِّ جانبٍ ومَزَّقُوه، وأَذهبوا عليه دينَهُ ودُنيَاه، وإمَّا أنْ تهوي به الريحُ في مكانٍ سحيقٍ.

{ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ * لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 32-33].

{ذٰلِكَ} أي: ذلكَ الذِي ذَكَرْنَا لكُم مِن تعظيمِ حُرُمَاتِهِ وشعائرِهِ {فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} والمرادُ بالشعائِرِ: أَعلَامُ الدينِ الظاهرة، ومنها: المناسِك كلها، كما قالَ -جَلَّ وعَلَا-: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158].

ومنها: الهَدايَا والقُرْبَانُ للبيتِ، وتقدَّمَ أنَّ معنى تعظيمِهَا: إجلالَهَا والقيامَ بها، وتكميلَها على أكملِ ما يَقْدِر عليه العَبْد.

ومنها: الهَدايَا، كَتعظيمُهَا باستحسانِهَا واستسمانِهَا، وأنْ تكونَ مُكمَّلةً مِن كلِّ وَجْهٍ، فتعظيمُ شعائرِ اللهِ صادرٌ مِن تَقوَى القلوب، فالمُعَظِّمُ لهَا يُبرهنُ على تَقواه وعلى صِحَّةِ إيمانِهِ؛ لأنَّ تعظيمَهَا تابِعٌ لتعظيمِ اللهِ تعالى وإجلالِهِ.

 {لَكُمْ فِيهَا} أي: في الهَدايَا {مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}، هذا في الهَدايَا المَسُوقَةِ مِن البُدنِ ونحوِها، ينتفعُ بها أربابُهَا بالركوبِ والحَلْبِ ونحوِ ذلك مِمَّا لا يَضُرُّهَا.

 {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} مُقَدَّرٍ مُوَقَّتٍ, وهو ذَبْحُهَا إذا وَصَلَت {مَحِلُّهَا} وهو {الْبَيْتُ الْعَتِيق} أي: الحَرَم كلُّه ((مِنًى)) وغيرها، فإذا ذُبِحت أَكلُوا مِنهَا وَأَهدَوا، وَأطعَمُوا البائسَ الفقير.

قال اللهُ -جلَّ وعَلَا-: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} [الحج: 36] أيْ :بارتِكابِ المَعاصِي وَاقتِرافِ الذُّنوب.

قال قتادة: ((اعلَمُوا أنَّ الظلمَ في الأشهرِ الحُرُمِ أعظمُ خطيئةً ووِزْرًا من الظلمِ فِيمَا سِوَاهَا، وإنْ كانَ الظلمُ علَى كلِّ حالٍ عظيمًا، ولَكِنَّ الله يُعَظِّمُ مِن أَمْرِهِ مَا شَاء)).

وقال: ((إنَّ اللهَ اصطَفى مِن الملائكةِ رُسُلًا، ومِنَ الناسِ رُسُلًا، ومِنَ الكلامِ ذِكْرَهُ، وَمِن الأَرضِ المَساجِد, ومِن الشهورِ رمضانَ والأَشهُرَ الحُرَم، وَمِن الأَيامِ يومَ الجُمُعَةِ، ومِن الليالي ليلةَ القَدْرِ، فَعَظِّمُوا مَا عَظَّم اللهُ؛ فإنَّمَا تُعَظَّمُ الأمورُ بِمَا عَظَّمَهَا اللهُ تعالى عندَ أهلِ الفهمِ والعقل)).

والأَشْهُرُ الحُرُم أربعة وهي: ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ.

وَقَد أَكَّدَ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- على بقاءِ حُرْمَةِ الأشهرِ الحُرُمِ إلى نهايةِ الزمان، أّكَّدَ ذلك -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- في آخرِ عُمُرِهِ، كمَا في حديثِ أَبي بَكْرَةَ المُتفق على صحتِهِ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- خَطَبَ في حَجَّةِ الوداعِ؛ فقالَ في خُطبتِهِ: ((إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ؛ ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ)).

ففِي الحديثِ إشارةٌ إلى إبطالِ مَا كَانوا يَفعَلونَهُ في الجَاهِليةِ مِن تبديلِ شهرِ اللهِ المُحَرَّمِ مَكَانَ صَفَر؛ لئلَّا يتوالى عليهم ثلاثةُ أشْهُرٍ بدونِ قتال؛ فلِذَلِك قَال -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: ((ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ))، وأمَّا إضافةُ رَجَب إلى قَبِيلَةِ مُضَر؛ لأنَّهَا كانت تُحافِظُ علَى تحريمِهِ أَشَدَّ مِن محافظةِ سائرِ قبائلِ العربِ.

وقد أَوْمَأَ القرآنُ المجيدُ, وَدَلَّت السُّنَّةُ المُطَهَّرَةُ على ثوابِ العملِ في العَشْرِ مِن ذي الحِجَّةِ وَأيَّامِ التَّشرِيق، فَقال اللهُ -جّلَّ وعَلَا-: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر1-2].

قَال ابنُ كثير: (({والليالي العشر}: المرادُ بها عَشْر ذي الحِجَّة)).

وقالَ -جَلَّ ذِكْرُهُ-: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج 28].

 قَال ابنُ رَجَب: ((الأيامُ المَعلُومَات: هي أيامُ العَشْرِ -أي مِن ذِي الحِجَّةِ- عند جُمهورِ العُلمَاء)).

قَال تعَالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} [البقرة 203].

قَالَ ابنُ حَجَر: ((تَسميةُ أيامِ التشريقِ مَعْدودات مُتَّفَقٌ عَليهِ -يَعنِي بَينَ العُلمَاء-؛ لقولِهِ -جَلَّ ذِكْرُهُ-: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ})).

أخرجَ البخاريُّ في ((صحيحِهِ)) بسندِهِ عن ابنِ عباسٍ -رضِي اللهُ عنهُما- قَال: قَال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: ((مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ اْلأيَّامِ الْعَشْرِ)).

فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟!

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: ((وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ)).

قَال الإمامُ ابنُ كثيرٍ -رحمهُ اللهُ تعالى- في تفسير قولِهِ -جّلَّ وعلا-: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ}: ((الليالِي العَشر: المُرادُ بهَا عَشْرُ ذِي الحِجَّة)), كَمَا قالَهُ ابنُ عَبَّاسٍ، وابنُ الزبير، ومُجاهدٌ، وغيرُ واحدٍ مِن السَّلَفِ والخَلَفِ.

وَاللهُ -جَلَّ وَعَلا- له أنْ يُقْسِمَ بِمَا شاءَ مِن خَلْقِهِ، وَهوَ لَا يُقْسِمُ إلَّا بِمُعَظَّمٍ، فهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ علَى عَظَمَةِ هذهِ الأيامِ عندِ اللهِ -جَلَّ وعلا-.

قال اللهُ تعالى: {لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ}

قَال البخاريُّ -رحمهُ اللهُ تعَالى- في بابِ: فَضلِ العَملِ فِي أيامِ التشريقِ مِن كتابِ العيدين: ((قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ -رضي اللهُ عنهما-: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} أي: في أيامِ العَشْرِ، والأيامُ المَعدودات أيامُ التشريق.

وكان ابنُ عُمَر وأبو هريرة يَخرُجانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيامِ العَشْرِ؛ يُكَبِّرَان ويُكَبِّرُ الناسُ بتكبيرِهِمَا)).

قال شيخُ الإسلامِ -رحِمَهُ اللهُ-:

((وعَشْرُ ذي الحجَّة اسمٌ لمجموعِ الليالي وأيَّامِهَا، فإنَّ يومَ النَّحْرِ مِن عَشْرِ ذي الحجَّة، وَلهَذا قالَ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: ((مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ هَذِهِ اْلأيَّامِ الْعَشْرِ)).

وَقالَ تعَالى: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} وَيومُ النّحْرِ دَاخِلٌ فيها)).

وَقالَ تعَالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 142].

قَال شيخُ الإسلامِ -رحمهُ اللهُ-: ((ويومُ النَّحْرِ هو آخِرُ الأَرْبعين)).

والعملُ الصالحُ في أيامِ العَشْرِ أَزْكَى أَجْرًا وأَعْظَم ثوابًا، وأحبُّ إلى اللهِ تعَالى مِن العملِ في سائرِ العامِ، والكلُّ محبوبٌ عندَ اللهِ -جَلَّ وعَلَا-.

قَالَ الحافظُ ابنُ رَجبٍ في ((اللَّطَائف)): ((وَقد دَلَّ حديثُ ابنِ عباسٍ على مُضاعفةِ جميعِ الأعمالِ الصالحةِ في العَشْرِ مِن غيرِ استثناءِ شيءٍ مِنْهَا، ولَكِنْ هَلْ يُضَاعَفُ عددُ الأَجْرِ أَمْ صِفْتُهُ وكيفِيتُهُ؟

الأظهرُ هو الثَّاني، وأنَّ الأَجْرَ والثَّوابَ أَزْكَى وأَعْظَمُ فيهَا مِن عددِهِ في غيرِهَا؛ ولهَذا قال: ((أَحَبُّ إلَى اللهِ))، وفي لَفْظِ الدارميِّ بسندٍ صحيحٍ عن ابنِ عباسٍ -رضي اللهُ عنهما- عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: ((مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَلا أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ خَيْرٍ يَعْمَلُهُ فِي عَشْرِ اْلأضْحَى)))).

فَهَل تتضاعفُ السَّيئاتُ فِي هؤلاءِ العَشْرِ كَمَا يَتضَاعَفُ أَجْرُ الحَسَنَات؟

لَا شَكَّ أنَّ السيئةَ تَعْظُمُ بِحُرْمَةِ الزَّمَانِ؛ كشَهْرِ رَمَضَان، وكَذَا بِحُرْمَةِ المكانِ؛ كَحَرَمِ اللهِ تعَالى، وهَذا باعتِبارِ الكَيفِيةِ لَا باعتِبارِ العَدَدِ.

قَال العلَّامةُ ابنُ بازٍ -رحمهُ اللهُ- في نظيرِ هذا مَا نَصُّهُ:

((ذَهَبَ بعضُ أهلِ العِلْمِ إِلَى أنَّ المُضاعَفةَ تكونُ في الكَيفيةِ لا فِي العددِ؛ لقَولِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الأنعام-160].

وهذَا نَصٌّ صريحٌ مِن كتابِ اللهِ -جَلَّ وعلا-، لَا تَجوزُ مُخالفَتهُ إلَّا بدليلٍ صحيحٍ يَخُصُّ الحَرَمَ المَكيَّ مِن هذِه الآيَة، وَلا نَعْلَمُ في ذِلك مَا يَحْسُنُ الاعتمَادُ علَيه)).

فَالسيئاتُ تَعْظُمُ بِحُرْمَةِ الزمانِ وتَعْظُمُ بِحُرْمَةِ المَكَانِ، يَكونُ ذلك علَى حَسَبِ الكيفيةِ لَا علَى حَسَبِ العددِ، وَلَا يَظلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا.

وَأمَّا حديثُ ابن عباس -رضي اللهُ تعَالى عَنهُما- الذي أخرجَهُ البخاريُّ في ((الصحيحِ)) عنِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((مَا العَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ العَشر))

قَالُوا: وَلا الْجِهَادُ؟

قَالَ: ((وَلا الْجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ)).

وَقَد جَعَلَ اللهُ في أيامِ دَهْرِهِ نَفَحَات, وَجَعَلَ في الأزمانِ مَوَاسِمَ للخَيْرِ والفَضْلِ، كَمَا جَعَلَ في بعضِ الأمَاكنِ مَزيدَ فَضْلٍ وأَجْرٍ كَرَمًا منهُ تعَالى وَإِحْسَانًا؛ ليَتَداركَ المُقَصِّرُ في زَمَنٍ طويلٍ مَا فَاتَهُ في زمنٍ قصيرٍ, وليَتَسَابقَ المُتَسَابِقُونَ إلى مَوَاسِمِ مُضَاعَفَة الثَّواب، كمَا تَنَافَسُوا في الصَّالحاتِ في عمومِ الزمان.

كَمَا فَضَّلَ -جَلَّ جَلالُهُ- المَسْجدَ الحَرام على مَسجدِ الرسولِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- بالمدينةِ وعلَى المَسجدِ الأَقْصَى؛ فَجَعَلَ الصلاةَ في المَسجدِ الحرامِ بمِئَةِ أَلْفِ صلاةٍ في المساجدِ العَادِية، وَجَعَلَ الصلاةَ في مسجدِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- بأَلْفِ صَلاة، وَفِي بعضِ الأحاديث أنَّ الصلاةَ فِي المَسجدِ الأقصَى بخَمسِ مِئَةِ صَلَاة.

فَضَّلَ -جَلَّ جلالُهُ- كَذَلِكَ بعضَ الأَوقاتِ علَى بعضِ؛ فَجَعَلَ ليلةَ القَدْرِ خَيْرًا مِن أَلْفِ شَهْرٍ، وَفَضَّلَ شَهْرَ رَمَضَانَ ويومَ الجُمُعَة، وَفَضَّلَ الأيامَ العَشْرَ الأُولَى مِن ذي الحِجَّة كمَا هوَ واضحٌ فِي الحديثِ الذي مَرَّ, فالعملُ الصالحُ فيهَا لهُ مِن الأجرِ أكثرَ مِن مِثْلِهِ في غيرِهَا علَى الإطلاقِ...

قالَ السَّامِعُونَ مِن الصحابةِ: ولو كانَ هذا العملُ جِهَادًا في سبيلِ اللهِ مُفوِّتًا الحَج يكونُ في هَذِهِ العَشْرِ أفضلَ مِن الجهادِ في غيرِهَا حَيثُ لا يفوتُ الحَجُّ؟

قال: نعم، الجهادُ فيهَا خيرٌ مِن الجهادِ في غيرِهَا وإنْ فَوَّتَ الحَجَّ, لَكِنَّ رَجُلًا خرجَ في غيرِهَا يجاهدُ في سبيلِ اللهِ فاستُشهِدَ ولم يَرْجِع بِنَفْسِهِ أو بغنيمةٍ، فلا يدخلُ هذا في المُقارنةِ؛ لأنَّ مِثْلَ ذلكَ الرَّجُل قد وَقَعَ أَجْرُهُ على اللهِ, لا يَقدِرُ علَى ثوابِهِ إلَّا هُوَ وَهُوَ أَكرَمُ الأَكرَمِين.

وَقَولُهُ: ((مَا العَمَل)): المُرادُ بالعملِ مَا يَشْملُ أنواعَ العباداتِ؛ كالصَّلاةِ والصَّوْمِ والذِّكْرِ والتَّفَكُّرِ وغيرهَا.

((في أَيَّامٍ)): الجَارُ وَالمَجرُورُ مَتعلِقٌ بلفظِ العَمَلِ؛ لأنهُ مصدرٌ أَصْلًا، والمرادُ: في أيِّ أيامٍ مِن أيامِ السَّنَةِ كُلِّهَا.

((مِنهَا)) -كمَا في الرِّوايةِ التي مَرَّت في ((الصَّحيحِ))- بتأنيثِ الضَّميرِ العَائِدِ إلى العملِ لتأويلِهِ بِالجَمْعِ أي: الأَعمَال, وذلك لأنَّ العملَ مَصْدَرٌ يَصْدُقُ علَى المُفردِ ويَصْدَقُ علَى الجَمْعِ, والمرادُ بهِ هُنا الجَمْعُ، أَو أنَّهُ باعتبارِ تأويلِ العَمَلِ بالقُرْبَةِ؛ أيْ: مَا القُرْبَةُ في أيامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا.

((فِي هَذِا العَشْرِ)): المُرَادُ العَشْرُ الأَوَّلُ مِن شَهْرِ ذِي الحِجَّة.

((إلَّا رَجُلٌ)): المُرادُ إلَّا جِهَادُ رَجُلٍ؛ ليَصْلُحَ الاستِثنَاء، فهُوَ مرفوعٌ على البَدَلِ وَالاستثنَاءُ مُتصلٌ، وَقِيلَ: الاستثنَاءُ مُنْقَطِع, أي لَكِن رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ، وَحينئِذ يَكونُ إعرابُهُ بَدَلًا علَى لغةِ تميم؛ لِأنَّ المُنقطِعَ عندَ غيرِهِم وَاجبُ النَّصْبِ.

((يخاطرُ بِنَفْسِهِ)): أي يُكَافِحُ ويُضَحِّي بِنَفْسِهِ، وَالجُملَةُ حَالٌ مِن فَاعِلِ خَرَجَ.

((فَلَم يَرْجِع بِشَيءٍ)): يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ المُرَادُ أنَّه لَم يَرْجِع بشيءٍ مِن مَالِهِ وإنْ رَجَعَ بِنَفْسِهِ، أو أنَّ المُرَادَ أنه لم يَرجِع هوَ ولَا مَالُهُ واستُشْهِدَ في سبيلِ اللهِ تعالى، وهذا الأخيرُ أَرْجَح؛ لأنَّ شَيْئًا نَكِرَةٌ في سياقِ النفي فتفيدُ العموم، وَلأنه المُوافِق لِمَا صَرَّحَ بهِ في الرِّواياتِ الأُخرَى بلَفظِ: ((إلَّا مَن عُقِرَ جَوادُهُ وأُريقَ دَمُهُ))، وَبلفظِ: ((إلَّا مَن لَا يَرجِع بِنَفْسِهِ وَلَا مَالِه))، وَبلفظِ: ((إِلَّا مَن عُفِّرَ وَجْهُهُ في الترابِ)).

وقد ذَكَرَ الحَافِظُ -رحمهُ اللهُ- السَّبَبَ في امتيازِ عَشْرِ ذي الحجَّةِ بأنَّ الطَّاعاتِ فيهِ أفْضَلُ منهَا في غيرِهِ فقال: ((هو لأجلِ اجتماعِ أُمَّهَاتِ العبادةِ فيه وهي؛ الصَّلاةُ والصيامُ والصَّدَقَةُ والحَجُّ ويومُ عَرَفَةِ, ولا يتَأَتَّى ذَلِكَ في غيرِهِ)).

وهذه الأفضليةُ ثَابِتَةٌ لأيامِ العَشْرِ وليالِيهَا، وإنَّمَا اقتصرَ في الحديثِ على ذِكْرِ الأيامِ؛ لأنَّ الأيامَ إذا أُطْلِقَت دَخَلَت فيها اللَّيالي تَبَعًا، وَقد أَقسَمَ اللهُ تعَالى بهَا فقَال: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر 1-2].

وإنَّمَا قال الصَّحَابَةُ المُسْتَمِعُونَ إلى الرسولِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: (وَلَا الجِهَادُ؟)؛ لأنَّهُم استَبعَدُوا أنْ يكونَ الجِهَادُ فيهَا أَفْضَلَ منهُ في غيرِهَا؛ لأنَّ الجهادَ في غيرِهَا لا يُخِلُّ بِالحَجِّ بخلافِ الجهادِ فيهَا؛ فإنه قد يُخِلُّ بِالحَجِّ، فَكَانَ الذي يَخْطُرُ بالبالِ أنَّ الجهادَ في غيرِهَا أَفْضَلُ، فَبَيَّنَ لَهُم النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- أنَّ الجِهَادَ فيها أَفْضَلُ أَيْضًا إلَّا في الحالةِ التي اسْتثناهَا، وهي جِهَادُ مَن خَرَجَ يُكَافِحُ بِنَفْسِهِ ومَالِهِ فَلَم يَرْجِع بِشَيءٍ أَصْلًا، ويَبْقَى الاستفسارُ عَمَّن خَرَجَ بهذه الصِّفَةِ وعَادَ بهذه الصفةِ في الأيامِ العَشْرِ؛ أليْسَ عَمَلُهُ هذا فيها أَفْضَلُ منهُ في غيرِهَا؟

والجوابُ: نَعَم.

 ويصيرُ هَدَفُ الحديثِ: بيانَ أَفْضَلِ الأعمالِ وأَفْضَلِ الأوقاتِ، والأَوْلَى حَمْلُ سؤالِ الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنهُم-: (ولا الجِهَادُ؟) على أنَّهُم يَفهَمونَ أنَّ الجِهَادَ نَفْلًا أَفْضَلُ مِن أيِّ نَفْلٍ, وفَرْضًا أَفْضَلُ مِن أيِّ فَرْض, فيكونُ مُرادُ السَّائِل ولا الجهادُ في غيرِهَا أَفْضَلُ مِن غيرِهِ فيهَا؟

 ويكونُ جوابُ الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: ولا الجِهَادُ في غيرِهَا أَفْضَلُ مِن غيرِهِ فيهَا؛ إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ في غيرِهَا يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ إلى آخرِ الحديث، فهو أَفْضَلُ مِن عَمَلِ أيِّ قُرْبَةٍ غيرَ ذَلك فيهَا.

وبَيَّنَ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- أَنَّ العَمَلَ المَفضولِ في الوقتِ الفَاضِلِ يَلْحقُ بالعملِ الفَاضِلِ في غيرِهِ، ويزيدُ عليهِ؛ لمُضَاعفةِ ثوابِهِ وأَجْرِهِ.

وبَيَّنَ تفضيلَ بعضِ الأزمنةِ على بَعْضٍ, كمَا فُضِّلَت بعضُ الأمكنةِ على بَعْضٍ.

وقَد استدلَّ بالحديثِ بَعضْهُم على فَضْلِ صيامِ شَهْرِ ذي الحجَّةِ؛ لاندراجِ الصومِ في العملِ، واستُشكِلَ بتحريمِ الصَّومِ في يومِ العيدِ، وأُجيبَ عن الاستِشكَالِ بِأنَّهُ محمولٌ علَى الغَالِبِ.

هذا الفَضْلُ الذي ذَكَرَهُ الرسولُ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- عَامٌّ في جميعِ الأعمالِ الصالحةِ ظاهرةً وباطنةً، قوليةً وفِعليةً، فنوافلُ العَشْرِ أَعْظَمُ النوافلِ، وفرائضُ العَشْرِ أَفْضَلُ الفَرَائِض، والفرائضُ في غيرِ العَشْرِ أَعْظَمُ مِن نوافلِ العَشْرِ مُطْلَقًا؛ لأنَّ الفَرَائضَ أَحَبُّ إلى اللهِ تَعَالَى مِن النوافلِ كَمَا أَفَادَ ذلك العلَّامةُ ابنُ رَجَبٍ -رحمهُ اللهُ تعَالى-، فصيامُ أيامٍ مِن رمضانَ أَعْظَمُ مِن صيامِ عَشْرِ ذِي الحجَّةِ.

قالَ الحافظُ ابنُ رَجَب: ((أمَّا صيامُ رَمَضَان فَأَفْضَلُ مِن صيامِ العَشْرِ بِلَا شَكٍّ، فإنَّ صَوْمَ الفَرْضِ أَفْضَلُ مِن النَّفْلِ بِلَا تَرَدُّدٍ)).

وَقالَ الحَافظُ ابنُ حَجر: ((وَالذي يَظْهرُ أنَّ السَّبَبَ في امتيازِ عَشْرِ ذي الحجَّةِ لمَكانِ اجتماعِ أُمَّهَاتِ العباداتِ فيه وهي؛ الصلاةُ والصيامُ والصدقةُ والحَجُّ ولا يتأتى ذلك في غيرِهِ)).

وعلَى هذا هل يَخْتَصُّ الفَضْلُ بِالحَاجِّ أم يَعُمُّ المُقيمَ؟ فيهِ احتِمَال

قَال البخاريُّ -رحمهُ اللهُ تعَالى- وسَاقَ بإسنادِهِ عن ابنِ عباسٍ -رضي اللهُ عنهُما- عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- قَال: ((مَا العَمَلُ فِي أَيَّامٍ العَشْرِ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ)).

قَالُوا: وَلا الْجِهَادُ؟

قَالَ: ((وَلَا الْجِهَادُ، إِلا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ)).

قَالَ العلَّامةُ الصالحُ محمَّدُ بنُ صَالح في شرحِهِ علَى ((البُخارِي)):

((هذا الحديثُ عَام في أنَّ جميعَ الأَعْمَالِ الصالحةِ في هذهِ العَشْرِ محبوبةٌ إلى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وأفضل مِن العملِ في غيرِهَا، وهو شَامِلٌ لجميعِ الأعمالِ مِن صلاةٍ وصدقةٍ وقراءةٍ وذِكْرٍ وصيامٍ وغيرِهَا.

أمَّا مَا ذَكَرَت عائشةُ أُمُّ المُؤمنين -رضي اللهُ عَنها-: ((أنها مَا رَأَت النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- صَائِمًا العَشْر قَطُّ)) كَمَا في روايةِ مُسْلِمٍ؛ فَهُو مُعَارَضٌ بِأَنَّ إحْدَى أُمَّهَاتِ المُؤمنين ذَكَرَت: ((أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- كانَ يصومُ تِسْعَ ذِي الحجَّةِ)) أخرجَهُ أحمد وأبو داوود والنَّسَائي وهو حديثٌ صحيحٌ كَمَا في ((صحيحِ سُنَنِ النَّسَائيِّ)) وَ ((صحيحِ سُنَنِ أبي داوود)) وغيرِهُمَا.

قال الإمامُ أَحْمَد -رَحِمَهُ اللهُ تعالى- في هذا التَّعَارُضِ بين الحديثين: ((المُثْبِتُ مُقَدَّمٌ على النَّافِي، ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُم قَالَ: إنَّ الحديثَ رُوِيَ عَلَى وَجْهَيْن:

*الوَجْهُ الأَوَّلُ: ((مَا رَأيْتُهُ صَائِمًا في العَشْرِ قَطُّ)).

*والثَّانِي: ((مَا رَأَيْتُهُ صَائِمًا العَشْرَ قَطُّ)).

فَعَلَى الوَجْهِ الأَوَّلِ: تكونُ نَفَت أنْ يَكونَ صَامَ حَتَّى يَوْم عَرَفَة؛ لأَنَّهَا تقولُ: مَا رَأيْتُهُ صَائِمًا في العّشْرِ، ومَعْلُومٌ أنَّ اللفظَ بهَذا المَعنى شَاذٌّ؛ لأنَّ يَومَ عَرَفَة قَد ثَبَتَت مَشْروعِيةُ صيامِهِ وثَبَتَ الحَثُّ على صيامِهِ.

وأمَّا على الوجهِ الثَّانِي: وهو ((مَا رَأَيْتُهُ صَائِمًا العَشْر))، فَالمَعْنَى مَا رَأيتُهُ صَائِمًا كلَّ العَشْرِ، وَلَا يُنَافِي أنْ يكونَ صَامَ شَيْئًا مِنْهَا، وعلَى هَذا فلا يكونُ فيه دليلٌ علَى أنَّ العَشْرَ لا يُسَنُّ صيامُهَا، بَل إنْ صَحَّ أنْ نقولَ: فيهِ دليلٌ، فهو يَدُلُّ علَى أنَّ الرسولَ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- لم يُكَمِّلْ صيامَ العَشْرِ.

ثمَّ إنَّ هذه قضيةُ عَيْنٍ، فإنَّا لا نَدْرِي لماذا لَم يَصُم الرسولُ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-، فَقَد يكونُ مَا صَامَ؛ لأنَّهُ كانَ مَثَلًا مَشْغُولًا بالوفودِ أَوْ بأشياءَ أُخْرى، أَو صَامَ العَشْرَ كلُّهَا، أَو أنَّهُ اشتغلَ في أَوَّلِ يومٍ مِن العَشْرِ بِكَذا وفي وَسَطِ العَشْرِ بِكَذا، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذلك...

فَقضَايا الأَعيَان لا يُمْكنُ أنْ تُدْفَعُ بِها دلالةُ الألفاظِ الوَاضِحَة، وهيَ أنَّ العَمَلَ الصَّالِحَ في هذهِ العَشْر أَحَبُّ إلى اللهِ مِن أنْ يكونَ في أي يومٍ مِن السَّنَةِ، ومعلومٌ أنَّ الصيامَ مِن العملِ الصالحِ، بَلْ هوَ العملُ الذي اختَصَّهُ اللهُ لِنَفْسِهِ فَقَالَ سبحانهُ: ((الصَّوْمُ لي وأنا أَجْزِي بِهِ)) كَمَا في ((الصحيحين)))).

ثم سَاقَ العَلَّامةُ الصالحُ -رحمهُ اللهُ- مُحَمَّد بنُ صَالح، سَاقَ نصيحةً لطُلابِ العِلْمِ فَقَالَ: ((وَمِن الآفاتِ التي يقومُ بها بعضُ الطلبةِ -طلبةِ العِلم- أنهم ينظرونَ إلى الأحاديثِ دونَ أنْ يَجْمَعُوا أطرافَهَا، ودونَ أنْ يرجِعوا إلى القواعدِ العامةِ للشريعةِ، وهذا نَقْصٌ في الاستدلالِ، نَقْصٌ عظيمٌ، والإنسانُ إذا تَكَلَّمَ ليسَ يتَكلَّمُ إلَّا عن شريعةٍ يَعنِي: يَتكلمُ لِيَقولَ هذا شَرْعُ اللهِ- وإذا كانَ كذلك؛ فَكُلُّ نَصٍّ منه؛ فإنه دَالٌّ على شريعةِ.

فَيَجِبُ أنْ يكونَ مُلِمًّا بجميعِ النصوصِ، ومُلِمًّا بالقواعدِ العامةِ في الشريعة، حتى يُمكَنَهُ أنْ يقولَ هذا لِكَذَا وهذا لِكَذَا، -قال:- وهذا الذي قُلتهُ قد كَرَّرْتُهُ مِرَارَا، قُلتُ: إنه يجبُ على طالبِ العِلْمِ إذا أرادَ أنْ يقولَ: هذا حُكْمُ اللهِ أو حُكْمُ رسولِهِ؛ أنْ يكونَ مُلِمًّا بجميعِ أطرافِ الأدلةِ؛ حتى يَتَمَكَّنَ مِن الحُكْمِ المُوَافِقِ)).

وَقَال في شرح ((الرياض)): ((وَمِمَّا يُسَنُّ صيامُهُ أيامُ العَشْرِ -عَشْرِ ذي الحجَّة الأَوَّل-، فإنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- قَال: ((مَا مِن أيامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إلى اللهِ مِن هذه الأيامِ))؛ يعني أيامَ العَشْرِ.

وقولُهُ: ((العَمَلُ الصَّالِحُ)) يشملُ الصَّدَقَةَ والصَّلاةَ والصيامَ والذِّكْرَ والتكبيرَ، وقراءةَ القُرآنِ وبِرَّ الوَالديْن وصِلَةَ الأرحامِ والإحسانَ إلى الخَلْقِ وحُسْنَ الجوارِ، وغَيْرَ ذلك مِن الأعمالِ الصَّالحة)).

فَفي هذا المَوضع مِن كلامِهِ -رحمهُ اللهُ تعالى- قَرَّرَ السُّنيَّةَ، فقالَ: ((ومِن السُّنَّةِ))؛ لأنَّ أقوامًا يقولونَ: إنَّ الصيامَ في العَشْرِ ليس مِن السُّنَّةِ, ويذهبونَ إلى حديثِ عائشةَ -رضيَ اللهُ عنها-!!

وأمَّا الحديثُ الآخر الذي أخرجهُ أحمد وأبو داود والنسائي، فَفِيهِ أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- مَا كانَ يَدَعُ صيامَ التِّسْعِ -تعني الأُوَّلَ مِن شهرِ ذي الحجَّةِ-، ومعنى هذا: أنهُ كانَ يُداوِمُ على صيامِهَا إلَّا أنْ يَعْرِضَ عَارِضٌ، وهذه المُداومةُ دليلٌ على السُّنيَّةِ، وهذا الذي ذَهَبَ إليه الشيخُ -رحمهُ اللهُ- في تقريرِ سُنيَّةِ الصيامِ للعَشْرِ الأَوَّلِ مِن شهرِ ذي الحِجَّةِ.

وقد يُرَى نِزَاعٌ بين الأئمةِ في المُفَاضلةِ بين عَشْرِ ذي الحجَّة وعَشْرِ آخرِ رَمَضَان، ومِن أَحْسَنِ مَن حَرَّرَ الجوابَ في ذلكَ شيخُ الإسلامِ -رحمهُ اللهُ- قال:

((أيامُ عَشْرِ ذي الحجَّةِ أَفْضَلُ مِن أيامِ العَشْرِ مِن رَمَضَان، واللَّيالي العَشْرُ الأواخرُ مِن رَمَضَان أَفْضَلُ مِن ليالِي عَشْرِ ذي الحجَّةِ))، يعني لمَقَامِ ليلةِ القَدْرِ فيهنَّ.

وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ -رحمهُ اللهُ-: ((وإذا تَأَمَّلَ الفَاضِلُ اللبيبُ هذا الجواب -يعني كلامَ شيخِهِ شيخِ الإسلامِ رحمهُ اللهُ-؛ وَجَدَهُ شافيًا كافيًا، فإنه ليس مِن أيامٍ العَمَلُ فيها أَحَبُّ إلى اللهِ مِن أيامِ عَشْرِ ذي الحجَّةِ وفيها: يومُ عَرَفَة ويومُ النَّحْرِ ويومُ التَّرْويةِ.

وأمَّا ليالي عَشْرِ رَمَضَان؛ فَهِي ليالِي الإحياءِ، التي كانَ رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- يُحْيِيها كلَّهَا، وفِيهَا ليلةٌ خيرٌ مِن أَلْفِ شَهْرِ، فَمَنْ أَجَابَ بِغَيْرِ هذا التفصيلِ؛ لَم يُمْكِنْهُ أنْ يُدْلِيَ بِحُجَّةٍ صحيحةٍ)).

عَارضَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ هَذَا واستبعدَهُ فَقَالَ: ((فَأَمَّا لياليه فَمِن المُتأخرينَ مَن زَعَمَ أنَّ لياليَ عَشْرِ رَمَضَان أَفْضَلُ مِن لياليهِ لاشتمالِهَا على ليلةِ القَدْرِ، -قال-: وهَذَا بعيدٌ جِدًّا، فإنَّ عَشْرَ رَمَضَانَ فُضِّلَ بليلةٍ واحدةٍ فيهِ، وهذا جميعُ ليالِيه متساوِيةٌ لهَا في القيامِ على هَذا الحديثِ، وَالأيامُ إذا أُطْلِقَت دَخَلَت فيها الليالي تَبَعًا، وكذلِكَ الليالي تَدْخُلُ أَيَّامُهَا تَبَعًا.

وقد أَقْسَمَ اللهُ تعَالى بلَيَالِيهِ فقَال: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1, 2]، وَهذا يَدُلُّ علَى فضِيلةِ ليالِيه، لَكِن لم يَثْبُت أنَّ ليالِيَهُ وَلا شيئًا مِنْهَا يَعْدِلُ ليلةَ القَدْرِ)).

على كلِّ حالٍ؛ فإنَّ هذا يَدُلُّ علَى شَرَفِ هذهِ الأيام، وعلَى فضيلةِ العَمَلِ الصالحِ - أيِّ عَمَلٍ صالحٍ- فيهَا يُتَقَرَّبُ به إلى اللهِ، فَلَو كانَ المُسلمُ واعيًا؛ لاغتنمَ دَقَائِقَهَا بَل ثَوَانِيَهَا، ولَم يُضَيِّع مِنْهَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، إِقْبَالًا على اللهِ، وبِرًّا يَقبَلُهُ اللهُ، وإحْسَانًا إلى عبادِ اللهِ، وتَصفِيةً للنَّفْسِ مِن أدرانِهَا، إلى غيرِ ذلكَ مِن أنواعِ القُرُبَاتِ التي يَتَقَرَّبُ بهَا الصَّالحونَ إلى رَبِّهِم -جَلَّ وَعَلَا-.

فَنَسألُ اللهَ أَنْ يُوِّفقُنَا لِلعَملِ الصَّالِحِ فِي هَذهِ الأَيَّامِ، وَنسَأَلهُ أَنْ يَتقبلَ مِنَّا صَالِحَ الأعمالِ.

وَصَلَّى اللهُ وسَلَّم علَى نبيِّنَا مُحَمَّدٍ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ أجمَعِين.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-, صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ:

فإذا أرادَ أَحَدٌ أنْ يُضَحِّيَ وَدَخَلَ شَهْرُ ذي الحجَّةِ -إمَّا برؤيةِ هِلَالِهِ أو كمَالِ ذِي القعْدَةِ ثلاثينَ يومًا-؛ فإنهُ يَحْرُمُ عَليهِ أنْ يأخذَ شيئًا مِن شَعْرِهِ أو أظفارِهِ أو جِلْدِهِ حتى يَذْبَحَ أُضْحِيَّتَهُ؛ لحديثِ أُمِّ سَلَمَة -رضِيَ اللهُ عنهَا- أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- قَال: ((إذا رَأيتم هِلَالَ ذي الحجَّة -وفي لفظٍ: إذا دَخَلَت العَشْرُ-، وأرادَ أحدُكُم أنْ يُضَحِّىَ فَليُمْسِك عَنْ شَعرِهِ وأظفارِهِ)).

وهذا الحديثُ أخرجَهُ مسلمٌ في ((صَحيحِهِ)) وَكَذَا الإمامُ أحمَدُ في ((المُسْنَدِ)).

وَفِي لفظٍ: ((فَلَا يَأْخُذُ مِن شَعرِهِ وأظفارِهِ شيئًا حتَّى يُضَحِّيَ))

وَفِي لفظٍ: ((فَلَا يَمَسُّ مِن شَعرِهِ ولَا بَشَرِهِ شيئًا)).

وإذا نَوَى الأضحيةَ أثناءَ؛ العَشْرِ أَمْسَكَ عن ذلك مِن حينِ نِيَّتِهِ؛ ولا إِثْمَ عليه فيمَا أَخَذَهُ قبلَ النيَّةِ.

لَم يَنوِي أنْ يُضَحِّيَ وقد دَخَلَت العَشْرُ؛ فَأَخَذَ مِن شَعرِهِ أو أَخَذَ مِن ظُفُرِهِ، ثُمَّ جَاءَت النِيَّةُ بالأُضْحِيَّةِ، فَلَا حَرَجَ عليهِ وليُمْسِك مِنْذُ نَوَى.

وَالحكمةُ في هذا النَّهي: أنَّ المُضَحِّي لَمَّا شَارَكَ الحَاجُّ في بعضِ أعمالِ النُّسُكِ؛ وَهُوَ التَّقَرُّبُ إلى اللهِ تَعَالَى بِذَبْحِ القُربانِ, شَارَكَهُ في بعضِ خصائصِ الإحرامِ مِن الإمسَاكِ عَن الشَّعرِ ونحوِهِ.

وهذا الحكمُ خاصٌّ بِمَن يُضَحِّي، أَمَّا مَن يُضَحَّى عنه؛ فَلَا يَتعلقُ هذا الحُكْمُ بهِ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- قال: ((وأرادَ أحدُكُم أنْ يُضَحِّيَ))، ولَم يَقُل: أو يُضَحَّى عَنْهُ؛ ولأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- كان يُضَحِّي عَن أهلِ بيتِهِ، ولَم يُنْقَل عنهُ أنَّهُ أَمَرَهُم بالإمساكِ عَن ذلك.

النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- بيَّنَ ما يتعلقُ بالمُشاركةِ الماديةِ في الأُضحيةِ، وبَيَّنَ أنَّ ذلك لا ينبغي أنْ يزيدَ على السُبُع، فالبَدَنَةُ لسَبْعَةٍ وكذلِكَ البَقَرَةُ، وَلَا يزيدُ على ذلك، فَإِنْ زَادَ فَإِنَّهُ لا يَصِحُّ.

ولَكِنَّ المُشاركةَ في الأَجْرِ لَيست كالمشاركةِ في الناحيةِ الماديةِ في الأُضحيةِ، فإنَّ المشاركةَ في الأَجْرِ يدخلُ فيهَا مَن لا يُعَدُّ؛ لأنَّ الإنسانَ إذا قالَ عن فلانٍ وأهلِ بيتِهِ؛ دَخَلَ فيهُم الأحياءُ والأمواتُ، دَخَلَ فيهُم الحاضرونَ والغَائبون، وذلكَ فَضْلٌ مِن اللهِ -تباركَ وتَعَالَى-, واللهُ تعالى ذو الفَضْلِ العظيمِ.

فالمشاركةُ في الأجرِ شيءٌ والمشاركةُ في القيمةِ الماديةِ شيءٌ آخر، وينبغي على الإنسانِ ألَّا يخلطَ بَيْنَ هاتيْن المُشاركتين.

النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- كان يقولُ: ((عن مُحَمَّدٍ وأَهْلِ بيتِهِ))، فهؤلاء لَم يَأمرهُم النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- بالإمساكِ عَن الأخذِ مِن الشَّعرِ والظُّفُرِ، وإنَّمَا بَيَّنَ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- أنَّ هذا الحُكْمَ؛ وهو الإمساكُ عن الأَخْذِ مِن الظُّفُرِ ومِن الشَّعرِ ومِن بَشَرَةِ الإنسانِ؛ مِن جِلْدٍ زَائِدٍ أو مَا أَشْبَهَ إلَّا إذا كان بقائُهُ يَضُرُّ، أو يأتي بمزيدِ أَلَمٍ فإنَّهُ يُزَالُ بِلَا حَرَجٍ.

النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- بَيَّنَ أنَّ هذا الحُكْمَ إنَّمَا يَخُصُّ المُضَحِّي لا المُضَحَّى عنهُ، فأَهْلُ البيتِ يأخذونَ مِن أَشْعَارِهِم, ويأخذونَ مِن أَظْفَارِهِم ومِن أبشارِهِم، كمَا بيَّنَ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- فيمَا هو ممنوعٌ على المُضَحِّي، وَهؤلاء إنَّمَا هُم مِن المُضَحَّى عنهُ ولَيْسُوا بمُضَحِّينَ، فالحُكْمُ إذنْ يَشْمَلُ مَن ضَحَّى، لا مَن ضُحِّيَ عنهُ.

((وأرادَ أحدُكُم أنْ يُضَحِّىَ)) وَلَم يَقُل: أَوْ يُضَحَّى عنهُ؛ ولأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- كان يُضَحِّيِ عن أهلِ بيتِهِ، ولَم يُنْقَل عَنه أنَّه أمرهُم بالإمساكِ عن ذلكَ.

وَعَلَى هذا فَيجوزُ لأهلِ المُضَحِّي أنْ يَأخذوا في أيامِ العَشْرِ مِن الشَّعرِ والظُّفُرِ والبَشَرَةِ، وإذا أَخَذَ مَن يريدُ الأضحيةَ شيئًا مِن شَعرِهِ أو ظُفُرِهِ أو بَشْرَتِهِ، فعَلَيهِ أنْ يتوبَ إلى اللهِ تعالى وَلَا يَعود، ولا كَفَّارَةَ عليهِ، ولا يمنعُهُ ذلك عن الأُضحيَّةِ كمَا يَظُنُّ بعضُ العَوام، وإذا أَخَذَ شيئًا مِن ذلك نَاسيًا أو جَاهِلًا، أو سَقَطَ الشَّعرُ بلا قَصْدٍ؛ فَلَا إِثْمَ عليهِ، وإنْ احتاجَ إلى أَخْذِهِ فَلَهُ أَخْذُهُ ولا شَيءَ عليه؛ مِثْلَ أنْ ينكسرَ ظُفُرُهُ فيؤذِيهِ فَيَقُصُّهُ، أو يَنزِلَ الشَّعْرُ في عينيْه فيُزيلَهُ، أو يحتاجَ إلى قَصِّهِ لمُدَاوَاةِ جُرْحٍ ونحوِهِ.

النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- جَعَلَ المسلمَ في هذه الفترةِ مِن العَام في حالةٍ نفسيةٍ مُتأهِّبةٍ كالمُحْرِمِ سواءً بسواءٍ؛ فَمَن نَوَى أنْ يُضَحِّيَ وأَهَلَّ هلالُ ذِي الحِجَّةِ -سواءٌ كانَ ذلكَ برؤيةٍ أو بإكمالِ مَا كان قَبلَهُ- فإنَّه لَا ينبَغي للإنسانِ أبدًا أنْ يأخذَ -كالمُحْرِمِ سواءً بسواءٍ- مِن شَعرِهِ أو مِن ظُفُرِهِ أو مِن بَشَرتِهِ، فيكون الإنسانُ مُتهيئًا مُتَحَفِزًا.

بَل إنَّهُ يكونُ في هذهِ الحالِ على حالٍ جُزئِيَّةٍ -في هذهِ المسألةِ- تجعلُهُ مُتأهبًا مُتحفزًا بمَا لَا يَكونُ عليه الحَاجُّ؛ لأنَّ الحَاجَّ يُهِلُّ بالحجِّ في يومِ التَّرويةِ، فإنَّ الإنسانَ حينئذٍ يكونُ مُحْرِمًا مِن اليومِ الثَّامِن، ثمَّ يظلُّ كَذَلِك إِلَى يَومِ العِيدِ، ثم يُحِلُّ مِن إحرامِهِ، وأمَّا هذا فيَظَلُّ المدةَ كلَّها عشرةَ أيامٍ حتى يذبحَ لا يأخذُ مِن ظُفُرِهِ ولا مِن شَعرِهِ ولا بَشَرِهِ شيئًا، وإنْ أَخَذَ فَقَدْ وَقَعَ فِيمَا حَرَّمَ اللهُ، يتوبُ إلى اللهِ ولا كَفَّارَةَ عليه.

هَذِه الأيَّامُ العَظِيمَة تَوَّجَهَا اللهُ رَبُّ العَالمِينَ بِيَومَينِ فَاضِلَين:

- فَأمَّا الأَوَّلُ مِن هَذَينِ اليَومَين: فَهُوَ يَومُ عَرَفَة، وَصِيَامُه يُكَفِّرُ ذِنُوبَ سَنَةٍ مَضَت وَذُنُوبَ سَنَةٍ بَقِيَت كَمَا بيَّنَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-، وَفِي عَشِيَّةِ عَرَفَة يَنزِلُ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَى سَمَاءِ الدُّنيَا, وَيُبَاهِي بِالحَجِيجِ فِي عَرَفَاتٍ المَلائكَة، وَيَغفِرُ اللهُ رَبُّ العَالمِينَ لِعُمُومِ المُسلِمِينَ إِلَّا مَن كَانَ مُشرِكًا، فَمَن أَقبَلَ عَلَى اللهِ فِي ذَلِكَ الوَقتِ الشَّرِيفِ؛ أَقبَلَ اللهُ عَلَيهِ, وَمَن نَادَى اللهَ رَبَّ العَالمِينَ فِي ذَلِكَ الوَقتِ الشَّرِيفِ؛ لَبَّاهُ وَمَن دَعَاهُ أَجَابَهُ, وَاللهُ رَبُّ العَالمِينَ لَا يَرُدُّ قَاصِدًا وَلَا يَحرِمُ طَالِبًا مُنِيبًا مُخبِتًا.

- وَأَمَّا اليَومُ الثَّانِي: فَهُوَ يَومُ النَّحرِ، وَهُوَ أَعظَمُ أَيَّامِ السَّنَةِ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-، المُسلِمُ الشَّحِيحُ بِدِينِهِ الحَرِيصُ عَلَى آخِرَتِهِ لَا يُفَوِّتُ أَمثَالَ هَذِهِ المَواسِم، فَإِنَّهُ لَا يَدرِي إِنْ عَاشَهَا أَتَعُودُ إِلَيهِ أَمْ تَعُودُ عَلَى هَذَا العَالَمِ وَقَد خَلَا العَالَمُ مِنهُ وَغُيِّبَ تَحتَ طَبَقَاتِ الثَّرَى.

عَلَى المَرءِ أَنْ يَجتَهِدَ فِي إِصلَاحِ قَلبِه أَوَّلًا، عَلَيهِ أَنْ يُنَقِّيَهُ مِنَ الشِّركِ وَمِنَ الشَّكِّ وَمِنَ الشُّبهَةِ, وَمِنَ الزَّيغِ وَمِنَ الهَوَى وَمِنَ البِدعَةِ, وَمِنَ الحَقدِ وَمِنَ الحَسَدِ, وَمِنْ مَذمُومِ العَادَاتِ وَمَرذُولُ الصِّفَاتِ.

يَنبَغِي عَلَى الإِنسَانِ أَنْ يَحرِصَ عَلَى طَهَارَةِ القَلبِ؛ فَإِنَّهُ إِنْ صَلَحَ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِنْ فَسَدَ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-.

وَعَلَى الإِنسَانِ أَنْ يَضبِطَ حَرَكَةَ الحَيَاة، وَأَنْ يَجتَهِدَ فِي أَنْ يَأكُلَ مِن حَلَالٍ, وَأَنْ يَكُفَّ العَينَ عَنِ المُحَرَّمَاتِ, وَالأُذُنَ عَن الاستِمَاعِ لمَا يُغضِبُ الرَّبَّ -جَلَّ وَعَلَا-، وَعَلَيهِ أَنْ يُطَهِّرَ يَدَهُ مِنَ الرِّشوَةِ, عَلَيهِ أَنْ يُطَهِّرَ يَدَهُ مِنَ الغَصبِ, مِنَ السَّرِقَةِ, مِن أَنْ تَمتَدَّ إِلَى مُحَرَّمٍ، أَوْ أَنْ تَتَجَاوَزَ حُدُودَ مَا حَرَّمَ اللهُ, وَحُدُودَ مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-.

عَلَى الإِنسَانِ أَنْ يَجتَهِدَ فِي التَّوبَةِ إِلَى اللهِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الشَّرِيفَةِ, التِي العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ العَمَلِ الصَّالِحِ فِي جَمِيعِ أَيَّامِ السَّنَةِ بِلَا استِثنَاءٍ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟!

قَالَ: ((وَلَا الْجِهَادُ، إِلَّا أَنْ يَخرُجَ الرَّجُلُ فِي سَبِيلِ اللهِ مُجَاهِدًا بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ, ثُمَّ لَا يَرْجِعُ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ))

يُعقَرُ جَوَادُهُ، يُهرَاقُ دَمُهُ، يُؤخَذُ مَالُه، ثُمَّ لَا يَعُودُ مِن ذَلِكَ بِشَيءٍ، فَهَذَا خَارِجٌ عَن نِطَاقِ المُقَارَنَة, وَأَينَ هُوَ مَن كَانَ مِثلَ هَذَا؟!

فَاللهُ المُستَعَانُ وَعَلَيهِ التُّكلَانُ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  تحقيق التوحيد في الكسوف والخسوف
  الْحَجُّ بَيْنَ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَفِقْهِ الْمَنَاسِكِ
  يَوْمُ عَرَفَةَ
  مفتاح دعوة المرسلين
  دُرُوسٌ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ
  التَّرْشِيدُ فِي حَيَاتِنَا مَوْضُوعَا الْمِيَاهِ، وَالْإِنْفَاقِ فِي رَمَضَانَ أُنْمُوذَجًا
  حقيقة ما يحدث في مصر
  الرد على الملحدين:الرد على بعض شبهات الملحدين، وبيان بعض صفات الخالق
  إلى أهل المغرب الحبيب
  أَهَمِّيَّةُ الْعَمَلِ وَالتَّخْطِيطِ فِي الْإِسْلَامِ وَسُبُلُ التَّغْيِيرِ
  • شارك