تَقْدِيمُ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ عَلَى الْخَاصَّةِ وَأَثَرُهَا فِي اسْتِقْرَارِ الْمُجْتَمَعَاتِ وَبِنَاءِ الدُّوَلِ

تَقْدِيمُ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ عَلَى الْخَاصَّةِ وَأَثَرُهَا فِي اسْتِقْرَارِ الْمُجْتَمَعَاتِ وَبِنَاءِ الدُّوَلِ

((تَقْدِيمُ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ عَلَى الْخَاصَّةِ

وَأَثَرُهَا فِي اسْتِقْرَارِ الْمُجْتَمَعَاتِ وَبِنَاءِ الدُّوَلِ))

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّـه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّـهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((أُصُولُ الشَّرِيعَةِ سَبِيلُ صَلَاحِ النَّاسِ))

فَالنَّبِيُّ ﷺ بُعِثَ بِأُصُولِ تَشْرِيعٍ جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير} [الملك: 14]؟!!

بَلَى، يَعْلَمُ.

اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يَعْلَمُ مَا يَصْلُحُ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَمَا يُصْلِحُ النَّاسَ؛ فَشَرَّعَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِحِكْمَتِهِ شَرْعًا حَكِيمًا، لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ.

جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذَا الشَّرْعِ الْخَاتَمِ الْحَكِيمِ، لَيْسَ فِيهِ خَلَلٌ، وَلَيْسَتْ بِهِ ثُغْرَةٌ يُمْكِنُ أَنْ يَنْفُذَ إِلَيْهَا أَحَدٌ بِعَقْلٍ أَبَدًا؛ فَيَسْتَدْرِكَ عَلَيْهَا مُسْتَدْرِكٌ بِحَالٍ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُ شَرْعٌ تَامٌّ كَامِلٌ، كَمَا قَالَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 4].

وَالْعَلَمَاءُ -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ- يَقُولُونَ: مَقَاصِدُ التَّشْرِيعِ ثَلَاثَةٌ، لَا يَخْرُجُ عَنْهَا مَقْصِدٌ مِنْ مَقَاصِدِ التَّشْرِيعِ:

1- الضَّرُورِيَّاتُ.

2- وَالْحَاجِيَّاتُ.

3- وَالتَّحْسِينِيَّاتُ.

فَأَمَّا الضَّرُورِيَّاتُ: فَهِيَ الَّتِي لَا تَسْتَقِيمُ حَيَاةُ النَّاسِ وَلَا آخِرَتُهُمْ إِلَّا بِهَا وَعَلَيْهَا، بِحَيْثُ لَوِ اخْتَلَّ وَاحِدٌ مِنْ تِلْكَ الضَّرُورِيَّاتِ؛ فَسَدَتْ عَلَى النَّاسِ حَيَاتُهُمْ، وَحَصَّلُوا الْخِزْيَ فِيهَا، وَفَسَدَتْ عَلَى النَّاسِ آخِرَتُهُمْ، وَحَصَّلُوا النَّارَ فِيهَا -عِيَاذًا بِاللهِ وَلِيَاذًا بِجَنَابِهِ الرَّحِيمِ-.

ثُمَّ حَصَرَ الْعُلَمَاءُ -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ- هَذِهِ الضَّرُورِيَّاتِ فِي ضَرُورِيَّاتٍ خَمْسٍ -ضَرُورِيَّاتٍ خَمْسٍ تَحْصُرُ هَذِهِ الْأُمُورَ الَّتِي لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا النَّاسُ، لَا فِي دِينٍ وَلَا دُنْيَا-، وَهِيَ:

1- الدِّينُ.

2- وَالنَّفْسُ.

3- وَالنَّسْلُ.

4- وَالْمَالُ.

5- وَالْعَقْلُ.

ثُمَّ يُبَيِّنُ لَنَا عُلَمَاؤُنَا -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ- هَذِهِ الْأَشْيَاءَ عَلَى وَجْهِهَا الصَّحِيحِ، فَيَقُولُونَ: إِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ يَأْتِي بِمَا يُقِيمُ تِلْكَ الضَّرُورِيَّاتِ، ثُمَّ إِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ يَأْخُذُ عَلَى أَيْدِي النَّاسِ؛ أَنْ يُفْسِدُوا شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الضَّرُورِيَّاتِ، فَيَشْرَعُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَرْكَانَ الْإِسْلَامِ.

يَشْرَعُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَنَا الشَّهَادَتَيْنِ، وَالصَّلَاةَ، وَالزَّكَاةَ، وَالْحَجَّ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَرْكَانِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ.

فَهَذَا هُوَ الدِّينُ، ثُمَّ يَحْفَظُهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، فَيَشْرَعُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْجِهَادَ؛ لِحِفَاظِهِ، وَيَشْرَعُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ حَدَّ الرِّدَّةِ؛ لِحِفَاظِ الدِّينِ.

وَيَشْرَعُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَنَا حِفْظَ النَّفْسِ، وَيَحُوطُهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِسِيَاجٍ، فَيَجْعَلُ الْقِصَاصَ وَالدِّيَاتِ؛ مِنْ أَجْلِ أَيِّ اعْتِدَاءٍ عَلَى النَّفْسِ.

وَيَشْرَعُ لَنَا رَبُّنَا لِحِفْظِ الضَّرُورِيِّ مِنَ الْمَالِ: قَطْعَ الْيَدِ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ أَرْكَانِ حَدِّ السَّرِقَةِ، وَيَشْرَعُ لَنَا تَضْمِينَ الْوَلِيِّ عِنْدَمَا يُفْسِدُ غَيْرُ ذِي عَقْلٍ مَالًا مُحْتَرَمًا مَمْلُوكًا مُقَوَّمًا فِي دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَيَشْرَعُ لَنَا أَنْ نَحْفَظُ الدِّينَ، وَالنَّسْلَ، وَالْعَقْلَ؛ بِأَنْ يَجْعَلَ حَدَّ الشُّرْبِ قَائِمًا؛ بِحَيْثُ الَّذِي يَغْتَالُ الْعَقْلَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ دُونَهُ سَدٌّ لَا يُنْفَذُ مِنْهُ.

هَذِهِ الضَّرُورَاتُ لَيْسَتْ سَوَاءً، فَلَيْسَ الَّذِي يُفْسِدُ فِي الدِّينِ كَالَّذِي يَعْدُو عَلَى الْأَنْفُسِ، كَالَّذِي يَعْدُو عَلَى الْأَمْوَالِ، كَالَّذِي يَعْدُو عَلَى الْأَعْرَاضِ.

هَذِهِ الضَّرُورَاتُ لَيْسَتْ جُمْلَةً وَاحِدَةً عَلَى سَوَاءٍ، وَهِيَ فِي أَنْفُسِهَا فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا لَيْسَتْ سَوَاءً.

فَفِي ضَرُورَةِ الدِّينِ لَيْسَتِ الشَّهَادَتَانِ كَمَا يَأْتِي دُونَهُمَا بَعْدُ؛ مِنَ الصَّلَاةِ، أَوِ الزَّكَاةِ، أَوِ الْحَجِّ، أَوِ الصَّوْمِ، أَوْ مَا دُونَ ذَلِكَ.

وَلَيْسَتِ الصَّلَاةُ كَالزَّكَاةِ، أَمْرٌ كَانَ مِنْ رَبِّكَ مَقْضِيًّا، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى سَوَاءٍ فِي دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

*ثُمَّ يَشْرَعُ لَنَا رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- أَمْرَ الْحَاجِيَّاتِ: وَهِيَ الَّتِي إِذَا فَقَدَهَا النَّاسُ؛ أَصَابَهُمْ مِنَ الْمَشَقَّةِ فِي حَيَاتِهِمْ مَا يَجْعَلُ الْحَيَاةَ غَيْرَ يَسِيرَةٍ؛ وَلَكِنْ لَا يَنْهَدِمُ بِفَقْدِهَا حَيَاةٌ.

فَهَذِهِ الْحَاجِيَّاتُ شَرَعَهَا لَنَا رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-.

*ثُمَّ تَأْتِي التَّحْسِينِيَّاتُ بَعْدُ؛ لِكَيْ تَجْعَلَ الْحَيَاةَ رَغْدَةً عَلَى وَتِيرَةٍ سَهْلَةٍ يَسِيرَةٍ مُتَقَبَّلَةٍ عِنْدَ ذَوِي الْفِطَرِ الْمُسْتَقِيمَةِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ فَضْلِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

الْحَاصِلُ: أَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- جَعَلَ مَقَاصِدَ التَّشْرِيعِ لَيْسَتْ سَوَاءً؛ حَتَّى فِي الْمَقْصِدِ الْوَاحِدِ -كَالْحَاجِيَّاتِ، أَوِ التَّحْسِينِيَّاتِ؛ بَلْهَ الضَّرُورِيَّاتِ- لَمْ يَجْعَلْهَا رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- عَلَى سَوَاءٍ.

وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَمَا أَكْثَرَ مَا لَا يَلْتَفِتُ الْخَلْقُ إِلَى مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي دِينِهِ الْعَظِيمِ، دِينِ الْإِسْلَامِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- بِالِانْتِسَابِ إِلَيْهِ، وَنَسْأَلُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا بِأَنْ نَمُوتَ عَلَيْهِ، وَأَنْ نُحْشَرَ عَلَيْهِ، بِرَحْمَتِهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.

 ((مَبْنَى الشَّرِيعَةِ عَلَى مَصَالِحِ الْأَفْرَادِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ))

إِنَّ الشَّرِيعَةَ مَبْنَاهَا وَأَسَاسُهَا عَلَى الْحِكَمِ وَمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ.

وَالشَّرِيعَةُ عَدْلٌ كُلُّهَا، وَرَحْمَةٌ كُلُّهَا، وَمَصَالِحُ كُلُّهَا، وَحِكْمَةٌ كُلُّهَا، فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ خَرَجَتْ عَنِ الْعَدْلِ إِلَى الْجَوْرِ، وَعَنِ الرَّحْمَةِ إِلَى ضِدِّهَا، وَعَنِ الْمَصْلَحَةِ إِلَى الْمَفْسَدَةِ، وَعَنِ الْحِكْمَةِ إِلَى الْعَبَثِ؛ فَلَيْسَتْ مِنَ الشَّرِيعَةِ، وَإِنْ أُدْخِلَتْ فِيهَا بِالتَّأْوِيلِ.

فَالشَّرِيعَةُ عَدْلُ اللهِ بَيْنَ عِبَادِهِ، وَرَحْمَتُهُ بَيْنَ خَلْقِهِ، وَحِكْمَتُهُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ، وَعَلَى صِدْقِ رَسُولِهِ ﷺ أَتَمَّ دَلَالَةٍ وَأَصْدَقَهَا.

وَهِيَ نُورُهُ الَّذِي بِهِ أَبْصَرَ الْمُبْصِرُونَ، وَهُدَاهُ الَّذِي بِهِ اهْتَدَى الْمُهْتَدُونَ، وَشِفَاؤُهُ التَّامُّ الَّذِي بِهِ دَوَاءُ كُلِّ عَلِيلٍ، وَطَرِيقُهُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي مَنِ اسْتَقَامَ عَلَيْهِ فَقَدِ اسْتَقَامَ عَلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ.

وَكُلُّ خَيْرٍ فِي الْوُجُودِ فَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنَ الشَّرِيعَةِ وَحَاصِلٌ بِهَا، وَكُلُّ نَقْصٍ فِي الْوُجُودِ فَسَبَبُهُ مِنْ إِضَاعَتِهَا وَتَضْيِيعِهَا.

*مَعْنَى الْمَصْلَحَةِ لُغَةً وَشَرْعًا:

«وَالْمَصْلَحَةُ فِي اللُّغَةِ: كَالْمَنْفَعَةِ وَزْنًا وَمَعْنًى، مَصْلَحَةٌ: مَنْفَعَةٌ.

وَالْمَصْلَحَةُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الصَّلَاحِ، كَالْمَنْفَعَةِ بِمَعْنَى النَّفْعِ، أَوِ الْمَصْلَحَةُ هِيَ لِلْوَاحِدَةِ مِنَ الْمَصَالِحِ.

قَالَ فِي ((اللِّسَانِ)): ((وَالْمَصْلَحَةُ: الصَّلَاحُ، وَالْمَصْلَحَةُ: وَاحِدَةُ الْمَصَالِحِ)).

فَكُلُّ مَا كَانَ فِيهِ نَفْعٌ سَوَاءٌ كَانَ بِالْجَلْبِ وَالتَّحْصِيلِ كَتَحْصِيلِ الْفَوَائِدِ وَاللَّذَائِذِ، أَوْ بِالدَّفْعِ وَالِاتِّقَاءِ كَاسْتِبْعَادِ الْمَضَارِّ وَالْآلَامِ فَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ يُسَمَّى مَصْلَحَةً.

وَالْمُصْطَلَحُ فِيمَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ يُمْكِنُ أَنْ تُعَرَّفَ بِمَا يَلِي: «الْمَنْفَعَةُ الَّتِي قَصَدَهَا الشَّارِعُ الْحَكِيمُ لِعِبَادِهِ؛ مِنْ حِفْظِ دِينِهِمْ، وَنُفُوسِهِمْ، وَعُقُولِهِمْ، وَنَسْلِهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ -وَهِيَ الضَّرُورَاتُ الْخَمْسُ-، طِبْقَ تَرْتِيبٍ مُعَيَّنٍ فِيمَا بَيْنَهَا))

.

وَالْمَصَالِحُ الْمُعْتَبَرَةُ: هِيَ الْمَصَالِحُ الْحَقِيقِيَّةُ، وَهِيَ تَرْجِعُ إِلَى الْأُمُورِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ:

*حِفْظُ الدِّينِ.

*وَحِفْظُ النَّفْسِ.

*وَحِفْظُ الْعَقْلِ.

*وَحِفْظُ النَّسْلِ.

*وَحِفْظُ الْمَالِ.

لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ الْخَمْسَةَ بِهَا قِوَامُ الدُّنْيَا الَّتِي يَعِيشُ فِيهَا الْإِنْسَانُ، وَلَا يَحْيَا حَيَاةً تَلِيقُ بِهِ إِلَّا بِهَا.

فَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الدِّينِ تَكُونُ بِمَنْعِ الْفِتْنَةِ فِي الدِّينِ، وَبِمَنْعِ الضَّلَالِ، وَبِمَنْعِ إِثَارَةِ الْأَهْوَاءِ وَالْمَفَاسِدِ.

وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى النَّفْسِ: هِيَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى حَقِّ الْحَيَاةِ الْعَزِيزَةِ الْكَرِيمَةِ، وَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهَا الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْحَيَاةِ، وَعَلَى الْكَرَامَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ.

وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الْعَقْلِ: هِيَ حِفْظُهُ مِنْ أَنْ تَنَالَهُ آفَةٌ تَجْعَلُ صَاحِبَهُ مَصْدَرَ شَرٍّ وَأَذًى لِنَفْسِهِ وَلِلنَّاسِ أَوْ عِبْئًا عَلَى مُجْتَمَعِهِ.

وَعَمَلُ الشَّارِعُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى كُلِّ مَا يُنَمِّي الْعَقْلَ وَيَحْفَظُهُ مِنَ الْآفَاتِ.

وَتَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَكُلِّ الْمُخَدِّرَاتِ كَانَ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الْعَقْلِ وَلِصِيَانَتِهِ.

وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى النَّسْلِ: هِيَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ؛ بِحَيْثُ يَنْشَأُ قَوِيًّا فِي خَلْقِهِ وَخُلُقِهِ، وَمَشَاعِرِهِ، وَمَوَاهِبِهِ، وَدِينِهِ، وَذَلِكَ بِتَنْظِيمِ الْعَلَاقَاتِ الْأُسَرِيَّةِ؛ لِيَتَرَبَّى الْأَوْلَادُ فِيهَا، وَيَنْعَمُوا بِالْحَيَاةِ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ، وَبِالْأُمُومَةِ الَّتِي تَتَغَذَّى مِنْهَا الْعَوَاطِفُ، وَتَكْتَمِلُ بِهَا الْمَدَارِجُ؛ فَيَنْشَأُ الْمُسْلِمُ سَوِيًّا لَا عِوَجَ فِيهِ.

وَتَحْرِيمُ الزِّنَا وَالْفَوَاحِشِ كَانَ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى النَّسْلِ وَحِيَاطَتِهِ.

وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الْمَالِ تَكُونُ بِالسَّعْيِ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ، وَتَنْمِيَةِ الْمَالِ مِنَ الطَّرِيقِ الْحَلَالِ الَّتِي تُتَبَادَلُ فِيهِ الْمَنَافِعُ مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ وَلَا جَوْرٍ.

وَمَا حَدُّ السَّرَقَةِ، وَتَحْرِيمُ الرِّبَا وَالرِّشْوَةِ وَالْغَصْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ أَجْلِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْمَالِ، وَدَرْءِ الضَّرَرِ عَنْهُ.

فَالْمَصَالِحُ الَّتِي شَرَعَ الشَّارِعُ أَحْكَامًا لِتَحْقِيقِهَا، وَدَلَّ عَلَى اعْتِبَارِهَا عِلَلًا لِمَا شَرَعَهُ تُسَمَّى فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ ((الْمَصَالِحَ الْمُعْتَبَرَةَ)) مِنَ الشَّارِعِ؛ مِثْلُ: حِفْظِ حَيَاةِ النَّاسِ، شَرَعَ الشَّارِعُ لَهُ إِيجَابَ الْقِصَاصِ مِنَ الْقَاتِلِ الْعَامِدِ.

وَحِفْظُ مَالِهِمُ الَّذِي شُرِعَ لَهُ حَدُّ السَّرِقَةِ.

وَحِفْظُ عِرْضِهِمُ الَّذِي شُرِعَ لَهُ حَدُّ الْقَذْفِ وَحَدُّ الزِّنَا.

وَكُلٌّ مِنَ الْقَتْلِ الْعَمْدِ، وَالسَّرِقَةِ، وَالْقَذْفِ، وَالزِّنَا وَصْفٌ مُنَاسِبٌ، أَيْ: إِنَّ تَشْرِيعَ الْحُكْمِ بِنَاءً عَلَيْهِ يُحَقِّقُ مَصْلَحَةً، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ مِنَ الشَّارِعِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ بِنَى الْحُكْمَ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْمُنَاسِبُ الْمُعْتَبَرُ مِنَ الشَّارِعِ: إِمَّا مُنَاسِبٌ مُؤَثِّرٌ، وَإِمَّا مُنَاسِبٌ مُلَائِمٌ عَلَى حَسَبِ اعْتِبَارِ الشَّارِعِ لَهُ.

وَمِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيْنَ جُمْهُورِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ مَا شَرَعَ حُكْمًا إِلَّا لِمَصْلَحَةِ عِبَادِهِ، وَأَنَّ هَذِهِ الْمَصْلَحَةَ إِمَّا جَلْبُ نَفْعٍ لَهُمْ، وَإِمَّا دَفْعُ ضَرَرٍ عَنْهُمْ.

فَالْبَاعِثُ عَلَى تَشْرِيعِ أَيِّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ هِيَ: جَلْبُ مَنْفَعَةٍ لِلنَّاسِ أَوْ دَفْعُ ضَرَرٍ عَنْهُمْ.

وَهَذَا الْبَاعِثُ عَلَى تَشْرِيعِ الْحُكْمِ هُوَ الْغَايَةُ مِنْ تَشْرِيعِهِ، وَهُوَ حِكْمَةُ الْحُكْمِ.

 ((الْحُدُودُ عُقُوبَاتٌ لِأَفْرَادٍ جُنَاةٍ وَحِمَايَةٌ لِلدِّينِ وَالْمُجْتَمَعِ))

عِبَادَ اللهِ! ((إِنَّ مِنْ مَحَاسِنِ دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ مَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ مِنَ الْحُدُودِ, وَتَنَوُّعِهَا بِحَسَبِ الْجَرَائِمِ.

وَهَذَا لِأَنَّ الْجَرَائِمَ وَالتَّعَدِّيَ عَلَى حُقُوقِ اللهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ الَّذِي يُخِلُّ بِالنِّظَامِ, وَيَخْتَلُّ بِهِ الدِّينُ وَالدُّنْيَا.

فَوَضَعَ الشَّارِعُ لِلْجَرَائِمِ وَالتَّجَرَؤُّاتِ حُدُودًا تَرْدَعُ عَنْ مُوَاقَعَتِهَا، وَتُخَفِّفُ مِنْ وَطْأَتِهَا: مِنَ الْقَتْلِ، وَالْقَطْعِ، وَالْجَلْدِ، وَأَنْوَاعِ التَّعْزِيرَاتِ.

وَكُلُّهَا فِيهَا مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْمَصَالِحِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ مَا يَعْرِفُ بِهِ الْعَاقِلُ حُسْنَ الشَّرِيعَةِ، وَأَنَّ الشُّرُورَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُقَاوَمَ وَتُدْفَعَ دَفْعًا كَامِلًا إِلَّا بِالْحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي رَتَّبَهَا الشَّارِعُ بِحَسَبِ الْجَرَائِمِ قِلَّةً وَكَثْرَةً، وَشِدَّةً وَضَعْفًا)).

*فَحَرَّمَ اللهُ السَّرِقَةَ، وَرَتَّبَ عَلَيْهَا الْعِقَابَ الشَّدِيدَ؛ تَنْكِيلًا وَتَرْهِيبًا لِلسَّارِقِ وَلِغَيْرِهِ؛ لِيَرْتَدِعَ السُّرَّاقُ -إِذَا عَلِمُوا- أَنَّهُمْ سَيُقْطَعُونَ إِذَا سَرَقُوا، قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38].

وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ اللَّذَانِ يَأْخُذَانِ الْمَالَ الْمُحَرَّزَ الْمَصُونَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِخْفَاءِ، فَاقْطَعُوا -يَا وُلَاةَ الْأَمْرِ- أَيْدِيَهُمَا؛ بِقَطْعِ يَمِينِ السَّارِقِ مِنْ رُؤُوسِ الْأَصَابِعِ إِلَى الرُّسْغِ.

ذَلِكَ الْقَطْعُ مُجَازَاةٌ لَهُمَا عَلَى أَخْذِهِمَا أَمْوَالَ النَّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ عُقُوبَةً مِنَ اللهِ، يَمْنَعُ بِهَا غَيْرَهُمَا أَنْ يَصْنَعَ مِثْلَ صَنِيعِهِمَا، وَاللهُ قَوِيٌّ غَالِبٌ فِي انْتِقَامِهِ مِمَّنْ عَصَاهُ، حَكِيمٌ فِيمَا أَوْجَبَهُ مِنْ قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ.

وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ السَّرِقَةَ: أَخْذُ الْمَالِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِخْفَاءِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَالُ مُحَرَّزًا مَصُونًا، مَعْنِيًّا بِحِفْظِهِ الْعِنَايَةُ الَّتِي تَلِيقُ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالًا مُتَقَوِّمًا لَا شُبْهَةَ فِيهِ، وَلَا قُصُورَ فِي مَالِيَّتِهِ بِأَنْ يَتَمَوَّلَهُ النَّاسُ، وَيُعِدُّونَهُ لِأَغْرَاضِهِمُ الْمُخْتَلِفَةِ، وَيَتَنَافَسُونَ فِي طَلَبِهِ.

كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْيَدَ لَا تُقْطَعُ إِلَّا إِذَا بَلَغَ الْمَسْرُوقُ قَدْرًا مِنَ الْمَالِ مِقْدَارُهُ رُبُعُ دِينَارٍ أَوْ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ.

*وَجَعَلَ اللهُ فِي شَرْعِ الْقِصَاصِ لَكُمْ -وَهُوَ قَتْلُ الْقَاتِلِ- حِكْمَةً عَظِيمَةً لَكُمْ، وَهِيَ بَقَاءُ الْمُهَجِ وَصَوْنُهَا; لِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ الْقَاتِلُ أَنَّهُ يُقْتَلُ انْكَفَّ عَنْ صَنِيعِهِ؛ فَكَانَ فِي ذَلِكَ حَيَاةُ النُّفُوسِ.

قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179].

وَلَكُمْ فِي تَشْرِيعِ الْقِصَاصِ -فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ، وَالْقَطْعِ، وَالْجُرُوحِ، وَسَائِرِ الْجِنَايَاتِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِذَوَاتِ الْأَحْيَاءِ أَنْفُسِهِمْ فَمَا دُونَ ذَلِكَ- لَكُمْ ِفي تَشْرِيعِ الْقِصَاصِ فِي ذَلِكَ حَيَاةٌ آمِنَةٌ يَا ذَوِي الْعُقُولِ الْخَالِصَةِ مِنْ شَوَائِبِ الْأَوْهَامِ، الْمُتَدَبِّرَةِ عَوَاقِبَ الْأُمُورِ، الْمُتَبَصِّرَةِ حِكَمَ التَّشْرِيعِ؛ لِتَنْتَهُوا عَنِ الْقَتْلِ؛ خَوْفَ الْقِصَاصِ.

وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ تُحَدِّثُهُ نَفْسُهُ بِالْعُدْوَانِ عَلَى فَرْدٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ فِي كُلِّ النَّفْسِ -أَيْ بِالْقَتْلِ-، أَوْ فِي بَعْضِ أَجْزَاءِ الْجَسَدِ -بِالْجِرَاحَاتِ-؛ فَإِنَّ خَوْفَهُ مِنَ الْقِصَاصِ يُرَوِّعُهُ؛ فَيَكُفَّ عَنِ ارْتِكَابِ الْجَرِيمَةِ!!

وَبِهَذَا تَقِلُّ جَرَائِمُ الْقَتْلِ وَالْقَطْعِ وَالْجُرُوحِ فِي الْمُجْتَمَعِ إِلَى أَدْنَى الْحُدُودِ، فَيَعِيشُ أَفْرَادُ الْمُجْتَمَعِ حَيَاةً آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً.

كَمَا أَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَتَجَاوَزُ الْجَانِيَ إِلَى غَيْرِهِ؛ فَيَكُونُ سَبَبًا لِحِمَايَةِ نُفُوسٍ كَثِيرَةٍ مِنْ غَائِلَةِ الْإِسْرَافِ فِي الِانْتِقَامِ.

{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لَوْ بُنِيَ عَلَى أَخْذِ الثَّأْرِ؛ فَإِنَّهُ يَتَسَلْسَلُ وَلَا يَنْقَطِعُ، فَيُقْتَلُ الْقَاتِلُ بِالْمَقْتُولِ، وَيَأْتِي بَعْضُ أَوْلِيَاءِ هَذَا الَّذِي قُتِلَ وَكَانَ قَاتِلًا؛ لِيَقْتُلُوا مَنْ قَتَلَهُ، وَرُبَّمَا قَتَلُوا غَيْرَهُ مِمَّنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْقَتْلَ أَصْلًا، فَيَتَسَلْسَلُ الْأَخْذُ بِالثَّأْرِ بِضَيَاعِ النُّفُوسِ إِلَى حَدٍّ بَعِيدٍ.

وَكَانَ هَذَا الْأَمْرُ شَائِعًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَامَتْ بِسَبَبِهِ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ.

وَأَمَّا الْقِصَاصُ فَإِنَّ الْقَاتِلَ يُقْتَلُ، وَتَهْدَأُ النُّفُوسُ، وَهُوَ شَرْعُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَيَحْيَا بِسَبَبِ الْأَخْذِ بِالْقِصَاصِ أَقْوَامٌ وَأَقْوَامٌ.

فَأَنْزَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ شَرْعَ الْقِصَاصِ، وَبَيَّنَ أَنَّ فِيهِ الْحَيَاةَ.

*وَنَهَانَا رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ تَأْخُذَنَا رَأْفَةٌ بِالزُّنَاةِ فِي دِينِ اللَّهِ، تَمْنَعُنَا مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ.

فَرَحْمَتُهُ حَقِيقَةٌ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ.

وَأَمَرَ تَعَالَى أَنْ يَحْضُرَ عَذَابَ الزَّانِيَيْنِ طَائِفَةٌ -أَيْ: جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ-؛ لِيَشْتَهِرَ، وَيَحْصُلَ بِذَلِكَ الْخِزْيُ وَالِارْتِدَاعُ.

قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2].

الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي -وَهُمَا: الْمَرْأَةُ الْمُكَلَّفَةُ وَالرَّجُلُ الْمُكَلَّفُ الْعَالِمَانِ بِتَحْرِيمِ الْإِسْلَامِ بِالزِّنَا، وَأَقْدَمَا عَلَى ارْتِكَابِهِ حَقِيقَةً بِاخْتِيَارِهِمَا-؛ فَاضْرِبُوا -أَيُّهَا الْحُكَّامُ- كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ بِالسَّوْطِ؛ تُبَاشِرُ أَجْسَادَهُمْ.

وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ وَرَحْمَةٌ فِي شَرْعِ اللهِ وَحُكْمِهِ؛ فَتُعَطِّلُوا الْحُدُودَ وَلَا تُقِيمُوهَا، أَوْ تُخَفِّفُوا الضَّرْبَ، بَلْ أَوْجِعُوهُمَا ضَرْبًا إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ حَقِيقَةً لَا ادِّعَاءً.

وَلْيَحْضُرْ مَشْهَدَ التَّعْذِيبِ وَالتَّأْدِيبِ لِأُولَئِكَ الزُّنَاةِ وَالزَّوَانِي جَمْعٌ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ رِجَالًا وَنِسَاءً؛ تَشْهِيرًا بِهِمَا، وَزِيَادَةً فِي افْتِضَاحِهِمَا؛ لِيَكُونَ الْخِزْيُ وَالْعَارُ أَبْلَغَ فِي حَقِّهِمَا.

وَهَذَا فِي حَدِّ الزَّانِي غَيْرِ الْمُحْصَنِ.

وَأَمَّا الْمُحْصَنُ -وَهُوَ مَنْ وَطِئَ فِي زَوَاجٍ شَرْعِيٍّ صَحِيحٍ- فَحَدُّهُ الرَّجْمُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَ -كَمَا ثَبَتَ فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ-.

*وَشَرَعَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حَدَّ الْحِرَابَةِ لِقُطَّاعِ الطُّرُقِ، وَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ؛ حَتَّى لَا يَسْفِكُوا الدِّمَاءَ، وَحَتَّى لَا يُخِلُّوا بِالْأَمْنِ، قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة: 33].

«الْمُحَارِبُونَ للهِ وَرَسُولِهِ هُمُ الَّذِينَ بَارَزُوهُ بِالْعَدَاوَةِ، وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ؛ بِالْكُفْرِ، وَالْقَتْلِ، وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ، وَإِخَافَةِ السُّبُلِ.

وَالمَشْهُورُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ فِي أَحْكَامِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ الَّذِينَ يَعْرِضُونَ لِلنَّاسِ فِي الْقُرَى وَالْبَوَادِي، فَيَغْصِبُونَهُمْ أَمْوَالَهُمْ، وَيَقْتُلُونَهُمْ، وَيُخِيفُونَهُمْ، فَيَمْتَنِعُ النَّاسُ مِنْ سُلُوكِ الطَّرِيقِ الَّتِي هُمْ بِهَا، فَتَنْقَطِعُ بِذَلِكَ.

فَأَخْبَرَ اللهُ أَنَّ جَزَاءَهُمْ وَنَكَالَهُمْ عِنْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ أَنْ يُفْعَلَ بِهِمْ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ».

وَقَطْعُ الطَّرِيقِ، وَتَرْوِيعُ الْآمِنِينَ وَالسَّابِلَةِ، وَإِخَافَةُ النَّاسِ، وَتَخْرِيبُ الْمُنْشَآتِ، وَتَفْجِيرُ الْأَبْرَاجِ الْكَهْرُبَائِيَّةِ وَالْأَكْشَاكِ، وَالِاعْتِدَاءُ عَلَى الْمُمْتَلَكَاتِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ؛ كُلُّ ذَلِكَ مِنَ الْحِرَابَةِ؛ مِنَ الْإِفْسَادِ في الْأَرْضِ، مِمَّا يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ الْعَارَ وَالشَّنَارَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا لَهُ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ الْعَظِيمِ فِي الْآخِرَةِ.

عِبَادَ اللهِ! لَقَدْ دُعِيَ الْمَلِكُ فَيْصَلُ -رَحِمَهُ اللهُ- إِلَى مُؤْتَمَرٍ صَحَافِيٍّ عَالَمِيٍّ فِي أَمِرِيكَا؛ لِيُجِيبَ عَنْ أَسْئِلَةِ كِبَارِ الْكُتَّابِ وَالْمُفَكِّرِينَ -وَفِيهِمُ الْكَثِيرُ مِنَ الْيَهُودِ-؛ فَسَأَلَهُ أَحَدُهُمْ -قَاصِدًا إِحْرَاجَهُ-:

سَمِعْنَا أَنَّكُمْ تُعَاقِبُونَ السَّارِقَ بِقَطْعِ يَدِهِ، وَالزَّانِي بِالرَّجْمِ، وَتِلْكَ عُقُوبَاتٌ بَرْبَرِيَّةٌ هَمَجِيَّةٌ، تَرْفُضُهَا مَدَنِيَّةُ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ؟!!

فَأَطْرَقَ الْمَلِكُ -رَحِمَهُ اللهُ-، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْيَهُودِيِّ، وَقَالَ بِهُدُوءٍ:

أُحِبُّ أَنْ أُؤَكِّدَ لَكَ أَنَّ تَطْبِيقَ تِلْكَ الْعُقُوبَةِ خِلَالَ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ قَدِ اقْتَصَرَ عَلَى حَادِثَتَيْنِ فِي بِلَادٍ شَاسِعَةٍ كَالْمَمْلَكَةِ الْعَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ، وَقَدِ انْقَطَعَ دَابِرُ السَّرِقَةِ -أَوْ كَادَ- فِي بِلَادِنَا.

 ثُمَّ قُلْ لِي أَنْتَ: هَلْ حَقَّقَتْ قَوَانِينُكُمُ الْوَضْعِيَّةُ الْقَضَاءَ عَلَى السَّرِقَاتِ، أَمْ أَنَّهَا شَجَّعَتِ النَّاسَ عَلَى التَّفَنُّنِ فِيهَا؟!!

لَقَدْ قَرَأْتُ فِي صُحُفِكُمُ الْيَوْمَ مِئَاتِ الْحَوَادِثِ عَنِ السَّرِقَاتِ الْمَصْحُوبَةِ بِالْعُنْفِ الَّتِي يَذْهَبُ ضَحِيَّتَهَا كُلَّ سَنَةٍ مِئَاتُ الْأُلُوفِ مِنَ الْأَبْرِيَاءِ.

هَلْ هَذَا الْقَانُونُ أَفْضَلُ أَمْ قَانُونُكُمْ؟!!

أَمَّا عُقُوبَةُ رَجْمِ الزَّانِي فَقَدْ أَحَاطَهَا الْإِسْلَامُ بِاحْتِرَازَاتٍ كَثِيرَةٍ، تَجْعَلُ إِقَامَةَ الْحَدِّ فِيهَا مُتَعَذِّرَةً لِلْغَايَةِ، أَهَذَا أَفْضَلُ أَمْ مَا فِي مُجْتَمَعِكُمْ مِنْ مَبَاذِلَ أَخْلَاقِيَّةٍ، أَسْتَحِي أَنْ أُشِيرَ إِلَيْهَا؟!!

فَحَنَى الْيَهُودِيُّ رَأْسَهُ؛ مُوَافِقًا، وَضَجَّتِ الْقَاعَةُ بِتَصْفِيقِهِمْ.

مَعَ أَنَّ السَّائِلَ يَهُودِيٌّ، وَرَجْمُ الزَّانِي الْمُحْصَنِ مِنَ الْعُقُوبَاتِ الَّتِي قَرَّرَهَا اللهُ تَعَالَى فِي التَّوْرَاةِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحُدُودِ الْمَذْكُورَةِ فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي يُؤْمِنُ بِهَا هَذَا السَّائِلُ الْيَهُودِيُّ!!

وَلَكِنْ مَحْضُ الِافْتِرَاءِ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ!! مَحْضُ الْبُهْتَانِ!!

 ((تَقْدِيمُ مَصَالِحِ النَّاسِ الْعَامَّةِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ))

*مَنِ دَلَائِلِ تَقْدِيمِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَصْلَحَةَ الْعَامَّةَ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ: حَثُّهُ ﷺ عَلَى إِعْمَارِ الْأَرْضِ إِلَى آخِرِ لَحْظَةٍ فِي الْحَيَاةِ؛ فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا». وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ.

وَ«فَسِيلَةٌ»: هِيَ النَّخْلَةُ الصَّغِيرَةُ.

هَذَا فِيهِ مُبَالَغَةٌ فِي الْحَثِّ عَلَى غَرْسِ الْأَشْجَارِ وَحَفْرِ الْأَنْهَارِ؛ لِتَبْقَى هَذِهِ الدَّارُ عَامِرَةً إِلَى آخِرِ أَمَدِهَا الْمَحْدُودِ الْمَعْلُومِ عِنْدَ خَالِقِهَا.

فَكَمَا غَرَسَ لَكَ غَيْرُكَ؛ فَانْتَفَعْتَ بِهِ، فَاغْرِسْ أَنْتَ لِمَنْ يَجِيءُ بَعْدَكَ؛ لِيَنْتَفِعَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا صُبَابَةٌ، وَذَلِكَ بِهَذَا الْقَصْدِ لَا يُنَافِي الزُّهْدَ وَالتَّقَلُّلَ مِنَ الدُّنْيَا.

فِي هَذَا الْحَدِيثِ: التَّرْغِيبُ الْعَظِيمُ عَلَى اغْتِنَامِ آخِرِ فُرْصَةٍ مِنَ الْحَيَاةِ فِي سَبِيلِ زَرْعِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَيُجْرَى لَهُ أَجْرُهُ وَتُكْتَبُ لَهُ صَدَقَتُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْحَثُّ عَلَى الطَّاعَةِ إِلَى آخِرِ لَحْظَةٍ مِنَ الْحَيَاةِ.

*وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِينَ؛ فَيَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُدْخِلَ النَّفْعَ عَلَى نَفْسِهِ، وَيُدْخِلَ الضَّرَرَ عَلَى غَيْرِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ)) . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

عِبَادَ اللهِ! هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ، وَظَاهِرُهُ تَحْرِيمُ سَائِرِ أَنْوَاعِ الضَّرَرِ إِلَّا لِدَلِيلٍ، فَيَحْرُمُ عَلَيْكَ أَنْ تُدْخِلَ النَّفْعَ عَلَى نَفْسِكَ، وَتُدْخِلَ الضَّرَرَ عَلَى غَيْرِكَ بِسَبَبِ ذَلِكَ.

فَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ دِينِ الْإِسْلَامِ الْكَرِيمِ.

قَوْلُهُ ﷺ: ((لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ)): قِيلَ: إِنَّ الضَّرَرَ هُوَ الِاسْمُ، وَالضِّرَارَ الْفِعْلُ؛ فَالْمَعْنَى أَنَّ الضَّرَرَ نَفْسَهُ مُنْتَفٍ فِي الشَّرْعِ، وَإِدْخَالَ الضَّرَرِ بِغَيْرِ حَقٍّ كَذَلِكَ.

 وَقِيلَ: الضَّرَرُ: أَنْ يُدْخِلَ عَلَى غَيْرِهِ ضَرَرًا بِمَا يَنْتَفِعُ هُوَ بِهِ، وَالضِّرَارُ: أَنْ يُدْخِلَ عَلَى غَيْرِهِ ضَرَرًا بِمَا لَا مَنْفَعَةَ لَهُ بِهِ.

وَرَجَّحَ هَذَا الْقَوْلَ طَائِفَةٌ، مِنْهُمُ: ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَابْنُ الصَّلَاحِ.

وَقِيلَ: الضَّرَرُ أَنْ يُضِرَّ بِمَنْ لَا يَضُرُّهُ.

وَالضِّرَارُ: أَنْ يُضِرَّ بِمَنْ قَدْ أَضَرَّ بِهِ عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ جَائِزٍ.

 وَبِكُلِّ حَالٍ؛ فَالنَّبِيُّ ﷺ نَفَى الضَّرَرَ وَالضِّرَارَ بِغَيْرِ حَقٍّ.

فَأَمَّا إِدْخَالُ الضَّرَرِ عَلَى أَحَدٍ بِحَقٍّ؛ إِمَّا لِكَوْنِهِ تَعَدَّى حُدُودَ اللهِ؛ فَيُعَاقَبُ بِقَدْرِ جَرِيمَتِهِ، أَوْ لِكَوْنِهِ ظَلَمَ غَيْرَهُ فَيَطْلُبُ الْمَظْلُومُ مُقَابَلَتَهُ بِالْعَدْلِ؛ فَهَذَا غَيْرُ مُرَادٍ قَطْعًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ.

وَإِنَّمَا الْمُرَادُ إِلْحَاقُ الضَّرَرِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَهَذَا عَلَى نَوْعَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَلَّا يَكُونَ فِي ذَلِكَ غَرَضٌ سِوَى الضَّرَرِ بِذَلِكَ الْغَيْرِ، فَهَذَا لَا رَيْبَ فِي قُبْحِهِ وَفِي تَحْرِيمِهِ.

وَقَدْ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ النَّهْيُ عَنِ الْمُضَارَّةِ فِي مَوَاضِعَ؛ مِنْهَا:

فِي الْوَصِيَّةِ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ} [النساء: 12].

 وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: ((الْإِضْرَارُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ)).

وَالْإِضْرَارُ فِي الْوَصِيَّةِ تَارَةً يَكُونُ بِأَنْ يَخُصَّ بَعْضَ الْوَرَثَةِ بِزِيَادَةٍ عَلَى فَرْضِهِ الَّذِي فَرَضَهُ اللهُ لَهُ، فَيَتَضَرَّرُ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ بِتَخْصِيصِهِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((الْإِرْوَاءِ)) وَغَيْرِهِ.

 وَتَارَةً بِأَنْ يُوصِيَ لِأَجْنَبِيٍّ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ؛ فَتَنْقُصَ حُقُوقُ الْوَرَثَةِ، لِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)): ((الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ)).

 وَكَذَلِكَ مِنَ الْمُضَارَّةِ: مَا يَكُونُ فِي الرَّضَاعِ: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} [البقرة: 233].

قَالَ مُجَاهِدٌ: «لَا يَمْنَعُ أُمَّهُ أَنْ تُرْضِعَهُ؛ لِيُحْزُنَهَا».

وَمِنْهَا فِي الْبَيْعِ: قَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْمُضْطَرِّ، وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَعْقِلٍ: «بَيْعُ الضَّرُورَةِ رِبًا».

وَالنَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لَهُ غَرَضٌ آخَرُ صَحِيحٌ، مِثْلُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ بِمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ، فَيَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى ضَرَرِ غَيْرِهِ، أَوْ أَنْ يَمْنَعَ غَيْرَهُ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ تَوْفِيرًا لَهُ؛ فَيَتَضَرَّرُ الْمَمْنُوعُ بِذَلِكَ.

فَأَمَّا الْأَوَّلُ؛ وَهُوَ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِهِ بِمَا يَتَعَدَّى ضَرَرُهُ إِلَى غَيْرِهِ: فَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ كَأَنْ يُؤَجِّجَ فِي أَرْضِهِ نَارًا فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ فَيَحْتَرِقَ مَا يَلِيهِ، فَإِنَّهُ مُتَعَدٍّ بِذَلِكَ، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ فَفِيهِ لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ:

أَحَدُهُمَا: لَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ.

وَالثَّانِي: الْمَنْعُ.

وَمِنْ صُوَرِ ذَلِكَ أَنْ يَفْتَحَ كُوَّةً فِي بِنَائِهِ الْعَالِي مُشْرِفَةً عَلَى جَارِهِ، أَوْ يَبْنِيَ بِنَاءً عَالِيًا يُشْرِفُ عَلَى جَارِهِ وَلَا يَسْتُرُهُ، فَإِنَّهُ يُلْزَمُ بِسَتْرِهِ.

وَهَذَا شَائِعٌ جِدًّا فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَالنَّاسُ يَظُنُّونَ أَنَّهُ مِنْ حُقُوقِهِمْ!! وَحَتَّى إِذَا مَا رَاجَعَ جَارٌ جَارَهُ فَإِنَّهُ يَتَعَجَّبُ مِنْ هَذَا الطَّلَبِ، وَيَقُولُ: كَيْفَ تَمْنَعُنِي مِنَ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِي، وَلَكِنْ يُلْزَمُ بِسِتْرِهِ!!

 وَمِنْهَا أَنْ يُحْدِثَ فِي مِلْكِهِ مَا يُضِرُّ بِمِلْكِ جَارِهِ مِنْ هَزٍّ أَوْ دَقٍّ وَنَحْوِهِمَا، فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْهُ أَيْضًا.

وَأَمَّا الثَّانِي- وَهُوَ مَنْعُ الْجَارِ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ وَالِارْتِفَاقِ بِهِ- فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يُضِرُّ بِمَنِ انْتَفَعَ بِمِلْكِهِ؛ فَلَهُ الْمَنْعُ، كَمَنْ لَهُ جِدَارٌ وَاهٍ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُطْرَحَ عَلَيْهِ خَشَبٌ، وَأَمَّا إِنْ لَمْ يُضَرَّ بِهِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((لَا يَمْنَعْ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: ((لَا ضَرَرَ))؛ أَنَّ اللهَ لَمْ يُكَلِّفْ عِبَادَهُ فِعْلَ مَا يَضُرُّهُمُ الْبَتَّةَ، فَإِنَ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ هُوَ عَيْنُ صَلَاحِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ هُوَ عَيْنُ فَسَادِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ.

فَهَذَا الْحَدِيثُ -كَمَا مَرَّ- أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ.

 ((الْجِهَادُ تَضْحِيَةُ أَفْرَادٍ لِحِمَايَةِ دِينٍ وَأُمَّةٍ))

لَقَدِ امْتَحَنَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَاةِ وَالسُّجُودِ وَالرُّكُوعِ فَاسْتَجَابُوا طَائِعِينَ.

وَامْتَحَنَهُمْ بِالزَّكَاةِ، وَدَفْعِ الْمَالِ فَاسْتَجَابُوا طَائِعِينَ.

وَامْتَحَنَهُمْ بِالْحَجِّ، وَالصَّوْمِ، وَتَرْكِ الشَّهَوَاتِ فَلَبَّوْا -كَذَلِكَ- طَائِعِينَ.

ثُمَّ جَاءَ الِامْتِحَانُ الْأَكْبَرُ، وَالِاخْتِبَارُ الْأَعْظَمُ، فَكَانَ أَنْ طَلَبَ مِنْهُمْ أَرْوَاحَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ يَبْذُلُونَهَا فِي سَاحَاتِ الْجِهَادِ فَتَقَدَّمَ أَقْوَامٌ، وَتَأخَّرَ آخَرُونَ.

تَأَخَّرَ الْمُنَافِقُونَ، وَتَقَدَّمَ الصَّادِقُونَ.

إِنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ هُوَ أَعْظَمُ الْأَعْمَالِ وَأَزْكَاهَا, وَهُوَ أَيْسَرُ الطُّرُقِ إِلَى رِضْوَانِ اللهِ تَعَالَى وَالْجَنَّةِ.

وَالْجِهَادُ بَذْلُ أَعْظَمِ وَأَنْفَسِ مَا عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ وَهِيَ أَنْفُسُهُمْ يَبْذُلُونهَا دُونَ خَوْفٍ وَلَا تَرَدُّدٍ, وَفِيهِ بَذْلُ الْأَمْوَالِ، وَتَرْكُ الزَّوْجَاتِ وَالذُّرِّيَّاتِ، وَهَجْرُ الْمَسَاكِنِ وَالْأَوْطَانِ وَالْمَلَذَّاتِ.

وَفِيهِ قَتْلُ الْأَنْفُسِ وَإِرَاقَةُ الدِّمَاءِ.

لَقَدْ بَيَّنَ الدِّينُ الْعَظِيمُ -كِتَابًا وَسُنَّةً- أَنَّ الْجِهَادَ لَيْسَ غَايَةً فِي حَدِّ ذَاتِهِ وَإِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ لِرَفْعِ رَايَةِ الدِّينِ, وَهُوَ وَسِيلَةٌ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

فَالْجِهَادُ شُرِعَ لِحِمَايَةِ دَعْوَةِ الْحَقِّ الْقَائِمَةِ عَلَى الْإِقْنَاعِ وَالْعَدْلِ، وَرَدِّ الظُّلْمِ الْمُوَجَّهِ إِلَى حَامِلِيهَا بِإِنْقَاذِ الْبَشَرِيَّةِ مِنْ ضَلَالِهَا وَكُفْرَانِهَا.

الْجِهَادُ شُرِعَ لِدَفْعِ الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ سَمَاعِ صَوْتِ الْحَقِّ، وَتُشَوِّهُ الْحَقَائِقَ؛ لِتَصُدَّ النَّاسَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، فَإِنَّ الْقِتَالَ إِنَّمَا هُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ.

الْجِهَادُ شُرِعَ لِلْقَضَاءِ عَلَى سُلْطَةِ الْعَنَاصِرِ الْفَاسِدَةِ فِي ذَاتِهَا، وَالْمُفْسِدَةِ لِغَيْرِهَا، حَيْثُ تَحْمِلُ السِّلَاحَ فِي وَجْهِ الْحَقِّ، وَفِي طَرِيقِ الْعَدْلِ، وَتُخْرِجُ النَّاسَ مِنْ أَوْطَانِهِمْ وَدِيَارِهِمْ، وَتَسْلُبُ مِنْهُمْ مُمْتَلَكَاتِهِمْ، وَتَهْدِمُهَا عَلَيْهِمْ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا.

*إنَّ مَصْلَحَةَ الدِّينِ وَالْأُمَّةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَصَالِحِ الْخَاصَّةِ؛ قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} [التوبة: 111].

إِنَّ اللهَ اشْتَرَى شِرَاءً جَازِمًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمُ الَّتِي خَلَقَهَا، وَأَمْوَالَهُمُ الَّتِي رَزَقَهُمْ إِيَّاهَا، بِأَنْ يَبْذُلُوا طَائِعِينَ مُخْتَارِينَ الْمَالَ؛ لِإِعْدَادِ وَسَائِلِ الْجِهَادِ، وَنَشْرِ الْإِسْلَامِ فِي الْأَرْضِ، وَيَبْذُلُوا النُّفُوسَ لِلْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَقَمْعِ الْكَفَرَةِ الْمُحَارِبِينَ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، مُقَابِلَ ثَمَنٍ يَدْفَعُهُ لَهُمْ جَزْمًا هُوَ الْجَنَّةُ.

يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ لِإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ، وَإِظْهَارِ دِينِهِ، فَيَقْتُلُونَ أَعْدَاءَ اللهِ، وَيُسْتَشْهَدُونَ فِي سَبِيلِهِ.

((دَعْوَةُ الْمُسْلِمِينَ لِلتَّوْحِيدِ

وَتَقْدِيمُ مَصْلَحَتِهِمْ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ))

*إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ اسْتِقْرَارِ الْمُجْتَمَعِ، وَقُوَّةِ الْأُمَّةِ: تَقْدِيمُ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ، خَاصَّةً عِنْدَ دَعْوَتِهِمْ إِلَى اللهِ وَتَعْلِيمِهِمُ التَّوْحِيدَ، وَتَحَمُّلِ الْأَذَى فِي سَبِيلِ ذَلِكِ.

لَا يَتَحَقَّقُ الصَّلَاحُ فِي الْأَرْضِ، وَلَا يَنْتَفِي الْفَسَادُ مِنْهَا إِلَّا بِتَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ فِيهَا، الَّذِي لِأَجْلِهِ خَلَقَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْخَلْقَ.

فَأَوَّلُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعَى مِنَ الْمَصَالِحِ الْعُلْيَا هُوَ: تَحْقِيقُ دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فَبِهِ تَتَحَقَّقُ الْمَصْلَحَةُ، وَبِهِ تَنْتَفِي الْمَفْسَدَةُ.

وَلَا يَسْتَتِبُّ الْأَمْنُ، وَلَا يَحْصُلُ الِاسْتِقْرَارُ إِلَّا بِالتَّوْحِيدِ وَنَفْيِ الشِّرْكِ.

وَلَا تَجْتَمِعُ كَلِمَةُ الْأُمَّةِ، وَلَا يَصِحُّ بِنَاؤُهَا إِلَّا عَلَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وَإِلَّا عَلَى عَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ الصَّحِيحَةِ.

عِبْدَ اللهِ! إِنَّ مِنْ حَقِيقَةِ الْإِخْلَاصِ أَنْ تَدْعُوَ إِلَى اللهِ؛ لِأَنَّ اللهَ كَلَّفَكَ بِالدَّعْوَةِ إِلَى مَا عَلِمْتَهُ، فَأَنْتَ تَدْعُو الْخَلْقَ إِلَيْهِ، لَا يَسَعُكُ إِلَّا هَذَا؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)} [سورة العصر].

{إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا}: عَلِمُوا الْعِلْمَ بِدَلِيلِهِ.

{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}: وَعَمِلُوا بِهِ.

{وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ}: دَعَوْا إِلَيْهِ.

{وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}: صَبَرُوا عَلَى الْأَذَى فِيهِ.

فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ لَا يَكُونُ الْعَبْدُ مُفْلِحًا إِلَّا إِذَا حَقَّقَها.

الْأَمْرُ الثَّالِثُ مِنْهَا هُوَ: التَّوَاصِي بِالْحَقِّ: وَهُوَ الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ فَأَنْتَ مُكَلَّفٌ بِهَذَا: وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ؛ فَأَنْتَ تَدْعُو النَّاسَ إِلَى مَا عَلَّمَكَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنَ الْعِلْمِ، إِلَى: قَالَ اللهُ، قَالَ رَسُولُهُ ﷺ.

وَتَدْعُو النَّاسَ بِهَذَا الْعِلْمِ وَإِلَيْهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ: بِالرِّفْقِ، وَالْحِلْمِ، وَاللِّينِ، مَعَ الشِّدَّةِ فِي مَوَاضِعِهَا؛ يَعْنِي أَنْ تَكُونَ عَلَى قَدَمِ نَبِيِّكَ ﷺ.

لِمَاذَا تَفْعَلُ ذَلِكَ؟

لِأَنَّ اللهَ كَلَّفَكَ أَنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ مِنْكَ، فَإِنِ اسْتَجَابَ النَّاسُ؛ فَهَذَا مَحْضُ فَضْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا فَلَا عَلَيْكَ!

وَلَنْ يُحَاسِبَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ -إِذَا كُنْتَ مُحْسِنًا مُصِيبًا- عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْتَجِبْ لَكَ أَحَدٌ، بَلْ دَلَّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ وَمَنْ هُوَ فَوْقَكَ، فَقَالَ: ((وَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أحَدٌ!!)).

هَلْ سَيُحَاسِبُهُ اللهُ عَلَى عَدَمِ اسْتِجَابَةِ قَوْمِهِ؟

حَاشَا؛ إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا.

أَقْسَمَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- بِالْعَصْرِ أَنَّ جِنْسَ الْإِنْسَانِ فِي خُسْرَانٍ إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الرَّحِيمُ الرَّحْمَنُ {إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)}.

فَبَيَّنَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ثَلَاثَةَ أُمُورٍ، ثُمَّ هَذِهِ إِذَا مَا أُتِيَ بِهَا عَلَى النَّحْوِ الْمَنْشُودِ، جَاءَ الْأَمْرُ الرَّابِعُ، وَهُوَ آتٍ -لَا مَحَالَةَ- لِكُلِّ مَنْ حَقَّقَ هَذِهِ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ -وَهِيَ الْعِلْمُ، وَالْعَمَلُ، وَالدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا--؛ فَيَأْتِي الْإِيذَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ.

لِأَنَّ النَّاسَ إِذَا مَا نَازَعَهُمْ مَنْ نَازَعَهُمْ -آمِرًا بِالْمَعْرُوفِ وَنَاهِيًا عَنِ الْمُنْكَرِ- فِي شَهَوَاتِهِمْ، وَفِي نَزَوَاتِهِمْ، وَفِي رَغَبَاتِهِمْ؛ لِيَكُونُوا قَائِمِينَ عَلَى السَّوِيَّةِ، بَعِيدِينَ عَنْ الِاعْوِجَاجِ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، مَنْ أَتَى يُنَازِعُهُمْ فِي رَغَبَاتِهِمْ وَشَهَوَاتِهِمْ؛ لِيَضْبِطَهَا بِـ: قَالَ اللهُ.. قَالَ رَسُولُهُ؛ آذَوْهُ لَا مَحَالَةَ.

وَدُونَكَ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَتَأَمَّلْ فِي الْإِيذَاءِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَجْلِ مَاذَا؟!!

لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: رَبِّيَ اللهُ، وَيَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى الْخَيْرِ وَالْهُدَى وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، فَمَا ذَنْبُهُمْ؟!!

كَلَّفَهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِإِقَامَةِ الْعَدْلِ فِي الْأَرْضِ، وَنَفْيِ الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ، وَتَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ، وَهِيَ الْغَايَةُ الْمَنْشُودَةُ مِنْ خَلْقِ الْخَلْقِ فِي هَذَا الْكَوْنِ، فَمَا ذَنْبُهُمْ؟!!

أَدُّوا مَا عَلَيْهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالنَّاسُ لَا يُحِبُّونَ هَذَا!!

{يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} [لقمان: 17].

فَلَمَّا أَمَرَ لُقْمَانُ وَلَدَهُ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَبِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَبِالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، يَعْلَمُ -يَقِينًا وَحَتْمًا- أَنَّهُ إِذَا أَمَرَ وَنَهَى فَلَا بُدَّ أَنْ يُؤْذَى، فَأَمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى مَا يَصِلُهُ مِنْ أَذَى النَّاسِ.

الْعِلْمُ، وَالْعَمَلُ بِهِ، وَالدَّعْوَةُ إِلَيْهِ.

لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَصِلَ إِلَى الدَّاعِي الْأَذَى، وَفِي النَّاسِ شَرٌّ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ، وَالنُّفُوسُ مُنْطَوِيَةٌ عَلَى الْأَحْقَادِ وَالْأَحْسَادِ، وَالْبَغْضَاءِ وَالْكَرَاهِيَةِ، لَمْ تَخْلُصْ، وَلَمْ تُهَذَّبْ، وَلَمْ تُصَفَّ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُصُ، وَلَا تُصَفَّى، وَلا تُهَذَّبُ إِلَّا بِالدِّينِ.

وَالْقَوْمُ جُهَّالٌ!! لَا يَعْرِفُونَ مِنْ دِينِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مَا يُهَذِّبُ النُّفُوسَ، وَلَا مَا يُصَفِّي الْأَرْوَاحَ، وَلَا مَا يُنَقِّي الضَّمَائِرَ، فَتَكُونُ رُدُودُ أَفْعَالِهِمْ عَلَى قَدْرِ حَمَاقَاتِهِمْ وَجَهْلِهِمْ، فَيَصِلُ الْأَذَى إِلَى دَاعِيهِمْ إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمَّا أَرَادَتْ قُرَيْشٌ أَنْ تَعْتَدِيَ عَلَيْهِ، وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي مَقَامِ الصِّدْقِ يَدْفَعُ عَنْهُ، وَهُمْ يَضْرِبُونَهُ بِالنِّعَالِ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى وَرِمَ وَجْهُهُ، وَاخْتَلَطَتْ مَلَامِحُهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

ثُمَّ دَخَلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْغَشْيَةِ -فِي الْإِغْمَاءَةِ، فِي الْغَيْبُوبَةِ-، فَلَمْ يَسْتَفِقْ إِلَّا فِي الْمَسَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: مَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟

وَلَمْ يَقَرَّ عَلَى قَرَارٍ حَتَّى خُرِجَ بِهِ، يُهَادَى بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ مِنْ نِسَائِهِ حَتَّى يَرَى رَسُولَ اللهِ ﷺ.

كَانَ يُدَافِعُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} [غافر: 28].

مَا ذَنْبُهُ؟!!

مَا جَرِيرَتُهُ؟!!

مَا الَّذِي أَسَاءَ بِهِ إِلَيْكُمْ، وَاعْتَدَى بِهِ عَلَيْكُمْ؟!!

إِنَّهُ يُحَافِظُ عَلَيْكُمْ، عَلَى كَرَامَتِكُمُ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ مَحْفُوظَةً بِالدِّينِ، وَجَعَلَهَا مُهْدَرَةً بِالْبُعْدِ عَنِ الدِّينِ، مَا ذَنْبُهُ وَهُوَ يَقُولُ رَبِّيَ اللهُ؟!!

يَعْبُدُ اللهَ وَيُوَحِّدُهُ، وَيُرِيدُكُمْ عَلَى تَوْحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ.

فَلَا بُدَّ أَنْ يَصِلَ إِلَى الدَّاعِي الْأَذَى.

وَالصَّبْرُ عَلَى الْأَذَى فِيهِ: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} [لقمان: 17].

{إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)} [العصر: 3].

{وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ}: أَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيًا عَنِ الْمُنْكَرِ {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}، لَا بُدَّ مِنَ الْأَذَى فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ، فَيَكُونُ مَاذَا؟!!

فَيَكُونُ الْعَفْوُ وَالصَّفْحُ، وَيُعَامِلُ الْمَرْءُ مَا يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ أَذَى الْخَلْقِ كَمَا يُعَامِلُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ، كَمَا يُعَامِلُ ظَوَاهِرَ هَذَا الْكَوْنِ الَّتِي أَجْرَاهَا اللهُ عَلَى خَلْقِهِ فِي أَرْضِهِ، وَمَا يَصْنَعُ لَهُ؟!!

وَالْمَوْعِدُ الله.

نَسْأَلُ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَصِفَاتِهِ الْعُلَى، أَنْ يُعَلِّمَنَا مَا يَنْفَعُنَا، وَأَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا عَلَّمَنَا، وَأَنْ يَزِيدَنَا عِلْمًا.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ, صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَومِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((تَقْدِيمُ مَصْلَحَةِ الْأُمَّةِ عَلَى الْمَصَالِحِ الْخَاصَّةِ

بِالصَّبْرِ عَلَى جَوْرِ الْأَئِمَّةِ))

فَقَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ أُصُولِ الدِّينِ: الِاجْتِمَاعَ عَلَى الْحَقِّ، وَالِاعْتِصَامَ بِحَبْلِ اللهِ تَعَالَى.

فَقَدْ قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103].

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أَنَّهُمَا قَالَا: ((يَدُ اللهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ)). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((الْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ)). أَخْرَجَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي ((زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ))، وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي ((السُّنَّةِ)) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، كَمَا قَالَ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((تَحْقِيقِهِ عَلَى السُّنَّةِ)) لِابْنِ أَبِي عَاصِمٍ.

وَأَخْرَجَ الْآجُرِيُّ وَاللَّالَكَائِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((وَمَا تَكْرَهُونَ فِي الْجَمَاعَةِ خَيْرٌ مِمَّا تُحِبُّونَ فِي الْفُرْقَةِ)).

عِبَادَ اللهِ! إِذَا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ بِإِمَامٍ جَائِرٍ؛ فَإِنَّ الصَّبْرَ عَلَى جَوْرِهِ هُوَ سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ وَطَرِيقَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ عَلَيْهِ يُوجِبُ مِنَ الظُّلْمِ وَالْفَسَادِ أَكْثَرَ مِنْ ظُلْمِهِ.

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ؛ فَمِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ)). أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا)).

قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! فَمَا تَأْمُرُنَا؟

قَالَ: ((تَؤُدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُمْ)). أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.

وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: ((أَثَرَةٌ)): هِيَ الِانْفِرَادُ بِالشَّيْءِ عَمَّنْ لَهُ فِيهِ حَقٌّ وَتَعَلُّقٌ بِالْأَمْوَالِ.

وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: ((وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا)): أَيْ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ؛ إِمَّا بِالتَّقْصِيرِ فِيهَا، أَوْ بِإِحْدَاثِ الْبِدَعِ.

قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي بَيَانِ هَذَا الْأَصْلِ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ

: ((الْإِنْكَارُ عَلَى الْمُلُوكِ وَالْوُلَاةِ بِالْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ أَسَاسُ كُلِّ شَرٍّ وَفِتْنَةٍ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ.

وَمَنْ تَأَمَّلَ مَا جَرَى عَلَى الْإِسْلَامِ فِي الْفِتَنِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ رَآهَا مِنْ إِضَاعَةِ هَذَا الْأَصْلِ، وَعَدَمِ الصَّبْرِ عَلَى مُنْكَرٍ؛ فَطَلَبَ إِزَالَتَهُ؛ فَتَوَلَّدَ مِنْهُ مَا هُوَ أَكْبَرُ)).

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لَمَّا نَهَاهُمْ عَنِ الْخُرُوجِ عَلَى الْوَاثِقِ: اصْبِرُوا!

وَوَاللهِ مَا رَضِيَ الْإِمَامُ فَسَادًا، وَلَا فِي الْعَقِيدَةِ انْحِرَافًا، وَلَا رَضِيَ ظُلْمًا وَلَا جَوْرًا، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى الْمَصْلَحَةِ الْعُلْيَا لِلْأُمَّةِ، وَلَا يُضَيِّعُهَا مِنْ أَجْلِ الْمَصْلَحَةِ الصُّغْرَى.

فَالْمَصْلَحَةُ الْعُلْيَا تُقَدَّمُ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ-.

 ((الْمَصْلَحَةُ الْعُلْيَا لِلْأُمَّةِ أَوَّلًا.. ))

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ وَ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- -وَكَذَلِكَ مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مِنْ أَهْلِ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافِ وَالْغِنَى فِي الْعِلْمِ- مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ: أَنَّهُمْ يُرَاعُونَ الْمَصَالِحَ الْعُلْيَا لِلْأُمَّةِ؛ يُقَدِّمُونَ مَصْلَحَةَ الْأُمَّةِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْفَرْدِيَّةِ لَا يَعْتَبِرُونَهَا وَلَا يُبَالُونَ بِهَا.

 وَيَنْظُرُونَ إِلَى الْمَصَالِحِ الْعُلْيَا لِلْأُمَّةِ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ مَا نَالَ مِنَ الْأُمَّةِ عَدُوٌّ مِثْلَمَا نَالَتِ الْأُمَّةُ مِنْ نَفْسِهَا؛ بِاخْتِلَافِهَا وَتَدَابُرِ قُلُوبِ أَبْنَائِهَا.

 وَكَيْفَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ هَذَا هُوَ حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْهُمْ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ)).

قَدْ مَنَعَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ نَبِيَّهُ ﷺ هَذِهِ، لَمَّا سَأَلَ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- ألَّا يَجْعَلَ بَأْسَ الْأُمَّةِ بَيْنَهَا، قَالَ ﷺ: «سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا، فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ رَبِّي: أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا».

 وَحَذَّرَ مِنْ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؛ فَقَالَ: ((أَلَا لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا؛ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)).

  إِمَّا أَنْ يَكُونُوا كُفَّارًا بِالْمَعْنَى الَّذِي لَا يُخْرِجُهُمْ مِنْ دِينِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَإِنَّمَا يُشْبِهُونَ الْكُفَّارَ فِي إِقْبَالِهِمْ عَلَى سَفْكِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتِبَاحَةِ أَجْسَادِهِمْ وَأَرْوَاحِهِمْ، وَإِمَّا أَنْ يَشْتَطَّ مِنْهُمْ أَقْوَامٌ يُكَفِّرُونَ الْمُسْلِمِينَ تَكْفِيرًا، ثُمَّ يَرْفَعُونَ السُّيُوفَ عَلَى الرِّقَابِ.

النَّبِيُّ ﷺ فِي كُلِّ صَلَاةٍ يُصَلِّى فِيهَا بِالْمُسْلِمِينَ يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِمْ مُحَذِّرًا وَمُنْذِرًا، وَهَادِيًا وَمُعَلِّمًا، يَأْمُرُهُمْ بِالِاسْتِوَاءِ فِي الصُّفُوفِ: ((أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ)).

 يَأْمُرُهُمْ بِالِاسْتِوَاءِ؛ حَتَّى يَكُونُ الصَّفُّ كَالْقِدْحِ اسْتِوَاءً وَاعْتِدَالًا، أَبْدَانٌ مُتَرَاصَّةٌ، وَقُلُوبٌ مُتَحَابَّةٌ، مُتَلَاحِمَةٌ مُتَدَاخِلَةٌ مُتَمَازِجَةٌ، كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ؛ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ، وَيَهْبِطُ وَيَصْعَدُ، وَرَاءَ إِمَامِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ وَلَا اخْتِلَافٍ: ((لَا تَخْتَلِفُوا؛ فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُم)).

 فَيُحَذِّرُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ اخْتِلَافِ الْأَبْدَانِ فِي الصُّفُوفِ فِي الصَّلَاةِ، وَيُنَبِّهُ إِلَى أَمْرٍ جَلِيلٍ خَطِيرٍ فِي أَثَرِهِ عَلَى الْأُمَّةِ؛ أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَالَ فِي الِاسْتِوَاءِ فِي الصُّفُوفِ، وَهُوَ أَمْرٌ مَادِيٌّ مَحْضٌ، يُؤَدِّي عَلَى اخْتِلَافٍ بَاطِنِيٍّ يُؤَثِّرُ فِي الْقُلُوبِ، ((لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ)). 

الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، وَمَنْ بَعْدَهُمْ كَانُوا يُرَاعُونَ الْمَصْلَحَةَ الْعُلْيَا لِلْأُمَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمْ دَاعِيَةَ خِلَافٍ وَلَا اخْتِلَافٍ.

وَكَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَنْطِقَةَ الَّتِي كَانُوا يَتَحَرَّكُونَ فِيهَا يَنْبَغِي أَنْ تَسَعَهُمْ، فَإِذَا جَاءَتِ الْمَصْلَحَةُ الْعُلْيَا لِلْأُمَّةِ تَرَكُوا خِلَافَاتِهِمْ.

الَّذِي شَجَرَ بَيْنَ الْأَصْحَابِ، وَنَشِبَ بَيْنَهُمْ، وَأَدَّى إِلَى بَعْضِ الِاقْتِتَالِ بَيْنَ جُنْدِ عَلِيٍّ وَجُنْدِ مُعَاوِيَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- كَانَ مِنْ وِجْهَةِ نَظَرَيْهِمَا، بِاجْتِهَادَيْهِمَا؛ وَمِنْهُمْ مُجْتَهِدٌ مُخْطِئٌ لَهُ أَجْرٌ، وَمُجْتَهِدٌ مُصِيبٌ لَهُ أَجْرَانِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ-.

 كَانَا يَعْلَمَانِ أَنَّ مَا اخْتَلَفَا فِيهِ بِسَبَبِ الِاجْتِهَادِ، إِنَّمَا كَانَ فِي الْمَنْطِقَةِ الْمَسْمُوحِ بِهَا.

 لَمَّا أَرْسَلَ مَلِكُ الرُّومِ إِلَى مُعَاوِيَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- خِطَابًا يَعْرِضُ فِيهِ عَلَيْهِ أَنْ يَمُدَّهُ بِمَدَدٍ يُقَوِّيهِ بِهِ عَلَى عَلِيٍّ وَجُنْدِهِ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((أَلَا يَا ابْنَ الْكَافِرَةِ! أَمَا وَاللَّهِ، إِنْ لَمْ تَكُفَّ، فَإِنِّي سَأَصِيرُ إِلَى ابْنِ عَمِّي حَتَّى أَكُونَ مَعَهُ بِجُنْدِي، ثُمَّ نَسِيرُ إِلَيْكَ؛ حَتَّى نُرِيَكَ أَمْرَ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- )). بِمَعْنَى مَا قَالَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

كَانُوا يُرَاعُونَ الْمَصْلَحَةَ الْعُلْيَا لِلْأُمَّةِ..

يَحْرِصُونَ عَلَى الْأَرْضِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالْوَطَنِ الْإِسْلَامِيِّ!

يُقَاتِلُونَ دُونَهُ!

وَيُجَاهِدُونَ مَنْ أَرَادَ اغْتِصَابَهُ وَالِاعْتِدَاءَ عَلَيْهِ!

وَلَا يُحْدِثُونَ الْفَوْضَى وَلَا الشَّغْبَ فِيهِ!

وَلَا يَكُونُونَ إِلَى ذَلِكَ سَبَبًا وَلَوْ بِكَلِمَةٍ!

فَعُثْمَانُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -وَهُوَ الرَّاشِدُ الثَّالِثُ مِنَ الرَّاشِدِينَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ- عُثْمَانُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ظَلَّ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ يَقْصِرُ الرُّبَاعِيَّةَ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ فِي آخِرِ خِلَافَتِهِ كَانَ يُتِمُّ الرُّبَاعِيَّةَ فِي السَّفَرِ.

 وَوَقَعَ كَلَامٌ كَثِيرٌ، وَسُنَّةُ النَّبِيُّ ﷺ مَاضِيَةٌ بِقَصْرِ الرُّبَاعِيَّةِ فِي السَّفَرِ -بَلِ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ أَنَّ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ، بَلْ هُوَ وَاجِبٌ، كَمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ- وَالْمُحَقِّقُونَ-.

 وَلَكِنَّ عُثْمَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -وَهُوَ مِنَ الرَّاشِدِينَ بِنَصِّ كَلَامِ النَّبِيِّ الْأَمِينِ ﷺ: ((الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ عَامًا)) ، فَكَانَتْ بِخِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ خِلَافَةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ جَمِيعًا- فَتَمَّتْ ثَلَاثِينَ عَامًا، ثُمَّ صَارَتْ إِلَى مُعَاوِيَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ--.

 عُثْمَانُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بَدَا لَهُ فِي آخِرِ خِلَافَتِهِ أَنْ يُتِمَّ الرُّبَاعِيَّةَ فِي السَّفَرِ، وَلَا أَثَرَ، وَلَكِنَّهُ اجْتَهَدَ فِي ذَلِكَ  كَمَا وَرَدَ عَنْهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

 فَلَمَّا حَجَّ بِالنَّاسِ، وَهُوَ أَمِيرُ الْحَجِّ فِي عَامِهِ، أَتَمَّ الرُّبَاعِيَّةَ وَهُوَ مُسَافِرٌ، فَتَكَلَّمَ نَاسٌ كَثِيرُونَ، وَصَلَّى الْحَبْرُ الْجَلِيلُ ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- خَلْفَ عُثْمَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مُتِمًّا لِلصَّلَاةِ وَهُوَ مُسَافِرٌ، وَهُوَ يَعْلَمُ الْحُكْمَ، فَقِيلَ لَهُ:  أَمَا عَلِمْتَ مَا صَنَعَ صَاحِبُكَ؟!!

 قَالَ: عَلِمْتُ.

 قَالُوا: فَمَا صَنَعْتَ؟

 قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَهُ.

 قَالُوا: كَيْفَ تُصَلِّى خَلْفَهُ وَقَدْ خَالَفَ الرَّسُولَ ﷺ فِي هَدْيِهِ؟

  قَالَ: الْخِلَافُ شَرٌّ.

وَهَذَا أَمِيرُ الْعَامَّةِ، وَلَهُ اجْتِهَادٌ فِي الْأَمْرِ.

 مَاذَا كَانَ اجْتِهَادُهُ؟

 قَالَ عُثْمَانُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((إِنِّي أَمِيرُ عَامَّةٍ، وَيُصَلِّي وَرَائِي فِي الْمَوْسِمِ الْبَدَوِيُّ وَالْآفَاقِيُّ وَمَنْ لَيْسَ بِذِي عِلْمٍ، فَإِذَا دَاوَمُوا عَلَى صَلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ وَرَائِي ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ، ثُمَّ عَادُوا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى مَضَارِبِهِمْ، وَأَقْوَامِهِمْ، وَرَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ وَمَقَارِّهِمْ، قَالُوا جَاهِلِينَ: إِنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ كَمَا تُصَلُّونَ -يَقُولُونَ لِأَقْوَامِهِم- وَلَقَدْ صَلَّيْنَا وَرَاءَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَهُوَ ذُو النُّورَيْنِ وَكَذَا  وَكَذَا، صَلَّيْنَا وَرَاءَهُ الرُّبَاعِيَّةَ ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ، فَيَقَعُ خَلَلٌ عَظِيمٌ.

 فَاجْتَهَدَ -رَضِيَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهُ- فَكَانَ مَاذَا؟!!

 الصَّحَابَةُ يُرَاعُونَ الْمَصْلَحَةَ الْعُلْيَا لِلْأُمَّةِ، لَا يَخْتَلِفُونَ، وَإِنَّمَا حَتَّى إِذَا مَا وَقَعَ أَمْرٌ كَبِيرٌ فَإِنَّهُمْ يَسْلُكُونَ إِلَيْهِ سَوَاءَ السَّبِيلِ، وَلَا يَفْتَاتُونَ.

 كَمَا رُوجِعَ فِي ذَلِكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مِنْ قِبَلِ الْحِبِّ بْنِ الْحِبِّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ- لِأَنَّهُ رُوجِعَ: أَلَا تَدْخُلَ عَلَى عُثْمَانَ فَتَأْمُرَهُ وَتَنْهَاهُ؟!!

وَقَدْ أَخَذُوا عَلَيْهِ أُمُورًا بَرَأَّهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْهَا، وَمَنَعُوهُ مِنْ أُمُورٍ مَكَّنَهُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- مِنْهَا.

وَكُلُّ ذَلِكَ بِسَبَبِ تَنْزِيلِ النُّصُوصِ عَلَى غَيْرِ مَنَازِلِهَا، وَبِسَبَبِ الِافْتِئَاتِ عَلَى مَقَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ الرَّبَّانِيِّينَ!!

وَبِسَبَبِ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَنْ لَا كَلَامَ لَهُ فِي الْعِلْمِ أَصْلًا!!

 أَلَا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ فَتَأْمُرَهُ وَتَنْهَاهُ؟

 قَالَ: ((أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي لَا آمُرُهُ وَلَا أَنْهَاهُ إِلَّا أَنْ أُعْلِمَكُمْ، فَقَدْ دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَكَلَّمْتُهُ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَفْتَحُ بَابَ فِتْنَةٍ)).

 لَا يَقُومُ  إِلَيْهِ فِي مَحْفِلٍ، وَيَقُولُ: افْعَلْ كَذَا، وَلَا تَفْعَلْ كَذَا، وَاتَّقِ اللهَ،  وَكَلِمَةٌ لَا يُرَادُ بِهَا وَجْهُ اللهِ!! وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى الْمَصْلَحَةِ الْعُلْيَا لِلْأُمَّةِ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ ((الظُّلْمَ مِنْ مَلِيكٍ غَشُومٍ خَيْرٌ مِنْ فِتْنَةٍ تَدُومُ))، هَذَا كَلَامُ سَلَفِكُمْ، وَالْأَمْرُ لَا يَأْتِي مِنْ هَا هُنَا -مِنَ الْأَرْضِ-، وَإِنَّمَا يَأْتِي مِنْ هَا هُنَا -مِنَ السَّمَاءِ-.

وَإِنَّمَا يَنْزِلُ بِكُمْ مِنَ الْعِقَابِ إِنَّمَا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ، فَغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِكُمْ حَتَّى يُغَيِّرَ لَكُمْ، فَلَوْ وَقَفْتُمْ أَمَامَ مِرْآتِكُمْ شَعْبًا مَصْفُوفًا، فَنَظَرْتُمْ لَرَأَيْتُمْ صُوَرَكُمْ صُوَرَ حُكَّامِكُمْ وَأُمَرَائِكُمْ.

 فَإِنِ ارْتَبْتُمْ  فِي شَيْءٍ فَأَصْلِحُوا مِنْ أَنْفُسِكُمْ يُصْلِحُ اللهُ لَكُمْ.

هَذَا سَبِيلُ السَّلَفِ، وَهُوَ مَدْعَاةُ الْأُلْفَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَصِلُ إِلَى حَقِيقَتِهِ إِلَّا بِتَعَلُّمِ حَقِيقَةِ الدِّينِ، وَهُوَ أَمْرٌ وَاضِحٌ وَمُبِينٌ، كيف؟

كِتَابُ اللهِ وَسُنَّةُ رَسُولِ اللهِ بِفَهْمِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ.

أَمَّا أَنْ تَتْبَعَ آرَاءَ الرِّجَالِ! إِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ سَتَضِلُّ بِكُلِّ سَبِيلٍ، فَاتَّقِ اللهَ فِي نَفْسِكَ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا تُقَامِرُ بِآخِرَتِكَ، وَلَيْسَ لَكَ بَعْدَهَا مِنْ بَعْدٍ.

 فَاتَّقِ اللهَ فِي مُسْتَقْبَلِكَ الْحَقِّ، وَإِيَّاكَ وَتَحَزُّبَاتِ الْخَلْقِ، وَأَقْبَلْ عَلَى دِينِكَ، وَإِيَّاكَ وَالتَّعَصُّبَ لِلرِّجَالِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُهْلِكٌ أَيَّمَا إِهْلَاكٍ.

 الدِّينُ وَاضِحٌ وَمُبِينٌ، وَعَلَيْهِ نُورٌ وَلَأْلَاءٌ، وَفِي السُّنَّةِ بَرْدُ الْيَقِينِ، وَطُمَأْنِينَةُ الْإِيمَانِ.

 اتَّقُوا اللهَ!

أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ الْمَرْحُومَةُ! تَمَسَّكِي بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ وَفَهْمِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-.

تَعُودِي إِلَى الْأَمْرِ الْعَتِيقِ، إِلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ يَخْرُجُ النَّاسُ مِنَ الْخِلَافِ، تَتَآلَفُ الْقُلُوبُ، وَتَتَوَحَّدُ الْوِجْهَةُ، وَتَتَآزَرُ الْقُوَى، وَتَتَسَانَدُ الْأَبْدَانُ، وَتَتَعَاظَمُ السَّوَاعِدُ بِنَاءً فِي هَذَا الْوَطَنِ.

 نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَعْصِمَهُ مِنَ الْفِتَنِ ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا؛ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَكَذَلِكَ فِي أَوْطَانِ الْمُسْلِمِينَ.

وَالْعِلْمُ الَّذِي يَأْتِي بِهِ كُلُّ جَهُولٍ، قَدْ أَوْصَلَ أَبْنَاءَ الْأُمَّةِ -إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللهُ- إِلَى حَدِّ التَّفْرِيطِ فِي تُرَابِ أَوْطَانِهِمُ الْإِسْلَامِيَّةِ، كَأَنَّهَا لَا شَيْءَ!!

 بَلْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يَسْعَى جَاهِدًا، وَيَعْمَلُ دَائِبًا؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا مَنْ هُوَ كَافِرٌ بِاللَّهِ، مُكَذِّبٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ!!

 وَالْخَوَارِجُ القَعَدُ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الْمُهَيِّجَةِ الثُّوَّارِ الَّذِينَ لَا يَخْرُجُونَ، وِإِنَّمَا يُهَيِّجُونَ وَيُثَوِّرُونَ، هَؤُلَاءِ جَاهِدُونَ دَائِبُونَ فِي الْوُصُولِ إِلَى تِلْكَ النَّتِيجَةِ، لَا تُسَلِّمْ زِمَامَ قَلْبِكَ لِغَيْر دِينِ رَبِّكَ، وَلَا تَتْبَعْ غَيْرَ نَبِيِّكَ ﷺ.

 كُنْ عَاقِلًا! وَنَزِّلْ عَمَلَكَ فِي دِينِكَ، عَمَلَكَ فِي بَدَنِكَ، كُنْ عَاقِلًا!

لَا تَكُنْ ظَالِمًا وَلَا جَاهِلًا؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ إِذَا أُصِيبَ بِوَعْكَةٍ فِي بَدَنِهِ، نَظَرَ الْحُذَّاقَ مِنَ الرُّفَقَاءِ، وَبَذَلَ الْمَالَ وَالْمَجْهُودَ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُدَاوِيَ الْخَلَلَ، وَأَنْ يُصْلِحَ الْفَاسِدَ، هَذَا فِي بَدَنِهِ، وَبَدَنُهُ إِلَى التُّرَابِ.

 وَأَمَّا قَلْبُهُ وَدِينُهُ؛ فَإِنَّهُ يَسْتَفْتِي فِيهِ كُلَّ جَهُولٍ مِمَّنْ لَمْ يُشْهَدْ لَهُ بِالْعِلْمِ الْأَصِيلِ!!

 وَهَذَا كُلُّهُ مِنَ الْخُطُورَةِ بِمَكَانٍ!!

فَاتَّقُوا اللهَ فِي وَطَنِكُمْ -عِبَادَ اللهِ-، وَاتَّقُوا اللهَ فِي أَوْطَانِكُمْ -أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ-؛ فَإِنَّهَا  مُسْتَهْدَفَةٌ مُرَادَةٌ مَطْلُوبَةٌ، تَآزَرُوا، وَتَعَاوَنُوا، وَنَمُّوا الْمَوْجُودَ حَتَّى تُحَصِّلُوا الْمَفْقُودَ، وَلَا تَتَّبِعُوا السَّرَابَ؛ فَإِنَّهُ هَبَاءٌ يُفْضِي إِلَى يَبَابٍ.

وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.

((تَقْدِيمُ الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ فِي حَالَاتٍ يُهْلِكُ الْجَمِيعَ!!))

عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ, قَالَ: ((مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا؟! فَإِنْ يَتَرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا)).

أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ)) ، وَلَفْظُهُ فِيهِ: ((مَثَلُ الْمُدْهِنِ فِي حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا مَثَلُ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا سَفِينَةً فَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَسْفَلِهَا وَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَعْلَاهَا، فَكَانَ الَّذِين فِي أَسْفَلِهَا يَمُرُّونَ بِالْمَاءِ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا فَتَأَذَّوْا بِهِ، فَأَخَذَ فَأْسًا فَجَعَلَ يَنْقُرُ أَسْفَلَ السَّفِينَةِ، فَأَتَوْهُ؛ فَقَالُوا: مَا لَكَ؟!

قَالَ: تَأَذَّيْتُمْ بِي، وَلَا بُدَّ لِي مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَنْجَوْهُ وَنَجَوْا جَمِيعًا، وَإِنْ تَرَكُوهُ أَهْلَكُوهُ، وَأَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ)).

قَالَ الْحَافِظُ: ((مَثَلُ الْمُدْهِنِ)): الْمُدْهِنُ وَالْمُدَاهِنُ وَاحِدٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ يُرَائِي، وَيُضَيِّعُ الْحُقُوقَ، وَلَا يُغَيِّرُ الْمُنْكَرَ.

((اسْتَهَمُوا سَفِينَةً)): أَيِ اقْتَرَعُوهَا، فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَهْمًا؛ أَيْ: نَصِيبًا مِنَ السَّفِينَةِ بِالْقُرْعَةِ.

وَفِي الْحَدِيثِ: تَعْذِيبُ الْعَامَّةِ بِذَنْبِ الْخَاصَّةِ، وَالتَّعْذِيبُ الْمَذْكُورُ إِذَا وَقَعَ فِي الدُّنْيَا عَلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ فَإِنَّهُ يُكَفَّرُ بِهِ مِنْ ذُنُوبِهِ إِذَا وَقَعَ عَلَيْهِ، أَوْ يَرْفَعُ اللهُ لَهُ بِهِ دَرَجَتَهُ.

قَالَ الرَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((إِنِّي كَثِيرًا مَا أَقِفُ عِنْدَ الْحَدِيثِ الدَّقِيقِ أَتَعَرَّفُ أَسْرَارَهُ، فَإِذَا هُوَ يَشْرَحُ لِي وَيَهْدِينِي بِهَدْيِهِ؛ ثُمَّ أُحِسُّهُ كَأَنَّمَا يَقُولُ لِي مَا يَقُولُ الْمُعَلِّمُ لِتِلْمِيذِهِ: أَفَهِمْتَ؟!!

وَقَفْتُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﷺ: ((إِنَّ قَوْمًا رَكِبُوا سَفِينَةً.. )). وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

وَقَفْتُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِيثِ؛ فَكَانَ لَهُ فِي نَفْسِي كَلَامٌ طَوِيلٌ عَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَخُوضُونَ مَعَنَا الْبَحْرَ وَيُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ بِالْمُجَدِّدِينَ، وَيَنْتَحِلُونَ ضُرُوبًا مِنَ الْأَوْصَافِ؛ كَـ (حُرِّيَّةِ الْفِكْرِ)، وَ(الْغَيْرَةِ)، وَ(الْإِصْلَاحِ)؛ وَلَا يَزَالُ أَحَدُهُمْ يَنْقُرُ مَوْضِعَهُ مِنْ سَفِينَةِ دِينِنَا، وَأَخْلَاقِنَا، وَآدَابِنَا بِفَأْسِهِ -أَيْ: بِقَلَمِهِ- زَاعِمًا أَنَّهُ مَوْضِعُهُ مِنَ الْحَيَاةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ يَصْنَعُ فِيهِ مَا يَشَاءُ، وَيَتَوَلَّاهُ كَمَا يُرِيدُ، مُوَجِّهًا لِحَمَاقَتِهِ وُجُوهًا مِنَ الْمَعَاذِيرِ وَالْحُجَجِ، مِنَ الْمَدَنِيَّةِ، وَالْفَلْسَفَةِ، جَاهِلًا أَنَّ الْقَانُونَ فِي السَّفِينَةِ إِنَّمَا هُوَ قَانُونُ الْعَاقِبَةِ دُونَ غَيْرِهَا.

فَالْحُكْمُ لَا يَكُونُ عَلَى الْعَمَلِ بَعْدَ وُقُوعِهِ كَمَا يُحْكَمُ عَلَى الْأَعْمَالِ الْأُخْرَى؛ بَلْ قَبْلَ وُقُوعِهِ.

وَالْعِقَابُ لَا يَكُونُ عَلَى الْجُرْمِ يَقْتَرِفُهُ الْمُجْرِمُ كَمَا يُعَاقَبُ اللِّصُّ وَالْقَاتِلُ وَغَيْرُهُمَا، بَلْ عَلَى الشُّرُوعِ فِيهِ، بَلْ عَلَى تَوَجُّهِ النِّيَّةِ إِلَيْهِ.

فَلَا حُرِّيَّةَ هُنَا فِي عَمَلٍ يُفْسِدُ خَشَبَ السَّفِينَةِ أَوْ يَمَسُّهُ مِنْ قُرْبٍ أَوْ بُعْدٍ مَا دَامَتْ مُلَجِّجَةً فِي بَحْرِهَا، سَائِرَةً إِلَى غَايَتِهَا؛ إِذْ كَلِمَةُ (الْخَرْقُ) لَا تَحْمِلُ فِي السَّفِينَةِ مَعْنَاهَا الْأَرْضِيَّ، وَهُنَاكَ لَفْظَةُ: (أَصْغَرُ خَرْقٍ) لَيْسَ لَهَا إِلَّا مَعْنًى وَاحِدٌ وَهُوَ (أَوْسَعُ قَبْرٍ).

فَفَكِّرْ فِي أَعْظَمِ فَلَاسِفَةِ الدُّنْيَا مَهْمَا يَكُنْ مِنْ حُرِّيَّتِهِ وَانْطِلَاقِهِ، فَهُوَ هَا هُنَا مَحْدُودٌ عَلَى رَغْمِ أَنْفِهِ بِحُدُودٍ مِنَ الْخَشَبِ وَالْحَدِيدِ, تُفَسِّرُهَا فِي لُغَةِ الْبَحْرِ حُدُودُ الْحَيَاةِ وَالْمَصْلَحَةِ.

كَمَا أَنَّ لَفْظَةَ (الْخَرْقِ) يَكُونُ مِنْ مَعَانِيهَا فِي الْبَحْرِ: الْقَبْرُ وَالْغَرَقُ وَالْهَلَاكُ، فَكَلِمَةُ (الْفَلْسَفَةِ) يَكُونُ مِنْ بَعْضِ مَعَانِيهَا فِي الِاجْتِمَاعِ: الْحَمَاقَةُ وَالْغَفْلَةُ وَالْبَلَاهَةُ،وَكَلِمَةُ (الْحُرِّيَّةِ) يَكُونُ مِنْ مَعَانِيهَا: الْجِنَايَةُ وَالزَّيْغُ وَالْفَسَادُ.

وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ اللُّغَوِيِّ؛ فَالْقَلَمُ فِي أَيْدِي بَعْضِ الْكُتَّابِ مِنْ مَعَانِيهِ: الْفَأْسُ، وَالْكَاتِبُ مِنْ مَعَانِيهِ: الْمُخَرِّبُ، وَالْكِتابَةُ مِنْ مَعَانِيهَا: الْخِيَانَةُ)).

عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((مَثَلُ الْقَائِمِ فِي حُدُودِ اللهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا)) الْقَائِمُ فِيهَا؛ يَعْنِي: الَّذِي اسْتَقَامَ عَلَى دِينِ اللهِ فَقَامَ بِالْوَاجِبِ وَتَرَكَ الْمُحَرَّمَ, وَالْوَاقِعُ فِيهَا؛ أَيْ: فِي حُدُودِ اللهِ, أَيْ: الْفَاعِلُ لِلْمُحَرَّمِ أَوِ التَّارِكُ لِلْوَاجِبِ.

((كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ))؛ يَعْنِي: ضَرَبُوا سَهْمًا، وَهُوَ مَا يُسَمَّى بِالْقُرْعَةِ أَيُّهُمْ يَكُونُ الْأَعْلَى.

((فَصَارَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، وَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا الْمَاءَ))؛ يَعْنِي: إِذَا طَلَبُوا الْمَاءَ لِيَشْرَبُوا مِنْهُ.

((مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ))؛ يَعْنِي: الَّذِينَ فِي أَعْلَى السَّفِينَةِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ إِلَّا مِنْ فَوْقَ.

((فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا))؛ يَعْنِي: لَوْ نَخْرِقُ خَرْقًا فِي مَكَانِنَا نَسْتَقِي مِنْهُ؛ حَتَّى لَا نُؤْذِيَ مَنْ فَوْقَنَا، هَكَذَا قَدَّرُوا وَأَرَادُوا.

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا))؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا خَرَقُوا خَرْقًا فِي أَسْفَلِ السَّفِينَةِ؛ دَخَلَ الْمَاءُ، ثُمَّ أَغْرَقَ السَّفِينَةَ.

((وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ))؛ وَمَنَعُوهُمْ مِنْ ذَلِكَ؛ ((نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا))؛ يَعْنِي: نَجَا هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ.

وَهَذَا الْمَثَلُ الَّذِي ضَرَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ مِنَ الْأَمْثَالِ الَّتِي لَهَا مَغْزًى عَظِيمٌ، وَمَعْنًى عَالٍ, فَالنَّاسُ فِي دِينِ اللهِ كَالَّذِينَ فِي سَفِينَةٍ فِي لُجَّةِ النَّهْرِ, فَهُمْ تَتَقَاذَفُهُمُ الْأَمْوَاجُ, وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ -إِذَا كَانُوا كَثِيرِينَ- فِي الْأَسْفَلِ, وَبَعْضُهُمْ فِي أَعْلَى؛ حَتَّى تَتَوَازَنَ حُمُولَةُ السَّفِينَةِ, وَحَتَّى لَا يُضَيِّقَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.

وَفِيهِ: أَنَّ هَذِهِ السَّفِينَةَ الْمُشْتَرَكَةَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ؛ إِذَا أَرَادَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يُخَرِّبَهَا؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يُمْسِكُوا عَلَى يَدَيْهِ، وَأَنْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ؛ لِيَنْجُوا جَمِيعًا, فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا هَلَكُوا جَمِيعًا.

هَكَذَا دِينُ اللهِ؛ إِذَا أَخَذَ الْعُقَلَاءُ وَأَهْلُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ عَلَى الْجُهَّالِ وَالسُّفَهَاءِ نَجَوْا جَمِيعًا, وَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا, كَمَا قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 25].

وَنَحْنُ جَمِيعًا فِي سَفِينَةِ الْوَطَنِ، وَمَا أَكْثَرَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ مَعَاوِلَهُمْ وَفُئُوسَهُمْ؛ لِيَخْرِقُوا السَّفِينَةَ لِيُغْرِقُوهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجِدُوا أَحَدًا يَأْخُذُ عَلَى أَيْدِيهِمْ!!

إِنَّ رَأْسَ الدَّوْلَةِ وَرَئِيسَهَا يُصَرِّحُ لِلْقَوْمِ جَمِيعًا أَنَّ الدَّوْلَةَ مُهَدَّدَةٌ, وَقَبْلَ ذَلِكَ صَرَّحَ لَهُمْ أَنَّ الْمُؤَامَرَةَ قَدْ أَفْلَحَتْ مِصْرُ فِي تَعْطِيلِهَا, لَا فِي وَأْدِهَا وَلَا فِي إِحْبَاطِهَا, وَإِنَّمَا قَالَ: (فِي تَعْطِيلِهَا), فَالْمُؤَامَرَةُ مُسْتَمِرَّةٌ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالْقَوْمُ لَا يَرْعَوُونَ عَنْ سَفَاهَاتِهِمْ!!

وَهَذَا الْإِعْلَامُ يَضْرِبُ فِي كُلِّ سَبِيلٍ بِمَا يَؤُزُّ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ عَلَى الدَّوْلَةِ, وَيُقَلِّبُ النُّفُوسَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ, وَيُثِيرُ الْأَحْقَادَ وَيُهَيِّجُ الْفِتَنَ, هَؤُلَاءِ يَحْمِلُونَ مَعَاوِلَهُمْ؛ لِيَخْرِقُوا سَفِينَةَ الْوَطَنِ, وَلَا بُدَّ مِنَ الْأَخْذِ عَلَى أَيْدِيهِمْ؛ فَإِنَّ الدَّوْلَةَ مُهَدَّدَةٌ.

وَعِنْدَمَا يَقُولُ رَأْسُ الدَّوْلَةِ وَرَئِيسُهَا: إِنَّ الدَّوْلَةَ مُهَدَّدَةٌ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقُولُ ذَلِكَ عَنْ كَذِبٍ وَلَا مُبَالَغَةٍ، وَمَا عَهِدُوا عَلَيْهِ كَذِبًا وَلَا مُبَالَغَةً, وَإِنَّمَا يَقُولُهُ عَنْ رُؤْيَةٍ وَبَصِيرَةٍ عَنْ وَاقِعٍ يَعْلَمُهُ عِلْمَ يَقِينٍ.

غَيْرَ أَنَّهُ مِنْ أَسَاسِيَّاتِ الْأَمْنِ الْقَوْمِيِّ أَلَّا يُصَرَّحَ بِتَفَاصِيلِهِ, وَيَكْفِي أَنْ يَفْهَمَ كُلُّ ذِي عَقْلٍ أَنَّ الدَّوْلَةَ مُهَدَّدَةٌ, فَمَاذَا تُرِيدُونَ بَعْدَ ذَلِكَ؟!!

وَالْمُؤَامَرَةُ عُطِّلَتْ وَلَمْ تُحْبَطْ, فَهِيَ مَاضِيَةٌ تَتَجَمَّعُ خُيُوطُهَا وَأَطْرَافُهَا مِنْ أَجْلِ أَنْ تُحْكِمَ الْخِنَاقَ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمِصْرِيَّةِ, وَالْمِصْرِيُّونَ لَا يُبَالُونَ! فَمَتَى يَرْعَوُونَ؟! وَمَتَى يُدْرِكُونَ؟!

وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ عَلَى الْإِجْمَاعِ وَيَخْبِطُونَ فِي خَشَبِ السَّفِينَةِ؛ لِيَخْرِقُوهَا يُرِيدُونَ إِغْرَاقَهَا, يَعْمَلُونَ لِحِسَابِ مَنْ؟!!

إِنَّهُ مِمَّا يَتَوَجَّبُ عَلَى الْمَرْءِ الْآنَ أَنْ يُرَاعِيَ الْمَصْلَحَةَ الْعُلْيَا لِهَذَا الْوَطَنِ, فَهَذَا وَطَنٌ مُسْلِمٌ, وَهَذِهِ أَرْضٌ يَحْيَا عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ مُنْذُ قُرُونٍ, وَيَنْبَغِي عَلَيْهِمْ أَنْ يُحَافِظُوا عَلَيْهَا وَأَلَّا يُضَيِّعُوهَا!!

وَلَكِنَّ طَائِفَةً مِنْ هَذَا الشَّعْبِ الْأَبِيِّ الْكَرِيمِ تَأْبَى إِلَّا أَنْ تَدْفَعَ سَفِينَةَ الْوَطَنِ إِلَى الصُّخُورِ الْوَعْرَةِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ تَرْتَطِمَ بِهَا, وَيُحَاوِلُونَ جَاهِدِينَ أَنْ يَخْرِقُوهَا لِيُغْرِقُوهَا!!

وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ لِلْعُقَلَاءِ: ((فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا, وَإِنْ تَرَكُوهُمْ هَلَكُوا وَهَلَكُوا جَمِيعًا))

فَعَلَى كُلِّ مِصْرِيٍّ أَنْ يَنْتَبِهَ، وَأَنْ يَأْخُذَ عَلَى أَيْدِي السُّفَهَاءِ؛ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ أَقْلَامَهُمْ أَوْ فُؤُوسَهُمْ أَوْ يُهَرِّفُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ تَضْرِبُ بَيْنَ أَشْدَاقِهِمْ بِكُلِّ مَا يَضُرُّ الْوَطَنَ وَمَصْلَحَتَهُ, وَبِكُلِّ مَا يَعْبَثُ بِالْأَمْنِ الْقَوْمِيِّ لِهَذَا الْبَلَدِ.

((نِدَاءٌ إِلَى الْمِصْرِيِّينَ بِتَقْدِيمِ مَصْلَحَةِ الْوَطَنِ الْعُلْيَا))

أَيُّهَا الْمِصْرِيُّونَ! إِنَّ الْمَصْلَحَةَ الْعُلْيَا تَفْرِضُ عَلَيْكُمُ الْآنَ أَنْ تَتْرُكُوا خِلَافَاتِكُمُ الصَّغِيرَةَ، وَتَرْتَفِعُوا فَوْقَ نِزَاعَاتِكُمُ الْقَلِيلَةِ، وَتَصْطَفُّوا خَلْفَ قِيَادَتِكُمُ الْبَصِيرَةِ.

أَيُّهَا الْمِصْرِيُّونَ! تَحَمَّلُوا مَسْئُولِيَّتَكُمْ، وَأَدُّوا أَمَانَتَكُمْ، وَاصْبِرُوا وَصَابِرُوا، وَدَعُوا خِلَافَاتِكُمْ جَانِبًا، وَاجْعَلُوهَا تَحْتَ مَوَاطِئِ أَقْدَامِكُمْ، فَالْأَمْرُ جِدٌّ، وَالظَّرْفُ دَقِيقٌ، وَالْمَخَاطِرُ جَمَّةٌ، وَالطَّرِيقُ وَعْرٌ مَخُوفٌ، وَاللهُ يَرْعَاكُمْ، وَيُسَدِّدُ خُطَاكُمْ، وَيُسَلِّمُكُمْ وَيُسَلِّمُ بَلَدَكُمْ مِنْ كُلِّ سُوءٍ.

وَأَمَّا أَهْلُ الدَّعْوَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَقُولُ لَهُمْ:

اتَّقُوا اللهَ، وَاتَّبِعُوا مِنْهَاجَ نَبِيِّكُمْ، وَسَبِيلَ سَلَفِكُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ فِي الْعَقِيدَةِ وَالْعَمَلِ، عَلِّمُوا النَّاسَ مَا يَنْفَعُهُمْ، وَأَرْشِدُوهُمْ إِلَى صَالِحِهِمْ، وَانْشُرُوا الْحُبَّ وَالسَّلَامَ بَيْنَهُمْ.

عَلِّمُوا النَّاسَ مُجْمَلَ الِاعْتِقَادِ، وَكُفُّوا عَنِ الْعَوَامِّ خِلَافَاتِكُمْ، وَارْتَفِعُوا فَوْقَ مَآرِبِكُمُ الْخَاصَّةِ، وَخُصُومَاتِكُمُ الشَّخْصِيَّةِ!!

وَانْظُرُوا الْآنَ إِلَى مَصْلَحَةِ الدِّينِ الْعُلْيَا؛ فَإِنَّ مِصْرَ فِي هَذَا الْعَصْرِ هِيَ حَائِطُ الصَّدِّ لِلْإِلْحَادِ وَالزَّيْغِ وَالتَّكْفِيرِ وَالْإِرْهَابِ وَالْعُنْفِ.

وَوَرَاءَ مِصْرَ فِي هَذَا الْعَصْرِ -كَمَا كَانَ فِي عُصُورٍ خَلَتْ- أَقْطَارٌ وَدُوَلٌ إِسْلَامِيَّةٌ، جَعَلَ اللهُ ثَبَاتَهَا عَلَى الدِّينِ، وَتَمَاسُكَ بُنْيَانِهَا، وَاسْتِقْرَارَ أَهْلِهَا، جَعَلَ اللهُ ذَلِكَ رَهْنًا بِثَبَاتِ مِصْرَ وَتَمَاسُكِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا.

فَيَا أَهْلَ الدَّعْوَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ! اتَّقُوا اللهَ فِي أُمَّتِكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ وُقُوعَ الْفَوْضَى، وَقَطْعَ السُّبُلِ، وَنَهْبَ الْأَمْوَالِ، وَإِرَاقَةَ الدِّمَاءِ، وَإِزْهَاقَ الْأَرْوَاحِ، وَنَشْرَ الْفَوْضَى، وَبَثَّ الْفَزَعِ، وَالْقَتْلَ عَلَى الْهُوِيَّةِ، كُلُّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِالدِّينِ وَلَا يَنْفَعُهُ، وَيُعَطِّلُ الشَّعَائِرَ، وَيَهْدِمُ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ، وَيُؤَصِّلُ لِمَسَاوِيهَا، وَيَزِيدُ الشَّرَّ، وَيُقَلِّلُ الْخَيْرَ!

فَاتَّقُوا اللهَ -مَعَاشِرَ الدُّعَاةِ- وَاجْتَمِعُوا عَلَى السُّنَّةِ، وَاتَّحِدُوا عَلَى التَّوْحِيدِ.

وَيَا مَنْ تَقَرَّحَتْ نُفُوسُهُمْ، وَوَرِمَتْ أُنُوفُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ، وَمِنْ بَعْضِ أَهْلِ الدَّعْوَةِ إِلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ؛ خُصُومَاتُكُمْ شَخْصِيَّةٌ، وَمَآرِبُكُمْ ذَاتِيَّةٌ، وَالدَّعْوَةُ أَجَلُّ جَلَالًا مِنْ أَهْدَافِكُمْ، وَأَعْلَى كَعْبًا مِنْ مَقْصُودِكُمْ وَأَغْرَاضِكُمْ، فَدَعُوا هَذَا جَانِبًا، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا.

يَا أَهْلَ الدَّعْوَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ! عَلِّمُوا النَّاسَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ تِجَاهَ وُلَاةِ أُمُورِهِمْ، وَبَيِّنُوا لَهُمْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَآثَارِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ كَيْفِيَّةَ مُعَامَلَةِ حُكَّامِهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يُؤَدُّوا مَا عَلَيْهِمْ، وَيَسْأَلُوا اللهَ الَّذِي لَهُمْ، وَلَا يَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةِ.

أَيُّهَا الدُّعَاةُ! بَصِّرُوا النَّاسَ بِحَقِيقَةِ دِينِهِمْ، وَجَلَالِ مُعْتَقَدِهِمْ، وَسَلَامَةِ مَنْهَجِهِمْ، وَحُثُّوهُمْ عَلَى أَنْ يَعِيشُوا بِالْوَحْيِ؛ فَإِنَّ الْوَحْيَ مَعْصُومٌ.

قُولُوا لِلنَّاسِ: عِيشُوا بِالْوَحْيِ، وَاسْتَعِينُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ عَلَى أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ؛ فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللهِ لَا يُنَالُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ.

وَاصْبِرُوا أَيُّهَا الْمِصْرِيُّونَ عَلَى الْمُعَانَاةِ مَعَ حِفْظِ الْأَرْوَاحِ وَالْأَعْرَاضِ، فَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى الْمُعَانَاةِ مَعَ ضَيَاعِهِمَا.

وَاللهُ يَتَوَلَّاكُمْ، وَيَجْمَعُ شَمْلَكُمْ، وَيُوَحِّدُ كَلِمَتَكُمْ عَلَى الدَّعْوَةِ إِلَى التَّوْحِيدِ وَالِاتِّبَاعِ، وَهُوَ تَعَالَى الْهَادِي إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.

اللهم احْفَظْ مِصْرَ قِيَادَةً وَشَعْبًا، وَجَيْشًا وَأَمْنًا، وَدِيَارًا وَأَرْضًا وَنَهْرًا، وَأَنْتَ الْحَفِيظُ الْعَزِيزُ.

اللهم احْفَظْ مِصْرَ وَجَمِيعَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْفِتَنِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ أَبْنَائِهَا، وَوَحِّدْ صَفَّهُمْ، وَسَدِّدْ وُلَاةَ أُمُورِهِمْ، وَوَفِّقْهُمْ لِمَا فِيهِ خَيْرُ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

 

المصدر:تَقْدِيمُ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ عَلَى الْخَاصَّةِ وَأَثَرُهَا فِي اسْتِقْرَارِ الْمُجْتَمَعَاتِ وَبِنَاءِ الدُّوَلِ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  بيان للمصريين عامة وللدعاة خاصة
  قُوا أنفسَكم وأهليكم نارًا
  حُسْنُ الخُلُقِ سَبَبُ بِنَاءِ المُجْتَمِعِ الصَّالِحِ
  عرفت فالزم
  مَنْزِلَةُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَالْمُؤَامَرَةُ عَلَى مِصْرَ الْآنَ!!
  فَهْمُ مَقَاصِدِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَصَلَاحِيَتُهَا لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ
  الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ 1
  نَصَائِحُ الْنَّبِيِّ الأَمِين لِتُجَّارِ المُسْلِمِين
  خوارج العصر والتكفير
  داعش وذبح الأقباط المصريين
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان