تفريغ خطبة حُسْنُ الخُلُقِ سَبَبُ بِنَاءِ المُجْتَمِعِ الصَّالِحِ

حُسْنُ الخُلُقِ سَبَبُ بِنَاءِ المُجْتَمِعِ الصَّالِحِ

«حُسْنُ الخُلُقِ سَبَبُ بِنَاءِ المُجْتَمِعِ الصَّالِحِ»

جمعٌ وترتيبٌ مِن خُطَبِ الشيخِ العلَّامة:

أبي عبد الله مُحَمَّد بن سَعِيد رَسْلَان -حَفِظَهُ اللهُ-.

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صلى الله عليه وآله وسلم.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

«حُسْنُ الخُلُقِ مِنْ كُبْرَى غَايَاتِ دِينِنَا»

فقَدْ حصرَ النبيُّ ﷺ الغايةَ مِن البعثةِ المحمديةِ في تمامِ صالحِ الأخلاقِ، فقالَ ﷺ: «إنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلَاقِ».

أخرجَهُ البخاريُّ في «الأدبِ»، والحاكمُ، وأحمدُ، وصححَهُ الشيخُ أحمد شاكر والشيخُ الألبانيُّ وغيرُهُما.

فلا عَجَبَ إذن أنْ يكونَ حُسْنُ الخُلُقِ غايةَ الغاياتِ في سَعْيِ العَبدِ لاستكمالِ الصفاتِ على أساسٍ مِن التوحيدِ المَكينِ، وثابتِ الإخلاصِ واليقين.

وقد كان إمامُ الأنبياءِ ﷺ في «حُسْنِ الخُلُقِ» على القمةِ الشامخةِ، وفوقَ الغايةِ والمُنتهى، فكان كما قال عنه ربُّهُ عزَّ وجلَّ-: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].

وهو ﷺ مع ذلك لا يَنْفَكُّ يدعو ربَّهُ في قيامِ الليلِ بقولِهِ: «اللهم اهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاقِ، فَإِنَّهُ لا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئِهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلَّا أَنْتَ». رواهُ مسلمٌ عن عليٍّ رضي اللهُ عنه-.

يطلبُ مِن ربِّهِ أنْ يُرشدَهُ لصوابِ الأخلاقِ، ويُوفِّقَهُ للتخلُّقِ به، وأنْ يصرفَ عنه قبيحَ الأخلاقِ ومذمومَ الصفاتِ، ويُبعِدَ ذلك عنه، مع أنهُ ﷺ على خُلُقٍ عظيمٍ، ومع أنَّ خُلَقَهُ القرآنُ الكريمُ.

أخبر سعدُ بن هشام بن عامرٍ أنه سألَ عائشةَ رضي اللهُ عنها-، فقال: «قلتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟

قُلْتُ: بَلَى.

قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنُ». رواه مسلم.

ومعنى أنَّ خُلُقَهُ القرآنُ أنه يعملُ به، ويقفُ عند حدودِهِ، ويتأدبُ بآدابِهِ، ويعتبرُ بأمثالِهِ وقَصَصِهِ، ويتدبرُهُ، ويُحسِنُ تلاوتَهُ.

وإذا كان النبيُّ ﷺ مِن حُسنِ الخُلُقِ بهذه المثابةِ، وهو مع ذلك- يسألُ الهدايةَ لأحسنِ الأخلاقِ، ويستعيذُ مِن سيِّئِهَا، فكيفُ يصنعُ مَن خُلُقُهُ إلى خُلُقِ النبيِّ ﷺ كقطرةٍ في بحرٍ أو دون ذلك؟!!

وكلُّ إنسانٍ -لا محالة- يجهلُ الكثيرَ مِن عيوبِ نَفْسِهِ، فإذا جَاهَدَ نَفْسَهُ أَدْنَى مجاهدةٍ حتى تَرَكَ فواحشَ المعاصي، فربما ظنَّ بنفسِهِ أنه قد هذَّبَ نفسَهُ، وصَفَّى أخلاقَهُ، وحسَّنَ خُلُقَهُ، واستغنى عن المجاهدةِ، واستنامَ إلى حُسنِ ظنِّهِ بنفسِهِ واتَّبَعَ هَوَاهُ.

ولا رَيْبَ أنَّ حاجةَ العبدِ المؤمنِ إلى حُسْنِ الخُلُقِ كحاجتِهِ إلى الهواءِ، بل أشدّ؛ لأنَّ فقْدَ الهواءِ يعني موتَ البدنِ، وفقْدَ الخُلُقِ الحَسَنِ يعني موتَ القلبِ، وفي موتِ القلبِ فَقْدُ الدينِ وهلاكُ الأبدِ.

 

«في بَيَانِ مَعْنَى الخُلُقِ»

قالَ في «النهاية»: «الخُلُق والخُلْقُ: بِضَمِّ اللامِ وسكونِهَا، وهو الدينُ والطَّبْعُ والسَّجِيَّةُ، وحقيقتُهُ أنه لصورةِ الإنسانِ الباطنةِ، وهي نَفْسُهُ وأوصافُهَا ومعانيها المُخْتَصَّةُ بها، بِمنزلةِ الخَلْقِ لصورتِهِ الظاهرةِ وأوصافِهَا ومعانيها، ولهما أوصاف حسنةٌ وقبيحةٌ، والثوابُ والعقابُ يَتَعلَّقان بأوصافِ الصورةِ الباطنةِ أكثرَ مِمَّا يتعلقان بأوصافِ الصورةِ الظاهرةِ؛ ولهذا تَكَرَّرَت الأحاديثُ في مَدْح حُسْنِ الخُلُقِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وكذلك جاءت في ذَمِّ سوءِ الخُلُقِ أيضًا أحاديثُ كثيرةٌ».

وذكرَ صاحبُ «القاموسِ المحيط»: «أنَّ الخُلُقَ: هو السَّجيَّةُ والطبعُ، والمروءةُ والدينُ».

 

وقالَ القرطبيُّ رحمهُ اللهُ-: «وحقيقةُ الخُلُقِ في اللغةِ هو ما يَأْخَذُ الإنسانُ به نَفْسَهُ مِن الأَدَبِ يُسَمَّى خُلُقًا؛ لأنه يسيرُ كالخِلْقَةِ فيه، وَأَمَّا مَا طُبِعَ عليه مِن الأدبِ فهو الخِيمُ وهو السَّجيَّة والطبيعةُ، لا وَاحِدَ له مِن لفظِهِ، فيكونُ الخُلُقُ الطَّبْعَ المُتكلَّفَ، والخِيمُ الطَّبْعُ الغَرِيزيُّ، وَقَد أَوْضَحَ  الأَعْشَى في شِعْرِهِ فَقَالَ:

وإذا ذو الفُضول ضَنَّ على المَوْ              لَى وَعَادَتْ لخِيْمِهَا الأخلاقُ

أي: رَجَعَت الأخلاقُ إلى طبائِعَهَا».

وحاصلُ تلك الأقوالِ في بيانِ معنى الخُلُقِ أنه صورةُ النَّفْسِ وأوصافُهَا ومعانيها، كما أنَّ الخَلْقَ هو صورةُ البدنِ وأوصافُهُ ومعانيه، وأنَّ الخُلُقَ مُكتسَبٌ كما قال  القرطبيُّ- فيَقبلُ الزيادةَ والنقصانَ حُسْنًا وقُبْحًا، ولكنهُ لا يُقالُ لِمَا اكتُسِبَ مِن الصفاتِ خُلُقٌ حتى يُصبحَ هيئةً رَاسِخَةً مُلَازِمَةً ثَابِتَةً.

 «عَلَامَاتُ حُسْنِ الخُلُقِ»

وقد تَشْتَبِهُ المَسَالِكُ، وَتَتَشَابَهُ الدُّرُوبُ، وَتَضِلُّ الأفهامُ، وتَزِلُّ الأقدامُ، وتَعْظُمُ حاجةُ العبدِ إلى علامةٍ يعرفُ بها حُسنَ الخُلُقِ وجودًا وعدمًا، وتحصيلًا وَفَقْدًا، بحيثُ إنه مَن أشكلَ عليه حالُهُ عَرَضَ نفسَهُ على تلك العلامةِ فَعَرَفَ أين يكونُ مِن حُسنِ الخُلُقِ وسُوئِهِ.

إيرادُ جملةٍ مِن ذلك تُعْلِمُ العبدَ آيةَ حُسنِ الخُلُقِ:

قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)

فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10)﴾ [المؤمنون: 1-10].

وقالَ -عزَّ وجلَّ-: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 112].

وقالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)﴾ [الأنفال: 2-4].

وقالَ اللهُ تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)﴾ [الفرقان: 63-74].

«فمَن أشكلَ عليه حالُهُ فليعرضْ نفسَهُ على هذه الآياتِ، فوجودُ جميعِ هذه الصفاتِ علامةُ حُسنِ الخُلُقِ، وفَقْدُ جميعِهَا علامةُ سوءِ الخُلُقِ، ووجودُ بعضِهَا دون بعضٍ يدُلُّ على البعضِ دونَ البعضِ، فليشتغل بتحصيلِ ما فقدَهُ وحِفظِ ما وجدَهُ.

وَجَمَعَ بعضُهُم علاماتِ حُسنِ الخُلُقِ، فقال: هو أنْ يكونَ كثيرَ الحياءِ، قليلَ الأذى، كثيرَ الصلاحِ، صَدوقَ اللسانِ، قليلَ الكلامِ، كثيرَ العملِ، قليلَ الزَّلَلِ، قليلَ الفضولِ، بَرًّا وَصُولًا، شَكورًا، رضِيًّا حليمًا، رفيقًا عفيفًا شفيقًا، لا لعَّانًا ولا سَبَّابًا، ولا نمَّامًا ولا مُغتابًا، ولا عَجولًا، ولا حَقودًا، ولا بخيلًا ولا حسودًا، بشَّاشًا هشَّاشًا، يُحِبُّ في اللهِ ويُبغِضُ في اللهِ، ويَرْضَى في اللهِ ويَغْضَبُ في اللهِ، وَأَوَّلُ ما يُمْتَحَنُ به حُسْنُ الخُلُقِ: الصبرُ على الأذى واحتمالُ الجفاءِ، ومِن شَكَى مِن سوءِ خُلُقِ غيرِهِ دلَّ على سوءِ خُلُقِهِ، فإنَّ حُسْنَ الخُلُقِ احتمالُ الأذى».

فدونكَ الميزانَ الذي يَزِنُ به العبدُ خُلُقَهُ، فَلْتَعْرِضْ عَلَيْهِ نَفْسَكَ، ثُمَّ فلتُنْزِلْهَا بعدُ حيثُ هي مِن غيرِ تفريطٍ ولا إفراطٍ.

«مِيزَانُ السَّوَاءِ النَّفْسِيِّ والأَخْلَاقِيِّ هُوَ أَخْلَاقُ النَّبِيِّ ﷺ»

عن عائشةَ -رضي الله عنها- أنَّها قالت: «ما خُيِّرَ رسولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَينِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُن إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رسولُ اللهِ ﷺ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهكَ حُرْمَةُ اللهِ فَيَنْتَقِمُ بهَا للهِ».

وإنْ كان رسولُ اللهِ ﷺ كَمَا قالَ أنسٌ رضي الله عنه-: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ أحسنَ الناسِ خُلُقًا». متفقٌ عليه.

 

وعَنْهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، أَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي، فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَنَسًا غُلاَمٌ كَيِّسٌ فَلْيَخْدُمْكَ.

قَالَ: فَخَدَمْتُهُ فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَوَاللَّهِ مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا؟، وَلاَ لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ: لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا؟». متفقٌ عليه.

قال محمد فؤاد عبد الباقي رحمهُ اللهُ-: «مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا...الخ: أي لم يعترض عليه لا في فِعلٍ ولا تركٍ، واعْلَم أنَّ تركَ اعتراضِهِ ﷺ على أنسٍ رضي الله عنه- إنما هو فيما يتعلق بالخدمةِ والآدابِ، لا فيما يتعلقُ بالتكاليفِ الشرعيةِ، فإنهُ لا يجوزُ تركُ الاعتراضِ فيها».

وعَنْهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا»، فَأَرْسَلَنِي يَوْمًا لِحَاجَةٍ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أَذْهَبُ، وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ نَبِيُّ اللهِ ﷺ، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: «يَا أُنَيْسُ أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟»

قَالَ قُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا أَذْهَبُ، يَا رَسُولَ اللهِ.

قال أنسٌ: وَاللَّهِ لَقَدْ خَدَمْتُهُ تِسْعَ سِنِينَ، مَا عَلِمْتُهُ قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟، أَوْ لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: هَلَّا فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟». رواهُ مسلمٌ.

«أَحَبُّ المُسْلِمِينَ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ أَحَاسِنُهُم أَخلَاقًا»

ولمَّا كان النبيُّ ﷺ أكملَ الناسِ خُلُقًا، وأحسنَهُم أخلاقًا، كان أَوْلَى الناسِ بالحُبِّ والقُربِ منه مَن بلغَ في حُسنِ الخُلُقِ مبلغًا مَرضيًّا، وتسنَّمَ مِن حُسنِ الخُلُقِ مكانًا عليًّا.

عن جابر -رضي اللهُ عنه- أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «مِن أَحَبِّكُم إِلَيَّ وَأَقرَبِكُم مِنِّي مَجلِسًا يَومَ القِيامَةِ: أَحَاسِنَكُم أَخلَاقًا، وَإِنَّ أَبغَضَكُم إِلَيَّ وَأَبعَدَكُم مِنِّي مَجلِسًا يَومَ القِيَامَةِ: الثَّرثَارُونَ، وَالمُتَشَدِّقُونَ، وَالمُتَفَيهِقُونَ».

قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّٰهِ، قَد عَلِمنَا الثَّرثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا المُتَفَيهِقُونَ؟

قَالَ: «المُتَكَبِّرُونَ». رواه الترمذيُّ وقال: «حديثٌ حسنٌ»، وَصَحَّحَهُ الألبانيُّ في «صحيح سُنَنِ الترمذيِّ».

قال النوويُّ -رحمهُ اللهُ-: «الثَّرْثَارُ: كثيرُ الكلامِ تَكَلُّفًا، المُتَشَدِّقُ: المُتَطَاوِلُ على النَّاسِ بِكَلَامِهِ وَيَتَكَلَّمُ بِمِلءِ فِيهِ تَفَاصُحًا وتَعْظِيمًا لِكَلَامِهِ، المُتَفيهقُ: مِن الفِهْقِ وهو الامْتِلَاءِ وهو الذي يَمْلأُ فَمَهُ بالكلامِ، وَيَتَوَسَّعُ فيه وَيُغْرِبُ به تَكَبُّرًا وارتفاعًا وإظِهْارًا للفَضِيلَةِ على غَيْرِهِ»(1).

«جُمْلَةٌ مِن الأَخْلَاقِ الحَمِيدَةِ المُتَعَلِّقَةِ باللِّسَانِ»

*كن صادِقًا:

إنَّ الصِّدْقَ عَزِيزٌ، وَعَوِّد نَفْسَكَ الصِّدْقَ، فإنَّهُ يحتاجُ إلى تَعْوِيدٍ وَمَشَقَّةٍ، وَأَمْسِكْ لِسَانَكَ عَن اللغْوِ، حَتَّى لا يَجُرَّكَ اللغْوُ إلى هذا الكَذِبِ المُسْتَقْبَحِ، واعْلَم أنَّ الكَذِبَ لا يَلِيقُ بِالرَّجُلِ ذي المُرُوءَةِ، وأنَّهُ لو نَادَى مُنَادٍ  بين السماءِ والأَرْضِ أَنَّ الكَذِبَ حَلَالٌ مَا فَعَلْتُهُ؛ لِتَمَامِ مُرُوءَتِهِ وكَمَالِ رجولتِهِ؛ لأنَّ الكَذِبَ يُزْرِي به، وَيَحُطُّ مِن قَدْرِهِ، وَيُحَقِّرُ مِن شَأْنِهِ(2).

_________________

(1) «باختصار من كتاب «حُسنِ الخُلُقِ» الطبعة الثالثة»

(1) «مِن خطبة: مِن آفَاتِ اللسانِ: الكَذِب - 10 من جمادى الأولى1437هـ  الموافق 19-2-2016م»

*أَمْسِك لِسَانَكَ إِلَّا عَنْ خَيْرٍ:

قَالَ النوويُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: «اعْلَم أنهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ عن جميعِ الكلامِ؛ إلا كلامًا ظَهَرَت فيه المَصْلَحَةُ، ومَتَى اسْتَوَى الكلامُ وتَرْكُهُ في المَصْلَحَةِ؛ فَالسُّنَّةُ الإمْسَاكُ عنه؛ لأنَّهُ قد يَنْجَرُّ الكلامُ المُبَاحُ إلى حَرَامٍ أو مَكْرُوهٍ، وذلك كَثِيرٌ في العادةِ، والسَّلَامَةُ لا يَعْدِلُهَا شَيْء».

وعن أبي هُريرة-رضي اللهُ عنه- عن النبيِّ ﷺ قال: «مَن كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَوْم الآخر فَليَقُل خَيْرًا، أو ليَصْمُت». متفقٌ عليه.

وهذا الحديثُ صريحٌ في أنهُ يَنْبَغِي أنْ لا يُتَكَلَّمَ إلَّا إذا كان الكلامُ خيرًا، وهو الذي ظَهَرَت مصلحتُهُ، ومتى شَكَّ في ظهورِ المَصْلَحَةِ، فَلَا يَتَكَلَّم.

وقد جَعَلَ النبيُّ ﷺ حِفْظَ اللسانِ مع حِفْظِ الفَرْجِ جَوَازًا إلى الجَنَّةِ ونَجَاةً مِن النَّارِ، فَمَن ضَمِنَ اللسَانَ والفَرْجَ؛ ضَمِنَ له النبيُّ ﷺ الجَنَّةَ،  قَالَ ﷺ: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ». رواهُ البُخَاريُّ (1).

*مِن أعْظَمِ آفَاتِ اللسَانِ: الكلامُ فيما لا يَعني:

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ:  «مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ». أخرجَهُ الترمذيُّ وابن ماجَه عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، وأخرجه أحمد والطبرانيُّ في «الكبير» عن الحسين ابن علي -رضي الله عنهما-، وصححه الألبانيُّ في «صحيحِ الجامع» وغيرُه.

_____________________

(1) «خطبة من آفات اللسان الغيبة -خطبة الجمعة 26 من جمادى الأولى1437هـ الموافق 12-2-2016م».

 

وهذا الحديثُ العظيم: «مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ» أصلٌ كبيرٌ في تأديبِ النَّفْسِ وتهذيبِهَا، وَتَرْكِ ما لا جَدْوَى فيه ولا نَفْع.

قال ابن رجبٍ -رحمه الله-: «هذا الحديثُ أصلٌ عظيمٌ مِن أصولِ الأدبِ، وقد حَكَى الإمامُ أبو عمرو بن الصلاح عن أبي مُحمد بن أبي زيد -إمامِ المالكية في زَمَانِهِ- أنه قال: جِماعُ آدابِ الخيرِ وأزِمَّتُه تَتَفَرَّعُ مِن أربعةِ أحاديث: 

1*قولُ النبيِّ ﷺ: «مَن كانَ يُؤمَنُ باللهِ واليوم الآخر فَلْيَقُل خَيْرًا أو ليَصْمُت».

2*وقولُهُ ﷺ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ».

3*وقولُهُ ﷺ للذي اخَتْصَرَ له الوَصِيَّةَ: «لَا تَغْضَبْ».

4*وقولُهُ ﷺ: «المُؤمِنُ يُحِبُّ لأخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»(1).

«صَلَاحُ القَلْبِ صَلَاحٌ لِلْجَسَدِ وَصَلَاحٌ للْحَيَاةِ»

كَيْفَ يَصْلُحُ الْمَرْءُ؟ كَيْفَ تَصْلُحُ الْحَيَاةُ؟

كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّـهِ ﷺ: «إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»، «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».

كَيْفَ يَصْلُحُ الْقَلْبُ؟ يَصْلُحُ الْقَلْبُ بِالْخُلُوصِ مِنَ الشِّرْكِ، وَالْبِدْعَةِ، وَالْحِقْدِ، وَمَذْمُومِ الْخِصَالِ.. هَذَا صَلَاحُ الْقَلْبِ.

______________________

(1) «من آفات اللسان: الكلام فيما لا يعني -خطبة الجمعة 8 من رجب 1437هـ الموافق 15-4-2016م»

 

وَالنَّبِيُّ ﷺ رَتَّبَ الْجَزَاءَ عَلَى الشَّرْطِ: «إِذَا صَلَحَتْ؛ صَلَحَ»، «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً»: قِطْعَةٌ مِنَ اللَّحْمِ بِمِقْدَارِ مَا يُمْضَغُ -صَغِيرَةٌ هِيَ-، «إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»، هُنَا جَزَاءٌ قَدْ رُتِّبَ عَلَى شَرْطِهِ؛ فَلَا صَلَاحَ إِلَّا بِصَلَاحٍ، لَا صَلَاحَ لِلْجَسَدِ لَا صَلَاحَ لِلْحَيَاةِ إِلَّا بِصَلَاحِ الْقَلْبِ -كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّـهِ-، وَإِذَا فَسَدَ الْقَلْبُ فَسَدَ الْجَسَدُ وَفَسَدَتِ الْحَيَاةُ.

كَيْفَ صَلَاحُ الْقَلْبِ -إِذَنْ-؟

بِخُلُوصِهِ مِنَ الشِّرْكِ، وَخُلُوصِهِ مِنَ الْبِدْعَةِ، وَخُلُوصِهِ مِنَ الْحِقْدِ وَمَذْمُومِ الْخِصَالِ.

اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَا يُحِبُّ الشَّحْنَاءَ، إِنَّ اللَّـهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فِيمَا أَخْبَرُ النَّبِيُّ ﷺ عَمَّا يُحِبُّهُ مِنْ خِصَالِ بَنِي آدَمَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّـهَ جَلَّ وَعَلَا يُحِبُّ مَعَالِيَ الْخِصَالِ -يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ- وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا».

تَدْرِي مَا سَفْسَافُهَا؟ قَدْ تَنْزَلِقُ فِي ذَلِكَ قَدَمُكَ، بِتِلْكَ الشَّبَكَةِ الْمَلْعُونَةِ، مِنْ تِلْكَ الشَّبَكَةِ الَّتِي تُنْصَبُ لَكَ لِتَدْخُلَ فِي فِخَاخِهَا، هِيَ شَبَكَةٌ كَشَبَكَةِ الْعَنْكَبُوتِ، تَأْتِي الذُّبَابَةُ مُؤَمِّلَةً، فَإِذَا مَا وَقَعَتْ لَا تَسْتَطِيعُ فَكَاكًا.

نَعَمْ! قَدْ تَنْزَلِقُ الْقَدَمُ، فَمَا يَزَالُ يَجُرُّكَ خُلُقٌ ذَمِيمٌ، لِيُوَرِطَّكَ فِي خُلِقٍ ذَمِيمٍ، لِيُقِيمَكَ عَلَى خُلُقٍ ذَمِيمٍ، لِيَنْحَدِرَ بِكَ عَنْ خُلُقٍ ذَمِيمٍ، وَلَا تَسْتَطِيعُ مِنْ ذَلِكَ فَكَاكًا، وَلَا عَنْهُ انْصِرَافًا، وَلَا مِنْهُ خَلَاصًا، وَيَزَالُ الْمَرْءُ فِي تِلْكَ الدَّوَّامَةِ الْمَلْعُونَةِ مِنْ حَطِيطِ وَسَافِلِ الْخِصَالِ، لَا يَسْتَطِيعُ وَإِنَّهُ لَيُؤَمِّلُ، لَا يَسْتَطِيعُ وَإِنَّهُ لَيَرْجُو، لَا يَسْتَطِيعُ وَإِنَّهُ لَيُحَاوِلُ؛ لِأَنَّهُ فَقَدَ الطَّرِيقَ، وَمَنْ فَقَدَ الطَّرِيقَ وَأَضَلَّهُ الطَّرِيقُ فَلَيْسَ عَلَى طَرِيقٍ؛ وَإِنَّمَا هُوَ حَائِرٌ تَائِهٌ فِي الْمَتَاهَةِ لَا يُفِيقُ، وَإِنَّمَا عَلَى الْآخِرَةِ يُفِيقُ.

النَّاسُ لَا تَحْيَا بِالْأَجْسَادِ؛ تَحْيَا بِالْقُلُوبِ، بِالْأَرْوَاحِ(1).

«دينَ الإسلامِ العظيمِ هو دينُ الطَّهَارة»

فإنَّ دينَ الإسلامِ العظيمِ هو دينُ الطَّهَارة، دينُ طهارةِ الباطنِ والظاهرِ على السواء، أَمَرَ اللهُ ربُّ العالمين بطهارةِ القلوبِ والأرواحِ والأنفُسِ، وأمرَ اللهُ ربُّ العالمين بطهارةِ الأبدانِ والثيابِ والأمْكنة، وهو دينُ العِفَّةُ ودينُ العفافُ، ينفي الفاحشةَ ويُحاربها ويَسُدُّ المسالكَ التي تؤدي إليها.

﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: 33].

فحرَّم اللهُ ربُّ العالمين كبائرَ الإثمِ والفواحش كالزنا، واللواط، وإتيان النساء النساء، وما سوى ذلك مما حَرَّمَهُ اللهُ ربُّ العالمين من تلك الفواحشِ التي تتعلقُ بالأبدانِ ظاهرًا، وحرَّمُ اللهُ ربُّ العالمين ما بطنَ من الفواحشِ أيضًا من النفاقِ ومن الحقدِ والحسدِ والغِلِّ والضغينةِ ومِن العُجْبِ ومن محبةِ المَحمدةِ والسُّمعة، وما سوى ذلك مِمَّا يتعلقُ بالقلوبِ.

﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: 33].

«فضيلةُ خُلُقِ الحياءِ في الإسلامِ»

واللهُ ربُّ العالمين أخبرنَا على لسانِ نبيِّنا الأمين عن عِظَمِ فضيلةِ الحياءِ، وأنَّ اللهَ ربَّ العالمين جعل هذا الخُلُقَ خُلُقَ الإسلام، وخَلَّقَ النبيَّ منه بالنصيبِ الأوفى.

____________________

(1) «من خطبة: بين الحياة والموت - الجمعة 11 من شعبان 1428هـ الموافق 24-8-2007م».

 

وجعل اللهُ ربُّ العالمين الحياءَ حاجزًا عن الوقوعِ فيما حرَّمَ اللهُ ربُّ العالمين، وجعلَ الحياءَ من خُلُقِ الملائكةِ المُطَهَّرين.

والنبيُّ في وصفه في خُلُقِ الحياءِ الذي كان عنده: «أنه كان أحيَا من العذراءِ في خِدرِها –صلى الله عليه وسلم-».

فالملائكةُ على هذا الخُلُقِ العظيم، والنبيُّ الكريم، وأمهات المؤمنين، وكذلك كان الصالحون مِن هذه الأمة وما يزالون على هذا الخُلُقِ العظيم.

هذا الخُلُقُ هو خُلُقُ الإسلامِ العظيم، وهو من تلك المسالكِ التي جَعَلَهَا اللهُ ربُّ العالمين مؤديةً إلى العِفَّةِ والعفافِ، وحاجزةً عن الفُحشِ والتَّفَحُّش(1).

«سوءُ الخُلُقِ»

لمَّا كان خيرُ المؤمنينَ أعظمَهُم سهمًا في حُسنِ الخُلُقِ، كان شرُّ الناسِ أعظمَهُم سهمًا في سوءِ الخُلُقِ، فعن عائشةَ رضي اللهُ عنها- قالت: قال رسول اللهِ ﷺ: «يَا عَائِشَةُ إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ». متفقٌ عليه.

والفاحشُ البذيءُ مبغوضٌ مِن اللهِ عزَّ وجلَّ-، فعن أسامةَ بن زيد رضي الله عنهما- قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كلَّ فاحشٍ مُتَفَحِّشٍ». رواهُ أحمد، وحسَّنَهُ الألبانيُّ في «صحيح الجامع».

والفاحشُ: ذو الفُحشِ في كلامِهِ وفعَالِهِ. والمُتَفَحِّشُ: الذي يَتَكَلَّفُ ذَلِكَ وَيَتَعَمَّدُهُ(2).

____________________

(1) «من خطبة الحرب بالفواحش - الجمعة 22 من جمادى الأولى 1428هـ الموافق 8-6-2007م».

(2) «باختصار من كتاب «حُسنِ الخُلُقِ» الطبعة الثالثة».

«لَا تَغْضَب»

قَالَ الحسن البَصْرِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: «مِنْ عَلَامَاتِ الْمُسْلِمِ: قُوَّةٌ فِي دِينٍ، وَحَزْمٌ فِي لِينٍ، وَإِيمَانٌ فِي يَقِينٍ، وَعِلْمٌ فِي حِلْمٍ، وَكَيْسٌ فِي رِفْقٍ، وَإِعْطَاءٌ فِي حَقٍّ، وَقَصْدٌ فِي غِنًى، وَتَجَمُّلٌ فِي فَاقَةٍ، وَإِحْسَانٌ فِي قُدْرَةٍ، وَصَبْرٌ فِي شِدَّةٍ، لَا يَغْلِبُهُ الْغَضَبُ، وَلَا تَجْمَحُ بِهِ الْحَمِيَّةُ، وَلَا تَغْلِبُهُ شَهْوَةٌ، وَلَا تَفْضَحُهُ بِطْنُهُ، وَلَا يَسْتَخِفُّهُ حِرْصُهُ، وَلَا تَقْصُرُ بِهِ نِيَّتُهُ، فَيَنْصُرُ الْمَظْلُومَ، وَيَرْحَمُ الضَّعِيفَ، وَلَا يَبْخَلُ وَلَا يُبَذِّرُ، وَلَا يُسْرِفُ وَلَا يُقَتِّرُ، يَغْفِرُ إِذَا ظُلِمَ، وَيَعْفُو عَنِ الْجَاهِلِ، نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رِضَاءٍ رَخَاءٍ».

لَا يَغْلِبُهُ الْغَضَبُ، وَلَا تَجْمَحُ بِهِ الْحَمِيَّةُ.. فهذه صفحةٌ من الحكمةِ(1).

ينفعلُ الرجلُ انفعالَهُ، ويثورُ ثورتَهُ، ويغضبُ غضبتَهُ، لا يدري لماذا!! هذا هو الجحيمُ، لا غضبَ بلا سببٍ، ولكنْ نادرًا ما يكونُ السببُ مقبولًا، فضلًا عن أنْ يكونَ السببُ وجيهًا؛ لأنه لا يكونُ وجيهًا إلَّا إذا كمان مقبولًا، فغضبٌ بسببٍ أيِّ سببٍ، غيرَ أنه كَلَا سبب، إذ هو غيرُ مقبولٍ، فضلًا عن أنْ يكونَ وجيهًا(2).

 

 

 

 

______________________

(1) «من خطبة: لا تغضب -الجمعة 4 من شوال 1427هـ الموافق 27-10-2006م».

(2) «مقطع بعنوان: حُسْنُ الخُلُقِ وخطورةِ الكلمةِ من سلسلة القول المبين».

«مَنْظُومَةُ القيَمِ وَالأَخْلَاقِ وَمُعَالَجَةِ الخَلَلِ الحَادِثِ فِيهَا»

إِنَّ الصَّفْحَ وَالتَّسَامُحَ وَالصَّبْرَ وَالْوَفَاءَ وَالْبَذْلَ -كُلُّ أُولَئِكَ- خِصَالٌ مَحْمُودَةٌ وَشِيَاةٌ مَرْمُوقَةٌ، كُلُّ أُولَئِكَ غَايَاتٌ تَتَقَطَّعُ دُونَ بُلُوغِهَا الْأَعْنَاقُ.

قَدْ يَعْلَمُ الْمَرْءُ فِي نَفْسِهِ خَلَلًا بِاخْتِلَالِ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْخَيْرِ فِيهِ، نَعَمْ! بِاخْتِلَالِ صِفَةٍ يَضَعُ الْيَدَ عَلَيْهَا عِنْدَ تَفْتِيشِهِ فِي أَطْوَاءِ قَلْبِهِ وَمَطَاوِيهِ، فيَضَعُ الْيَدَ عَلَيْهَا هُنَا، هُنَا خَلَلٌ يَحْتَاجُ إِصْلَاحًا، وَلَا يُصْلِحُ الْقُلُوبَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَهَا، هُنَا, هَذَا الْخَلَلُ قَدْ يَلْتَهِمُ الْحَيَاةَ وَلَا يُصْلَحُ، قَدْ يُمْضِي الْمَرْءُ عُمْرَهُ فِي إِصْلَاحِ خَلَلٍ وَاحِدٍ فِي مَنْظُومَةِ الْأَخْلَاقِ.

وَهِيَ مَنْظُومَةٌ مُتَكَامِلَةٌ؛ فَإِنَّ الْقِيَمَ لَا تَتَبَعَّضُ، وَالْأَخْلَاقُ لَا تَتَجَزَّأُ، نَعَمْ؛ لَا عَلَى اعْتِبَارِ الْمَجْمُوعِ، وَلَا عَلَى اعْتِبَارِ الْأَزْمَانِ وَالْحَالَاتِ.

الْقِيَمُ لَا تَتَبَعَّضُ، الْأَخْلَاقُ لَا تَتَجَزَّأُ، لَا عَلَى اعْتِبَارِ الْمَجْمُوعِ، بِمَعْنَى: أَنَّ الْعَبْدَ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ وَفِيًّا وَهُوَ خَائِنٌ، يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ مُخْلِصًا وَهُوَ غَدَّارٌ، يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ بَذُولًا وَهُوَ شَحِيحٌ بَخِيلٌ، يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ مُحَصِّلًا لِخُلِقٍ فَاقِدًا لِبَقِيَّةِ الْأَخْلَاقِ، لَا تَتَجَزَّأُ الْقِيَمُ، كُلٌّ فَاعِلٌ بِحَيَاةٍ، فَإِذَا مَا تَجَزَّأ صَارَا كَائِنًا مُشَوَّهًا لَا يَمُتُّ بِصِلَةٍ إِلَى الْأَخْلَاقِ.

الْقِيَمُ لَا تَتَجَزَّأُ، وَالْأَخْلَاقُ لَا تَتَبَعَّضُ، لَا بِاعْتِبَارِ الْمَجْمُوعِ، وَلَا بِاعْتِبَارِ الْحَالاِتِ، يَعْنِي: تَأَتِي الْفُرْصَةُ السَّانِحَةُ لِلْخِيَانَةِ وَالْمَرْءُ عَلَى خُلُقِ الْوَفَاءِ، فَيُنَحِّيهِ جَانِبًا وَيُوَاقِعُ الْخِيَانَةَ، ثُمَّ يَرْتَدِي لَبُوسَ الْوَفَاءِ! لَا؛ لَا بِاعْتِبَارِ الْحَالَاتِ وَلَا بِاعْتِبَارِ الْأَزْمَانِ: أَنْ يَكُونَ أُسْبُوعًا وَفِيًّا وَأُسْبُوعًا عَلَى الْغَدْرِ مُقِيمًا، أَنْ يَكُونَ أُسْبُوعًا مُخْلِصًا وَأُسْبُوعًا عَلَى الشِّرْكِ وَالْكُفْرَانِ قَائِمٌ وَدَائِمٌ وَمُقِيمٌ!

لَا تَتَبَعَّضُ لَا عَلَى اعْتِبَارِ الْمَجْمُوعِ وَلَا عَلَى اعْتِبَارِ الْأَزْمَانِ وَالْحَالَاتِ. فَإِذَا نَظَرْتَ إِلَى سَيِّدِ الْكَائِنَاتِ وَجَدْتَ الْأَخْلَاقَ كُلَّهَا مَجْمُوعَةً بِجَمْعِهَا مِنْ جَمِيعِ أَقْطَارِهَا فِي مُحَمَّدٍ ﷺ.

وَمَجَالُ الْعَظَمَةِ فِيهِ جَعَلَتْ أَقْطَابَ الْقَائِمِينَ عَلَى عَظَمَتِهِ بِمُفْرَدِهَا مُنْحَازَةً إِلَيْهِ دَائِرَةً فِي فَلَكِهِ وَحَوْلَهُ ﷺ؛ فَتَجِدُ عُمَرَ، بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ، مَعَ عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، تَجِدُ الصَّحَابَةَ مِمَّنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ، وَمِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمِمَّنْ شَهِدَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، تَجِدُ الصَّحَابَةَ مِمَّن كَانَ سَابِقًا إِلَى دِينِ اللَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أَوَّلًا، تَجِدُ الصَّحَابَةَ -رِضْوَانُ اللَّـهِ عَلَيْهِمْ- تَجِدُ كُلًّا فِيهِ مِنْ مَجَالِ الْعَظَمَةِ مَا قَدْ تَفَرَّدَ بِهِ؛ فَهَذَا أَبُو بَكْرٍ نَمُوذَجٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ، وَهَذَا عُمَرُ نَمُوذَجٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ، وَهَذَا عُثْمَانُ نَمُوذَجٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ، وَهَذَا عَلِيٌّ.. وَهَكَذَا، فِي كُلٍّ مِنْ هَؤُلَاءِ عَظَمَةٌ مُتَفَرِّدَةٌ وَقَعَتْ عَلَى مَا يُوَازِيها لَا مَا يُسَاوِيها، وَلَا مَا يُمَاثِلُهَا، وَلَا مَا يُنَاظِرُهَا فِي رَسُولِ اللَّـهِ، فَاجْتَمَعَ هَذَا كُلُّهُ فِيهِ؛ فَأَيُّ كَمَالٍ؟!

وَالْمَرْءُ يُحَاوِلُ إِذَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَوْطِنِ الْخَلَلِ فِيهِ -فِي قَلْبِهِ-، فِي قَلْبِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَالَ: «إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ» دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُهْتَمَّ بِالْقَلْبِ فَوْقَ الِاهْتِمَامِ بِالْجَسَدِ: أَنْ يُفَتَّشَ فِيهِ، وَأَنْ يُبْحَثَ فِي أَحْوَالِهِ وَتَقَلُّبَاتِهِ؛ حَتَّى يَسْتَطِيعَ الْإِنْسَانُ أَنْ يَعْلَمَ أَيْنَ الْخَلَلُ، وَحَتَّى يَدْرِيَ مِنْ أَيْنَ يَبْدَأُ الْإِصْلَاحَ فِي الْقَلْبِ الَّذِي تَدَاعَى -أَوْ أَوْشَكَ عَلَى التَّدَاعِي-، فِي الْقَلْبِ الَّذِي تَصَدَّعَ فَشَارَفَ التَّهَالُكَ مُتَهَدِّمًا؛ حَتَّى يَسْتَطِيعَ الْإِنْسَانُ أَنْ يَعْلَمَ أَيْنَ هُوَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ.

النَّبِيُّ ﷺ كُلُّ ذَلِكَ مَجْمُوعٌ فِيهِ ﷺ؛ فَأَيُّ عَظَمَةٍ؟!

لَا يُمْكِنُ أَنْ تَتَصَوَّرَهُ، إِنْ شِئْتَ الْكَمَالَ فِي كُلِّ خَصْلَةٍ مَحْمُودَةٍ عَلَى أَتَمِّ مَا تَكُونُ فِي بَشَرٍ فَهِيَ عَلَى رَسُولِ اللَّـهِ قَائِمَةٌ مَاثِلَةٌ بَائِنَةٌ ظَاهِرَةٌ -بَاِئَنةٌ مِنَ الظُّهُورِ، لَا مِنَ الْبَيْنِ وَالْبُعْدِ وَإِنَّمَا مِنَ الظُّهُورِ؛ فَقَدْ بَانَتْ فِيهِ لَا مِنْهُ وَلَا عَنْهُ ﷺ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ(1).

______________________

(1) «خطبة: بين الحياة والموت - الجمعة 11 من شعبان 1428هـ الموافق 24-8-2007م».

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-, صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَومِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

«أين نحن مِن أخلاقِ السَّلَف»

فقَدْ شَتَمَ رجُلٌ عُمَرَ بنَ ذَرّ -رحمةُ اللهِ عليه-، فقالَ له عُمَرُ: « يا هذا إنِّي قد أَمَتُّ مُشاتمةَ الرجالِ صغيرًا فلن أُحييَهَا كبيرًا، وأنا لا أكافئُ مَن عصى اللهَ فيَّ بأكثرَ مِن أنْ أُطيعَ اللهَ فيه».

وجاء رجُلٌ إلى عليِّ بن الحُسين -رضوان اللهِ عليهما-، فقالَ: إنَّ فلانًا شتمَكَ.

فقال: اذهب بنا إليه.

فأخذَ بيدِهِ حتى صارَ بين يديْهِ، فأقبلَ عليه، والرجُلُ الذي نقلَ يظُنُّ أنهُ ما ذهبَ إلَّا مِن أجلِ المعاقبةِ، فلمَّا صارَ عندهُ، أقبلَ عليٌّ عليه فقال: «يا أخي إنْ كُنتَ صادقًا فغفرَ اللهُ لي، وإنْ كنتَ كاذبًا فغفرَ اللهُ لك».

وهذا رجُلٌ مِن أهلِ العلمِ لا تغيبُ عنه أسبابُ انفعالِهِ حالَ انفعالِهِ لحظةً واحدةً في مجلسِ العلمِ وهو فيه رأسٌ، عُبيد اللهِ بن الحسن العنبريِّ يُسألُ في مجلسِ العلمِ سؤالًا، ووردَت المسألةُ فأخطأَ حين الجوابِ وغلَطَ في الإجابةِ، فكان ماذا؟!!

لا شيء، ومَن الذي لا يَغْلَطُ خطأَ المسألة بعد المسألةِ لا يُدركُ فيها صوابًا، ولا يفتحُ اللهُ ربُّ العالمين إلى الإجابةِ فيها بابًا، فكان ماذا؟!! لا شيء.

فلمَّا بُيِّنَ له غَلَطُهُ؛ نكَّسَ رأسَهُ ساعةً، ثم رفعَ رأسَهُ فقال: «إذن أعودُ إلى الحقِّ وأنا صاغرٌ، ولأنْ أكونَ ذَنَبًا في الحقِّ أحبُّ إليَّ مِن أنْ أكونَ رأسًا في الباطلِ»(1).

والربيعُ بن سليمان لَمَّا دَخَلَ على الشافعيِّ -رحمهُ اللهُ تعالى- يعودُهُ في مَرَضِهِ، وكانَ الشافعيُّ مِمرَاضًا، وكانت البواسيرُ النازفةُ سببَ موتِهِ -رحمهُ اللهُ تعالى-، حتى إنه كانَ يركبُ البَغْلة فيمتلئ خُفُّهُ مِن الدمِ النازفِ مِن البواسير -رحمهُ اللهُ رحمةً واسعةً-، فَدَخَلَ عليه الربيعُ يعودُهُ في مَرَضِهِ، وكانَ الشافعيُّ له مُحِبًّا حتى إنه قال فيه لَمَّا مَرِضَ:

مَرِضَ الحبيبُ فعُدْتُهُ   ***   فَمرِضْتُ مِن حُزْنِي عَليهِ

شُفِيَ الحـبيبُ فَعَادنِي   ***   فبَرِئْتُ مِـن نَظـرِي إليهِ

فَلَمَّا دَخَلَ عليه الرَّبيعُ دَعَا لهُ؛ فَقَالَ له: قَوَّى اللهُ ضَعْفَكَ يَا إِمَام.

فَقَالَ الشافعيُّ -والشافعيُّ مِمَّن تُؤخذُ عنهم اللغة كما قال المُتقدِّمونَ مِن أهلِ اللغةِ، حتى إنَّ الجاحظَ وهو مَن هو في مسائل اللغةِ والأدبِ وهو مُعتزِليٌّ صاحبُ فِرْقَةٍ كانت له جماعةٌ كالجماعاتِ الحاضرة، كانت له فِرْقَةٌ مُعتزِليَّةٌ يُقال لها «الجاحظية» وهذا مذكورٌ في كُتُبِ المِلَلِ والنِّحَلِ، الجاحظُ يقول: نظرتُ في كُتُبِ المُتكلمينَ في العِلْمِ، فَلَم أَرَ أَبْلَغَ ولا أَفْصَحَ من المُطَّلَبيِّ -يعني الإمامَ الشافعيَّ- كأنَّ لسانَهُ ينثُرُ الدُّرَّ -يقولُ عن الإمامِ الشافعيِّ، الجاحظ هو الذيِّ يقول-، يقول عن الشافعيِّ الإمام -رحمهُ اللهُ-: كأنَّ لسانَهُ ينثُر الدُّرَّ، الآن عندنا أقوامٌ يتمدَّحونَ بالعِيِّ والفَهَاهَةِ ويُعيِّرونَ مَن آتاهُ اللهُ فصاحةً، فيقولونَ: هذا مُتكلِّفٌ؛ هذا مُتقعِّرٌ هذا كذا، وهم لا يفهمون! حَمْقَى. يقول الجاحظُ عن الشافعيِّ: كأنَّ لسانَهُ ينثُر الدُّرَّ، فَلَمَّا دَخَلَ عليه الربيعُ فقال: قَوَّى اللهُ ضَعْفَكَ يا إمام، ابتسَمَ وقال: لو قَوَّى ضَعْفِي قَتَلَنِي.

______________________

(1) «مقطع بعنوان: حُسْنُ الخُلُقِ وخطورةِ الكلمةِ من سلسلة القول المبين».

قال: فما أقول؟

قال: تقولُ قَوَّى اللهُ قُوَّتَكَ، وَأَضْعَفَ اللهُ ضَعْفَكَ، أمَّا أنْ تقولَ: قوَّى اللهُ ضَعْفَكَ؛ فمعنى ذلك أنه سيَقتُلُنِي بضَعْفِي.

قال: لو قَوَّى ضَعْفِي قَتَلَنِي.

قال: فما أقول؟

قال: تقول: أَضْعَفَ اللهُ ضَعْفَكَ، وَقَوَّى اللهُ قُوَّتَكَ.

قال: والله ما أردتُ إلا الخير.

فقال: يا ربيع، والله لو شَتمتني لَعَلِمْتُ أنك مَا أَرَدَّتَ إلا الخير.

مِن عظيمِ ثِقَتِهِ به ومِن جليلِ محبِّتِهِ له.

هل تستطيعُ أنتَ اليوم أنْ تقولَ هذا لأحدٍ؟!

تقول: لو شتمتني؛ لَعَلِمْتُ أنكَ ما أَرَدَّتَ إلَّا الخير؟!!

أصحابُ الحقوقِ تُجْحَدُ حقوقُهُم، فإنَّ الأبَ إذا لم يُوفِّر له بعضَ ما طَلَبَ وليس له فيه حق؛ جَحَدَهُ وَجَحَدَ فَضْلَهُ، والمُعَلِّمُ إذا اشتدَّ بِقَسْوةٍ على بعضِ طُلَّابِهِ ليُرَبِّيَهُ وليُؤدِّبهُ؛ انقلبَ له وانقلبَ عليه وصارَ له عدوًّا وانحازَ إلى صَفِّ أعدائِهِ وصَارَ فيه طَاعِنًا، هذا عصرٌ فيه مِن العجائبِ ما لا يعلمُهُ إلَّا الله! هذا عصرُ الجحودِ! فَقَلَّ مَن اعترفَ بِنِعْمَةٍ أو شَكَرَ على فَضْلٍ، هذا عصرُ الجحودِ في جميعِ المجالاتِ حتى في العِلْمِ، فنسألُ اللهَ -تبارك وتعالى- أنْ يُوزعَنَا شُكْرَ نِعْمَتِهِ إنهُ على كلِّ شيءٍ قدير(1).

___________________

(1) «مقطع: أين نحن مِن أخلاقِ السَّلَف»

«خَطَرُ الانْهيَارِ الأَخْلَاقِيِّ»

إنَّ أكبرَ الأخطارِ التي تتعرضُ لها أُمَّةٌ، إنَّ أعظمَ الأمراضِ التي تَفْتِكُ ببُنيانِهَا الحيِّ حتى يصيرَ ضعيفًا مهدومًا، إنَّ أكبرَ الأخطارِ وأعظمَ الأمراضِ الانهيارُ الخُلُقِيُّ، فإذا انهارت أخلاقُ أمةٍ فكَبِّر عليها أربعًا، ومعلومٌ أنَّ المعاصي سببُ النكباتِ، وأنه ما يُصيبُنَا شيءٌ إلَّا بذنبٍ، وأنَّ النعمَ لا تُرفعُ إلَّا بكُفرانِهَا وبتغييرِ ما بالنَّفْسِ(1).

*إذا انهارت الأخلاق انهار المجتمع:

فالمجتمعُ إذا ما انهارت أخلاقُهُ، وإذا ما سقطت أخلاقُهُ في الحمأةِ الوبيلة، المجتمع إذا ظهرت فيه الفاحشة؛ فَكَبِّر عليه أربعًا، المجتمعُ لا يُحارَبُ بِمِثْلِ ما يُحارَبُ بنَشْرِ الفاحشةِ والرذيلةِ بين أبنائِه، وما تَمَكَّنَ أعداءُ الإسلامِ في داخلٍ ولا خارجٍ يومًا مِنْ المسلمين إلا بالعَبَثِ بأخلاقِهم وبثِّ النَّزَواتِ والشهواتِ مفتوحةً بمصارعِ أبوابِها أمامَ شهواتِهم ومَلذَّاتِهم.

فإذا انهارت الأخلاقُ؛ انهارَ المجتمعُ لا محالة، وقد عَلِمَ أعداءُ الإسلامِ في داخلٍ وخارج؛ أنهم لن ينالوا بالمواجهةِ العسكريةِ بينهم وبين المسلمين شيئًا ذا بال؛ ولذلك كان التركيزُ كلُّهُ على بَثِّ الشُّبهاتِ بين المسلمين، وعلى إثارةِ نوازعِ العصبيةِ بين أبناءِ الإسلامِ العظيم، وبإثارةِ الشهواتِ وبَعْثِ النَّزَوَاتِ مِن مكامنِها، فإذا انهارت الأخلاقُ؛ انهارَ المجتمعُ لا محالة(2).

 

_________________________

(1) «خطبة الانهيار الأخلاقي».

(2) «من خطبة الحرب بالفواحش - الجمعة 22 من جمادى الأولى 1428هـ الموافق 8-6-2007م».

«طَبِّقُوا أَمْرَ اللهِ وَأَمْرَ رَسُولِهِ ﷺ بِالتَّحَلِّي بِحُسْنِ الخُلُقِ»

الرسولُ ﷺ يُطَبِّقُ أمرَ اللهِ ربِّ العالمين: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، فإحسانُ التعامُلِ مع الخَلْقِ هو امتثالٌ لأمرِ الربِّ وامتثالٌ لأمرِ النبيِّ الأكرمِ ﷺ: «وخَالِق الناسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ».

خالِق الناسَ: مِن المُفاعلَةِ بينكَ وبين الناس، يعني: فلتكن أخلاقُكَ المبذولةُ إليهم حَسَنَةً، خالِق الناسَ: فهو فِعلُ أمرٍ وليس اسمًا كما يتبادرُ إلى أذهانِ الأعجميين مِمن لاثَت بألسنتِهِم لُوثةُ العُجْمَةِ فحَرَفَت وحَرَّفَت عندَهُم سَنَنَ الفطرةِ اللغويةِ عن سبيلِهَا، «وخالِق الناسَ بخُلقٍ حَسَنٍ».

فهو امتثالٌ لأمرِ اللهِ ربِّ العالمين، وامتثالٌ لأمرِ النبيِّ الأمين ﷺ.

ويجعلُهُ النبيُّ ﷺ مُؤدِّيًا إلى مبلغٍ لا يُرتَقَى مُرتقاهُ إلَّا بشِقِّ النفسِ وبذلِ المجهودِ «إنَّ الرجلَ ليبلغُ بحُسنِ الخُلُقِ درجةَ الصائمِ القائمِ»(1).

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.

 

 

 

 

____________________

(1) «مقطع بعنوان: حُسْنُ الخُلُقِ وخطورةِ الكلمةِ من سلسلة القول المبين».

 

**********************

صفحة تفريغات خطب الجمعة كاملة للعلَّامة رسلان -حفظهُ اللهُ-.

موقع تفريغات العلامة رسلان -حفظهُ اللهُ-.

www.rslantext.com

موقع تفريغ خطب علماء أهلِ السُّنة.

www.khotabtext.com

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  • شارك