تفريغ خطبة مَخَاطِرُ التَّطَرُّفِ الْفِكْرِيِّ وَالِانِفْلَاتِ الْأَخْلَاقِيِّ

مَخَاطِرُ التَّطَرُّفِ الْفِكْرِيِّ وَالِانِفْلَاتِ الْأَخْلَاقِيِّ

((مَخَاطِرُ التَّطَرُّفِ الْفِكْرِيِّ وَالِانِفْلَاتِ الْأَخْلَاقِيِّ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((الْإِسْلَامُ دِينُ الِاعْتِدَالِ وَالْوَسَطِيَّةِ وَالِاسْتِقَامَةِ))

فَإِنَّ مِنْ خَصَائِصِ الإِسْلَامِ: الاعْتِدَالَ وَالتَّوَازُنَ، وَالاسْتِقَامَةُ مِنْ أَهَمِّ مَعَالِمِ الدِّينِ، قَالَ تَعَالَى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} [الفاتحة:6-7].

قَالَ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَهَذَا الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي وَصَّانَا اللهُ تَعَالَى بِاتِّبَاعِهِ هُوَ الصِّرَاطُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، وَهُوَ قَصْدُ السَّبِيلِ، وَمَا خَرَجَ عَنْهُ فَهُوَ مِنَ السُّبُلِ الجَائِرَةِ.

لَكِنَّ الجَوْرَ قَدْ يَكُونُ جَوْرًا عَظِيمًا عَنِ الصِّرَاطِ، وَقَدْ يَكُونُ يَسِيرًا، وَبَيْنَ ذَلِكَ مَرَاتِبُ لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللهُ، وَهَذَا كَالطَّرِيقِ الحِسِّيِّ؛ فَإِنَّ السَّالِكَ قَدْ يَعْدِلُ عَنْهُ وَيَجُورُ جَوْرًا فَاحِشًا، وَقَدْ يَجُورُ دُونَ ذَلِكَ.

فَالمِيزَانُ الَّذِي تُعْرَفُ بِهِ الاسْتِقَامَةُ عَلَى الطَّرِيقِ وَالجَوْرِ عَنْهُ: هُوَ مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَأَصْحَابُهُ عَلَيْهِ.

وَالجَائِرُ عَنْهُ إِمَّا مُفَرِّطٌ ظَالِمٌ، أَوْ مُجْتَهِدٌ مُتَأَوِّلٌ، أَوْ مُقَلِّدٌ جَاهِلٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ نَهَى اللهُ عَنْهُ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الاقْتِصَادُ وَالاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ وَعَلَيْهَا مَدَارُ الدِّينِ.

وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَسَطٌ بَيْنَ النِّحَلِ، كَمَا أَنَّ أُمَّةَ الإِسْلَامِ وَسَطٌ بَيْنَ المِلَلِ، وَلَمْ يُصِبِ الشَّيْطَانُ مِنْهُمْ شَيْئًا بِغُلُوٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ، وَغَيْرُهُمْ مُتَوَرِّطٌ فِيمَا تَوَرَّطَ فِيهِ مِنْهُمَا.

قَالَ الأَوْزَاعِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((مَا مِنْ أَمْرٍ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ إِلَّا عَارَضَ الشَّيْطَانُ فِيهِ بِخَصْلَتَيْنِ؛ لَا يُبَالِي أَيَّهُمَا أَصَابَ: الغُلُوُّ أَوِ التَّقْصِيرُ)) .

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ  -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا ثُمَّ قَالَ: ((هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ))، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ: ((هَذِهِ سُبُلٌ مُتَفَرِّقَةٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ))، ثُمَّ قَرَأَ {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}. وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارِمِيُّ، وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، وَابْنُ حِبَّانَ ... وَغَيْرُهُمْ.

وَالصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ يَقْتَضِي مَعْنَى الخَيْرِيَّةِ، الَّتِي بَيْنَ طَرَفَي التَّفْرِيطِ وَالإِفْرَاطِ.

قَالَ الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143].

قَالَ: ((ذَكَرَ فِي هَذِهِ الآيَةِ السَّبَبَ المُوجِبَ لِهِدَايَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ مُطْلَقًا بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الهِدَايَةِ، وَمِنَّةَ اللهِ عَلَيْهَا فَقَالَ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}؛ أَيْ: عَدْلًا خِيَارًا، وَمَا عَدَا الوَسَطَ فَأَطْرَافٌ دَاخِلَةٌ تَحْتَ الخَطَرِ، فَجَعَلَ اللهُ هَذِهِ الأُمَّةَ وَسَطًا فِي كُلِّ أُمُورِ الدِّينِ:

وَسَطًا فِي الأَنْبِيَاءِ، بَيْنَ مَنْ غَلَا فِيهِمْ كَالنَّصَارَى، وَبَيْنَ مَنْ جَفَاهُمْ، كَاليَهُودِ، بِأَنْ آمَنُوا بِهِمْ كُلِّهِمْ عَلَى الوَجْهِ اللَّائِقِ بِذَلِكَ.

وَوَسَطًا فِي الشَّرِيعَةِ: لَا تَشْدِيدَاتِ اليَهُودِ وَآصَارَهُمْ، وَلَا تَهَاوُنَ النَّصَارَى.

وَفِي بَابِ الطَّهَارَةِ وَالمَطَاعِمِ: لَا كَاليَهُودِ الَّذِين لَا تَصِحُّ لَهُمْ صَلَاةٌ إِلَّا فِي بِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ، وَلَا يُطَهِّرُهُمُ المَاءُ مِنَ النَّجَاسَاتِ، وَقَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٌ عُقُوبَةً لَهُمْ، وَلَا كَالنَّصَارَى الَّذِينَ لَا يُنَجِّسُونَ شَيْئًا، وَلَا يُحَرِّمُونَ شَيْئًا، بَلْ أَبَاحُوا مَا دَبَّ ودَرَجَ.

بَلْ طَهَارَتُهُمْ أَكْمَلُ طَهَارَةٍ وَأَتَمُّهَا، وَأَبَاحَ اللهُ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ مِنَ المَطَاعِمِ وَالمَشَارِبِ وَالمَلَابِسِ وَالمَنَاكِحِ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ مِنْ ذَلِكَ.

فَلِهَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الدِّينِ أَكْمَلُهُ، وَمِنَ الأَخْلَاقِ أَجَلُّهَا، وَمِنَ الأَعْمَالِ أَفْضَلُهَا، وَوَهَبَهُمُ اللهُ مِنَ العِلْمِ وَالحِلْمِ، وَالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ، مَا لَمْ يَهَبْهُ لِأُمَّةٍ سِوَاهُمْ، فَلِهَذَا كَانُوا {أُمَّةً وَسَطًا}، كَامِلِينَ مُعْتَدِلِينَ.

لِيَكُونُوا {شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}؛ بِسَبَبِ عَدَالَتِهِمْ وَحُكْمِهِمْ بِالقِسْطِ، يَحْكُمُونَ عَلَى النَّاسِ مِنْ سَائِرِ الأَدْيَانِ، وَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ، فَمَا شَهِدَتْ لَهُ هَذِهِ الأُمَّةُ بِالقَبُولِ؛ فَهُوَ مَقْبُولٌ، وَمَا شَهِدَتْ لَهُ بِالرَّدِّ، فَهُوَ مَرْدُودٌ)).

((نَهْيُ الْإِسْلَامِ عَنِ الْغُلُوِّ وَالتَّطَرُّفِ الْفِكْرِيِّ))

((لَقَدْ نَهَى اللهُ عَنِ الغُلُوِّ بِقَوْلِهِ: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [المائدة:77].

وَالغُلُوُّ نَوْعَانِ:

نَوْعٌ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُطِيعًا، كَمَنْ زَادَ فِي الصَّلَاةِ رَكْعَةً، أَوْ صَامَ الدَّهْرَ مَعَ أَيَّامِ النَّهْي.

وَغُلُوٌّ يُخَافُ مِنْهُ الانْقِطَاعُ وَالاسْتِحْسَارُ، كَقِيامِ اللهِ كُلِّهِ، وَسَرْدِ الصِّيَامِ الدَّهْرَ أَجْمَعَ بِدُونِ صَوْمِ أَيَّامِ النَّهْيِ)) .

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: أَيُّ الأَدْيَانِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟

قَالَ: ((الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ))(). وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالبُخَارِيُّ فِي ((الأَدَبِ المُفْرَدِ)).

وَالحَدِيثُ نَصٌّ فِي أَنَّ الإِسْلَامَ حَنِيفِيَّةٌ سَمْحَةٌ، وَالسَّمَاحَةُ تَتَنَافَى مَعَ الغُلُوِّ وَالتَّشَدُّدِ فِيهِ.

قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ أَبْوَابِ السُّنَّةِ هُمْ وَسَطٌ؛ لِأَنَّهُمْ مُتَمَسِّكُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ج، وَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانِ))().

فَلَا تَشْدِيدَ وَلَا غُلُوَّ لَدَيْهِمْ، وَلَا تَرَخُّصَ وَلَا جَفَاءَ عِنْدَهُمْ، وَلَا يَأْتُونَ بِعِلَلٍ تُوهِنُ الانْقِيَادَ.

قَالَ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ العَجِيبِ أَنَّهُ يَشَامُّ النَّفْسَ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَّ القُوَّتَيْنِ تَغْلِبُ عَلَيْهَا: أَقُوَّةُ الإِقْدَامِ، أَمْ قُوَّةُ الانْكِفَافِ وَالإِحْجَامِ وَالمَهَانَةِ، وَقَدْ وَقَعَ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا أَقَلَّ القَلِيلِ فِي هَذَيْنِ الوَادِيَيْنِ: وَادِي التَّقْصِيرِ، وَوَادِي المُجَاوَزَةِ وَالتَّعَدِّي.

وَالقَلِيلُ مِنْهُمْ جِدًّا الثَّابِتُ عَلَى الصِّرَاطِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَهُوَ الوَسَطُ)).

وَقَالَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: ((وَالفَرْقُ بَيْنَ الاقْتِصَادِ وَالتَّقْصِيرِ: أَنَّ الاقْتِصَادَ هُوَ التَّوَسُّطُ بَيْنَ طَرَفَي الإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، وَلَهُ طَرَفَانِ هُمَا ضِدَّانِ لَهُ، وَهُمَا تَقْصِيرٌ وَمُجَاوَزَةٌ.

فَالمُقْتَصِدُ قَدْ أَخَذَ بِالوَسَطِ وَعَدَلَ عَنِ الطَّرَفَيْنِ، قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان:67]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء:29]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} [االأعراف:31].

وَالدِّينُ كُلُّهُ بَيْنَ هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ، بَلِ الإِسْلَامُ قَصْدٌ بَيْنَ المِلَلِ، وَالسُّنَّةُ قَصْدٌ بَيْنَ البِدَعِ، وَدِينُ اللهِ بَيْنَ الغَالِي فِيهِ وَالجَافِي عَنْهُ، وَكَذَلِكَ الاجْتِهَادُ: هُوَ بَذْلُ الجُهْدِ فِي مُوَافَقَةِ الأَمْرِ، وَالغُلُوُّ: مُجَاوَزَتُهُ وَتَعَدِّيهِ.

وَمَا أَمَرَ اللهُ بِأَمْرٍ إِلَّا وَلِلشَّيْطَانِ فِيهِ نَزْغَتَانِ: فَإِمَّا إِلَى غُلُوٍّ وَمُجَاوَزَةٍ، وَإِمَّا إِلَى تَفْرِيطٍ وَتَقْصِيرٍ - وَأَسْعَدُ النَّاسِ مَنْ كَانَ وَسَطًا عَلَى أَثَرِ النَّبِيِّ ﷺ يَسِيرُ -.

وَالغُلُوُّ وَالمُجَاوَزَةُ، وَالتَّفْرِيطُ وَالتَّقْصِيرُ، آفَتَانِ لَا يَخْلُصُ مِنْهُمَا فِي الاعْتِقَادِ، وَالقَصْدِ، وَالعَمَلِ، إِلَّا مَنْ مَشَى خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ص وَتَرَكَ أَقْوَالَ النَّاسِ وَآرَاءَهُمْ، لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، لَا مَنْ تَرَكَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ لِأَقْوَالِ النَّاسِ وَآرَائِهِمْ وَمَا ابْتَدَعُوهُ فِي دِينِ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

وَهَذَانِ المَرَضَانِ الخَطِرَانِ قَدِ اسْتَوْلَيَا عَلَى أَكْثَرِ بَنِي آدَمَ وَلِهَذَا حَذَّرَ السَّلَفُ مِنْهُمَا أَشَدَّ التَّحْذِيرِ، وَخَوَّفُوا مَنْ بُلِيَ بِأَحَدِهِمَا بِالهَلَاكِ، وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي الشَّخْصِ الوَاحِدِ كَمَا هُوَ حَالُ أَكْثَرِ الخَلْقِ يَكُونُ مُقَصِّرًا مُفَرِّطًا فِي بَعْضِ دِينِهِ، غَالِيًا مُتَجَاوِزًا فِي بَعْضِهِ، وَالمَهْدِيُّ مَنْ هَدَاهُ اللهُ)).

*مَعْنَى الْغُلُوِّ -وَيَدْخُلُ فِيهِ التَّطَرُّفُ الْفِكْرِيُّ-:

الغُلُوُّ فِي اللُّغَةِ: مُجَاوَزَةُ الحَدِّ وَالقَدْرِ، وَالغَيْنُ وَاللَّامُ وَالحَرْفُ المُعْتَلُّ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى ارْتِفَاعِ وَمُجَاوَزَةِ قَدْرٍ.

وَاصْطِلَاحًا: ((الغُلُوُّ: مُجَاوَزَةُ الحَدِّ بِأَنْ يُزَادَ فِي الشَّيءِ، فِي حَمْدِهِ أَوْ ذَمِّهِ، عَلَى مَا يَسْتَحِقُّ، وَنَحْوَ ذَلِكَ)).

بِهَذَا عَرَّفَهُ شَيْخُ الإِسْلَامِ فِي ((اقْتِضَاء الصِّرَاط المُسْتَقِيم)) (1/289).

وَعَرَّفَهُ الشَّاطِبِيُّ فِي الاعْتِصَامِ (3/304)، وَابْنُ حَجَرٍ فِي ((الفَتْحِ)) (13/278) بِأَنَّهُ: ((المُبَالَغَةُ فِي الشَّيءِ وَالتَّشْدِيدُ فِيهِ حَتَّى يَتَجَاوَزَ الحَدَّ)).

فَالغُلُوُّ هُوَ تَجَاوُزُ الحَدِّ الشَّرْعِيِّ بِالزِّيَادَةِ، وَ((الحُدُودُ: هِيَ النِّهَايَاتُ لِمَا يَجُوزُ مِنَ المُبَاحِ المَأْمُورِ بِهِ، وَغَيْرِ المَأْمُورِ بِهِ)). كَذَا قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ فِي ((مَجْمُوع الفَتَاوَى)) (3/362).

قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [المائدة:77].

وَفِي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ  ﷺ غَدَاةَ الْعَقَبَةِ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ: ((هَاتِ، الْقُطْ لِي)).

فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ، هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ، فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ قَالَ: ((بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّين))(). وَالحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا)) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ)).

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ  -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ ... هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ ... هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

وَالمُتَنَطِّعُونَ هُمْ: المُتَعَمِّقُونَ، الغَالُونَ، المُجَاوِزُونَ الحُدُودَ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، وَهُمُ المُشَدِّدُونَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التَّشْدِيدِ، وَالحَدِيثُ ظَاهِرُهُ خَبَرٌ عَنْ حَالِ المُتَنَطِّعِينَ، إِلَّا أَنَّهُ فِي مَعْنَى النَّهْي عَنِ التَّنَطُّعِ، فَهُوَ خَبَرِيٌّ لَفْظًا إِنْشَائِيٌّ مَعْنًى، وَفِيهِ مَعْنَى النَّهْيِ عَنِ التَّنَطُّعِ، وَعَنِ الغُلُوِّ، وَعَنِ التَّعَمُّقِ، وَعَنِ المُجَاوَزَةِ لِلْحَدِّ فِي الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ؛ لِأَنَّ دِينَ اللهِ يُسْرٌ، وَاللهُ رَبُّ العَالَمِينَ لَمْ يَتَعَبَّدْنَا بِمَا لَا نَسْتَطِيعُ، وَإِنَّمَا جَعَلَ لَنَا دَائِمًا مِنْ أَمْرِنَا فَرَجًا وَمَخْرَجًا، وَهُوَ الوَدُودُ الرَّحِيمُ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيَّنَ لَنَا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِنَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ وَالدُّنْيَا مَعًا.

وَالحَيَاةُ عَلَى هَذَا المِنْهَاجِ؛ مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، سَمْحَةٌ سَهْلَةٌ، لَيْسَ فِيهَا تَعْقِيدٌ؛ لِأَنَّهَا تَسِيرُ عَلَى وَفْقِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ص مِنَ الوَحْي المَعْصُومِ، وَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْزَلَ إِلَيْنَا الدِّينَ، وَأَمَرَنَا وَنَهَانَا سُبْحَانَهُ، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَنَا وَهُوَ أَعْلَمُ بِنَا مِنَّا، {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك:14].

فَاللهُ رَبُّ العَالَمِينَ شَرَعَ لَنَا مَا يُصْلِحُنَا، وَشَرْطُ صَلَاحِنَا أَنْ نَكُونَ سَائِرِينَ خَلْفَ نَبِيِّنَا ﷺ، وَلَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِلَّا بِمُتَابَعَةِ أَصْحَابِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ، الَّذِينَ يَتَمَسَّكُونَ بِهَا؛ يَعْتَقِدُونَهَا وَيَجْتَمِعُونَ عَلَيْهَا، وَيَدْعُونَ إِلَيْهَا.

وَأَمَّا أَهْلُ البِدْعَةِ، فَإِنَّ الحَيَاةَ مَعَهُمْ فِي جَحِيمٍ، بَلْ إِنَّهُمْ قَدْ حَوَّلُوا الحَيَاةَ إِلَى جَحِيمٍ، لَمَّا مَاجَتْ بِهِمُ الدُّنْيَا؛ سَالَتِ الدِّمَاءُ وَانْتُهِكَتِ الأَعْرَاضُ، وَخُرِّبَتِ البُيُوتُ، وَنُهِبَتِ الثَّرْوَاتُ، وَوَقَعَ مَا وَقَعَ فِي دِيَارِ الإِسْلَامِ، وَكَانَتْ قَبْلَهُمْ آمِنَةً.

فَلا  تُفَرِّطْ  وَلا  تُفْرِطْ   وَكُنْ   وَسَطًا           وَمِثْلَ   مَا    أَمَرَ    الرَّحْمَنُ    فَاسْتَقِمِ

سَدِّدْ  وَقَارِبْ  وَأَبْشِرْ  وَاسْتَعِنْ   بِغُدُوٍ           وَالرَّوَاحِ    وَأَدْلِجْ    قَاصِــدًا    وَدُمِ

فَمِثْلَ مَا    خَانَتِ    الْكَسْلانَ     هِمَّتُهُ        فَطَالَمَا     حُرِمَ      المُنْبَتُّ    بِالسَّأَمِ

 ((أَسْبَابُ التَّطَرُّفِ الْفِكْرِيِّ))

*الْجَهْلُ بِدِينِ اللهِ، خَاصَّةً بِالْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ الْوَاجِبِ تَعَلُّمِهَا وَالْعَمَلِ بِهَا:

فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الَّتِي تَمُرُّ فِيهَا الْأُمَّةُ بِمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ الْأَحْدَاثِ، يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي مَعْرِفَةِ دِينِ رَبِّهِ، وَفِي الْإِحَاطَةِ بِحَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ الَّذِي جَاءَ بِهِ نَبِيُّهُ ﷺ؛ لِأَنَّ الْعْلِمَ فِيهِ الْهِدَايَةُ وَالِاهْتِدَاءُ، وَلِأَنَّ الْجَهْلَ فِيهِ الضَّلَالُ وَالْإِضْلَالُ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ الْقَدِيمُ:

وَمَا يَبْلُغُ الْأَعْدَاءُ مِنْ جَاهِلٍ    مَا يَبْلُغُ الْجَاهِلُ مِنْ نَفْسِهِ.

وَهَذِهِ الْمُمَارَسَاتُ الَّتِي تَتِمُّ، وَالْأَحْدَاثُ الَّتِي تَقَعُ إِنَّمَا هِيَ فِي نِهَايَتِهَا عَائِدَةٌ إِلَى الْجَهْلِ بِدِينِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.

فَمِنْ أَسْبَابِ الِاخْتِلَافِ وَالِافْتِرَاقِ وَالِانْحِرَافِ عَنْ مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ: الْجَهْلُ، الْجَهْلُ بَمَعَانِي وَدَلَائِلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَآثَارِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مِنْ عُلَمَاءِ وَجَهَابِذَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ.

وَقَدْ وَصَفَ النَّبِيُّ ﷺ الْخَوَارِجَ، وَوَصَفَ عِبَادَتَهُمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، فَلَا يَصِلُ إِلَى قُلُوبِهِمْ فَيَفْقَهُونَهُ، فَيَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ.

وَوَاقِعُ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ يَفْرِضُ عَلَيْنَا أَنْ نَتَأَمَّلَ فِيهِ بِدِقَّةٍ وَرِفْقٍ وَتُؤَدَةٍ وَأَنَاةٍ..

إِنَّ جَمَاهِيرَ الْمُسْلِمِينَ تَتَوَرَّطُ فِي أُمُورٍ مِنْ أُمُورِ مُخَالَفَاتِ الْعَقِيدَةِ الَّتِي تُنْذِرُ بِأَسْوَأِ الْمَآلَاتِ فِي الْآخِرَةِ.

إِنَّ جَمَاهِيرَ الْمُسْلِمِينَ لَا تَكَادُ تُحَقِّقُ مِنَ الْعَقِيدَةِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُحَقِّقَهُ الْمُسْلِمُ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَنْجُوَ بِدِينِهِ وَعِرْضِهِ سَالِمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنَ الْمَعَابَةِ وَالتَّأْثِيمِ وَالْوُلُوغِ فِيمَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَتَّى مِنْ مُسْلِمٍ صَحِيحِ الِاعْتِقَادِ.

إِنَّ جَمَاهِيرَ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ مَا زَالَتْ تَطْلُبُ الْأُمُورَ الَّتِي لَا تُطْلَبُ إِلَّا مِنَ اللهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ اللهِ لَا مِنَ الْأَحْيَاءِ بَلْ مِنَ الْأَمْوَاتِ.

إِنَّ جَمَاهِيرَ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ مَا تَزَالُ جَاهِلَةً بِأَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْمُثْلَى، وَمَا أَكْثَرَ مَا تَسْمَعُ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَبِكُلِّ سَبِيلٍ مَنْ يَقُولُ مُعْتَقِدًا بِيَقِينٍ: إِنَّ اللهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ. يُرِيدُ: بِذَاتِهِ.

مَا أَكْثَرَ مَا يَتَوَرَّطُ الْمُسْلِمُونَ الْيَوْمَ فِي مُخَالَفَةِ أُصُولِ الِاعْتِقَادِ الصَّحِيحِ!

إِنَّ الْجَمَاهِيرَ الَّتِي هِيَ كَالْقُطْعَانِ الشَّارِدَةِ تَؤُمُّ الرِّمَمَ الْبَالِيَةَ، تَقْصِدُهَا بِالطَّلَبِ، وَتَسْتَغِيثُ عِنْدَهَا بِمَا لَا يُسْتَغَاثُ فِيهِ إِلَّا بِاللهِ، وَمَا أَكْثَرَ الْخُرُوقَاتِ الَّتِي تَعْتَرِضُ وَتَلْحَقُ بِنَسِيجِ الْعَقِيدَةِ! حَتَّى صَارَ مُتَهَرِّئًا لَا يَكَادُ يَقُومُ، وَلَا يَكَادُ يَقِفُ عِنْدَهُ الْبَصَرُ لَا يَنْزَلِقُ عَلَيْهِ.

تَنْقِيَةُ الْعَقِيدَةِ مِنَ الْغَبَشِ وَمِمَّا لَحِقَ بِهَا عَلَى مَرِّ الْقُرُونِ وَتَطَاوُلِ السِّنِينَ أَمْرٌ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ مَا يَعْقِدُ عَلَيْهِ الدَّاعِي إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْخِنْصَرَ عِنْدَ بَدْئِهِ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى.

هَذَا مَا يَدْعُو إِلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ؛ يُلَخِّصُونَ الدَّعْوَةَ فِي كَلِمَتَيْنِ: فِي التَّصْفِيَةِ وَالتَّرْبِيَةِ.

وَإِنَّكَ لَتَسْمَعُ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ -بَلْ مِنْ جَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ- مَنْ يَقُولُ لَكَ مُتَبَجِّحًا: إِنَّ الصَّلَاةَ هَذِهِ لَيْسَتْ شَيْئًا عِنْدَ اللهِ، وَإِنَّ الْمَرْءَ إِذَا كَانَ نَظِيفَ الْقَلْبِ أَبْيَضَهُ؛ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ طَائِرًا -كَمَا يَقُولُ الْعَوَامُّ!!- مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ وَلَا زَكَاةٍ وَلَا حَجٍّ!!

هَذَا عَيْنُ الْإِرْجَاءِ.

هَذَا تَعَلَّمَ مِنَ الْعَقِيدَةِ شَيْئًا؟!

مَنْ عَلَّمَهُ؟!

إِنَّ جَمَاهِيرَ الْمُسْلِمِينَ -وَأَخُصُّ الْمُثَقَّفِينَ وَحَمَلَةَ الشَّهَادَاتِ مِنْهُمْ- قَدْ فُرِّغُوا دِينِيًّا وَثَقَافِيًّا وَعِلْمِيًّا، فَهُمْ كَالطَّبْلِ الْأَجْوَفِ.

أَيْنَ تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ وَالْمَرَاحِلُ الِابْتِدَائِيَّةُ وَالْإِعْدَادِيَّةُ وَالثَّانَوِيَّةُ فِي التَّعْلِيمِ الْعَامِّ وَمَا أَشْبَهَهُ لَا تُعَلِّمُ الدِّينَ، وَلَا تُعَلِّمُ الْعِلْمَ الَّذِي هُوَ فَرْضٌ مُتَعَيَّنٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ؟! لَا يُعَلِّمُونَهُ.

وَأَمَّا الْجَامِعَاتُ؛ فَلَيْسَ فِيهَا مِنْ تَعْلِيمِ الدِّينِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، فَأَيْنَ يَتَعَلَّمُ هَؤُلَاءِ؟!

هَؤُلَاءِ مَحْسُوبُونَ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ؛ لِذَلِكَ يَسْهُلُ أَنْ يُقَادُوا كَمَا تُقَادُ الْأَنْعَامُ، أَلَا تَرَاهُمْ يَخْرُجُونَ الْمُظَاهَرَاتِ وَالِاعْتِصَامَاتِ؟!

أَلَا تَرَاهُمْ يَخْرُجُونَ لِإِحْدَاثِ الْفَوْضَى، وَالْإِحْرَاقِ، وَالْقَتْلِ، وَالتَّخْرِيبِ، وَالتَّدْمِيرِ؟!

وَلَوْ عَلِمُوا الدِّينَ عِلْمًا صَحِيحًا؛ لَحَجَزَهُمْ عَنْ هَذَا الْبَاطِلِ وَهَذَا الْفَسَادِ.

تَأَمَّلْ؛ إِنَّ هَذَا الدِّينَ الْعَظِيمَ يَنْفِي عَنِ الْعُقُولِ خُرَافَاتِهَا، وَعَنِ الْقُلُوبِ شَعْوَذَاتِهَا، وَيَنْفِي عَنِ الْجَوَارِحِ خَطَأَهَا وَخَطَاءَهَا، وَيُقِيمُ الْأَبْدَانَ وَالْأَرْوَاحَ وَالْقُلُوبَ وَالْأَنْفُسَ عَلَى الْجَادَّةِ الْمُسْتَقِيمَةِ، مِنْ قَالَ اللهُ قَالَ رَسُولُهُ قَالَ الصَّحَابَةُ، هَذَا هُوَ الْعِلْمُ.

فَيَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَلْتَفِتَ، وَأَلَّا نُضَيِّعَ الْأَوْقَاتَ.

*وَمِنْ أَسْبَابِ التَّطَرُّفِ الْفِكْرِيِّ: تَصَدُّرُ الْجُهَّالِ لِتَعْلِيمِ النَّاسِ وَوَعْظِهِمْ:

فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ((إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)).

هَذَا الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَانْظُرْ حَوْلَكَ وَاسْمَعْ تُوقِنْ وَتَقْنَعْ.

هَذَا النَّصُّ الَّذِي ذَكَرَهُ نَبِيُّنَا ﷺ يَتَنَاوَلُهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْبَيَانِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ: ((اعْلَمُوا -رَحِمَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ- أَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، قَدِ اجْتَهَدُوا أَنْ يُدْخِلُوا عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ شَيْئًا مِنْ بِدَعِهِمْ وَضَلَالِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ؛ لِذَبِّ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَدَفْعِ الْبَاطِلِ، حَتَّى ظَفِرُوا بِقَوْمٍ فِي آخِرِ الْوَقْتِ مِمَّنْ تَصَدَّى لِلْعِلْمِ، وَلَا عِلْمَ لَهُ، وَلَا فَهْمَ لَهُ، وَيَسْتَنْكِفُ وَيَتَكَبَّرُ أَنْ يَتَفَهَّمَ، وَأَنْ يَتَعَلَّمَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مُتَصَدِّرًا مُعَلِّمًا بِزَعْمِهِ- فَيَرَى بِجَهْلِهِ أَنَّ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ عَارًا وَغَضَاضَةً، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ سَبَبًا إِلَى ضَلَالِهِ وَضَلَالِ جَمَاعَتِهِ مِنَ الْأُمَّةِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)).

وَقَالَ الرَّاغِبُ الْأَصْبَهَانِيُّ: ((لَا شَيْءَ أَوْجَبُ عَلَى السُّلْطَانِ مِنْ رِعَايَةِ أَحْوَالِ الْمُتَصَدِّرِينَ لِلرِّيَاسَةِ فِي الْعِلْمِ؛ فَمِنَ الْإِخْلَالِ بِهَا يَنْتَشِرُ الشَّرُّ، وَيَكْثُرُ الْأَشْرَارُ، وَيَقَعُ بَيْنَ النَّاسِ التَّظَاهُرُ وَالتَّنَافُرُ، وَلَمَّا تَرَشَّحَ قَوْمٌ لِلزَّعَامَةِ فِي الْعِلْمِ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، وَأَحْدَثُوا بجَهْلِهِمْ بِدَعًا اسْتَغْنَوْا بِهَا عَامَّةً، وَاسْتَجْلَبُوا بِهَا مَنْفَعَةً وَرِيَاسَةً، فَوَجَدُوا مِنَ الْعَامَّةِ مُسَاعَدَةً بِمُشَارَكَةٍ لَهُمْ، وَقُرْبِ جَوْهَرِهِمْ مِنْهُمْ.

وَفَتَحَوُا بِذَلِكَ طُرُقًا مُنْسَدَّةً، وَرَفَعُوا بِهِ سُتُورًا مُسْبَلَةً، وَطَلَبُوا مَنْزِلَةَ الْخَاصَّةِ، فَوَصَلُوهَا بِالْوَقَاحَةِ، وَبِمَا فِيهِمْ مِنَ الشَّرَهِ، فَبَدَّعُوا الْعُلَمَاءَ وَجَهَّلُوهُمُ اغْتِصَابًا لِسُلْطَانِهِمْ وَمُنَازَعَةً لِمَكَانِهِمْ، فَأَغْرَوْا بِهِمْ أَتْبَاعَهُمْ حَتَّى وَطَئُوهُمْ بِأَظْلَافِهِمْ وَأَخْفَافِهِمْ، فَتَوَلَّدَ بِذَلِكَ الْبَوَارُ وَالْجَوْرُ الْعَامُّ وَالْعَارُ)).

تَأَمَّلْ فِي كَلَامِهِ، وَانْظُرْ فِي حَالِ النَّاسِ حَوْلَكَ.

مَا حَلَّ بِالنَّاسِ مَا حَلَّ؛ مِنَ انْحِرَافِ بَعْضِ الشَّبَابِ فِي مُعْتَقَدِهِ، وَظُهُورِ بَوَادِرِ الْفِتَنِ، وَتَجَرُّؤِ الصِّغَارِ عَلَى كِبَارِ الْأَئِمَّةِ، وَخُرُوجِهِمْ عَنْ طَرِيقَتِهِمُ الْمُسْتَقَاةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْأَثَرِ مَعَ مَعْرِفَةٍ تَامَّةٍ بِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ وَمَوَاقِعِ الْمَصْلَحَةِ - مَا حَلَّ بِالنَّاسِ مَا حَلَّ مِنْ هَذَا إِلَّا لِاخْتِلَالِ الْمِيزَانِ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ الْعُلَمَاءُ، وَارْتِقَاءِ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ إِلَى مَصَافِّ الْكِبَارِ زُورًا وَظُلْمًا وَبُهْتَانًا، وَإِلَى اللهِ الْمُشْتَكَى.

عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ كَثِيرٍ فُقَهَاؤُهُ، قَلِيلٍ خُطَبَاؤُهُ، قَلِيلٍ سُؤَّالُه، كَثِيرٍ مُعْطُوهُ)). هَذَا حَالٌ.

وَقَدْ كَانَ الْعَمَلُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ قَائِدًا لِلْهَوَى، ((وَسَيَأْتِي مِنْ بَعْدِكُمْ زَمَانٌ قَلِيلٌ فُقَهَاؤُهُ، كَثِيرٌ خُطَبَاؤُهُ، كَثِيرٌ سُؤَّالُهُ، قَلِيلٌ مُعْطُوهُ، الْهَوَى فِيهِ قَائِدٌ لِلْعَمَلِ. اعْلَمُوا أَنَّ حُسْنَ الْهَدْيِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ خَيْرٌ مِنْ بَعْضِ الْعَمَلِ)).

أَخْرَجَ مَالِكٌ هَذَا الْأَثَرَ فِي ((الْمُوَطَّأِ))، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي ((الِاسْتِذْكَارِ)): ((هَذَا الْحَدِيثُ وَرَدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ وُجُوهٍ مُتَّصِلَةٍ حِسَانٍ مُتَوَاتِرَةٍ )).

قَالَ: ((وَالْعِيَانُ -يَعْنِي الْمُشَاهَدَةَ- فِي هَذَا الزَّمَانِ -أَيْ فِي زَمَانِهِ فِي مُنْتَصَفِ الْقَرْنِ الْخَامِسِ الْهِجْرِيِّ فَقَدْ تُوُفِّيَ سَنَةَ 463- عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ كَالْبُرْهَانِ)).

يَقُولُ: ((لَقَدْ وَقَعَ فِي زَمَانِنَا هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ)). فَكَأَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ أَمْرِ الْمُشَاهَدَةِ كَالْبُرْهَانِ عَلَى صِدْقِ مَا قَالَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي زَمَانِهِ فَمَا نَقُولُ فِي زَمَانِنَا؟!

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ؛ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ. قَالُوا: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: الرَّجُلُ التَّافِهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ)).

أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَزَّارُ وَالْحَاكِمُ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي يَعْلَى: ((الْفُوَيْسِقُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ)).

 وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: ((السَّفِيهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ)).

وَفِي بَعْضِهَا: ((مَنْ لَا يُؤْبَهُ لَهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ)).

وَعَلَيْهِ؛ فَكُلُّ مَا وَقَعَ مِنْ هَذَا الْفَشَلِ الذَّرِيعِ، فَهَذَا اجْتِهَادُ أَقْوَامٍ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَجْتَهِدُوا أَصْلًا؛ لِأَنَّهُمْ جُهَّالٌ بِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ.

لِأَنَّهُمْ جُهَّالٌ بِحَقَائِقِ رُوحِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ.

لِأَنَّهُمْ جُهَّالٌ بِمَآلَاتِ الْأَحْوَالِ.

لِأَنَّهُمْ جُهَّالٌ بِهَذَا الْوَاقِعِ الْمَنْظُورِ الْمُشَاهَدِ.

وَإِنِ ادَّعَوْا أَنَّهُمْ وَحْدَهُمُ الَّذِينَ يَفْهَمُونَهُ.

وَالْحَقُّ أَنَّهُمْ وَحْدَهُمُ الَّذِينَ لَا يَفْهَمُونَهُ.

وَحْدَهُمُ الَّذِينَ لَا يَفْقَهُونَهُ.

وَحْدَهُمُ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَهُ.

وَإِنَّمَا لَا يَعْرِفُونَ الْأَمْرَ إِلَّا بِالتَّجْرِبَةِ وَالْخَطَأِ، وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى مِنَ اثْنَيْنِ: مِنَ الْحَيَوَانِ، وَالطِّفْلِ الصَّغِيرِ، فَالطِّفْلُ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي يَتَعَلَّمُ بِالتَّجْرِبَةِ وَالْخَطَأِ، وَالْحَيَوَانُ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي يَتَعَلَّمُ أَوْ لَا يَتَعَلَّمُ بِالتَّجْرِبَةِ وَالْخَطَأِ.

*مِنْ أَسْبَابِ التَّطَرُّفِ الْفِكْرِيِّ: عَدَمُ لُزُومِ غَرْزِ الْعُلَمَاءِ الرَّبَانِيِّينَ:

إِنَّ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ بَيَّنَ -كَمَا فِي حَدِيثِ ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-- أَنَّ الْجَهْلَ وَالْجُهَّالَ سَبَبُ الضَّلَالِ وَالْإِضْلَالِ، قَالَ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)).

وَمَفْهُومُ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ الْعِلْمَ وَالْعُلَمَاءَ سَبَبُ الْهِدَايَةِ وَالِاهْتِدَاءِ.

وَمِنْ سِمَاتِ الْخَوَارِجِ: إِسْقَاطُ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ الصَّادِقِينَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْإِمَامَةِ وَالْخَيْرِيَّةِ.

فَتَجِدُ مِنْ أَوْجَهِ الشَّبَهِ بَيْنَ خَوَارِجِ عَصْرِنَا وَأَسْلَافِهِمْ مِنَ الْخَوَارِجِ الْمُتَقَدِّمِينَ:

عَدَمُ وُجُودِ الْعُلَمَاءِ بَيْنَهُمْ، وَهَذَا الَّذِي عَابَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- عَلَيْهِمْ لَمَّا جَاءَ يُنَاظِرُهُمْ -أَيْ: الْخَوَارِجَ- عِنْدَمَا قَالَ لَهُمْ: ((جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَيْسَ فِيكُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَمِنْ عِنْدِ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَعَلَيْهِمْ نَزَلَ الْقُرْآنُ وَهُمْ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِهِ)).

أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُودَ وَالنَّسَائِيُّ فِي ((فَضَائِلِ عَلِيٍّ))، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي ((الْمُصَنَّفِ))، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.

فَهَذَا الْحَدِيثُ أَفَادَنَا أَنَّ الْخَوَارِجَ لَمْ يَكُنْ يُوجَد فِيهِمْ صَحَابِيٌّ وَاحِدٌ وَلِذَلِكَ قَالَ: ((وَلَيْسَ فِيكُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ)).

وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ عَدَمُ وُجُودِ الْعُلَمَاءِ فِي صُفُوفِ الْخَوَارِجِ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ فِي زَمَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانُوا هُمُ الصَّحَابَةُ، وَالْيَوْمُ الْوَاقِعُ خَيْرُ شَاهِدٍ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَلَا يُوجَدُ فِي صُفُوفِ الْخَوَارِجِ مَنْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ طَالِبُ عِلْمٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ عَالِمٌ.

*مِنْ أَسْبَابِ التَّطَرُّفِ الْفِكْرِيِّ: اتِّبَاعُ الْمُتَشَابِهِ:

قَالَ تَعَالَى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} [آل عمران: 7].

عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ، مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ، وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}، فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ، وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الأَلْبَابِ} قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ)).

قَالَ الشَّاطِبيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَقَدْ عَلِمَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ كُلَّ دَلِيلٍ فِيهِ اشْتِبَاهٌ وَإِشْكَالٌ لَيْسَ بِدَلِيلٍ فِي الْحَقِيقَةِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَعْنَاهُ وَيَظْهَرَ الْمُرَادُ مِنْهُ، وَيُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ أَلَّا يُعَارِضَهُ أَصْلٌ قَطْعِيٌّ، فَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ مَعْنَاهُ لِإِجْمَالٍ أَوِ اشْتِرَاكٍ، أَوْ عَارَضَهُ قَطْعِيٌّ؛ كَظُهُورِ تَشْبِيهٍ؛ فَلَيْسَ بِدَلِيلٍ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الدَّلِيلِ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا فِي نَفْسِهِ، وَدَالًّا عَلَى غَيْرِهِ، وَإِلَّا؛ احْتِيجَ إِلَى دَلِيلٍ عَلَيْهِ، فَإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ صِحَّتِهِ؛ فَأَحْرَى أَنْ لَا يَكُونَ دَلِيلًا.

وَمَدَارُ الْغَلَطِ فِي هَذَا الْفَصْلِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْجَهْلُ بِمَقَاصِدِ الشَّرْعِ، وَعَدَمِ ضَمِّ أَطْرَافِهِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ؛ فَإِنَّ مَأْخَذَ الْأَدِلَّةِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الرَّاسِخِينَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى أَنْ تُؤْخَذَ الشَّرِيعَةُ كَالصُّورَةِ الْوَاحِدَةِ بِحَسْبِ مَا ثَبَتَ مِنْ كُلِّيَّاتِهَا وَجُزْئِيَّاتِهَا الْمُرَتَّبَةِ عَلَيْهَا، وَعَامِّهَا الْمُرَتَّبِ عَلَى خَاصِّهَا، وَمُطْلَقِهَا الْمَحْمُولِ عَلَى مُقَيَّدِهَا، وَمُجْمَلِهَا الْمُفَسَّرِ بِبَيِّنِهَا.. إِلَى مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ مَنَاحِيهَا)).

*مِنْ أَسْبَابِ التَّطَرُّفِ الْفِكْرِيِّ: اتِّبَاعُ الْهَوَى:

قَالَ تَعَالَى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الفرقان: 43].

وَقَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص: 50].

وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يَسْتَجِبْ لِلرَّسُولِ، وَذَهَبَ إِلَى قَوْلٍ مُخَالِفٍ لِقَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ إِلَى هُدًى، وَإِنَّمَا ذَهَبَ إِلَى هَوًى، وَالْقِسْمَةُ ثُنَائِيَّةٌ: إِمَّا اتِّبَاعُ الرَّسُولِ ﷺ، وَإِمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى.

وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} [الجاثية: 23].

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((أَيْ: إِنَّمَا يَأْتَمِرُ بِهَوَاهُ، فَمَهْمَا رَآهُ حَسَنًا فَعَلَهُ، وَمَهْمَا رَآهُ قَبِيحًا تَرَكَهُ، وَعَنْ مَالِكٍ: لَا يَهْوَى شَيْئًا إِلَّا عَبَدَهُ)).

إِذَا حَكَمَ الْهَوَى، اسْتُغِلْقَ الْعَقْلُ، وَسُدَّتْ مَنَافِذُ التَّفْكِيرِ، فَلَا نَظَرَ إِلَى الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَلَا إِلَى الدَّلَالَاتِ الْوَاضِحَاتِ؛ لِأَنَّ الْهَوَى يَرُدُّ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُعْرِضُ عَنْهُ، فَيُصْبِحُ الْمَرْءُ أَسِيرًا لِسُلْطَانِ الْهَوَى، تَخْتَلِطُ عَلَيْهِ الْمَسَالِكُ، وَتَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الدُّرُوبُ، وَتُظْلِمُ فِي طَرِيقِهِ سُبُلُ الْحَقِّ وَالْهِدَايَةِ.

*وَمِنْ أَهَمِّ أَسْبَابِ التَّطَرُّفِ فِي هَذَا الْعَصْرِ: الْإِعْلَامُ الْفَاسِدُ:

إِنَّ مِنَ الْحَقَائِقِ الثَّابِتَةِ، وَالْأُصُولِ الْمُسْتَقِرَّةِ: أَنَّ الْمُغَالَاةَ فِي مُحَارَبَةِ انْحِرَافٍ تُوَلِّدُ انْحِرَافًا آخَرَ.

وَمِنَ الْحَقَائِقِ الثَّابِتَةِ أَيْضًا: أَنَّ أَكْثَرَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُحَارِبُونَ التَّطَرُّفَ، وَيُوَاجِهُونَ الْإِرْهَابَ، هُمْ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ ازْدِيَادِ اشْتِعَالِ نَارِهِ، وَمِنْ أَكْبَرِ الْعَامِلِينَ عَلَى تَوَهُّجِ أُوَارِهِ.

هَذِهِ الْفِرْقَةُ الَّتِي ظَهَرَتْ تُشَكِّكُ الْمُسْلِمِينَ فِي أُصُولِ دِينِهِمْ، يَعْتَدُونَ عَلَى ثَوَابِتِ الْأُمَّةِ، يُهَرْطِقُونَ، يُجَدِّفُونَ، يَتَزَنْدَقُونَ فِي الصَّبَاحِ وَفِي الْمَسَاءِ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَيُطَالِبُونَ النَّاسَ بِحِفْظِ أَمْنِهِمْ.

النَّاسُ يَمُوتُونَ مِنْ أَجْلِهِمْ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَطْعَنُوا فِي الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ مَرَّةً، وَفِي النَّبِيِّ ﷺ مَرَّةً، وَفِي أَصْحَابِهِ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا فِي الْأَئِمَّةِ؛ فَالْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ مُرَبَّعُ الشَّرِّ، لَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ، وَلَا قِيمَةَ لَهُمْ، وَلَا وَزْنَ لَهُمْ فِي الْعِلْمِ، وَلَا فِي الْخُلُقِ، وَلَا فِي الدِّينِ!

مَنْ يَتَحَمَّلُ هَذَا وَمَنْ يَقْبَلُهُ؟!

عَلَى السُّلْطَانِ أَنْ يَقْطَعَ أَلْسِنَتَهُمْ.

*أَمْثَلَةٌ لِبَعْضِ الْإِعْلَامِيِّينَ الْفَاسِدِينَ الطَّاعِنِينَ فِي ثَوَابِتِ الدِّينِ:

وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ تَبَرَّأَ مِنْهُ أَبُوهُ، يَدَّعِي أَنَّهُ مِنَ الْمُنَوِّرِينَ الْمُتَنَوِّرِينَ، فَيَقُولُ إِنَّهُ مُهَدَّدٌ بِالْقَتْلِ مُنْذُ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ، ثُمَّ يَدَّعِي أَنَّهُ فِي قَافِلَةِ التَّنْوِيرِ يَسِيرُ، ثُمَّ ذَكَرَ أَقْوَامًا لَا يُسَاوِي الْوَاحِدُ مِنْهُمْ وَزْنَهُ ذُبَابًا لَا تُرَابًا؛ فَرَج فُودَة، مُحَمَّد سَعِيد العَشْمَاوِي، مُحَمَّد أَحْمَد خَلَفَ الله، وَذَكَرَ فِي هَذَا الْوَقْتِ إِسْلَام بِحِيري إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْمُسُوخِ الشَّائِهَةِ.

هَذَا قَالَ -فِي بَعْضِ مَا قَالَ- إِنَّهُ مُنْكِرٌ لِعَذَابِ الْقَبْرِ، وَاسْتَهْزَأَ بِكِتَابِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، فَمَنْ يُطِيقُ هَذَا ؟

يَقُولُ: ((هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ، سُلْطَانِيَه .. سُلْطَانِيَهْ .. سُلْطَنِيَّهْ)). كَذَا قَالَ، وَأَنْكَرَ عَذَابَ الْقَبْرِ، تَبَرَّأَ مِنْهُ أَبُوهُ.

وَالْيَوْمَ .. تَسْمَعُونَ مَنْ يَقُولُ فِي حَقِّ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-: ((اللهُ حَتْمًا مَكَنْشِ يِتْخَيِّل إِنْ دَهْ يِحْصَل، وَإِنْ كَانَ هُوَ عَالِمَ الْغَيْبِ، وَلَكِنْ مَكَنْشِ أَبَدًا يِتْخَيِّل إِنْ دَهْ هَيِحْصَلْ، أَكِيد اللِّي حَصَل دَهْ حَصَلَ بِغِير إِرِاَدْتُه!!))

يَتَكَلَّمُ عَنْ مِيرَاثِ الْمَرْأَةِ وَعَنْ حُقُوقِهَا مِنْ وِجْهَةِ نَظَرِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: ((مَا دَامَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عِنْدَهُ مُشْكِلَةٌ مَعَ هذَاَ الْجِنْسِ -يَعْنِي النِّسَاءَ- فَلِيهْ مَبِيْوَقْفشِ خَطّ الْإِنْتَاج!!))

هَذَا كَلَامٌ يُقَالُ فِي حَقِّ اللهِ، فِي حَقِّ رَسُولِ اللهِ، وَأَمَّا مَا يُقَالُ فِي حَقِّ الْقُرْآنِ يَقُولُ: إِنَّهُ يَقْرَأُهُ بِالطُّولِ وَالْعَرْضِ قِرَاءَةً طُولِيَّةً وَقِرَاءَةً عَرْضِيَّةً!

كَلَامُ اللهِ يَتَكَلَّمُ فِي حَقِّهِ رُبَّمَا بِمَا فِيهِ إِنْكَارٌ ..

وَأَمَّا الصَّحَابَةُ فَحَدِّثْ عَنْ سَفَاهَتِهِ فِي حَقِّ سَادَتِنَا مِنْهُمْ -وَكُلُّهُمْ مِنْ سَادَتِنَا- فَحَدِّثْ عَنْ سَفَاهَتِهِ فِي الْكَلَامِ عَنْهُمْ، وَلَا حَرَجَ.

هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ يَسْكُبُونَ النِّفْطَ عَلَى نَارِ الْإِرْهَابِ وَالتَّطَرُّفِ.

إِذَا سَمِعَ هَذَا شَابٌّ مُسْلِمٌ عِنْدَهُ عَاطِفَةٌ إِسْلَامِيَّةٌ يُبْغِضُ الْإِخْوَانَ، يُبْغِضُ التَّطَرُّفَ يُبْغِضُ الْإِرْهَابَ، يُبْغِضُ الِاعْتِدَاءَ عَلَى الدِّمَاءِ وَالْأَبْشَارِ، وَيُبْغِضُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ الِاعْتِدَاءَ عَلَى الْمُقَدَّسَاتِ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ، وَعَلَى كَلَامِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَعَلى نَبِيِّنَا ﷺ، وَعَلَى صَحَابَتِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، وَعَلَى الْأَئِمَّةِ، وَعَلَى السَّلَفِ، وَعَلَى التُّرَاثِ، يُبْغِضُ هَذَا وَيُبْغِضُ ذَلِكَ، إِذَا  سَمِعَ هَذَا الْكَلَامَ مَاذَا يَصْنَعُ؟!

يَتَطَرَّفُ.

هُمُ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ التَّطَرُّفَ، وَهُمْ يُحَصِّلُونَ الْأَمْوَالَ.

جَهَلَةٌ لَا يَعْرِفُونَ الْعَقِيدَةَ، يَعْرِفُونَ مَا جَاءَ بِهِ مَاركِس مِنَ التَّظَاهَرَاتِ، وَالِاعْتِصَامَاتِ، وَالْعِصْيَانِ الْمَدَنِيِّ، وَالْفَوْضَى الْجَالِبَةِ لِلشَّعَارَاتِ الَّتِي قَامَتْ عَلَيْهَا الثَّوْرَةُ الْفَرَنْسِيَّةُ.

فَلَا شَكَّ أَنَّ مِصْرَ -حَفِظَهَا اللهُ تَعَالَى وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ- فِي حَرْبٍ ضَرُوسٍ، وَلَا شَكَّ أَيْضًا أَنَّ أَكْثَرَ الَّذِينَ يَتَصَدُّونَ لِلْخَائِضِينَ فِي تِلْكَ الْحَرْبِ -بِلِسَانِهِ أَوْ بِبَنَانِهِ- لَا يَفْهَمُونَ حَقِيقَةَ تِلْكَ الْحَرْبِ، وَلَا يَعْرِفُونَ طَبِيعَةَ الْمَعْرَكَةِ.

إِنَّ الْحَرْبَ الَّتِي يُشْعِلُ نَارَهَا التَّكْفِيرِيُّونَ: حَرْبٌ عَقَدِيَّةٌ، حَرْبُ عَقِيدَةٍ مُسْتَقِرَّةٍ فِي أَنْفُسِ هَؤُلَاءِ؛ تَدْفَعُهُمْ تِلْكَ الْعَقِيدَةُ إِلَى التَّضْحِيَةِ بِالدُّنْيَا تَارَةً، وَإِلَى الْجُودِ بِالنَّفْسِ لِطَلَبِ الشَّهَادَةِ تَارَةً أُخْرَى.

إِنَّهُمْ يَصْدُرُونَ جَمِيعًا عَنْ عَقِيدَةٍ رَاسِخَةٍ بِتَكْفِيرِ خُصُومِهِمْ، وَرِدَّةِ مُخَالِفِيهِمْ، وَهِيَ الْعَقِيدَةُ الَّتِي تُبَرِّرُ لَهُمْ قَتْلَ الْمَرْضَى فِي الْمُسْتَشْفَيَاتِ، وَاسْتِهْدَافَ رُكَّابِ الْقِطَارَاتِ، وَالِاعْتِدَاءَ عَلَى الْأَبْرِيَاءِ فِي الْمَدَارِسِ وَالْمَعَاهِدِ وَالْكُلِّيَّاتِ.

وَالسُّؤَالُ الْآنَ: كَيْفَ حُورِبَ هَذَا الِانْحِرَافُ؟!

وَالْجَوَابُ: خَرَجَ أَقْوَامٌ مِنَ الْعَلْمَانِيِّينَ وَالْحَدَاثِيِّينَ، وَالضَّائِعِينَ الْمَمْرُورِينَ مِنَ الْإِعْلَامِيِّينَ وَالصَّحَافِيِّينَ، خَرَجُوا لِيُهَاجِمُوا ثَوَابِتَ الدِّينِ، فَطَعَنُوا فِي الصَّحَابَةِ ، وَرَمَوْهُمْ بِالْعَظَائِمِ، وَوَصَمُوهُمْ بِالْكَبَائِرِ، وَأَنْكَرُوا السُّنَّةَ، وَاسْتَهَانُوا بِالْكِتَابِ، وَوَصَفُوا الْأَئِمَّةَ الْأَرْبَعَةَ: أَبَا حَنِفيَةَ، وَمَالِكًا، وَالشَّافِعِيَّ، وَأَحْمَدَ، بِالنَّصَّابِينَ الْأَرْبَعَةِ، وَرَمَوُا الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا وَعُلَمَاءَ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، بِالْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ، وَتَطَاوَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- وَعَلَى الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ.

إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَنْعِقُ بِهِ أُولَئِكَ فِي خَرَائِبِ الْإِعْلَامِ مِنْ مَسْمُوعٍ وَمَنْظُورٍ وَمَقْرُوءٍ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يُحَارِبُونَ التَّطَرُّفَ، وَيُوَاجِهُونَ الْإِرْهَابَ... وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ ازْدِيَادِ

إِنَّ الْعَلْمَانِيِّينَ وَالْحَدَاثِيِّينَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْغَرَضِ، وَأَصْحَابِ الْمَرَضِ، يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْفُرْصَةَ الَّتِي أُتِيحَتْ لَهُمْ، سَيُؤَدِّي اسْتِغْلَالُهُمْ لَهَا إِلَى تَغْيِيرِ دِينِ الْإِسْلَامِ فِي قُلُوبِ الْمِصْرِيِّينَ وَعُقُولِهِمْ إِلَى دِينِ الْمُسْتَشْرِقِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي مِصْرَ سَيَقْبَلُونَ مِنْهُمُ الطَّعْنَ فِي ثَوَابِتِ دِينِهِمْ، وَأُصُولِ اعْتِقَادِهِمْ.

وَيَعْتَقِدُ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْبَذَاءَةَ وَالشَّتْمَ وَالِاسْتِطَالَةَ فِي أَعْرَاضِ الصَّحَابَةِ وَعُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُمُ اللهُ- سَتُقَابَلُ بِالِاسْتِحْسَانِ؛ لِأَنَّهَا تَجْدِيدٌ وَتَنْوِيرٌ.

وَهُمْ فِي هَذَا كُلِّهِ مَخْدُوعُونَ وَاهِمُونَ، وَهُمْ بِذَلِكَ كُلِّهِ يُعْطُونَ الْحُجَّةَ بَعْدَ الْحُجَّةِ لِلَّذِينَ يَخُوضُونَ حَرْبًا عَقَائِدِيَّةً مِنَ التَّكْفِيرِيِّينَ، فَيَذْبَحُونَ، وَيُحْرِقُونَ، وَيَقْتُلُونَ، وَيُفَجِّرُونَ، وَيَنْسِفُونَ، وَهُمْ يَقُولُونَ: مَا ازْدَدْنَا فِي الْمُرْتَدِّينَ إِلَّا بَصِيرَةً، وَإِنَّا لَعَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ!!

إِنَّ هَؤُلَاءِ الْعَلْمَانِيِّينَ وَالْحَدَاثِيِّينَ، وَكَذَلِكَ مَنْ لَفَّ لَفَّهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْغَرَضِ وَالْمَرَضِ وَالْهَوَى وَالزَّيْغِ، هَؤُلَاءِ جَمِيعًا عِبْءٌ عَلَى الْقِيَادَةِ؛ لِأَنَّهُمْ يُبْدُونَ بِأَقْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَتَوَجُّهَاتِهِمْ وَمَسَالِكِهِمْ أَنَّهُمْ يُحَارِبُونَ الدِّينَ، وَأَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ لِلْإِسْلَامِ فِي مِصْرَ أَنْ تَقُومَ لَهُ قَائِمَةٌ، يُرِيدُونَ حِصَارَهُ حَتَّى يَصِيرَ إِلَى الْمَحَارِيبِ، وَحَتَّى يُحْبَسَ فِي الْمَسَاجِدِ، وَفِي الزَّوَايَا وَالتَّكَايَا، بِحَيْثُ لَا يُشَارِكُ بِأَمْرٍ وَلَا حُكْمٍ فِي شَأْنٍ مِنَ الشُّئُونِ.

هَؤُلَاءِ يُعْطُونَ الْحُجَّةَ لِلْتَكْفِيرِيِّينَ مِنْ أَجْلِ تَكْفِيرِ الْحَاكِمِ وَالْمَحْكُومِ عَلَى السَّوَاءِ، وَمِنْ أَجْلِ أَنْ يُحْكَمَ عَلَى الْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ مِنْ رَأْسِهِ إِلَى ذَنَبِهِ بِالرِّدَّةِ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ، وَحِينَئِذٍ تُسْتَبَاحُ الْحُرُمَاتُ مِنَ الدِّمَاءِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ.

هَؤُلَاءِ عِبْءٌ عَلَى الدَّوْلَةِ، هَؤُلَاءِ خَوَنَةٌ!

إِنَّ مُقَابَلَةَ التَّطَرُّفِ فِي الْفِكْرِ، بِالتَّطَرُّفِ فِي الْفِكْرِ، لَا يَزِيدُ الْمُتَطَرِّفَ إِلَّا تَطَرُّفًا، وَلَا الْمُعْتَقِدَ اعْتِقَادًا خَاطِئًا إِلَّا ثَبَاتًا وَتَصَلُّبًا.

إِنَّ تَرْكَ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ فِي الدِّينِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا سُلْطَانٍ مُنِيرٍ، تَهْدِيدٌ لِلْأَمْنِ الْقَوْمِيِّ الْمِصْرِيِّ فِي صَمِيمِهِ، وَهُوَ أَكْبَرُ مُقَوِّضٍ لِدَعَائِمِ وَأَرْكَانِ الدَّوْلَةِ الْمِصْرِيَّةِ، وَهُوَ أَعْظَمُ حُجَجِ التَّكْفِيرِيِّينَ فِي إِقْنَاعِ الشَّبَابِ بِالْمَصِيرِ إِلَيْهِمْ، وَالِانْضِمَامِ إِلَى صُفُوفِهِمْ.

وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَسْتَغِلُّونَ حَمَاسَةَ الشَّبَابِ الدِّينِيَّةَ، فَيَقُولُونَ لَهُمْ: هَؤُلَاءِ مُرْتَدُّونَ، وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْكِمُ الْقِتَالُ وُجُوبًا عَيْنِيًّا، فَيَنْبَغِي عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْضَمُّوا إِلَيْنَا؛ لِأَنَّنَا نُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ!!!

مِنْ أَكْبَرِ حُجَجِ هَؤُلَاءِ عَلَى هَؤُلَاءِ مَا يَأْتِي بِهِ أُولَئِكَ مِنْ خَبْطٍ -بِلَا عِلْمٍ وَلَا وَعْيٍ وَلَا مَعْرِفَةٍ وَلَا سُلْطَانٍ مُنِيرٍ- فِي ثَوَابِتِ الْأُمَّةِ، فِي دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ، غَرَضُهُمْ مَعْرُوفٌ.

إِنَّ الْمُغَالَاةَ فِي مُعَالَجَةِ انْحِرَافٍ تُوَلِّدُ انْحِرَافًا آخَرَ.

إِذَا كَانَتِ الْجَمَاعَاتُ الَّتِي تُكَفِّرُ وَتُفَجِّرُ وَتُحَرِّقُ تَخُوضُ -فِي اعْتِقَادِهَا- حَرْبًا عَقَائِدِيَّةً تَسْتَحِلُّ بِهَا الدِّمَاءَ وَالْأَمْوَالَ وَالْأَعْرَاضَ، أَفَتُقَابَلُ هَذِهِ الْحَرْبُ الْعَقَائِدِيَّةُ بِالِاعْتِدَاءِ عَلَى ثَوَابِتِ الدِّينِ، وَالتَّحَلُّلِ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ، وَالِانْعِتَاقِ مِنْ قُيُودِ الْقِيَمِ النَّبِيلَةِ، بِحُجَّةِ مُحَارَبَةِ التَّطَرُّفِ وَالتَّصَدِّي لِلْإِرْهَابِ؟!

فَمَنِ الَّذِي أَعْطَى أُولَئِكَ الْإِذْنَ بِأَنْ يَقُولُوا مَا قَالُوا؟!

إِنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَصْلًا، وَلَا مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، وَهُمْ يَعِيبُونَ عَلَى كُلِّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الدِّينِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا لَهُ فِي الْكَلَامِ بِالدِّينِ، وَأَمَّا هُمْ فَيَتَكَلَّمُونَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُمْ فِي الْكَلَامِ فِي شَيْءٍ.

وَيَقُولُ قَائِلُهُمْ: عِنْدَنَا مُحَمَّدَانِ -صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ، بِأَبِّي هُوَ وَأُمِّي وَنَفْسِي-، مُحَمَّدُ الْقُرْآنِ، وَمُحَمَّدُ السُّنَّةِ!!!

وَيَقُولُ بِجَهْلٍ فَاضِحٍ، وَخُبْثٍ ظَاهِرٍ: مَا هِيَ الصُّورَةُ الْحَقَّةُ مِنْ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ؟!

وَلَا تَفَاوُتَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْلَمُونَ!

إِنْ لَمْ يَكُنْ مَا يَصْنَعُهُ وَيَقُولُهُ الْعَلْمَانِيُّونَ وَالْحَدَاثِيُّونَ وَأَكْثَرُ الْإِعْلَامِيِّينَ وَأَغْلَبُ الْفَنَّانِينَ تَطَرُّفًا وَإِرْهَابًا فِكْرِيًّا، فَمَا هُوَ التَّطَرُّفُ وَالْإِرْهَابُ إِذَنْ؟!

إِنَّ مِنَ الْخِيَانَةِ الْعُظْمَى لِلدِّينِ وَالْوَطَنِ: أَنْ يَتَصَدَّى لِلْإِرْهَابِيِّينَ وَالْمُتَطَرِّفِينَ مَنْ لَا يَفْهَمُ طَبِيعَةَ الْمَعْرَكَةِ مَعَهُمْ، وَلَا يَعِي حَقِيقَةَ الْمُوَاجَهَةِ لَهُمْ.

إِنَّ مِنَ الْخِيَانَةِ الْعُظْمَى لِلدِّينِ وَالْوَطَنِ: أَنْ يُغَضَّ الطَّرْفُ عَنِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يُذْهِبُوا صُدَاعًا، فَإِذَا هُمْ قَدْ أَحْدَثُوا جُذَامًا.

إِنَّ عِلَاجَ هَؤُلَاءِ لِظَاهِرَةِ التَّطَرُّفِ وَالْإِرْهَابِ يَزِيدُ الدَّاءَ، وَيُبْعِدُ عَنِ الْمَرِيضِ الدَّوَاءَ، وَيُوئِسُهُ مِنْ أَسْبَابِ الشِّفَاءِ.

وَأَقُولُ لِهَؤُلَاءِ: لَا تَتَكَلَّمُوا فِيمَا لَا تَعْلَمُونَ، وَلَا تُعْطُوا التَّكْفِيرِيِّينَ الْحُجَجَ وَالْبَرَاهِينَ الَّتِي يَصْطَادُونَ بِهَا الشَّبَابَ وَالصِّبْيَةَ، وَالْأَغْرَارَ وَالْمَفْتُونِينَ، وَيَدْفَعُونَ بِهَا فِي وُجُوهِ مَنْ يُقِيمُونَ عَلَيْهِمُ الْحُجَجَ، وَيُفَنِّدُونَ مَا لَدَيْهِمْ مِنَ الشُّبُهَاتِ وَالْأَضَالِيلِ!

وَلْيَعْلَمِ اْلعَلْمَانِيُّونَ وَالْحَدَاثِيُّونَ وَالْمُنْحَرِفُونَ مِنْ كُلِّ فِئَةٍ وَقَبِيلٍ: أَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ بِثَوَابِتِهِ وَمَبَادِئِهِ، وَأَحْكَامِهِ وَعُلَمَائِهِ وَرِجَالِهِ، رَاسِخٌ فِي نُفُوسِ الْمِصْرِيِّينَ وَعُقُولِهِمْ رُسُوخَ الْجِبَالِ، وَدَائِرٌ فِي عُرُوقِ الْمِصْرِيِّينَ دَوَرَانَ الدِّمَاءِ.

فَلْيَعْلَمُوا أَنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَذًى، وَلَنْ يَبْلُغُوا مِنْ إِيمَانِهِمْ وَعَقِيدَتِهِمْ مَا يَبْلُغُ مِنَ الْعَيْنِ الْقَذَى.

 ((الْآثَارُ الْخَطِيرَةُ وَالثَّمَرَاتُ الْمُرَّةُ لِلتَّطَرُّفِ الْفِكْرِيِّ))

مِنْ أَخْطَرِ نَتَائِجِ التَّطَرُّفِ الْفِكْرِيِّ فِي هَذَا الْعَصْرِ:

1*فُشُوُّ ظَاهِرَةِ التَّكْفِيرِ بِغَيْرِ مُوجِبٍ:

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا ابْتُلِيَ بِهِ المُسْلِمُونَ التَّكْفِيرَ بِلَا مُوُجِبٍ، وَقَدْ وَقَعَ في ذَلِكَ الخَوَارجُ قَدِيمًا، وَمَا زَالَ وَاقِعًا مِمَّنَ تَبِعَ الخَوَارِجَ وَنَهَجَ نَهْجَهُمْ، مِنْ حُدَثَاءِ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءِ الأَحْلَامِ، وَأَكْثَرُ هَؤُلَاءِ لَا يَعْلَمُونَ خُطُورَةَ النَّتَائِجِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَى التَّكْفِيرِ.

وَهِيَ نَتَائِجُ مِنَ الخُطُورَةِ فِي غَايَةٍ، وَمِنْهَا:

*وُجُوبُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ المُكَفَّرِ وَزَوْجَتِهِ؛ لِأَنَّ المُسْلِمَةَ لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ زَوْجَةً لِكَافِرٍ بِالإِجْمَاعِ المُتَيَقَّنِ.

*ومنها أنَّ أَوْلَادَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْقَوْا تَحْتَ وِلَايَتِهِ وَسُلْطَانِهِ؛ لِأَنَّهُ بِكُفْرِهِ أَصْبَحَ لَا يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِم، وَقَدْ يُؤَثِّرُ عَلَيْهِمْ بِكُفْرِهِ.

*وَمنها أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي وِلَايَةِ المُجْتَمَعِ المُسْلِمِ وَنُصْرَتِهِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَلَيْهِ وَمَرَقَ مِنْهُ بِالكُفْرِ الصَّرِيحِ وَالرِّدَّةِ البَوَاحِ.

*ومنها أَنَّهُ تَجِبُ مُحَاكَمَتُهُ أَمَامَ القَضَاءِ الإِسْلَامِيِّ لِيُنَفَّذَ فَيهِ حُكْمَ المُرْتَدِّ، بَعْدَ اسْتِتَابَتِهِ وَإِزَالَةِ الشُّبُهَاتِ عَنْهُ، وَإِقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ.

*وَمنها أَنَّهُ إذَا مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ لَا تُجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ المُسْلِمِينَ، فَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ المُسْلِمِينَ، وَلَا يُوَرَّثُ.

*ومنها أَنَّهُ لَا يَرِثُ مُوَرِّثَهُ إِذَا مَاتَ مُوَرِّثٌ لَهُ.

*ومنها وهي أَخْطَرُ النَتَائِجِ وهي المَوْتُ عَلَى الكُفْرِ: أَنَّهُ مُوجِبٌ لِلَعْنَةِ اللهِ وَالطَّرْدِ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَمُوجِبٌ لِلْخُلُودِ الأَبَدِيِّ فِي النَّارِ.

وَلِخُطُورَةِ آثَارِ تَكْفِيرِ المُسْلِمِينَ العَظِيمَةِ، زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ زَجْرًا شَدِيدًا، وَنَهَى نَهْيًّا عَظِيمًا.

عِبَادَ اللهِ! التَّكْفِيرُ بِلَا مُوجِبٍ وَلَا دَلِيلٍ مِنْ أَخْطَرِ البِدَعِ وَأَشَدِّهَا وَبَالًا عَلَى المُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ التَّكْفِيرِيِّينَ يَسْتَبِيحُونَ الدِّمَاءَ وَالأَمْوَالَ وَالأَعْرَاضَ المَعْصُومَةَ بِالإِسْلَامِ، وَيَتَقَرَّبُونَ بِذَلِكَ إِلَى اللهِ تعالى بِزَعْمِهِمْ، مُعْتَقِدِينَ أَنَّ لَهُمْ بِهِ أَعْظَمَ الأَجْرِ وَأَجَلَّ المَثُوبَةِ عِنْدَ اللهِ.

2*الْإِرْهَابُ وَالتَّفْجِيرَاتُ وَسَفْكُ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ لِلْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ.

لَقَدْ أَصْدَرَ الْمَجْمَعُ الْفِقْهِيُّ فِي إِحْدَى دَوَرَاتِهِ: إِنَّ التَّطَرُّفَ وَالْعُنْفَ وَالْإِرْهَابَ لَيْسَ مِنَ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ، بَلْ هِيَ أَعْمَالٌ خَطِيرَةٌ، لَهَا آثَارٌ فَاحِشَةٌ، وَفِيهَا اعْتِدَاءٌ عَلَى الْإِنْسَانِ وَظُلْمٌ لَهُ.

وَمَنْ تَأَمَّلَ مَصْدَرَيِ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ كِتَابَ اللهِ الْكَرِيمِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ الْعَظِيمِ ﷺ، فَلَنْ يَجِدَ فِيهِمَا شَيْئًا مِنْ مَعَانِي التَّطَرُّفِ وَالْعُنْفِ وَالْإِرْهَابِ الَّذِي يَعْنِي الِاعْتِدَاءَ عَلَى الْآخَرِينَ دُونَ وَجْهِ حَقٍّ.

وَحِرْصًا مِنْ أَعْضَاءِ الْمَجْمَعِ عَلَى وَضْعِ تَعْرِيفٍ إِسْلَامِيٍّ لِلْإِرْهَابِ تَتَوَحَّدُ عَلَيْهِ رُؤَى الْمُسْلِمِينَ وَمَوَاقِفُهُمْ، وَلِبَيَانِ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ، وَإِبْرَازِ خُطُورَةِ الرَّبْطِ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالتَّطَرُّفِ وَالْإِرْهَابِ، يُقَدِّمُ الْمَجْمَعُ الْفِقْهِيُّ لِلْمُسْلِمِينَ وَلِلْعَالَمِ أَجْمَعَ تَعْرِيفًا لِلْإِرْهَابِ، وَمَوْقِفِ الْإِسْلَامِ مِنْهُ:

الْإِرْهَابُ هُوَ: الْعُدْوَانُ الَّذِي يُمَارِسُهُ أَفْرَادٌ أَوْ جَمَاعَاتٌ أَوْ دُوَلٌ بَغْيًا عَلَى الْإِنْسَانِ دِينِهِ وَدَمِهِ وَعَقْلِهِ وَمَالِهِ وَعِرْضِهِ.

وَيَشْمَلُ صُنُوفَ التَّخْوِيفِ وَالْأَذَى وَالتَّهْدِيدِ وَالْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَمَا يَتَّصِلُ بِصُوَرِ الْحِرَابَةِ وَإِخَافَةِ السَّبِيلِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ.

وَكُلُّ فِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِ الْعُنْفِ أَوِ التَّهْدِيدِ يَقَعُ تَنْفِيذًا لِمَشْرُوعٍ إِجْرَامِيٍّ فَرْدِيٍّ أَوْ جَمَاعِيٍّ وَيَهْدُفُ إِلَى إِلْقَاءِ الرُّعْبِ بَيْنَ النَّاسِ أَوْ تَرْوِيعِهِمْ بِإِيذَائِهِمْ أَوْ تَعْرِيضِ حَيَاتِهِمْ أَوْ حُرِّيَّتِهِمْ أَوْ أَمْنِهِمْ أَوْ أَحْوَالِهِمْ لِلْخَطَرِ.

وَمِنْ صُنُوفِهِ إِلْحَاقُ الضَّرَرِ بِالْبِيئَةِ أَوْ بِأَحَدِ الْمَرَافِقِ أَوِ الْأَمْلَاكِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، أَوْ تَعْرِيضِ أَحَدِ الْمَوَارِدِ الْوَطَنِيَّةِ أَوِ الطَّبِيعِيَّةِ لِلْخَطَرِ.

فَكُلُّ هَذَا مِنْ صُوَرِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ الَّتِي نَهَى اللهُ الْمُسْلِمِينَ عَنْهَا فِي قَوْلِهِ: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77].

فَالْإِرْهَابُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ (أَرْهَبَ)؛ أَيْ: أَخَافَ، وَمَصْدَرُ مُفْرَدَاتِهَا: كَـ(أَفْزَعَ، وَرَوَّعَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ).

قَالَ الرَّاغِبُ: الرَّهْبَةُ وَالرُّهُبُ: مَخَافَةٌ مَعَ تَحَرُّزٍ وَاضْطِرَابٍ، قَالَ تَعَالَى: {واضمم إليك جناحك من الرهب}، وَقُرِئَ: {من الرهب}؛ أَيِ: الْفَزَعِ.

وَفِي الِاصْطِلَاحِ تَعَدَّدَتِ التَّعْرِيفَاتُ حَوْلَهُ، وَلَكِنَّ التَّعْرِيفَ الْأَقْرَبَ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ: (الْإِرْهَابُ): جَمِيعُ الْمُمَارَسَاتِ الْعُدْوَانِيَّةِ بِشَتَّى صُوَرِهَا الَّتِي حَرَّمَهَا الْإِسْلَامُ وَحَذَّرَ مِنْهَا وَمَنَعَهَا، فَهَذَا كُلُّهُ إِرْهَابٌ.

فَمُسَمَّى الْإِرْهَابِ يُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِ الْأَعْمَالِ الْعُدْوَانِيَّةِ الَّتِي تُحْدِثُ الْخَوْفَ فِي الْقُلُوبِ، وَالرَّهْبَةَ فِي النُّفُوسِ، وَالِاضْطِرَابَ فِي الْأَمْنِ، وَالْفَسَادَ فِي الْبِلَادِ، وَلَكِنَّ الَّذِي لَا يَصِحُّ قَوْلُهُ أَنْ يُتَّخَذَ ذَرِيعَةً ضِدَّ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَالدَّعْوَةِ إِلَى الْخَيْرِ.

فَالْإِرْهَابُ صِنَاعَةٌ غَرْبِيَّةٌ غَرِيبَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَتَتْ مِنْ خَارِجِ بُلْدَانِهِمْ، وَهِيَ مِنْ صُنْعِ أَعْدَاءِ اللهِ الْمَاكِرِينَ، لِيَكُونَ ذَلِكَ دَافِعًا لَهُمْ لِلْوُقُوفِ أَمَامَ الْمَدِّ الْإِسْلَامِيِّ الْجَارِفِ عَلَى مُسْتَوَى الْعَالَمِ كُلِّهِ.

وَكَلِمَةُ الْإِرْهَابِ: هِيَ قَتْلُ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَخْوِيفُ الْآمِنِينَ، وَهَتْكُ حُرْمَةِ الْمُعَاهَدِينَ، وَاسْتِهْدَافُ الْأَبْرِيَاءِ، وَتَدْمِيرُ الْمُنْشَآتِ، وَتَشْوِيهُ سُمْعَةِ الدِّينِ الْعَظِيمِ.

فَكُلُّ أَعْمَالِ الْعُنْفِ الَّتِي تُرْتَكَبُ بِاسْمِ الْإِسْلَامِ، تَجُرُّ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مَتَاهَاتٍ مُعْتِمَةٍ، وَمَشَاكِلَ جَمَّةٍ، وَتَسْتَعْدِي عَلَيْهِمُ الْعَالَمَ بِأَسْرِهِ، وَتَجْلِبُ لَهُمُ الْمَشَقَّةَ وَالْعَنَتَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ وَاضِحٌ لِلْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ.

مِنْ آثَارِ الْإِرْهَابِ الَّتِي يَرَاهَا الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ:

هَلَاكُ الْأَنْفُسِ وَإِهْلَاكُهَا.

تَدْمِيرُ الْمُمْتَلَكَاتِ.

تَحْطِيمُ الْمُنْشَآتِ.

نَشْرُ الْخَوْفِ وَالرُّعْبِ.

زَرْعُ الضَّغِينَةِ وَالْبَغْضَاءِ.

تَحْجِيرُ الْخَيْرِ.

إِضْعَافُ الْأُمَّةِ وَتَبْدِيدُ مَكَاسِبِهَا.

تَسَلُّطُ أَعْدَاءِ اللهِ وَتَمَكُّنِهِمْ مِنْ أُمَّةِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ.

فَمَنْ ذَا الَّذِي يَرْضَى لِنَفْسِهِ وَيَرْضَى لِغَيْرِهِ تِلْكَ الْأُمُورَ؟!

اللهُ تَعَالَى رَفَعَ عَنْ أُمَّةِ الْإِسْلَامِ الْعَنَتَ وَالْحَرَجَ، وَنُصْرَةُ دِينِ اللهِ تَعَالَى، وَإِعْزَازُ شَرِيعَتِهِ لَا يَكُونُ بِبَثِّ الْخَوْفِ وَالرُّعْبِ، أَوِ الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ، أَوْ بِإِلْقَاءِ الْأَنْفُسِ إِلَى التَّهْلُكَةِ أَوِ التَّضْحِيَةِ بِالنَّفْسِ عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ، كُلُّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا جَاءَ بِهِ دِينُ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا جَاءَ الْإِسْلَامُ لِيَحْمِيَ لِلنَّاسِ ضَرُورَاتِهِمْ، وَيَعْمَلَ عَلَى حِفْظِهَا، وَيَنْشُرَ الْأَمْنَ وَالْعَدْلَ وَالسَّعَادَةَ بَيْنَ أَرْجَاءِ الْأَرْضِ كُلِّهَا.

*بَعْضُ سَلْبِيَّاتِ الْإِرْهَابِ النَّاتِجِ عَنِ التَّطَرُّفِ الْفِكْرِيِّ وَالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ:

*مِنْ سَلْبِيَّاتِ الْإِرْهَابِ: قَتْلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُعَاهَدِينَ: فَمَنْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ فَقَدْ خَالَفَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93].

وَخَالَفَ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ: ((مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

*وَمِنْ سَلْبِيَّاتِ الْإِرْهَابِ: الْخِيَانَةُ وَالْغَدْرُ وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْأَبْرِيَاءِ، وَتَخْوِيفُ وَتَرْوِيعُ الْآمِنِينَ، فَالَّذِي يَقُومُ بِهَذِهِ الْأَعْمَالِ يَكُونُ خَائِنًا لِأُمَّتِهِ، غَادِرًا خَائِنًا لِإِخْوَانِهِ، يَجْنِي عَلَى الْأَنْفُسِ الْمَعْصُومَةِ بِغَيْرِ وَجْهِ حَقٍّ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُنَافٍ لِمَا أَمَرَ بِهِ الشَّرْعُ الْحَنِيفُ.

الْإِرْهَابُ مُحَرَّمٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ بِشَتَّى صُوَرِهِ، بَلْ لَعَلَّهُ لَمْ تُوجَدْ قَضِيَّةٌ مُعَاصِرَةٌ يَكُونُ عَلَيْهَا مِنَ الْإِجْمَاعِ مِثْلَ الْإِجْمَاعِ عَلَى حُرْمَةِ أَعْمَالِ الْإِرْهَابِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلَا  يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَيَقْتَدِي بِأَفْضَلِ الْخَلْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنْ يُغَامِرَ بِنَفْسِهِ وَدِينِهِ، إِلَى حَافَّةِ الْهَاوِيَةِ وَمَصِيرِ الْهَلَاكِ.  

3*مِنْ أَكْبَرِ وَأَخْطَرِ نَتَائِجِ وَمَظَاهِرِ التَّطَرُّفِ الْفِكْرِيِّ فِي عَصْرِنَا: ظَاهِرَةُ الْإِلْحَادِ.

وَالْإِلْحَادُ: هُوَ مَذْهَبٌ فَلْسَفِيٌّ يَقُومُ عَلَى فِكْرَةٍ عَدَمِيَّةٍ أَسَاسُهَا إِنْكَارُ وُجُودِ اللهِ الْخَالِقِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-.

وَمِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ دُوَلِ الْعَالَمِ الْغَرْبِيِّ وَالشَّرْقِيِّ تُعَانِي مِنْ نَزْعَةٍ إِلْحَاديةٍ عَارِمَةٍ، جَسَّدَتْهَا الشُّيُوعِيَّةُ الْمُنْهَارَةُ، وَتُجَسِّدُهَا الْعَلْمَانِيَّةُ الْمُخَادِعَةُ.

وَالْإِلْحَادُ بِدْعَةٌ جَدِيدَةٌ لَمْ تُوجَدْ فِي الْقَدِيمِ إِلَّا فِي النَّادِرِ فِي بَعْضِ الْأُمَمِ وَالْأَفْرَادِ.

الْإِلْحَادُ -فِي هَذَا الْعَصْرِ- لَهُ مَوَاقِعُ، وَلَهُ كُتُبٌ، وَلَهُ نَشْرَاتٌ، وَلَهُ مَرَاكِزُ، وَهُمْ يَرَوِّجُونَهُ بَيْنَ الشَّبَابِ، وَالشَّبَابُ قَدْ فُرِّغَ مِنْ ثَقَافِتِهِ بَلْ فُرِّغَ مِنْ عَقِيدَتِهِ، فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ هَذِهِ الشُّبَهَاتِ عَنْ نَفْسِهِ، وَرُبَّمَا صَدَّقَ أَنَّهَا مِنَ الْحَقَائِقِ الثَّابِتَةِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الْجِدَالَ، مَعَ أَنَّهَا أَوْهَامٌ فِي أَوْهَامٍ.

يَنْبَغِي عَلَيْكَ أَنْ تُحَصِّنَ نَفْسَكَ، ثُمَّ يَنْبَغِي عَلَيْكَ كَمُسْلِمٍ سُنِّيٍّ؛ يَنْبَغِي عَلَيْكَ أَنْ تَسْتَنْقِذَ إِخْوَانَكَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ دَخَلَ عَلَيْهِمْ أَمْثَالَ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ، وَهَذَا الْأَمْرُ يَتَفْشَّى الْآن، بَلْ يَنْتَشِرُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الشَّبَابِ الْمُسْلِمِ كَالنَّارِ فِي الْهَشِيمِ!!

نَحْنَ فِي هَذَا الْعَصْرِ نَحْتَاجُ إِلَى إِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُودِ الرَّبِّ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لِأَنْفُسِنَا؛ فَلِإِخْوَانِنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى يَثْبُتُوا عَلَى الْحَقِّ الَّذِي فَطَرَهُمُ اللهُ عَلَيْهِ، أَوْ لِمَنْ انْحَرَفَ عَنِ الْقَصْدِ فَتَكَاثَرَتْ عَلَيْهِ الشًّبُهَاتُ حَتَّى وَقَعَ في شُبْهَةٍ مِنَ الشُّبُهَاتِ الَّتِي تُخْرِجُهُ مِنَ الْجَادَّةِ إِلَى الْإِلْحَادِ -وَالْعِيَاذُ بِاللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ-.

هَذَا نَحْتَاجُهُ، بَلْ نَحْتَاجُهُ احْتِيَاجًا ضَرُورِيًّا فِي هَذَا الْوَقْتِ، فَمَا أَكْثَرَ مَا يَلْقَى الْإِنْسَانُ مِنَ الْمَلَاحِدَةِ، وَمَا أَكْثَرَ مَا يَسْمَعُ عَنْهُمْ، وَمَا أَكْثَرَ مَا تُنْقَلُ إِلَيْهِ شُبُهاتُهُمْ، وَكُلُّهَا فَارِغَةٌ لَيْسَتْ لَهَا قِيمَةٌ، وَهِيَ قَدِيمَةٌ لَيْسَتْ بِحَدِيثَةٍ، بَلْ إِنَّ بَعْضَهُم رُبَّمَا أَلْحَدَ بِسَبَبِ أُمُورٍ غَرِيبَةٍ.

أُمُورٌ يَسِيرَةٌ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبوَّةِ أَنْ يَحْذِقَهَا فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ حَتَّى يَسْتَطِيعَ أَنْ يَقِفَ فِي وَجْهِ هَذِهِ الْهَجْمَةِ الْإِلْحَادِيَّةِ الَّتِي تَتَعَرَّضُ لَهَا الدُّولُ الْإِسْلَامِيَّةُ، يَتَعَرَّضُ لَهَا الْمُسْلِمُونَ هُنَا وَهُنَالِكَ، وَبِالْوَسَائِلِ الْحَدِيثَةِ فِي الْمَعْلُومَاتِ صَارَ هَذَا وَاصِلًا إِلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي مَكْمَنِهِ.. فِي خِدْرِهِ.

نَسْأَلُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الْإِيمَانِ الْحَقِّ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ.

فَالْمُسْلِمُ يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يَحْذَرَ فِي هَذَا الْعَصْرِ مِنْ أَمْثَالِ هَذِهِ الْحِيَلِ الشَّيْطَانِيَّةِ الَّتِي يَنْطِقُ بِهَا مَنْ يَنْطِقُ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَيُلْقُونَهَا فِي أَسْمَاعِ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَجْلِ أنْ يَفْتِنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ.

((الْعِلَاجَاتُ النَاجِعَةُ لِلتَّطَرُّفِ الْفِكْرِيِّ

وَمَا نَتَجَ عَنْهُ مِنْ إِرْهَابٍ وَتَدْمِيرٍ وَإِلْحَادٍ))

1*الْقَضَاءُ عَلَى التَّطَرُّفِ الْفِكْرِيِّ وَالْإِرْهَابِ بِبَثِّ الْعِلْمِ الصَّحِيحِ فِي الْأُمَّةِ:

إِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَوْجَبَ نَشْرَ الْعِلْمِ الصَّحِيحِ الَّذِي يُزِيلُ الْغَبَشَ، وَيَمْنَعُ الِانْحِرَافَ، وَكِثيٌر مِمَّا تَرَاهُ الْآنَ مِنْ مَظَاهِرِ الْإِرْهَابِ وَالْقَتْلِ وَالتَّفْجِيرِ وَالتَّدْمِيرِ وَالتَّكْفِيرِ، كُلُّهُ بِسَبَبِ الْجَهْلِ، وَسُوءِ الْفَهْمِ، كَمَا وَقَعَ مِنَ الْخَوَارِجِ، ((يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ))، فَأَنَّى يَفْهَمُونَ؟!

وَالْخَوَارِجُ الْمُحْدَثُونَ كَالْخَوَارِجِ الْمُتَقَدِّمِينَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ ((يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ)).

أَوْجَبَ طَاعَةَ وُلَاةِ الْأُمُورِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَحَرَّمَ الْخُرُوجَ عَلَيْهِمْ، مَا لَمْ يُظْهِرُوا كُفْرًا بَوَاحًا بَيِّنًا عِنْدَ النَّاسِ مِنَ اللهِ عَلَيْهِ بُرْهَانٌ.

وَأَيْضًا لَمْ يَشْرَعْ ذَلِكَ الْخُرُوجَ إِلَّا بِإِعْدَادِ الْعُدَّةِ، وَإِلَّا فَإِنَّهُ يَكُونُ مَمْنُوعًا عَلَى الْأَصْلِ.

الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ رَكَّزَا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ الرَّحْمَةِ، دِينُ الْإِحْسَانِ، وَتِلْكَ نَقِيضَةُ الْإِرْهَابِ:

{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}.

{وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}

وَفِيمَا وَصَفَ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6]؛ أَيْ: لَعَلَّكَ مُهْلِكٌ نَفْسَكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَهْتَدُوا.

فَتَأَمَّلْ فِي وَصْفِ الرَّسُولِ، وَتَأَمَّلْ فِيمَا عَلَيْهِ الْقَوْمُ:

حِرْصُهُمْ عَلَى الْقَتْلِ!

حِرْصُهُمْ عَلَى الْإِبَادَةِ!

حِرْصُهُمْ عَلَى الِاسْتِئْصَالِ!

وَأَمَّا الرَّسُولُ فَيُعَاتِبُهُ رَبُّهُ لِشَدِيدِ حُزْنِهِ، وَعَظِيمِ هَمِّهِ لِعَدَمِ اهْتِدَاءِ قَوْمِهِ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ-.

النَّبِيُّ ﷺ أَمَرَ قُوَّادَهُ وَشَدَّدَ عَلَيْهِمْ، كَمَا مَرَّ فِي وَصِيَّتِهِ لِقَادَةِ الْجُيُوشِ، أَنْ لَا يَقْتُلُوا شَيْخًا كَبِيرًا، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا صَبِيًّا، وَلَا رَاهِبًا، وَلَا عَابِدًا.

وَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ -كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ))- امْرَأَةً مَقْتُولَةً، غَضِبَ، وَقَالَ: ((مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ))، أَيْ: فَلَمْ تُقَاتِلْ هَذِهِ، فَلِمَ تُقْتَلُ؟!

وَلَا يَحِلُّ قَتْلُهَا بِحَالٍ، لَمْ تَكُنْ مُحَارِبَةً، فَعَاتَبَهُمْ فِي قَتْلِهَا.

حَرَّمَ الْإِسْلَامُ كُلَّ مَا يُغَذِّي الْإِرْهَابَ وَيَنْشُرُهُ مِنْ مَدْحِ الْمُجْرِمِينَ، وَإِضْفَاءِ صِفَةِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى جَرَائِمِهِمْ، كَوَصْفِ فِعْلِهِمْ بِأَنَّهُ جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَوَصْفِهِمْ بِأَنَّهُمْ مِنَ الْمُجَاهِدِينَ، كَمَا تَسْمَعُهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ وَسَائِلِ الْإِعْلَامِ الَّتِي تُحَارِبُهُمْ، يَقُولُ: مِنَ الْجِهَادِيِّينَ!

يُجَاهِدُونَ الْإِسْلَامَ، أَمْ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الْإِسْلَامِ؟!

أَيُّ جِهَادٍ هَذَا؟!

هَذَا إِرْهَابٌ، هَذَا عُنْفٌ لَمْ يَشْرَعْهُ اللهُ وَلَا رَسُولُهُ ﷺ.

وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ الْمُتَّبِعُونَ، فَقَدْ أَمَرَهُمُ اللهُ أَنْ يَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَلَا يَتَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، كَنَشْرِ الْإِرْهَابِ بِالْإِشَاعَةِ، وَتَخْوِيفِ النَّاسِ وَتَفْزِيعِهِمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَنْشُرُ الْإِرْهَابَ، وَيَجْعَلُهُ مَقْبُولًا فِي الْمُجْتَمَعِ الْإِسْلَامِيِّ، وَيُعَظِّمُ أَثَرَهُ عَلَى عَامَّةِ النَّاسِ.

إِنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ خَيْرُ مَا بُذِلَتْ فِيهِ الْأَعْمَارُ وَأُلْحِقَ فِيهِ اللَّيْلُ بِالنَّهَارِ.

الْعِلْمُ أشْرَفُ مَطْلوبٍ وَطَالِبُهُ * * * للهِ أَكْـرَمُ مَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمِ
الْعِلْمُ نُورٌ مُبِينٌ يَسْتَضِيءُ بِهِ * * * أَهْـلُ السَّعَادَةِ وَالْجُهَّالُ فِي الظُّلَمِ

الْعِلْمُ أَعْلَى وَأَحْلَى مَا لَهُ اسْتَمَعَتْ * * * أُذْنٌ وَأَعْـرَبَ عَنْهُ نَاطِقٌ بِفَمِ

وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا فِي حَدِيثِ ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ الْجَهْلَ وَالْجُهَّالَ سَبَبُ الضَّلَالِ وَالْإِضْلَالِ، قَالَ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)).

وَمَفْهُومُ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ الْعِلْمَ وَالْعُلَمَاءَ سَبَبُ الْهِدَايَةِ وَالِاهْتِدَاءِ؛ لِذَا كَانَ مِنَ النِّيَّةِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ الدَّفَاعُ عَنِ الشَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّ الْكُتُبَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُدَافِعَ عَنِ الشَّرِيعَةِ، إِنَّمَا يُدَافِعُ عَنِ الشَّرِيعَةِ حَامِلُهَا.

وَلَمَّا كَانَ كُلٌّ مِنَ الْجِهَادِ بِالسَّيْفِ وَالْحُجَّةِ يُسَمَّى سَبِيلَ اللهِ؛ فَسَّرَ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- قَوْلَهُ: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]، بِالْأُمَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ، فَإِنَّهُم الْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ، هَؤُلَاءِ بِأَيْدِيهِمْ -يَعْنِي: الْأُمَرَاءَ-، وَهَؤُلَاءِ بِأَلْسِنَتِهِمْ -يَعْنِي الْعُلَمَاءَ-.

 ذَكَرَ ابنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي ((الْجَامِعِ)) عَنْ بَعْضِهِمْ فِي قَدْرِ الْعُلَمَاءِ وَقِيمَتِهِمْ: ((وَمِدَادُ مَا تَجْرِي بِهِ أَقْلَامُهُمْ أَزْكَى وَأَفْضْلُ مِنْ دَمِ الشُّهَدَاءِ   ***   يَا طَالِبِي عِلْمِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ مَا أَنْتُمْ وَسُوَاكُمْ بِسَوَاءٍ)).

فَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَعْتِصَمَ بِاللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَأَنْ يَسْلُكَ سَبِيلَ الطَّلَبِ عَلَى نَهْجِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ، فَفِي هَذَا النَّجَاةُ، وَلَا نَجَاةَ إِلَّا فِيهِ، فَإِنَّ الله -جَلَّ وَعَلَا- جَعَلَ النَّجَاةَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُمَا مَعْدِنُ الْعِلْمِ وَأَصْلُهُ، فَمَهْمَا تَرَكَ الْإِنْسَانُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَتَنَكَّبْهُمَا وَاسْتَدْبَرْهُمَا وَجَعَلَهُمَا دَبْرَ أُذُنيْهِ وَخَلْفَ ظَهْرِهِ؛ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا.

فَمَنْ أَرَادَ النَّجَاةَ حَقًّا وَصِدْقًا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي تَمُوجُ بِالْفِتَنِ مَوْجَ الْبَحْرِ، وَهِيَ تَتَلَاطَمُ بِأَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ وَقَد عَلَتْ أَصْوَاتُهُمْ؛ فَتَسَنَّمُوا كُلَّ ذِرْوَةٍ، وَعَلَوْا كُلَّ مِنْبَرٍ، وَصَارَ صَوْتُهُمْ عَالِيًا قَوِيًّا، وَإِنَّمَا هُمْ فِي النِّهَايَةِ غُثَاءٌ، مَنْ أَرَادَ النَّجَاةَ وَالْحَالَ هَذِهِ؛ فَعَلَيْهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

2*الْقَضَاءُ عَلَى التَّطَرُّفِ الْفِكْرِيِّ بِِتَصْحِيحِ الْعَقِيدَةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى التَّوْحِيدِ:

إِصْلَاحُ الْعَقِيدَةِ، فَهُوَ أَوَّلُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْقَدَ عَلَيْهِ الْخِنْصَرُ فِي أَخْذٍ بِأَسْبَابِ إِصْلَاحِ الْأُمَّةِ.

يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَ أُمُورَ التَّوْحِيدِ، وَأَنْ نَلْتَزِمَ بِالتَّوْحِيدِ فِي كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَلَّغَنَا عَنْ رَبِّنَا -جَلَّ وَعَلَا- أَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ، وَبَيَّنَ لَنَا نَبِيُّنَا ﷺ فَضْلَ التَّوْحِيدِ، وَعَظِيمَ أَثَرِهِ فِي النَّفْسِ، وَفِي الْمَآلِ عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

إِنَّ اللهَ تَعَالَى بَعَثَ رَسُولَهُ ﷺ بِمَا بَعَثَ بِهِ إِخْوَانَهُ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ مِنْ قَبْلِهِ، بَعَثَهُمْ جَمِيعًا بِرِسَالَةِ التَّوْحِيدِ؛ لِتَكُونَ الْعِبَادَةُ للهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، وَكُلُّهُمْ -صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ- قَالُوا لِأَقْوَامِهِمْ: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59].

إِنَّ التَّوْحِيدَ يُحَرِّرُ الْعَبْدَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ؛ لِيَكُونَ عَبْدًا للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ رَبِّ الْعِبَادِ.

فَالتَّوْحِيدُ الْمُحَقَّقُ الصَّافِي يُحَرِّرُ الْإِنْسَانَ مِنَ التَّعَلُّقِ بِغَيْرِ اللهِ؛ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَالْآلِهَةِ الْمُدَّعَاةِ الْبَاطِلَةِ.

وَيَجْعَلُ التَّوْحِيدُ الْإِنْسَانَ شَاعِرًا بِعِزَّةٍ وَكَرَامَةٍ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ فِي تَحْقِيقِ عُبُودِيَّتِهِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَهُ، وَبَرَأَهُ، وَسَوَّاهُ.

يُحَرِّرُ عَقْلَهُ كَمَا حَرَّرَ قَلْبَهُ، يُحَرِّرُ عَقْلَهُ مِنَ الْخُرَافَاتِ، مِنَ التُّرَّهَاتِ، مِنَ الْخُزَعْبَلَاتِ، حَتَّى لَا يَخَافَ إِلَّا اللهَ، وَلَا يَرْجُوَ إِلَّا اللهَ، وَلَا يَتَعَلَّقَ إِلَّا بِاللهِ، وَهَذِهِ مِنْ أَعْظَمِ ثَمَرَاتِ التَّوْحِيدِ وَأَفْضَالِهِ.

وَالْمَصْلَحَةُ الْعُلْيَا لِلْأُمَّةِ إِنَّمَا تَتَحَقَّقُ بِمَا يَتَحَقَّقُ بِهِ نَفْيُ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَنَفْيُ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ بِتَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأَعْرَاف: 56].

فَلَا يَتَحَقَّقُ الصَّلَاحُ فِي الْأَرْضِ، وَلَا يَنْتَفِي الْفَسَادُ مِنْهَا إِلَّا بِتَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ فِيهَا، الَّذِي لِأَجْلِهِ خَلَقَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْخَلْقَ، فَأَوَّلُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعَى مِنَ الْمَصَالِحِ الْعُلْيَا هُوَ: تَحْقِيقُ دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فَبِهِ تَتَحَقَّقُ الْمَصْلَحَةُ، وَبِهِ تَنْتَفِي الْمَفْسَدَةُ.

3*مِنْ أَنْفَعِ الْعِلَاجَاتِ لِلْقَضَاءِ عَلَى التَّطَرُّفِ الْفِكْرِيِّ: تَمْكِينُ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ لِمُحَارَبَتِهِ، وَمُحَارَبَةِ الْإِرْهَابِ وَالْإِلْحَادِ بِالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ:

إِنَّ التَّكْفِيرَ شَائِعٌ ذَائِعٌ يَسْرِي فِي شَبَابِ الْأُمَّةِ كَالنَّارِ فِي الْهَشِيمِ، وَقَدْ أَثْبَتَتِ الْحَوَادِثُ فِي التَّارِيخِ كُلِّهِ -تَارِيخِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ- أَنَّهُ لَمْ يَتَصَدَّى لِلتَّكْفِيرِيِّينَ أَحَدٌ مِثْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ، هُمُ الَّذِينَ يَمْتِلِكُونَ الْحُجَّةَ، وَهُمُ الَّذِينَ يَدْحَضُونَ الْفِرْيَةَ، وَهُمُ الَّذِينَ يَكِرُّونَ بِجَيْشِ الْحُجَّةِ وَرَجْلِهَا وَخَيْلِهَا عَلَى أُولَئِكَ التَّكْفِيرِيِّينَ وَالْمُبْطِلِينَ حَتَّى يَنْسِفُوا حُجَجَهُمْ، لَا يَقْوَى عَلَى ذَلِكَ إِلَّا أَهْلُ السُّنَّةِ.

فَمِنْ أَكْبَرِ الْجَرَائِمِ أَلَّا يَكُونَ لِهَؤُلَاءِ صَوْتٌ عَالٍ فِي مُقَابَلَةِ هَذِهِ الْحَمْلَةِ التَّكْفِيرِيَّةِ لِأُمَّةِ الْإِسْلَامِ حُكَّامًا وَمَحْكُومِينَ، مِنْ أَجْلِ صَدِّ هَذَا الزَّحْفِ الْهَائِجِ الْمَائِجِ الَّذِي هُوَ وَلَا كَزَحْفِ التَّتَرِ، وَإِنَّمَا هُوَ يَغْزُو الْقُلُوبَ وَالنُّفُوسَ وَالْعُقُولَ حَتَّى يُدَمِّرَهَا، وَحَتَّى تَصِيرَ حَرْبًا عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَحَتَّى يُسَلِّمُوا بِأَيْدِيهِم -وَيَا سُوءَ مَا صَنَعَتْ وَاجْتَرَحَتْ أَيْدِيهُمْ!!- حَتَّى يُسَلِّمُوا بِأَيْدِيهِمْ أَوْطَانَهُمُ الْإِسْلَامِيَّةَ لِأَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ، وَحَتَّى تَضِيعَ مَكَاسِبُ الْإِسْلَامِ فِي الْبِلَادِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَقَد مَرَّ عَلَيْهَا مِنَ الْقُرُونِ مَا مَرَّ؛ يُرْفَعُ فِيهَا الْأَذَانُ، وَيُرْكَعُ فِيهَا وَيُسْجَدُ لِلرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ، وَيُتَعَامَلُ فِيهَا بِالْأَخْلَاقِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَيُدْعَى فِيهَا إِلَى اللهِ، وَيَرْتَفِعُ فِيهَا قَوْلُ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ)).

عِبَادَ اللهِ! لَا شَكَّ أَنَّ عَقِيدَةَ الْخَوَارِجِ مُنْتَشِرَةٌ بَيْنَ الشَّبَابِ، فَكَيْفَ نُعَالِجُ هَذَا الِانْحِرَافَ وَنُنَجِّي أَنْفُسَنَا وَأَوْطَانَنَا مِنَ الدَّمَارِ؟

هَذِهِ هِيَ الْقَضِيَّةُ الرَّئِيسَةُ, كَيْفُ يُعَالَجُ هَذَا الْأَمْرُ؟

لَا شَكَّ أَنَّ الَّذِينَ تَصَدَّوْا لِمُحَارَبَةِ هَذَا الْفِكْرِ, كَانُوا فِي الْجُمْلَةِ غَيْرَ أَهْلٍ لِذَلِكَ؛ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ لِطَبِيعَةِ فِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَلِعَدَمِ الْتِزَامِهِمُ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ, مِمَّا جَعَلَهُمْ يَخْلِطُونَ بَيْنَ هَذَا الِانْحِرَافِ وَبَيْنَ الْإِسْلَامِ الصَّحِيحِ, وَبَيْنَ الْجِهَادِ الْحَقِّ وَبَيْنَ الْإِفْسَادِ بِاسْمِ الْجِهَادِ.

إِنَّ انْتِشَارَ مَظَاهِرِ الْفَسَادِ فِي كَثِيرٍ مِنْ بُلْدَانِ الْمُسْلِمِينَ وَالسَّمَاحَ لِدُعَاةِ الْفِكْرِ الْغَرْبِيِّ وَغَيْرِهِمْ بِالتَّعَدِّي وَالظُّهُورِ وَالتَّحَدُّثِ ضِدَّ الْإِسْلَامِ, عَلَانِيَةً, مَعَ انْتِشَارِ مَظَاهِرِ الِانْحِرَافِ الْأَخْلَاقِيِّ, هَذِهِ كُلُّهَا لَا شَكَّ شَجَّعَتْ عَلَى رُدُودِ الْفِعْلِ لَدَى الشَّبَابِ, فَوَجَبَ إِزَالَتُهَا، وَالسَّعْيُ لِتَطْبِيقِ شَرِيعَةِ اللهِ, وَجَعْلُ الدِّينِ الْمُسْيَطَرِ عَلَى الْحَيَاةِ, وَبِغَيْرِ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ إِنْشَاءُ الْمُوَاطِنِ الصَّالِحِ.

لَقَدْ تَصَدَّى الْعُلَمَاءُ الرَّبَانِيُّونَ لِلْخَوَارِجِ مُنْذُ ظُهُورِهِمْ, فَنَسَفُوا شُبُهَاتِهِمْ, وَأَحْكَمُوا قَبْضَةَ الْأَدِلَّةِ عَلَى رِقَابِ حُجَجِهِمْ, فَهَدَى اللهُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، وَحَمَى كَثِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي شِبَاكِهِمْ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- لَمَّا اجْتَمَعَتِ الْحَرُورِيَّةُ -وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْخَوَارِجِ, خَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَنَزَلُوا حَرُورَاءَ، وَهُوَ مَوْضِعٌ بِالْقُرْبِ مِنَ الْكُوفَةِ، فَنُسِبُوا إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ- لَمَّا اجْتَمَعَتِ الْحُرُورِيَّةُ يَخْرُجُونَ عَلَى عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-, قَالَ: ((جَعَلَ يَأْتِيهِ الرَّجُلُ، فَيَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! الْقَوْمُ خَارِجُونَ عَلَيْكَ.

فَيَقُولُ: دَعْهُمْ حَتَّى يَخْرُجُوا.

فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ قُلْتُ -وَالْقَائِلُ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-- قَالَ: قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَبْرِدْ بِالصَّلَاةِ -وَالْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ هُوَ تَأْخِيرُهَا حَتَّى يُتَمَكَّنَ مِنَ الْمَشْيِ فِي الْفَيْحِ- قَالَ: أَبْرِدْ بِالصَّلَاةِ فَلَا تَفُوتُنِي حَتَّى آتِيَ الْقَوْمَ.

قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ قَائِلُونَ -مِنَ الْقَيْلُولَةِ- فَإِذَا هُمْ مُسَهَّمَةٌ وُجُوهُهُمْ مِنَ السَّهَرِ -أَيْ مُتَغَيِّرَةٌ وُجُوهُهُمْ مِنَ السَّهَرِ- قَدْ أَثَّرَ السُّجُودُ فِي جِبَاهِهِمْ, كَأَنَّ أَيْدِيَهُمْ ثَفِنُ الْإِبِلِ -وَالثِّفِنُ: جَمْعُ ثَفِنَةٍ وَهِيَ مَا وَلِيَ الْأَرْضَ مِنْ كُلِّ ذَاتِ أَرْبَعٍ إِذَا بَرَكَتْ، كَالرُّكْبَتَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَيَحْصُلُ فِيهِمَا غِلَظٌ مِنْ أَثَرِ الْبُرُوكِ- عَلَيْهِمْ قُمُصٌ مُرَحَّضَةٌ- أَيْ مَغْسُولَةٌ-.

فَقَالُوا: مَا جَاءَ بِكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَمَا هَذِهِ الْحُلَّةُ عَلَيْكَ؟

قَالَ: قُلْتُ: مَا تَعِيبُونَ هَذِهِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنْ ثِيَابٍ الْيَمَنِيَّةِ, ثُمَّ قَرَأْتُ هَذِهِ الْآيَةَ: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32].

فَقَالُوا: مَا جَاءَ بِكَ؟

قَالَ: قُلْتُ: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَيْسَ فِيكُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ, وَمِنْ عِنْدِ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَلَيْهِمْ نَزَلَ الْقُرْآنَ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِهِ, جِئْتُ لِأُبْلَغَهُمْ عَنْكُمْ وَلِأُبْلِغَكُمْ عَنْهُمْ.

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تُخَاصِمُوا قُرَيْشًا، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولَ: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58].

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلَى فَلْنُكَلِّمْهُ.

قَالَ: فَكَلَّمَنِي مِنْهُمْ رَجَلَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ -قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-- مَاذَا نَقِمْتُمْ عَلَيْهِ -أَيْ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؟

قَالُوا: ثَلَاثًا.

قَالَ: فَقُلْتُ مَا هُنَّ؟

قَالُوا: حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي أَمْرِ اللهِ, وَاللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- يَقُولُ: {إِنِ الْحُكْمُ إلَّا لِلَّهِ} [يوسف: 40].

قَالَ: قُلْتُ: هَذِهِ وَاحِدَةٌ، وَمَاذَا أَيْضًا؟

 قَالُوا: فَإِنَّهُ قَاتَلَ فَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغنَمْ -يُرِيدُونَ يَوْمَ الْجَمَلِ- فَلَإنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ مَا حَلَّ قِتَالُهْمْ، وَلِإِنْ كَانُوا كَافِرِينَ لَقَدْ حَلَّ قِتَالُهُمْ وَسَبْيُهُمْ.

قَالَ: قُلْتُ: وَمَاذَا أَيْضًا؟

قَالُوا: وَمَحَا نَفْسَهُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ أَمِيرُ الْكَافِرِينَ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-:  قُلْتُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا يَنقُضُ قَوْلَكُمْ هَذَا، أَتْرْجِعُونَ؟

قَالُوا: وَمَا لَنَا لَا نَرْجِعُ.

قَالَ: قُلْتُ: أَمَّا قَوْلُكُمْ: حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي أَمْرِ اللهِ, فَإِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- قَالَ فِي كِتَابِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ} [المائدة: 95].

وَقَالَ فِي الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا} [النساء: 35].

فَصَيَّرَ اللهُ تَعَالَى ذَلِكَ إِلَى حُكْمِ الرِّجَالِ, فَنَاشَدْتُكُمُ اللهَ أَتْعَلَمُونَ حُكْمَ الرِّجَالِ فِي دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَفِي إِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ أَفْضَلُ أَوْ فِي دَمِ أَرْنَبٍ ثَمَنُهَا رُبُعُ دِرْهَمٍ، وَفِي بُضْعِ امْرَأَةٍ؟

قَالُوا: بَلَى هَذَا أَفْضَلُ.

قَالَ: أخْرجتُ مِنْ هَذِهِ؟

قَالُوا: نَعَمْ.

قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: قَاتَلَ فَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ, أَفَتَسْبُونَ أُمَّكُمْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-؟

فَإِنْ قُلْتُمْ نَسْبِيهَا، فَنَسْتَحِلَّ مِنْهَا مَا نَسْتَحِلُّ مِنْ غَيْرِهَا فَقَدْ كَفَرْتُمْ, وَإِنْ قُلْتُمْ لَيْسَتْ بِأُمِّنَا فَقَدْ كَفَرْتُمْ, فَأَنْتُمْ تَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ ضَلَالَتَيْنِ, أخرجتُ مِنْ هَذَا؟

قَالُوا: بَلَى.

قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: مَحَا نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَنَا آتِيكُمْ بِمَنْ تَرْضَوْنَ، إِنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَّة, حِينَ صَالَحَ أَبَا سُفْيَانَ وَسُهَيْلَ بْنِ عَمْرٍو, قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((اُكْتُبْ يَا عَلِيُّ, هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ)).

فَقَالَ أَبُو سُفْيَان وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: مَا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولَ اللهِ، وَلَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولَ اللهِ مَا قَاتَلْنَاكَ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((اللهم إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُكَ, اُمْحُ يَا عَلِيُّ، وَاُكْتُبْ هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ بْنُ عَبْدِ اللهِ)).

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَلْفَانِ، وَبَقِيَ بَقِيَّتُهُمْ، فَخَرَجُوا فَقُتِلُوا أَجْمَعُونَ)).

أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُودَ مُخْتَصَرًا، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((السُّنَنِ))، وَعَبْدُ الرَّزَّاقُ فِي ((الْمُصَنَّفِ))، وَالنَّسَائِىُّ فِي ((تَهْذِيبِ خَصَائِصِ الْإِمَامِ عَلِىٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- )).

وَمِنْ إِرْشَادِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَتَعْلِيمِهِمْ، وَإِقَامَةِ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ مَسْأَلَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَعَ الْخَوارِجِ وَمَعَ غَيْلَانَ الْقَدَرِيِّ.

وَمِثَالٌ ظَاهِرٌ فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ لِمُحَارَبَةِ الْعُلَمَاءِ الْأَكَابِرِ لِلتَّطَرُّفِ وَالْإِرْهَابِ بِالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ:

جَاءَ فِي ((الْقِصَّةِ الْكَامِلَةِ لِخَوَارِجِ عَصْرِنَا)):

دَوْرُ عُلَمَائِنَا فِي إِخْمَادِ فِتْنَةِ الْجَزَائِرِ:

إِنَّ فِتْنَةَ خَوَارِجِ الْجَزَائِرِ لَمْ تَنْتَهِ حَتَّى هَذِهِ السَّاعَة؛ لَكِنْ بِفَضْلِ اللهِ تَعَالَى، ثُمَّ بِجُهُودِ عُلَمَائِنَا خَمَدَتِ الْفِتْنَةُ إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ، حَيْثُ قَامَ بَعْضُ الْعُقَلَاءِ بِنَشْرِ فَتَاوَى أَكَابِرِ أَهْلِ الْعِلْمِ -فِي هَذَا الْعَصْرِ- عَنْ مَسَائِلِ الْخُرُوجِ.

فَأَمَّا الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمَيْنِ -رَحِمَهُ اللهُ-؛ فَقَدْ كَانَتْ لَهُ صَوْلَاتٌ وَجَوْلَاتٌ مَعَ الْمُنَظِّرِينَ وَالْمُنَفِّذِينَ، وَمِنْ أَشْهَرِهَا: أَنَّهُ وَجَّهَ رِسَالَةً إِلَى أَمِيرِ الْجَمَاعَةِ الْمُقَاتِلَةِ -وَيُدْعَى حَسَن حَطَّاب- يَنْصَحُهُ فِي عَدَمِ الْخَوْضِ فِي دِمَاءِ الْأُمَّةِ، وَكَانَ لِهَذِهِ الرِّسَالَةِ وَقْعٌ كَبِيرٌ فِي نُفُوسِ الشَّبَابِ؛ فَقَدْ اكْتَشَفُوا -بَعْدَ سِنِينَ مِنَ الْمَجَازِرِ- أَنْ فِعْلَهُمْ لَيْسَ جِهَادًا؛ إِنَّمَا هُوَ فِعْلُ الْخَوَارِجِ؛ فَقَرَّرَ الْكَثِيرُ مِنْهُمْ وَضْعَ السِّلَاحِ، وَالتَّوْبَةِ، وَعَفَتِ الدَّوْلَةُ عَنْهُمْ، وَأَوَّلُ التَّائِبِينَ كَبِيرُهُمْ حَطَّاب)).

وَمِنْ نَفْعِ اللهِ الشَّبَابَ بِكَلَامِ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: أَنَّهُ قَامَ بَعْضُ الْعُقَلَاءِ مِنَ الْقَوْمِ -الَّذِينَ غُرِّرَ بِهِمْ- بِالِاتِّصَالِ هَاتِفِيًّا بِالشَّيْخِ، وَالشَّرِيطُ مَعْرُوفٌ بِاسْمِ: ((لِقَاءُ ثُوَّارِ الْجَزَائِرِ بِالشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ هَاتِفِيًّا))، وَكَانَ مِحْوَرُ الْأَسْئِلَةِ تَدُورُ حَوْلَ شَرْعِيَّةِ قِتَالِهِمْ.

وَمِمَّا قَالَهُ الشَّيْخُ -نَاصِحًا لَهُمْ- أَنَّ مَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ سَفْكٍ الدِّمَاءِ، وَاسْتِبَاحَةٍ لِلْأَعْرَاضِ: سَيَسْأَلُهُمُ اللهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ بِجِهَادٍ.

عِبَادَ اللهِ! يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ إِقَامَةَ الْحُجَّةِ عَلَى الْمُخَالِفِ شَيْءٌ وَالْجِدَالَ وَالْمِرَاءَ وَالْخُصُومَةَ شَيْءٌ آخَرُ, هَذَا مَنْهيٌّ عَنْهُ، وَذَاكَ مُرَغَّبٌ فِيهِ.

كَثِيرٌ مِنْ أَتْبَاعِ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ لَمْ يَتَمَكَّنِ الضَّلَالُ مِنْ قُلُوبِهِمْ بَعْدُ، أَعْنِي النَّاشِئَةَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ سَرَتِ الْعَدْوَى إِلَيْهِمْ مِنْ أَقْرَانِهِمْ، وَمِثْلُ هَذَا تَوْبَتُهُ رَاجِحَةٌ وَأَوْبَتُهُ مُمْكِنَةٌ, وَمُنَاظَرَتُهُ نَافِعَةٌ, وَلَكِنَّ الَّذِي يُقْدِمُ عَلَى مُنَاظَرَةِ هَؤُلَاءِ لَا بُدَّ أَنْ يَتَّصِفَ بِالْعِلْمِ الْقَوِيِّ الْقَائِمِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَسُرْعَةِ الْبَدِيهَةِ كَمَا يُلَاحَظُ مِنْ مُنَاظَرَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-.

وَأَنْ يَكُونَ مِمَنْ حَظِيَ بِالْقَبُولِ وَالْإِمَامَةِ, ذَلِكُمْ أَنَّ إِرْسَالَ أَيِّ رَجُلٍ كَانَ لِمُنَاظَرَةِ هَؤُلَاءِ كَمَا حَصَلَ فِي بَعْضِ الدُّوَلِ, فَتَغَلَّبَ الْخَوَارِجُ عَلَيْهِ بِالْحُجَةِ الدَّاحِضَةِ وَالْبَيَانِ الظَّاهِرِيِّ, هَذَا جَعَلَهُمْ يَتَمَسَّكُونَ بِالْبَاطِلِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ.

وَيَنْبَغِي لِمَنْ يُنَاظِرُهُمْ أَنْ يَكُونَ مُتَثَبِّتًا نَاطِقًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ, أَمَّا أَنْ يُقَدَّمَ إِلَى هَؤُلَاءِ مَنْ هُوَ جَاهِلٌ بِمَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ, فَهَذَا هُوَ الْعَبَثُ بِعَيْنِهِ, وَهَذَا يُمَكِّنُ لِهَؤُلَاءِ فِي ضَلَالَاتِهِمْ.

إِذَنْ، مُنَاظَرَةُ نَاشِئَةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ نَافِعَةٌ, وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَلَيْسَ يَنْفَعُ مَعَهُمْ إِلَّا مَا نَفَعَ صَبِيغَ بْنِ عِسْلٍ التَّمِيمِيِّ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَجَعَلَ يَسْأَلُ عَنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَقَدْ أَعَدَّ لَهُ عَرَاجِينَ النَّخْلِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟

قَالَ: أَنَا عَبْدُ اللهِ صَبِيغٌ.

فَأَخَذَ عُمَرُ عُرْجُونًا مِنْ تِلْكَ الْعَرَاجِينِ، فَضَرَبَهُ، وَقَالَ: أَنَا عَبْدُ اللهِ عُمَرُ، فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ بِتِلْكَ الْعَرَاجِينِ، فَمَا زَالَ يَضْرِبُهُ حَتَّى شَجَّهُ، وَجَعَلَ الدَّمُ يَسِيلُ عَنْ وَجْهِهِ.

فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَدْ وَاللهِ ذَهَبَ الَّذِي أَجِدُ فِي رَأْسِي!

فَنَفَاهُ إِلَى الْبَصْرَةِ, وَأَمَر بِعَدَمِ مُجَالَسَتِهِ، ثُمَّ صَلُحَ حَالُهُ، فَعَفَا عَنْهُ)). أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ، وَالْآجُرِيُّ، وَاللَّالَكَائِيُّ، وَابْنُ وَضَّاحٍ فِي ((الْبِدَعِ)).

فَخَلُّوا -عِبَادَ اللهِ- عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ حَتَّى يَتَكَلَّمُوا مَعَ هَؤُلَاءِ، فَإِنَّ الْمَعْرَكَةَ مَعْرَكَةُ عَقِيدَةٍ، لَا يُفْلِحُ فِي خَوْضِهَا الزَّائِغُونَ، وَلَا الْمُنْحَرِفُونَ، وَلَا الْمُتَحَلِّلُونَ، وَلَا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الدِّينَ، وَلَا الَّذِينَ يَنْسِفُونَ تُرَاثَ الْمُسْلِمِينَ، هَؤُلَاءِ يَزِيدُونَ النَّارَ اشْتِعَالًا.

*آخِرُ الطِّبِّ الْكَيُّ: مُعَالَجَةُ التَّطَرُّفِ وَالْإِرْهَابِ بِتَطْبِيقِ حَدِّ الْحِرَابَةِ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ:

عَالَجَ الْإِسْلَامُ الْإِرْهَابَ بِعِلَاجٍ حَاسِمٍ، آخَرُ الطِّبِّ الْكَيُّ، فَشَرَعَ حَدَّ الْحِرَابَةِ، هُوَ حَدٌّ شَرَعَهُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، وَلِلْقَضَاءِ عَلَى جَرِيمَةِ الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ، الَّتِي تُرَوِّعُ الْأَبْرِيَاءَ وَتَقْتُلُهُمْ، وَتُخِيفُ سُبُلَهُمْ، وَتُضْعِفُ أَمْنَهُمْ، وَتُفَجِّرُ دُورَهُمْ وَمُنْشَآتِهِمْ، وَتُبَدِّدُ ثَرْوَاتِهِمْ، وَتُضَيِّعُ أَوْطَانَ الْمُسْلِمِينَ، فَشَرَعَ لِذَلِكَ كُلِّهِ حَدًّا، آخِرُ الطِّبِّ الْكَيُّ.

قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة: 33].

المُحَارِبُونَ للهِ وَرَسُولِهِ هُمُ الذينَ بَارَزُوهُ بِالعَدَاوَةِ، وَأَفْسَدُوا في الأَرْضِ؛ بِالكُفرِ، والقَتْلِ، وَأَخْذِ الأَمْوَالِ، وَإِخَافَةِ السُّبُلِ، وَالمَشْهُورُ أَنَّ هذه الآيَةَ الكَرِيمَةَ في أَحْكَامِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ الذينَ يَعْرِضُونَ للنَّاسِ في القُرَى والبَوَادِي، فَيَغْصِبُونَهُم أَمْوَالَهُم، وَيَقْتُلُونَهُم، وَيُخِيفُونَهُم فَيَمْتَنِعُ النَّاسُ مِنْ سُلُوكِ الطريقِ التي هُم بها، فَتَنْقَطِعُ بِذَلِكَ.

فَأَخْبَرَ اللهُ أنَّ جَزَاءَهُم وَنَكَالَهُم عند إِقَامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِم أَنْ يُفْعَلَ بهم وَاحِدٌ مِنْ هذه الأُمُورِ.

وَهَذِهِ الْعُقُوبَاتُ الَّتِي ذَكَرَهَا تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ هِيَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ:

مَنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ، قُتِلَ وَصُلِبَ.

وَمَنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ، قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ.

وَمَنْ لَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا، نُفِيَ فِي الْأَرْضِ.

وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَهَذَا هُوَ الْحَسْمُ الْقَاطِعُ، وَهَذَا هُوَ الْعِلَاجُ النَّاجِعُ، وَآخِرُ الطِّبِّ الْكَيُّ، وَهَذَا مِنْ مَحَاسِنِ دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ.

فَقَطْعُ الطَّرِيقِ، وَتَرْوِيعُ الآمِنِينَ وَالسَّابِلَةِ، وَإِخَافَةُ النَّاسِ، وَتَخْرِيبُ المُنْشَآتِ، وَتَفْجِيرُ الأَبْرَاجِ الكَهْرُبَائِيَّةِ والأَكْشَاكِ، والاعْتِدَاءُ عَلَى المُمْتَلَكَاتِ العَامَّةِ وَالخَاصَّةِ؛ كلُّ ذَلِكَ مِنْ الحِرَابَةِ؛ مِنْ الإِفْسَادِ في الأَرْضِ، مِمَّا يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ العَارَ وَالشَّنَارَ في الدُّنْيَا مَعَ مَا لَهُ مِن العَذَابِ الأَلِيمِ العَظِيمِ في الآخرَةِ.

يَدْخُلُ في الإِفْسَادِ في الأرضِ وَفِي المُحَارَبَةِ للهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ تَخْرِيبُ المُنْشَآتِ وَتَحْرِيقُ المُمْتَلَكَاتِ، والاعْتِدَاءُ عَلَى الحُرُمَاتِ، وَتَبْدِيدُ ثَرْوَاتِ الأُمَّةِ وَمُقَدَّرَاتِهَا.

كلُّ هذا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَ حَدُّ الحِرَابَةِ والإِفْسَادِ في الأرضِ كَمَا بَيَّنَهُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- في كِتَابِهِ العَزِيزِ، وَكَمَا طَبَّقَهُ النبيُّ عَلَى مَنِ اسْتَحَقَّهُ.

*خُطُورَةُ التَّسَتُّرِ عَلَى الْإِرْهَابِيِّينَ وَالْمُجْرِمِينَ:

وَلْنَعْلَمْ أَنَّ مَنْ تَسَتَّرَ عَلَى فَاجِرٍ مِنْ أُولَئِكَ الْفَجَرَةِ؛ سَهَّلَ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْهُرُوبِ وَمُغَادَرَةِ الْبِلَادِ، أَوْ آوَاهُ بِحَيْثُ لَا يُطْلُبُ، أَوْ تَسَتَّرَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَعْلَمُ حَالَهُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ؛ فَهُوَ مَلْعُونٌ بِلَعْنَةِ اللهِ، ((مَلْعُونٌ مَنْ آوَى مُحْدِثًا))؛ لِأَنَّهُمْ يُفْسِدُونَ الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ، بَلْ يُفْسِدُونَ الدِّينَ اسْتِقْلَالًا وَابْتِدَاءً.

حَتَّى إِنَّ الْعُلَمَاءَ يَقُولُونَ إِنَّ أُولَئِكَ الْمُبْتَدِعَةَ مِنْ أَمْثَالِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ انْتَشَرُوا فِي الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ، فَأَفْسَدُوهُ عَلَى أَهْلِهَا، وَدَمَّرُوا عَلَيْهِمْ حَيَاتَهُمْ وَاقْتِصَادَهُمْ وَمُسْتَقْبَلَهُمْ وَمُسْتَقْبَلَ أَبْنَائِهِمْ، وَأَمْنَهُمْ وَأَمْنَ أَحْفَادِهِمْ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تِلْكَ الْمَخَاطِرِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي كَانُوا سَبَبًا فِيهَا.

نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُسَلِّمَ وَطَنَنَا وَجَمِيعَ أَوْطَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يُؤَلِّفَ بَيْنَ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَأَنْ يَرُدَّ الشَّارِدِينَ، وَأَنْ يُعَلِّمَ الْجَاهِلِينَ، وَأَنْ يَحْفَظَ الدَّاعِينَ إِلَى دِينِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، إِنَّهُ تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ, صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَومِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((حُسْنُ الخُلُقِ مِنْ كُبْرَى غَايَاتِ دِينِنَا))

فَقَدْ حَصَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْغَايَةَ مِنَ الْبَعْثَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فِي تَمَامِ صَالِحِ الْأَخْلَاقِ، فَقَالَ ﷺ: ((إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ)).

أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((الْأَدَبِ))، وَالْحَاكِمُ، وَأَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَحْمَد شَاكِر وَالشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا.

فَلَا عَجَبَ إِذَنْ أَنْ يَكُونَ حُسْنُ الْخُلُقِ غَايَةَ الْغَايَاتِ فِي سَعْيِ الْعَبْدِ لِاسْتِكْمَالِ الصِّفَاتِ عَلَى أَسَاسٍ مِنَ التَّوْحِيدِ الْمَكِينِ، وَثَابِتِ الْإِخْلَاصِ وَالْيَقِينِ.

وَقَدْ كَانَ إِمَامُ الْأَنْبِيَاءِ ﷺ فِي ((حُسْنِ الْخُلُقِ)) عَلَى الْقِمَّةِ الشَّامِخَةِ، وَفَوْقَ الْغَايَةِ وَالْمُنْتَهَى، فَكَانَ كَمَا قَالَ عَنْهُ رَبُّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].

وَهُوَ ﷺ مَعَ ذَلِكَ لَا يَنْفَكُّ يَدْعُو رَبَّهُ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ بِقَوْلِهِ: ((اللهم اهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاقِ، فَإِنَّهُ لا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئِهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلَّا أَنْتَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

يَطْلُبُ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يُرْشِدَهُ لِصَوَابِ الْأَخْلَاقِ، وَيُوَفِّقَهُ لِلتَّخَلُّقِ بِهِ، وَأَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ قَبِيحَ الْأَخْلَاقِ وَمَذْمُومَ الصِّفَاتِ، وَيُبْعِدَ ذَلِكَ عَنْهُ، مَعَ أَنَّهُ ﷺ عَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وَمَعَ أَنَّ خُلَقَهُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ.

أَخْبَرَ سَعْدُ بْنُ هِشَامٍ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-، فَقَالَ: ((قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟

قُلْتُ: بَلَى.

قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَمَعْنَى أَنَّ خُلُقَهُ الْقُرْآنُ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِهِ، وَيَقِفُ عِنْدَ حُدُودِهِ، وَيَتَأَدَّبُ بِآدَابِهِ، وَيَعْتَبِرُ بِأَمْثَالِهِ وَقَصَصِهِ، وَيَتَدَّبَرُهُ، وَيُحْسِنُ تِلَاوَتَهُ.

وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، وَهُوَ -مَعَ ذَلِكَ- يَسْأَلُ الْهِدَايَةَ لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، وَيَسْتَعِيذُ مِنْ سَيِّئِهَا، فَكَيْفَ يَصْنَعُ مَنْ خُلُقُهُ إِلَى خُلُقِ النَّبِيِّ ﷺ كَقَطْرَةٍ فِي بَحْرٍ أَوْ دُونَ ذَلِكَ؟!!

وَكُلُّ إِنْسَانٍ -لَا مَحَالَةَ- يَجْهَلُ الْكَثِيرَ مِنْ عُيُوبِ نَفْسِهِ، فَإِذَا جَاهَدَ نَفْسَهُ أَدْنَى مُجَاهَدَةٍ حَتَّى تَرَكَ فَوَاحِشَ الْمَعَاصِي، فَرُبَّمَا ظَنَّ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ هَذَّبَ نَفْسَهُ، وَصَفَّى أَخْلَاقَهُ، وَحَسَّنَ خُلُقَهُ، وَاسْتَغْنَى عَنِ الْمُجَاهَدَةِ، وَاسْتَنَامَ إِلَى حُسْنِ ظَنِّهِ بِنَفْسِهِ، وَاتَّبَعَ هَوَاهُ.

وَلَا رَيْبَ أَنَّ حَاجَةَ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ إِلَى حُسْنِ الْخُلُقِ كَحَاجَتِهِ إِلَى الْهَوَاءِ، بَلْ أَشَدُّ؛ لِأَنَّ فَقْدَ الْهَوَاءِ يَعْنِي مَوْتَ الْبَدَنِ، وَفَقْدَ الْخُلُقِ الْحَسَنِ يَعْنِي مَوْتَ الْقَلْبِ، وَفِي مَوْتِ الْقَلْبِ فَقْدُ الدِّينِ، وَهَلَاكُ الْأَبَدِ.

وَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَكْمَلَ النَّاسِ خُلُقًا، وَأَحْسَنَهُم أَخْلَاقًا، كَانَ أَوْلَى النَّاسِ بِالْحُبِّ وَالْقُربِ مِنْهُ مَنْ بَلَغَ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ مَبْلَغًا مَرْضِيًّا، وَتَسَنَّمَ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ مَكَانًا عَلِيًّا.

عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((مِن أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقرَبِكُم مِنِّي مَجلِسًا يَوْمَ الْقِيامَةِ: أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبعَدَكُمْ مِنِّي مَجلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الثَّرثَارُونَ، وَالْمُتَشَدِّقُونَ، وَالْمُتَفَيهِقُونَ)).

قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّٰهِ، قَدْ عَلِمنَا الثَّرثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا الْمُتَفَيهِقُونَ؟

قَالَ: ((الْمُتَكَبِّرُونَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: ((حَدِيثٌ حَسَنٌ))، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((صَحِيحِ سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ)).

((مَخَاطِرُ الِانْحِلَالِ الْأَخْلَاقِيِّ عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ))

لَمَّا كَانَ خَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ أَعْظَمَهُمْ سَهْمًا فِي حُسْنِ الْخُلُقِ، كَانَ شَرُّ النَّاسِ أَعْظَمَهُمْ سَهْمًا فِي سُوءِ الْخُلُقِ، فَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((يَا عَائِشَةُ إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَالْفَاحِشُ الْبَذِيءُ مَبْغُوضٌ مِنَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، فَعَنْ أُسَامَةَ بَنِ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كلَّ فاحشٍ مُتَفَحِّشٍ)). رَوَاهُ أَحْمَد، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((صَحِيحِ الْجَامِعِ)).

وَالْفَاحِشُ: ذُو الْفُحْشِ فِي كَلَامِهِ وَفَعَالِهِ.

وَالْمُتَفَحِّشُ: الَّذِي يَتَكَلَّفُ ذَلِكَ وَيَتَعَمَّدُهُ.

*دِينُ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ هُوَ دِينُ الطَّهَارَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا:

إِنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ هُوَ دِينُ الطَّهَارَةِ، دِينُ طَهَارَةِ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ عَلَى السَّوَاءِ، أَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِطَهَارَةِ الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ وَالْأَنْفُسِ، وَأَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِطَهَارَةِ الْأَبْدَانِ وَالثِّيَابِ وَالْأَمْكِنَةِ، وَهُوَ دِينُ الْعِفَّةِ وَدِينُ الْعَفَافِ، يَنْفِي الْفَاحِشَةَ وَيُحَارِبُهَا وَيَسُدُّ الْمَسَالِكَ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَيْهَا.

{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف: 33].

وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَخْبَرَنَا عَلَى لِسَانِ نَبِيِّنَا الْأَمِينِ عَنْ عِظَمِ فَضِيلَةِ الْحَيَاءِ، وَأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ جَعَلَ هَذَا الْخُلُقَ خُلُقَ الْإِسْلَامِ، وَخَلَّقَ النَّبِيَّ مِنْهُ بِالنَّصِيبِ الْأَوْفَى.

وَجَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْحَيَاءَ حَاجِزًا عَنِ الْوُقُوعِ فِيمَا حَرَّمَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَجَعَلَ الْحَيَاءَ مِنْ خُلُقِ الْمَلَائِكَةِ الْمُطَهَّرِينَ.

وَالنَّبِيُّ فِي وَصْفِهِ فِي خُلُقِ الْحَيَاءِ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ: ((أَنَّهُ كَانَ أَحْيَا مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا )).

*الْإِسْلَامُ شَرَعَ السُّبُلَ الْكَامِلَةَ لِلْوِقَايَةِ مِنْ الِانْحِلَالِ الْأَخْلَاقِيِّ:

وَمِنْ ذَلِكَ:

1*نَهَى اللهُ عَنِ الزِّنَا وَمُقَدِّمَاتِهِ صِيَانَةً لِلْأَعْرَاضِ وَالْمُجْتَمَعِ:

قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 31].

وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ قَبِيحَةً، وَبِئْسَ الزِّنَا طَرِيقًا إِلَى تَحْقِيقِ شَهَوَاتِ الْفُرُوجِ.

وَالنَّهْيُ عَنْ اقْتِرَابِ الزِّنَا أَبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ الِاقْتِرَابِ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ الَّتِي قَدْ تُفْضِي إِلَيْهِ كَالنَّظَرِ وَالْمُلَامَسَةِ وَالتَّقبِيلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

2*وَضَرَبَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَنَا الْأَمْثَالَ بِأَطْهَرِ الْقُلُوبِ عَلَى الْأَرْضِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ:

فَقَالَ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب: 53].

وَالضَّمِيرُ هَاهُنَا: يَعُودُ إِلَى الْأَصْحَابِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ وَإِلَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِذَا سَأَلْتُمْ يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ} أَيْ: سَأَلْتُمْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ {مَتَاعًا} فِيمَا يَكُونُ مِنْ أَوَانِي الدُّنْيَا الَّتِي تُسْتَعْمَلُ فِي حَاجَاتِهَا.

{وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ}: مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ سُؤَالٌ هَكَذَا عَلَى صَوْتٍ يُسْمَعُ وَإِجَابَةٍ تَأْتِي بِلَا مَزِيدٍ، {ذَٰلِكُمْ}: يَعْنِي ذَلِكُمُ السُّؤَالَ عَلَى ذَلِكَ النَّحْوِ الْمَذْكُورِ؛ بِالسُّؤَالِ صَوْتًا مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ وَلَا دُخُولٍ، {أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ} يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، {وَقُلُوبِهِنَّ} يَا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ الْأَمِينِ.

فَهَذِهِ أَطْهَرُ الْقُلُوبِ طُرًّا؛ وَمَعَ ذَلِكَ أَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عِنْدَ السُّؤَالِ بِهَذَا الِاحْتِرَازِ الْمَتِينِ؛ لِأَنَّهُنَّ قُدْوَةٌ وَأُسْوَةٌ لِسَائِرِ النِّسَاءِ، وَكَذَلِكَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ قُدْوَةٌ وَأُسْوَةٌ لِسَائِرِ الرِّجَالِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ .

3*أَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ النِّسَاءَ بِعَدَمِ الْخُضُوعِ بِالْقَوْلِ:

يَقُولُ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- فِي حَقِّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُنَّ-: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا} [الأحزاب: 32].

فَأَخْبَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ نِسَاءَ النَّبِيِّ الْأَمِينِ أَنَّهُنَّ لَسْنَ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْنَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ}: بِاللِّينِ فِيهِ وَتَرْقِيقِ النَّبْرَةِ، فَنَهَى اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَنِ الْخُضُوعِ بِالْقَوْلِ؛ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ.

 4*التَّحْذِيرُ مِنَ الِاخْتِلَاطِ:

قَالَ النَّبِيُّ : ((إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ)).

قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟

قَالَ: ((الْحَمْوُ الْمَوْتُ)).

وَالْحَمْوُ: أَقَارِبُ الزَّوْجِ مِمَّنْ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ لِلزَّوْجَةِ، فَإِنَّ أُصُولَ الزَّوْجِ وَإِنْ عَلَتْ؛ هُمْ مِنَ الْمَحَارِمِ، وَكَذَلِكَ فُرُوعُهُ وَإِنْ سَفُلُوا؛ هُمْ مِنَ الْمَحَارِمِ، وَأَمَّا الْحَوَاشِي؛ فَمِنَ الْأَجَانِبِ عَنِ الْمَرْأَةِ؛ كَالْأَخِ وَابْنِ الْأَخِ، وَكَذَلِكَ مَا يَتَأَتَّى بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْ أَقَارِبِ الزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ.

فَقَالَ: ((الْحَمْوُ الْمَوْتُ)): أَيْ كَمَا يَنْبَغِي عَلَيْكَ أَنْ تَفِرَّ مِنْ أَسْبَابِ الْمَوْتِ إِذَا مَا رَأَيْتَهَا نَازِلَةً عَلَيْكَ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي عَلَيْكَ أَنْ تَفِرَّ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ نِسَائِكَ وَأَقَارِبِكَ مِنَ الرِّجَالِ مِمَّنْ لَمْ تَثْبُتْ لَهُمُ الْمَحْرَمِيَّةُ.

فَجَعَلَ النَّبِيُّ هَذَا السِّتْرَ مَضْرُوبًا لِعَفَافٍ وَعِفَّةٍ وَطُهْرٍ وَطَهَارَةٍ، فَأَمَّا إِذَا مَا رُفِعَ؛ فَحِينَئِذٍ يَتَأَتَّى الْفُحْشُ وَالْفَاحِشَةُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَثِقَ بِنَفْسِهِ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ كَائِنًا مَا كَانَ أَمْرُهُ، فَإِنَّ أَسْبَابَ الْغِوَايَةِ لَا تَنْضَبِطُ، وَإِنَّ الْمَخْذُولَ لَمَنْ خَذَلَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَالْمَرْءُ إِذَا تَلَوَّثَتْ صَفْحَتُهُ بِالْوُقُوعِ فِي الزِّنَا وَالتَّوَرُّطِ فِي الْفَاحِشَةِ؛ فَقَدْ تَلَوَّثَ.

وَالنَّبِيُّ يَمْنَعُ مِنْ هَذَا الِاخْتِلَاطِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْخَلْقِ يَتَسَاهَلُونَ، فَلَا يَلُومَنَّ امْرُؤٌ إِلَّا نَفْسَهُ.

5*أَمَرَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَضِّ الْبَصَرِ، وَحَرَّمَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- النَّظَرَ إِلَى الْعَوْرَاتِ الْمَكْشُوفَةِ فِي الشَّوَارِعِ أَوِ التِّلْفَازِ أَوِ الْمَجَلَّاتِ:

قَالَ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}، يَعْنِي: إِذَا أَتَتْ نَظْرَةُ الْفَجْأَةِ فَاصْرِفْ بَصَرَكَ، وَهَذَا وَاجِبٌ وَفَرْضٌ.

{وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ }، قَوْلًا وَاحِدًا؛ فَهَذَا لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ تَبْعِيضٍ، وَإِنَّمَا هُوَ كُلٌّ يٌؤْتَى بِهِ كُلًّا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ.

{وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ}، ثُمَّ {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ.

وَالنَّبِيُّ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ الْعَيْنَيْنِ تَزْنِيَانِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ : قَالَ: ((الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ)).

تَحْسَبُ أَنَّ النَّظَرَ إِذَا مَا سُرِّحَ فِي مَحَارِمِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَظَرًا؛ فِي صُورَةٍ صَامِتَةٍ مَطْبُوعَةٍ، أَوْ صُورَةٍ نَاطِقَةٍ مُشَاهَدَةٍ مُبْصَرَةٍ، تَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا كَنَزْتَهُ لِنَفْسِكَ دُنْيَا وَآخِرَةً، وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا حَصَّلْتَهُ لَكَ ذُخْرًا، وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ حُزْتَهُ لَدَيْكَ كَنْزًا مَكْنُوزًا؟!

وَاهِمٌ أَنْتَ يَا صَاحِبِي!!

وَأَمَرَ الْمُؤْمِنَاتِ بِذَلِكَ؛ أَنْ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ، وَأَنْ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ.

6*نَهْيُ النَّبِيِّ الشَّدِيدُ وَوَعِيدُهُ الْأَكِيدُ أَنْ تَخْرُجَ النِّسَاءُ مُتَعَطِّرَاتٍ:

ذَكَرَ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ أَيْ، مَسَّتْ عِطْرًا- وَخَرَجَتْ، فَكُلُّ عَيْنٍ تَنْظُرُ إِلَيْهِ زَانِيَةٌ؛ وَالْمَرْأَةُ إِذَا مَسَّتْ طِيبًا فَلَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَذْهَبَ إِلَى الْمَسْجِدِ، يَقُولُ النَّبِيُّ : ((فَهِيَ زَانِيَةٌ، وكُلُّ عَيْنٍ تَنْظُرُ إِلَيْهَا زَانِيَةٌ)).

7*حَرَّمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى النِّسَاءِ أَنْ يَلْبَسْنَ لِبَاسَ فِتْنَةٍ وَتَبَرُّجٍ:

أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- بِسَنَدٍ صَحِيحٍ نَظِيفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: ((لَعَنَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مَنْ لَبِسَ لِبْسَةَ النِّسَاءِ مِنَ الرِّجَالِ، وَمَنْ لَبِسَتْ لِبْسَةَ الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ)) فِي مَعْنَى مَا قَالَ .

فَكُلُّ امْرَأَةٍ تَتَّخِذُ الْبِنْطَالَ ثَوْبًا؛ فَهَذِهِ مَلْعُونَةٌ بِلَعْنَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

فَالنَّبِيَّ لَعَنَ الْمَرْأَةَ الَّتِي تَتَّخِذُ لِبْسَةَ الرِّجَالِ، وَالْبِنْطَالُ مِنْ لِبَاسِ الرِّجَالِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، فَأَيُّمَا امْرَأَةٍ اتَّخَذَتْ ذَلِكَ ثَوْبًا وَلِبَاسًا فَهِيَ مَلْعُونَةٌ بِلَعْنَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

قَالَ : ((كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الرَّجُلُ فِي بَيْتِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)).

وَيَقُولُ النَّبِيُّ : ((صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا -يَعْنِي لَمْ يَكُنْ لِهَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ مِنْ وُجُودٍ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ ، وَذَكَرَ: ((وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا)).

((وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ)): حَتَّى وَلَوْ كَانَتْ قَدْ جَعَلَتِ السِّدَالَ قَائِمًا، فَلَا يُبْصَرُ مِنْهَا شَيْءٌ، كَاسِيَةٌ عَارِيَةٌ مِنَ التَّقْوَى بَاطِنًا؛ فَهِيَ دَاخِلَةٌ، أَوْ هِيَ كَاسِيَةٌ بِشُفُوفٍ تَشِفُّ وَثِيَابٍ تَصِفُ، ثُمَّ هِيَ كَاسِيَةٌ عَارِيَةٌ فِي آنٍ وَاحِدٍ، قَوْلَانِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ.

يَقُولُ النَّبِيُّ : ((مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ)): تُمِيلُ بِالْخَنَا، فَهِيَ مَائِلَةٌ عَنِ الْحَقِّ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، ((مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ)): وَالبُخْتُ: إِبِلٌ لَهَا سَنَامٌ يَمِيلُ بِقِمَّةِ الشَّعْرِ فِيهِ نَاحِيَةً، وَكَذَلِكَ تَجِدُ الْمَرْأَةَ مِنْ هَؤُلَاءِ كَاسِيَةً عَارِيَةً، تَخْرُجُ بِثِيَابٍ إِلَى الْأَجَانِبِ مِنْ غَيْرِ الْمَحَارِمِ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا قَطُّ.

وَعَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي آمَنَتْ بِرَبِّهَا وَسَتَرَتْ جَسَدَهَا أَنْ تَتَّقِيَ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَلَا تَتَبَرَّجَ بِحِجَابِهَا، فَهَذَا شَيْءٌ شَائِنٌ لَا يَلِيقُ، وَالْحِجَابُ الْآنَ قَدْ تَبَرَّجَ، نَعَمْ صَارَ الْحِجَابُ يَحْتَاجُ حِجَابًا، فَقَدْ تَبَرَّجَ الْحِجَابُ!!

*اتَّقِ اللهَ فِي نَفْسِكَ وَاتَّقِ فِتْنَةَ النِّسَاءِ، وَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ:

فَعَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَكُونَ وَاعِيًا وَعَلَى الْمُسْلِمِ -وَعَلَى الْمُسْلِمَةِ أَيْضًا- أَنْ يَعْرِفَ طَرِيقَهُ إِلَى رَبِّهِ، فَالْحَيَاةُ مُنْقَضِيَةٌ أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ، مُنْقَضِيَةٌ، ثُمَّ هِيَ لَيْسَتْ عَلَى الشَّبَابِ تَدُومُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ تَوَرَّطَ فِي تِلْكَ الشَّهَوَاتِ عُوقِبَ دُنْيَا وَآخِرَةً إِنْ لَمْ تَصِحَّ تَوْبَتُهُ وَيَعُودُ إِلَى اللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُعَاقَبَ وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ الْحَكِيمُ:

مَنْ يَزْنِ فِي امْرَأَةٍ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ ***  فِي بَيْتِهِ يُـزْنَى بِغَيْرِ الدِّرْهَمِ

إِنَّ الزِّنَا دَيْنٌ فَإِنْ أَسْلَفْتَهُ  *** كَانَ الْوَفَا مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ فَاعْلَمِ

وَالْمَرْأَةُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ : هِيَ أَشَدُّ فِتْنَةٍ تُرِكَتْ قَطُّ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَأَشَدُّ خَطَرًا عَلَى الرِّجَالِ، ((مَا تَرَكْتُ فِتْنَةً هِيَ أَشَدُّ خَطَرًا عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ)).

((إِذَا انْهَارَتِ الْأَخْلَاقُ انْهَارَ الْمُجْتَمَعُ))

الْمُجْتَمَعُ إِذَا مَا انْهَارَتْ أَخْلَاقُهُ، وَإِذَا مَا سَقَطَتْ أَخْلَاقُهُ فِي الْحَمْأَةِ الْوَبِيلَةِ، الْمُجْتَمَعُ إِذَا ظَهَرَتْ فِيهِ الْفَاحِشَةُ؛ انْهَارَ لَا مَحَالَةَ، وَقَدْ عَلِمَ أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ فِي دَاخِلٍ وَخَارِجٍ؛ أَنَّهُمْ لَنْ يَنَالُوا بِالْمُوَاجَهَةِ الْعَسْكَرِيَّةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا ذَا بَالٍ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ التَّرْكِيزُ كُلُّهُ عَلَى بَثِّ الشُّبُهَاتِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى إِثَارَةِ نَوَازِعِ الْعَصَبِيَّةِ بَيْنَ أَبْنَاءِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ، وَبِإِثَارَةِ الشَّهَوَاتِ وَبَعْثِ النَّزَوَاتِ مِنْ مَكَامِنِهَا، فَإِذَا انْهَارَتِ الْأَخْلَاقُ؛ انْهَارَ الْمُجْتَمَعُ لَا مَحَالَةَ.

وَالْمَرْأَةُ مُكَرَّمَةٌ فِي الْإِسْلَامِ؛ دِينِ الطَّهَارَةِ، دِينِ الْعِفَّةِ؛ وَأَمَّا هَذَا الَّذِي يَحْدُثُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ وَاللهِ- مُعَجِّلٌ بِالسُّقُوطِ فِي الْهَاوِيَةِ.

فَحُدُودُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَنْبَغِي أَلَّا تُعْتَدَى، وَمَحَارِمُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَنْبَغِي أَلَّا تُنْتَهَكَ وَإِلَّا فَهُوَ الدَّمَارُ وَهُوَ الْخَرَابُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ ((إِذَا  ظَهَرَ الزِّنَا وَالرِّبَا فِي قَرْيَةٍ فَقَدْ أَحَلُّوا -أَيْ: أَنْزَلُوا- بِأَنْفُسِهِمْ عَذَابَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)).

فَيَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَعُودَ مِنْ قَرِيبٍ، وَأَنْ نَفْزَعَ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَنْ نَتْرُكَ الْمَعَاصِيَ جَانِبًا، وَأَنْ نُغَادِرَ هَذَا الْفُحْشَ الْفَاحِشَ الَّذِي تَعَجُّ بِهِ الدُّنْيَا.

((عِلَاجُ التَّطَرُّفِ الْفِكْرِيِّ وَالِانْحِرَافِ الْأَخْلَاقِيِّ فِي كَلِمَتَيْنِ:

عِيشُوا الْوَحْيَ الْمَعْصُومَ))

إِنَّ الْوَحْيَ هُوَ رُوحُ الْعَالَمِ وَنُورُهُ وَحَيَاتُهُ, وَإِذَا خَلَا الْعَالَمُ مِنَ الرُّوحِ وَالنُّورِ وَالْحَيَاةِ؛ أَقَامَ اللَّهُ تَعَالَى السَّاعَةَ؛ لِأَنَّ الْقُرآنَ يُرْفَعُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ مِنَ الصُّدُورِ وَمِنَ السُّطُورِ, فَيُصْبِحُ النَّاسُ وَلَيْسَ فِي الأَرْضِ آيَةٌ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ -جَلَّ وَعَلَا- وَذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَة, وَحِينَئذٍ -عِنْدَمَا يَخْلُو الْعَالَمُ مِنَ الْحَيَاةِ وَالنُّورِ وَمَادَّةِ هَذَا الْوُجُودِ الْحَقّ- فَإِنَّ اللَّهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يُقِيمُ السَّاعَةَ حِينَئذ.

إِذَنْ الْوَحْيُ هُوَ نُورُ الْعَالَمِ وَحَيَاتُهُ وَهِدَايَتُهُ, وَعَلَى قَدْرِ تَمَسُّكِ الْإِنْسَانِ بِهَذَا النُّورِ وَالْحَيَاةِ وَالْهُدَى يَكُونُ تَحْقِيقُهُ لِلْقَصْدِ الَّذِي لِأَجْلِهِ خَلَقَهُ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-, فَإِنَّ اللَّهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- خَلَقَنَا لِغَايَةٍ, وَهَذِهِ الْغَايَةُ مُبَيَّنَةٌ فِي الْوَحْيِ الْمَعْصُومِ, وَإِذَا مَا عَاشَ النَّاسُ بِهَذَا الْوَحْيِ؛ سَعِدُوا فِي الْحَيَاةِ, وَتَجَنَّبُوا سُبُلَ الشَّقَاءِ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ, وَلَا حَيَاةَ لِهَذَا الْعَالَمِ إِلَّا بِأَنْ يَتَمَسَّكَ بِالْوَحْيِ.

الشَّيْطَانُ فِي مَعْرَكَتِهِ مَعَ الْإِنْسَانُ حَرِيصٌ تَمَامَ الْحِرْصِ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ النَّاسَ عَائِشِينَ بِنَقِيضِ الْوَحْي؛ لِأَنَّهُ إِمَّا وَحيٌ وَإِمَّا نَقِيضُه, فَإِمَّا أَنْ تَحْيَا بِالْوَحْيِ، وَإِمَّا أَنْ تَحْيَا بِنَقِيضِ الْوَحْي.

أَمَّا مَنْ اتَّبَعَ الْوَحْيَ؛ فَهُوَ مُتَّبِعٌ للَّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَلِرَسُولِهِ, وَأَمَّا مَنْ فَارَقَ الْوَحْيَ؛ فَهُوَ مُتَّبِعٌ لِلشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا وَحْيٌ وَإِمَّا نَقِيضُ الْوَحْي.

وَالَّذِي يُرِيدُهُ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنَّا هُوَ: ((أَنْ نَحْيَا بِالْوَحْيِ)), وَهَذِهِ الْجُمْلَة لَوْ أَنَّكَ أَخَذْتَ مَعْنَاهَا الصَّحِيحَ, وَجَعَلْتَهُ فِي حَيَاتِكِ نِبْرَاسًا وَمَنْهَاجًا, وَحَقَّقْتَهُ فِي ذَاتِكَ وَفِي رُوحِكَ وَفِي نَفْسِكَ وَفِي جَسَدِكَ وَفِيمَنْ حَوْلَكَ, هَذِهِ الْجُمْلَةُ تُورِثُكَ السَّعَادَةَ دُنْيَا وَآخِرَة, وَتُجَنِّبُكَ الشَّقَاءَ وَالتَّعَاسَةَ دُنْيَا وَآخِرَة، وَهِيَ: ((عِشْ بِالْوَحْيِ)).

بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ مِمَّا يَنْفَعُنَا فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ, وَكُلَّمَا اسْتَكْثَرَ الْمَرْءُ مِنْ مَعْرِفَةِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ؛ زَادَ فَلَاحُهُ وَقَلَّ طَلَاحُهُ, وَازْدَادَ خَيْرُهُ وَانْتَفَى شَرُّهُ.

وَهَذَا كَمَا يَكُونُ كَذَلِكَ فَعَكْسُهُ عَلَى عَكْسِهِ وَضِدِّهِ, كُلَّمَا ابْتَعَدَ الْإِنسَانُ عَنِ الْوَحْيِ الْمَعْصُومِ إِلَى زِبَالَاتِ الْأَفْكَارِ, وَإِلَى قِمَامَاتِ الْآرَاءِ, وَإِلَى مَا يَأْخُذُ بِهِ النَّاسُ مِنْ مُوَاضَعَاتِهِمْ، وَعَادَاتِهِمْ، وَمُعْتَقَدَاتِهِمْ مِمَّا تَرَبَّوْا عَلَيهِ وَلَمْ يُرَاجِعُوهُ, لِأَنَّهُم لَمْ يَتَلَقُّوهُ تَلَقِّيًا صَحِيحًا, وَلَمْ يَتَعَلَّمُوا الدِّينَ تَعْلِيمًا مُنَظَّمًا, فَمَا عِنْدَهُم مَحْضُ تَشْوِيش, يَأْخُذُ مِنْ هَاهُنَا عِبَارَةً وَمِنْ هَاهُنَا حُكْمًا, وَدِينُ اللَّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-كَالجَسَدِ الحَيِّ.

فَكَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ يَحْيَا بِقَلْبِهِ, وَالْقَلْبُ مِلْكُ هَذَا الْجَسَدِ الْإِنْسَانِيِّ, وَالْأَعْضَاءُ كُلُّهَا كَأَنَّمَا هِيَ مِنْ جُنُودِهِ، تَأْتَمِرُ بِأَمْرِهِ, كَذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ قَلْبُهُ وَرُوحُهُ وَحَقِيقَتُهُ؛ تُوْحِيدُ اللَّهِ رَبِّ العَالمِين.

نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُفَهِّمَنَا دِينَنَا, وَأَنْ يَرْزُقَنَا مَعْرِفَةَ حَقِيقَتِهِ, وَأَنْ يُمَسِّكَنَا بِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا, وَأَنْ يَهْدِيَنَا وَالمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ فِي مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا إِلَى الْحَقِّ وَالْهُدَى وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.

وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.

 

 المصدر :  مَخَاطِرُ التَّطَرُّفِ الْفِكْرِيِّ وَالِانِفْلَاتِ الْأَخْلَاقِيِّ 

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  الرد على الملحدين:مقدمة عن الإلحاد والأسباب التي دعت إلى انتشاره في العصر الحديث
  موقف المسلم من العلم المادي
  شعار الفاتيكان .. النجاسة من الإيمان !!
  تيقظ وانتبه !!
  كيف تصحب النبي صلى الله عليه وسلم ؟
  فَضْلُ يَوْمِ عَرَفَةَ،وَالدُّرُوسُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ خُطْبَةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ
  مَوَاعِظُ حَسَنَةٌ وَدُرُوسٌ مُهِمَّةٌ لِعُمُومِ المُسْلِمِينَ فِي رَمَضَانَ
  الرد على الملحدين:الفرق بين التصور والتعقل، وبيان أقسام المعلوم
  مَسْئُولِيَّةُ الْمُسْلِمِ الْمُجْتَمَعِيَّةُ وَالْإِنْسَانِيَّةُ وَوَاجِبُنَا تِجَاهَ الْأَقْصَى
  جناية التكفيريين على الدين
  • شارك