الْبِرُّ وَالْوَفَاءُ وَرِسَالَةٌ هَامَّةٌ وَمُتَجَدِّدَةٌ إِلَى الْمِصْرِيِّينَ

الْبِرُّ وَالْوَفَاءُ  وَرِسَالَةٌ هَامَّةٌ وَمُتَجَدِّدَةٌ إِلَى الْمِصْرِيِّينَ

((الْبِرُّ وَالْوَفَاءُ

وَرِسَالَةٌ هَامَّةٌ وَمُتَجَدِّدَةٌ إِلَى الْمِصْرِيِّينَ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ الله، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((حُسْنُ الخُلُقِ مِنْ كُبْرَى غَايَاتِ دِينِنَا))

فَقَدْ حَصَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْغَايَةَ مِنَ الْبَعْثَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فِي تَمَامِ صَالِحِ الْأَخْلَاقِ، فَقَالَ ﷺ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ؛ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ».

أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي «الْأَدَبِ»، وَالْحَاكِمُ، وَأَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ شَاكِرٍ، وَالشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا.

فَلَا عَجَبَ إِذَنْ أَنْ يَكُونَ حُسْنُ الْخُلُقِ غَايَةَ الْغَايَاتِ فِي سَعْيِ الْعَبْدِ لِاسْتِكْمَالِ الصِّفَاتِ عَلَى أَسَاسٍ مِنَ التَّوْحِيدِ الْمَكِينِ، وَثَابِتِ الْإِخْلَاصِ وَالْيَقِينِ.

وَقَدْ كَانَ إِمَامُ الْأَنْبِيَاءِ ﷺ فِي «حُسْنِ الْخُلُقِ» عَلَى الْقِمَّةِ الشَّامِخَةِ، وَفَوْقَ الْغَايَةِ وَالْمُنْتَهَى، فَكَانَ كَمَا قَالَ عَنْهُ رَبُّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].

وَهُوَ ﷺ مَعَ ذَلِكَ لَا يَنْفَكُّ يَدْعُو رَبَّهُ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ بِقَوْلِهِ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الأَخْلاقِ؛ فَإِنَّهُ لا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

يَطْلُبُ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يُرْشِدَهُ لِصَوَابِ الْأَخْلَاقِ، وَيُوَفِّقَهُ لِلتَّخَلُّقِ بِهِ، وَأَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ قَبِيحَ الْأَخْلَاقِ وَمَذْمُومَ الصِّفَاتِ، وَيُبْعِدَ ذَلِكَ عَنْهُ، مَعَ أَنَّهُ ﷺ عَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وَمَعَ أَنَّ خُلَقَهُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ.

أَخْبَرَ سَعْدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-، فَقَالَ: «قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟

قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟

قُلْتُ: بَلَى.

قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَمَعْنَى أنَّ خُلُقَهُ الْقُرْآنُ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِهِ، وَيَقِفُ عِنْدَ حُدُودِهِ، وَيَتَأَدَّبُ بِآدَابِهِ، وَيَعْتَبِرُ بِأَمْثَالِهِ وَقَصَصِهِ، وَيَتَدَبَّرُهُ، وَيُحْسِنُ تِلَاوَتَهُ.

 ((الْبِرُّ وَالْوَفَاءُ فِي دِينِ خَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ ﷺ ))

وَمِنْ أَسْمَى الْأَخْلَاقِ، وَأَجْمَلِ الصِّفَاتِ فِي دِينِنَا الْعَظِيمِ الْبِرُّ وَالْوَفَاءُ.

 


 

*مَعْنَى الْبِرِّ:

عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبيِّ ﷺ، قَالَ: ((الْبِرُّ: حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ: مَا حَاكَ في نَفْسِكَ، وكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عليهِ النَّاسُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) .

الْبِرُّ: اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ وَكُلِّ فِعْلٍ مَرْضِيٍّ.

((الْبِرُّ: حُسْنُ الخُلُقِ، وَالْإِثْمُ: ما حَاكَ في نَفْسِكَ، وكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عليهِ النَّاسُ)).

وعَنْ وابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: ((جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ؟)).

قُلْتُ: نعَمْ.

قَالَ: ((استَفْتِ قَلْبَكَ، الْبِرُّ: مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالْإِثْمُ: مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ)) .

قَالَ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- : ((حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَيْنَاهُ فِي ((مُسْنَدَيِ الْإِمَامَيْنِ أَحْمَدَ وَالدَّارِمِيِّ)) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ)).

هَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَفْسِيرِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ، وَبَعْضُهَا فِي تَفْسِيرِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ.

فَحَدِيثُ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ فَسَرَّ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ الْبِرَّ بِحُسْنِ الْخُلُقِ، وَفَسَّرَهُ فِي حَدِيثِ وَابِصَةَ وَغَيْرِهِ بِمَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ وَالنَّفْسُ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ تَفْسِيرُهُ لِلْبِرِّ؛ لِأَنَّ الْبِرَّ يُطْلَقُ بِاعْتِبَارَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ:

*أَحَدُهُمَا: بِاعْتِبَارِ مُعَامَلَةِ الْخَلْقِ: وَذَلِكَ يَكُونُ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَرُبَّمَا خُصَّ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ، فَيُقَالُ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، وَيُطْلَقُ كَثِيرًا عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَى الْخَلْقِ عُمُومًا.

وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- يَقُولُ: «الْبِرُّ شَيْءٌ هَيِّنٌ: وَجْهٌ طَلِيقٌ، وَكَلَامٌ لَيِّنٌ».

وَإِذَا قُرِنَ الْبِرُّ بِالتَّقْوَى، كَمَا فِي قَوْلِهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2]؛ فَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالْبِرِّ: مُعَامَلَةَ الْخَلْقِ بِالْإِحْسَانِ، وَبِالتَّقْوَى: مُعَامَلَةَ الْحَقِّ بِفِعْلِ طَاعَتِهِ، وَاجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ.

وَقَدْ يَكُونُ أُرِيدَ بِالْبِرِّ: فِعْلُ الْوَاجِبَاتِ، وَبِالتَّقْوَى: اجْتِنَابُ الْمُحَرَّمَاتِ.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].

قَدْ يُرَادُ بِالْإِثْمِ: الْمَعَاصِي، وَبِالْعُدْوَانِ: ظُلْمُ الْخَلْقِ.

وَقَدْ يُرَادُ بِالْإِثْمِ: مَا هُوَ مُحَرَّمٌ فِي نَفْسِهِ؛ كَالزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَبِالْعُدْوَانِ: تَجَاوُزُ مَا أُذِنَ فِيهِ إِلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ مِمَّا جِنْسُهُ مَأْذُونٌ فِيهِ؛ كَقَتْلِ مَنْ أُبِيحَ قَتْلُهُ لِقِصَاصٍ، وَمَنْ لَا يُبَاحُ، وَأَخْذِ زِيَادَةٍ عَلَى الْوَاجِبِ مِنَ النَّاسِ فِي الزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا، وَمُجَاوَزَةِ الْجَلْدِ فِي الَّذِي أُمِرَ بِهِ فِي الْحُدُودِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَالْمَعْنَى الثَّانِي مِنْ مَعْانِي الْبِرِّ: أَنْ يُرَادَ بِهِ فِعْلُ جَمِيعِ الطَّاعَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177].

فَالْبِرُّ بِهَذَا الْمَعْنَى يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الطَّاعَاتِ الْبَاطِنَةِ؛ كَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالطَّاعَاتُ الظَّاهِرَةُ؛ كَإِنْفَاقِ الْأَمْوَالِ فِيمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَالصَّبْرِ عَلَى الْأَقْدَارِ؛ كَالْمَرَضِ وَالْفَقْرِ، وَعَلَى الطَّاعَاتِ؛ كَالصَّبْرِ عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ.

وَقَدْ يَكُونُ جَوَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ شَامِلًا لِهَذِهِ الْخِصَالِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ قَدْ يُرَادُ بِهِ التَّخَلُّقُ بِأَخْلَاقِ الشَّرِيعَةِ، وَالتَّأَدُّبُ بِآدَابِ اللَّهِ الَّتِي أَدَبَّ بِهَا عِبَادَهُ فِي كِتَابِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].

وَقَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: «كَانَ خُلُقُهُ ﷺ الْقُرْآنَ»، يَعْنِي: أَنَّهُ يَتَأَدَّبُ بِآدَابِهِ، فَيَفْعَلُ أَوَامِرَهُ، وَيَتَجَنَّبُ نَوَاهِيَهُ، فَصَارَ الْعَمَلُ بِالْقُرْآنِ لَهُ خُلُقًا كَالْجِبِلَّةِ وَالطَّبِيعَةِ لَا يُفَارِقُهُ، وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَخْلَاقِ وَأَشْرَفُهَا وَأَجْمَلُهَا.

وَقَدْ قِيلَ: ((إِنَّ الدِّينَ كُلَّهُ خُلُقٌ)).

*وَمِنْ مَعَانِي الْبِرِّ: أَنَّهُ طُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ لِلْحَقِّ:

فِي حَدِيثِ وَابِصَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ قَالَ ﷺ: «الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ».

هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ فَطَرَ عِبَادَهُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ، وَالسُّكُونِ إِلَيْهِ، وَقَبُولِهِ، وَرَكَزَ فِي الطِّبَاعِ مَحَبَّةَ ذَلِكَ، وَالنُّفُورَ عَنْ ضِدِّهِ.

وَلِهَذَا سَمَّى اللَّهُ مَا أَمَرَ بِهِ «مَعْرُوفًا»، وَمَا نَهَى عَنْهُ «مُنْكَرًا»، وَأَخْبَرَ أَنَّ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ تَطْمَئِنُّ بِذِكْرِهِ، فَالْقَلْبُ الَّذِي دَخَلَهُ نُورُ الْإِيمَانِ، وَانْشَرَحَ بِهِ وَانْفَسَحَ؛ يَسْكُنُ لِلْحَقِّ، وَيَطْمَئِنُّ بِهِ وَيَقْبَلُهُ، وَيَنْفُرُ عَنِ الْبَاطِلِ وَيَكْرَهُهُ وَلَا يَقْبَلُهُ.

فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ لَا يَلْتَبِسُ أَمْرُهُمَا عَلَى الْمُؤْمِنِ الْبَصِيرِ؛ بَلْ يَعْرِفُ الْحَقَّ بِالنُّورِ عَلَيْهِ، فَيَقْبَلُهُ قَلْبُهُ، وَيَنْفِرُ عَنِ الْبَاطِلِ، فَيُنْكِرُهُ وَلَا يَعْرِفُهُ.

فَدَلَّ حَدِيثُ وَابِصَةَ -وَمَا فِي مَعْنَاهُ- عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْقُلُوبِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ، فَمَا إِلَيْهِ سَكَنَ الْقَلْبُ، وَانْشَرَحَ إِلَيْهِ الصَّدْرُ؛ فَهُوَ الْبِرُّ وَالْحَلَالُ، وَمَا كَانَ خِلَافَ ذَلِكَ؛ فَهُوَ الْإِثْمُ وَالْحَرَامُ.

*الْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ:

وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ: «الْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ»: إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِثْمَ مَا أَثَّرَ فِي الصَّدْرِ حَرَجًا، وَضِيقًا، وَقَلَقًا، وَاضْطِرَابًا، فَلَمْ يَنْشَرِحْ لَهُ الصَّدْرُ، وَمَعَ هَذَا؛ فَهُوَ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَنْكَرٌ، بِحَيْثُ يُنْكِرُونَهُ عِنْدَ اطِّلَاعِهِمْ عَلَيْهِ.

وَهَذَا أَعْلَى مَرَاتِبِ مَعْرِفَةِ الْإِثْمِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ، وَهُوَ مَا اسْتَنْكَرَهُ النَّاسُ عَلَى فَاعِلِهِ وَغَيْرِ فَاعِلِهِ.

((الْمَعْنَى الْحَقُّ لِاسْتِفْتَاءِ الْقَلْبِ))

قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ وَابِصَةَ وَأَبِي ثَعْلَبَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: «وَإِنْ أَفْتَاكَ الْمُفْتُونَ» يَعْنِي: أَنَّ مَا حَاكَ فِي صَدْرِ الْإِنْسَانِ فَهُوَ إِثْمٌ، وَإِنْ أَفْتَاهُ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِثْمٍ؛ فَهَذِهِ مَرْتَبَةٌ ثَانِيَةٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مُسْتَنْكَرًا عِنْدَ فَاعِلِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَقَدْ جَعَلَهُ أَيْضًا إِثْمًا.

وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَ صَاحِبُهُ مِمَّنْ شُرِحَ صَدْرُهُ بِالْإِيمَانِ، وَكَانَ الْمُفْتِي يُفْتِي لَهُ بِمُجَرَّدِ ظَنٍّ أَوْ مَيْلٍ إِلَى هَوًى مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ.

وَهَذَا الضَّابِطُ مِنَ الْأَهَمِّيَّةِ بِمَكَانٍ؛ لِأَنَّ إِنْسَانًا قَدْ يَقُولُ: مَهْمَا أَفْتَانِي مَنْ أَفْتَانِي؛ فَأَنَا لَا آخُذُ الْفَتْوَى إِلَّا مِنْ قَلْبِي، وَيَكُونُ هُوَ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ وَالزَّيْغِ، فَمِثْلُ هَذَا إِنَّمَا يَرْكَنُ قَلْبُهُ إِلَى مَا يَأْلَفُهُ مِنْ زَيْغِهِ وَضَلَالِهِ.

وَلِأَنَّنَا لَوْ أَعَدْنَا الْأَمْرَ بِرُمَّتِهِ إِلَى الْقُلُوبِ مَا وُجِدَتْ شَرِيعَةٌ وَلَا قَامَ دِينٌ؛ لِأَنَّ الْقُلُوبَ قُلَّبٌ لَا تَسْتَقِرُّ عَلَى قَرَارٍ، وَلَكِنْ هَكَذَا..

مَسْأَلَةُ إِرْجَاعِ الْأَمْرِ إِلَى الْقَلْبِ وَإِنْ أَفْتَاكَ الْمُفْتُونَ: إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَ صَاحِبُهُ مِمَّنْ شُرِحَ صَدْرُهُ بِالْإِيمَانِ، وَكَانَ الْمُفْتِي يُفْتِي لَهُ بِمُجَرَّدِ ظَنٍّ أَوْ مَيْلٍ إِلَى هَوًى مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ.

أَمَّا إِذَا أَتَاهُ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ حَتَّى وَإِنْ وَجَدَ النُّفْرَةَ فِي قَلْبِهِ؛ فَهَذَا لَا قِيمَةَ لَهُ -أَيْ هَذَا الَّذِي يَجِدُهُ فِي قَلْبِهِ لَا قِيمَةَ لَهُ بِإِزَاءِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ-.

فَأَمَّا مَا كَانَ مَعَ الْمُفْتِي بِهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ؛ فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْتَفْتِي الرُّجُوعُ إِلَيْهِ؛ وَإِنْ لَمْ يَنْشَرِحْ لَهُ صَدْرُهُ، وَهَذَا كَالرُّخْصَةِ الشَّرْعِيَّةِ؛ مِثْلُ الْفِطْرِ فِي السَّفْرِ، وَالْمَرَضِ، وَكَقَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْشَرِحُ بِهِ صُدُورُ كَثِيرٍ مِنَ الْجُهَّالِ، فَهَذَا لَا عِبْرَةَ بِهِ.

لِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ لَهُ: رَخَّصَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَكَ فِي السَّفَرِ أَنْ تُفْطِرَ، فَلَا تُعَذِّبْ نَفْسَكَ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ فِي النِّهَايَةِ الَّتِي بِهَا الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِالْإِفْطَارِ فِي السَّفَرِ وَالصَّوْمِ فِيهِ؛ الْقَاعِدَةُ: الرُّجُوعُ إِلَى الْمَشَقَّةِ وَعَدَمِ الْمَشَقَّةِ.

فَإِنْ كَانَ الصَّائِمُ يَجِدُ الْمَشَقَّةَ بِصِيَامِهِ فِي السَّفَرِ؛ فَالْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِ أَنْ يُفْطِرَ.

وَإِذَا كَانَ الصَّائِمُ لَا يَجِدُ الْمَشَقَّةَ فِي السَّفَرِ؛ فَلَهُ أَنْ يَصُومَ، وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُفْطِرُ فِي السَّفَرِ أَوْ لَا يُفْطِرُ.

وَكَانَ ﷺ يَكُونُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ مُفْطِرِينَ وَيَكُونُ بَعْضُهُمْ صَائِمِينَ -كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي كَانَ فِيهِ مِنَ الْمُعَانَاةِ عَلَى الصَّائِمِينَ مَا فِيهِ- فَقَامَ الْمُفْطِرُونَ بِخِدْمَةِ الصَّائِمِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ)) .

فَهَذِهِ الرُّخَصُ الشَّرْعِيَّةُ قَدْ تَجِدُ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَقْبَلُهَا، وَيَقُولُ: بَلْ أَنَا آخُذُ بِالْعَزِيمَةِ فِي هَذَا، فَإِذَا أَفْتَاهُ مَنْ أَفْتَاهُ بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَبِمَا وَرَدَ مِنَ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ الثَّابِتِ لَا يَنْشَرِحُ صَدْرُهُ لَهُ؛ لِجَهْلِهِ وَعَدَمِ عِلْمِهِ بِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ فِيهَا، فَهَذَا لَا عِبْرَةَ بِهِ، وَإِنَّمَا العِبْرَةُ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ.

وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْيَانًا يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِمَا لَا تَنْشَرِحُ بِهِ صُدُورُ بَعْضِهِمْ، فَيَمْتَنِعُونَ مِنْ فِعْلِهِ، فَيَغْضَبُ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا أَمَرَهُمْ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، فَكَرِهَهُ مَنْ كَرِهَهُ مِنْهُمْ، وَكَمَا أَمَرَهُمْ بِنَحْرِ هَدْيِهِمْ، وَالتَّحَلُّلِ مِنْ عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَكَرِهُوهُ، -وَذَكَرُوا كَلَامًا وَقَعَ مِنْ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهُ- فِي هَذَا الْأَمْرِ الْكَبِيرِ-، وَكَرِهَ الصَّحَابَةُ مُقَاضَاتَهُ لِقُرَيْشٍ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ مِنْ عَامِهِ، وَعَلَى أَنَّ مَنْ أَتَاهُ مِنْهُمْ يَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ.

وَالْحَدِيثُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي ((الصَّحِيحِ)) مِن رِوَايَةِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَكَذَا مِنْ رِوَايَةِ مَرْوَانَ بِهِ.

وَفِي الْجُمْلَةِ؛ فَمَا وَرَدَ النَّصُّ بِهِ؛ فَلَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ إِلَّا طَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَلَقَّى ذَلِكَ بِانْشِرَاحِ الصَّدْرِ وَالرِّضَا؛ فَإِنَّ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ يَجِبُ الْإِيمَانُ وَالرِّضَا بِهِ، وَالتَّسْلِيمُ لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النِّسَاء: 65].

وَأَمَّا مَا لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا عَمَّنْ يُقْتَدَى بِقَوْلِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَسَلَفِ الْأُمَّةِ؛ فَإِذَا وَقَعَ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ الْمُطْمَئِنِّ قَلْبُهُ بِالْإِيمَانِ، الْمُنْشَرِحِ صَدْرُهُ بِنُورِ الْمَعْرِفَةِ وَالْيَقِينِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَحَاكَ فِي صَدْرِهِ لِشُبْهَةٍ مَوْجُودَةٍ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُفْتِي فِيهِ بِالرُّخْصَةِ إِلَّا مَنْ يُخْبِرُ عَنْ رَأْيِهِ -يَعْنِي: بِلَا دَلِيلٍ- وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُوثَقُ بِعِلْمِهِ وَبِدِينِهِ، بَلْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِاتِّبَاعِ الْهَوَى؛ فَهُنَا يَرْجِعُ الْمُؤْمِنُ إِلَى مَا حَكَّ فِي صَدْرِهِ؛ وَإِنْ أَفْتَاهُ هَؤُلَاءِ الْمُفْتُونَ.

وَقَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: ((الْإِثْمُ: حَوَّازُ الْقُلُوبِ)) .

وَقَالَ: ((إِيَّاكُمْ وَحَزَّازَ الْقُلُوبِ، فَمَا حَزَّ فِي قَلْبِكَ مِنْ شَيْءٍ فَدَعْهُ)) .

بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُهَا، فَهَذَا هُوَ الْخَلَاصُ مِنَ الشُّبْهَةِ الَّتِي رُبَّمَا أَلْقَاهَا بَعْضُ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ بِسَبَبِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: ((استَفْتِ قَلْبَكَ وَإِنْ أَفْتَاكَ المُفْتُونَ)).

وَالْحَزُّ وَالْحَكُّ مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى، وَالْمُرَادُ: مَا أَثَّرَ فِي الْقَلْبِ ضِيقًا وَحَرَجًا، وَنُفُورًا وَكَرَاهِيَةً.

وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ -هَاهُنَا- بِالرُّجُوعِ إِلَى حَوَازِّ الْقُلُوبِ ، وَإِنَّمَا ذَمَّ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى الْوَسَاوِسِ وَالْخَطَرَاتِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ؛ حَيْثُ كَانَ كَلَامُهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَسْتَنِدُ إِلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ؛ بَلْ إِلَى مُجَرَّدِ رَأْيٍ وَذَوْقٍ، كَمَا كَانَ يُنْكِرُ الْكَلَامَ فِي مَسَائِلِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ.

وَالرُّجُوعُ إِلَى الْأُمُورِ الْمُشْتَبِهَةِ إِلَى حَوَازِّ الْقُلُوبِ؛ فَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ النَّبَوِيَّةُ، وَفَتَاوَى الصَّحَابَةِ .

 ((الْمَدَارُ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى الْأَدِلَّةِ.. فَاتَّقُوا اللهَ فِي دِينِكُمْ))

الْمَدَارُ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى الْأَدِلَّةِ، لَا عَلَى مَا اشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ؛ فَالنَّاسُ قَدْ يُشْتَهَرُ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ وَيُفْتُونَ بِهِ وَلَيْسَ بِحَقٍّ، فَالْمَدَارُ عَلَى الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ .

فَعَلَى الْإِنْسَانِ دَائِمًا أَنْ يُطَالِبَ بِالدَّلِيلِ، إِذَا كَانَ هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالْبَحْثِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالدَّلِيلِ؛ لِأَنَّ العَامِيَّ لَا يَقْوَى عَلَى فَهْمِ الدَّلِيلِ، فَإِذَا طَالَبَ بِالدَّلِيلِ فَأُعْطَى الدَّلِيلَ فَهَذَا لَا يُفِيدُهُ شَيْئًا.

عَلَى الْإِنْسَانِ أَلَّا يَبِيعَ دِينَهُ، خَاصَّةً أَنَّهُ يَبِيعُهُ رَخِيصًا، وَعَلَى الْمَرْءِ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى آخِرَتِهِ؛ حَتَّى تَسْتَقِيمَ لَهُ دُنْيَاهُ.

((أَعْظَمُ الْبِرِّ: طَاعَةُ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ ))

*إِنَّ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْبِرِّ وَأَسْمَاهَا: طَاعَةُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَرَسُولِهِ ﷺ:

لَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عِبَادَهُ بِاتِّبَاعِ نَبِيِّهِ ﷺ  وَطَاعَتِهِ، وَالْقَصِّ عَلَى أَثَرِهِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ؛ مِنْهَا:

قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 131-132].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا * فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 64-65].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [النساء: 14].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: 23].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [ النور: 54].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].

وَالآيَاتُ فِي هَذَا المَعنَى كَثِيرَةٌ.

 ((مِنْ أَعْظَمِ الْبِرِّ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ))

إِنَّ حَقَّ الْأَبَوَيْنِ يَلِي حَقَّ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَحَقَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْفَرْضِيَّةِ وَالْوُجُوبِ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخَلْقِ لَيُفَرِّطُونَ فِي هَذَا الْحَقِّ، وَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَيْهِ، وَلَا يُلْقُونَ لَهُ بَالًا؛ بَلْ يَعْتَدِي الْوَاحِدُ مِنْهُمْ عَلَى هَذَا الْحَقِّ الْمَكِينِ الَّذِي ذَكَرَهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بَعْدَ الْأَمْرِ بِعِبَادَتِهِ، فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}.

وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)} [الإسراء: 23-24].

فَأَمَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بَعْدَ الْأَمْرِ بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَبِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا، فَهَذَا مِنْ آكَدِ الْحُقُوقِ وَمِنْ أَجَلِّهَا.

وَبَيَّنَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّهُ لَا يُجِيزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ سُوءٍ تَنِمُّ عَنْ ضَجَرٍ يُحِسُّهُ فِي نَفْسِهِ، فَيُعْلِنُهُ بِلِسَانِهِ، { فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}.

فَلَمْ يُجِزْ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يَتَأَفَّفَ الْإِنْسَانُ مِنْ أَبَوَيْهِ إِذَا بَلَغَا الْكِبَرَ، وَصَارَا إِلَى حَالٍ لَا يَتَحَكَّمَانِ فِيهَا فِي الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، فَيَتَأَفَّفُ مِنْهُمَا مُتَضَجِّرًا، وَقَدْ كَانَا يَرَيَانِ مِنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ وَأَعْظَمَ مِنْهُ وَلَا يَتَضَجَّرَانِ، وَإِنَّمَا يَأْتِيَانِ بِهِ بِسَمَاحَةِ نَفْسٍ، وَطِيبِ خَاطِرٍ.

فَنَهَى رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَنْ تَأَفُّفِ الْمَرْءِ مِنْ أَبَوَيْهِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- جَعَلَ حَقَّهُمَا عَظِيمًا، وَجَعَلَ الْوَاجِبَ عَلَى الْعَبْدِ تِجَاهَهُمَا وَاجِبًا جَسِيمًا، وَإِذَا فَرَّطَ فِي ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ: ((مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرَ أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةُ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يُدَّخَرُ لَهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ)) .

وَإِنَّ أَوْلَى الْأَرْحَامِ بِالرِّعَايَةِ لَهِيَ مَا يَتَّصِلُ بِالْأَبَوَيْنِ.

*وَصِيَّةُ النَّبِيِّ ﷺ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَجُمْلَةٌ مِنْ حِكَمِ تَقْدِيمِ بِرِّ الْأُمِّ:

النَّبِيُّ ﷺ قَدْ سُئِلَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ، فَأَجَابَ ﷺ بِتَرْتِيبٍ وَاضِحٍ لَا لَبْسَ فِيهِ وَلَا غُمُوضَ؛ فَإِنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟

قَالَ: ((أُمُّكَ)).

قَالَ: ثُمًّ مَنْ؟

قَالَ: ((أُمُّكَ)).

قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟

قَالَ: ((أُمُّكَ)).

قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟

قَالَ: ((أَبُوكَ)) .

فَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ لِلْأُمِّ، وَكَرَّرَ ذَلِكَ ﷺ مِرَارًا، ثُمَّ ذَكَرَ الْأَبَ بَعْدُ.

وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ ذَلِكَ لِأَنَّ مَا أَدَّتْهُ لَا يَكُونُ مَنْظُورًا؛ مِمَّا وَجَدَتْهُ مِنْ أَلَمِ الْحَمْلِ وَالْوَضْعِ، وَمَا كَانَ مِنَ التَّرْبِيَةِ وَالرِّعَايَةِ فِي الصِّغَرِ، فَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُدْرِكُهُ الْمَرْءُ إِذَا عَلَتْ بِهِ السُّنُونُ، وَإِنَّمَا يَرَى الرِّعَايَةَ مِنْ أَبِيهِ قَائِمًا، وَيَرَى الْإِنْفَاقَ عَلَيْهِ سَارِيًا، فَقَدْ يُفَرِّطُ فِي حَقِّ الْأُمِّ حِينَئِذٍ، فَدَلَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ.

وَشَيْءٌ آخَرُ: لِأَنَّهَا ضَعِيفَةٌ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهَا، وَلَقَدْ يَكُفُّ الرَّجُلُ أَذَاهُ عَنْ أَبِيهِ؛ خَوْفًا مِنْ قُوَّتِهِ، وَتَوَقِّيًا لِبَطْشِهِ.

وَأَمَّا الْأُمُّ؛ فَلِضَعْفِهَا، وَلِأُنُوثَتِهَا، وَلِرِقَّتِهَا؛ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ مَا ضَابِطٍ يَضْبِطُهُ، وَلَا كَافٍّ يَكُفُّهُ، فَنَبَّهَ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ.

وَشَيْءٌ آخَرُ: هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَسْتَحْيِي مِنْ عُقُوقِ أَبِيهِ فِي مَحْضَرٍ مِنَ النَّاسِ؛ خَوْفَ الْمَلَامَةِ مِنْهُمْ، وَحَيَاءً مِنْ مُوَاقَعَةِ هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي تَسْتَفْظِعُهُ النُّفُوسُ السَّوِيَّةُ، وَلَا تَقْبَلُهُ الْأَرْوَاحُ الْمُسْتَقِيمَةُ.

وَلَمَّا كَانَتِ الْأُمُّ فِي سَتْرٍ تَحُفُّهَا جُدْرَانُهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَعُقَّهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَاهَا أَحَدٌ وَلَا أَنْ يَلُومَهُ، نَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ.

وَشَيْءٌ آخَرُ: وَهُوَ: أَنَّ الْمَرْأَةَ لَمَّا كَانَتْ ضَعِيفَةً، وَكَانَتْ لِأُنُوثَتِهَا رَقِيقَةً، وَقَدْ تَكُونُ سَرِيعَةَ الْغَضَبِ، فَإِذَا مَا عَقَّهَا لَمْ تَتَمَاسَكْ، وَلَمْ تَتَجَلَّدْ، وَأَسْرَعَتْ فِي الدُّعَاءِ عَلَى ابْنِهَا الَّذِي عَقَّهَا أَوْ أَسَاءَ إِلَيْهَا.

فَرَاعَى النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ الطَّبِيعَةَ، وَأَمَرَ الْوَلَدَ بِأَنْ يُحْسِنَ صَحَابَتَهَا مَرَّةً وَمَرَّةً وَمَرَّةً؛ حَتَّى لَا يُلْجِئَهَا إِلَى الدُّعَاءِ عَلَيْهِ، فَتُصَادَفَ بِقَدَرِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَقْتًا يَسْتَجِيبُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِيهِ دُعَاءَ مَنْ دَعَاهُ، وَيَكُونُ قَدْ ظَلَمَهَا وَأَسَاءَ إِلَيْهَا، فَيُسْتَجَابُ لَهَا فِيهِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَنْفَعُهُ نَدَمٌ، وَلَا يَكُفُّ عَنْهُ مَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ حَوْلٍ وَلَا حِيلَةٍ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَظِيمِ.

النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّ الْوَالِدَ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: ((الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَخُذْ أَوْ فَدَعْ)) .

يَعْنِي: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ مِنْ أَوْسَطِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ؛ فَدُونَكَ بِرَّ أَبِيكَ؛ فَإِنَّ أَبَاكَ هُوَ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ.

رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي ((الْمُسْنَدِ))  بِسَنَدِهِ عَنْ أُمِّنَا أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهَا- عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: ((أُرِيْتُ فِي الْمَنَامِ فِي الرُّؤْيَا أَنِّي كُنْتُ فِي الْجَنَّةِ، فَسَمِعْتُ رَجُلًا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟)).

قَالُوا: هُوَ حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ.

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: ((كَذَاكِ الْبِرُّ، كَذَاكِ الْبِرُّ)).

وَكَانَ بَارًّا بِأُمِّهِ، فَأُرِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَسَمِعَ تِلَاوَتَهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لَمَّا قَبَضَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، أُرِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الرُّؤْيَا، وَسَمِعَ تِلَاوَتَهُ فِي الْجَنَّةِ لِبِرِّهِ بِأُمِّهِ، وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِأُمِّهِ -رَضِيَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهُ-.

((ثَلَاثُونَ وَصِيَّةً لِلْأَبْنَاءِ فَاحْرِصْ عَلَيْهَا))

وَهَذِهِ نَصَائِحُ لِلْأَبْنَاءِ إِذَا أَخَذُوا بِهَا؛ اسْتَقَامَتْ حَيَاتُهُمْ، وَكَانُوا عَلَى رَجَاءِ الْعَافِيَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ:

1*أَطِعْ أُمَّكَ وَأَبَاكَ فِي كُلِّ مَا بِهِ أَمَرَاكَ مَا لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً.

2*خَاطِبْهُمَا بِلُطْفٍ وَأَدَبٍ، وَانْهَضْ لَهُمَا إِذَا دَخَلَا عَلَيْكَ.

3*حَافِظْ عَلَى سُمْعَتِهِمَا، وَشَرَفِهِمَا، وَمَالِهِمَا، وَعِرْضِهِمَا.

4*أَكْرِمْهُمَا، وَأَعْطِهِمَا كُلَّ مَا يَطْلُبَانِ.

5*شَاوِرْهُمَا في أَعْمَالِكَ وأُمُورِكَ.

6*أَكْثِرْ مِنَ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُمَا.

7*إِذَا كَانَ عِنْدَهُمَا ضَيْفٌ؛ فَاجْلِسْ بِقُرْبِ الْبَابِ، وَرَاقِبْ نَظَرَاتِهِمَا لَعَلَّهُمَا يَأْمُرَانِ بِشَيءٍ خُفْيَةً.

8*اعْمَلْ مَا يَسُرُّهُمَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَاكَ بِهِ، فَهَذَا إِذَا أُمِرَ بِهِ؛ قَلَّلَ مِنْ شَأْنِ الْمَسَرَّةِ.

9*لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ عَالِيًا أَمَامَهُمَا، وَلَا تُقَاطِعْهُمَا أَثْنَاءَ الْكَلَامِ.

10*وَلَا تُجَادِلْهُمَا فِي أَمْرٍ، وَإِذَا كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِمَّا أَنْتَ عَلَيْهِ؛ فَحَاوِلْ أَنْ تُقْنِعَهُمَا بِالْحُسْنَى، فَإِنْ أَصَرَّا عَلَى رَأْيِهِمَا؛ فَلَا تُعَانِدْهُمَا وَلَوْ كَانَا عَلَى خَطَأٍ.

وَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الدُّنْيَا، وَأَمَّا أُمُورُ الْآخِرَةِ؛ فَيُبَيَّنُ فِيهَا الْحَقُّ بِرِفْقٍ.

11*لَا تَكْذِبْ عَلَى أَبَوَيْكَ.

12*وَلَا تَأْخُذْ شَيْئًا لَمْ يَأْذَنَا بِأَخْذِهِ.

13*لَا تُسَافِرْ إِذَا لَمْ يَأْذَنَا لَكَ.

14*إِذَا كُنْتَ مُبْتَلًى بِمَعْصِيَةٍ كَالتَّدْخِينِ مَثَلًا -سَلِ اللهَ الْعَافِيَةَ-؛ فَلَا تَفْعَلْ تِلْكَ الْمَعْصِيَةَ أَمَامَهُمَا، وَإِنْ سَمَحَا لَكَ بِذَلِكَ.

15*لَا تُزْعِجْ أَبَوَيْكَ إِذَا كَانَا نَائِمَيْنِ، -وَتَذْكُرُ حَدِيثَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ انْطَبَقَتْ عَلَيْهِمُ الصَّخْرَةُ حَبْسًا فِي الْغَارِ، وَأَنَّ أَحَدَهُمَا تَوَسَّلَ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِعَمَلٍ صَالِحٍ يَخُصُّ بِرَّ أَبَويْهِ، وَأَنَّهُمَا كَانَا كَبِيرَيْنِ.

وَكَانَ يَأْتِي إِذَا رَاحَ مِنْ رَعْيِهِ بِأَغْنَامِهِ فَيَحْلِبُ، ثُمَّ يَأْتِي بِالْقَعْبِ -قَدَحٌ كَبِيرٌ- يَجْعَلُهُ عَلَى يَدِهِ، وَيَقِفُ حَتَّى يَشْرَبَا، فَتَأَخَّرَ مَرَّةً، ثُمَّ جَاءَ، فَوَجَدَهُمَا قَد نَامَا.

فَظَلَّ قَائِمًا عِنْدَهُمَا وَاللَّبَنُ عَلَى يَدِهِ، وَالصِّبْيَانُ يَتَضَاغَوْنَ -يَبْكُونَ وَيَصِيحُونَ جُوعًا- حَوْلَهُ حَتَّى اسْتَيْقَظَا، لَا تُزْعِجْهُمَا إِذَا كَانَا نَائِمَيْنِ.

16*وَلَا تُفَضِّلْ زَوْجَتَكَ وَلَا وَلَدَكَ عَلَيْهِمَا.

17*وَلَا تَلُمْهُمَا إِذَا عَمِلَا عَمَلًا لَا يُعْجِبُكَ.

18*وَلَا تَحْمَلْ عَلَيْهِمَا بِفَضْلِ عَقْلِكَ، فَرُبَّمَا آتَاكَ اللهُ عِلْمًا وَعَقْلًا، وَكَانَا جَاهِلَيْنِ؛ فَرُبَّمَا تَكَلَّمَا فَأَضْحَكَا النَّاسَ بِكَلَامِهِمَا، فَلَا تَبْتَئِسْ، وَلَا تَلُمْهُمَا إِذَا عَمِلَا عَمَلًا لَا يُعْجِبُكَ.

19*وَلَا تَضْحَكْ بِحَضْرَتِهِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ سَبَبٌ لِلضَّحِكِ.

20*وَلَا تَتَنَاوَلْ طَعَامًا مِمَّا يَلِيهِمَا.

21*وَلَا تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الطَّعَامِ قَبْلَهُمَا.

22*وَلَا تَنَمْ، وَلَا تَضْطَجِعْ وَهُمَا جَالِسَانِ.

23*وَلَا تَجْلِسْ قَبْلَهُ.

24*وَلَا تَمْشِ أَمَامَهُ.

25*وَلَا تُسَمِّهِ بِاسْمِهِ.

26*وَلَا تَمُدَّ رِجْلَكَ أَمَامَهُمَا.

27*وَلَا تَجْلِسْ فِي الْعُلُوِّ وَيَجْلِسَانِ فِي السُّفْلِ.

28*وَلَا تَمْشِ بِجَانِبِ أَبِيكَ فِي الطَّرِيقِ؛ بَلْ تَأَخَّرْ عَنْهُ قَلِيلًا؛ إِلَّا إِذَا كَانَتِ الطَّرِيقُ مَخُوفَةً، فَحِينَئِذٍ تَتَقَدَّمُ أَنْتَ رِدْءًا -مُعِينًا وَنَاصِرًا- لَهُ وَحِيَاطَةً وَحِفْظًا.

29*لَبِّ نِدَاءَهُمَا مُسْرِعًا إِذَا نَادَيَاكَ.

30*لَا تُصَاحِبْ غَيْرَ رَجُلٍ بَارٍّ بِوَالِدَيْهِ، وَإِيَّاكَ وَصَاحِبَ الْعُقُوقِ.

اللهم اجْعَلْنَا مِنَ الْبَرَرَةِ الصَّادِقِينَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْعَقَقَةِ الْمُجْرِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَيَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ، وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَيَا ذَا الْقُوَّةِ الْمَتِينَ.

إِنَّهُ تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

 

 ((خُلُقُ الْوَفَاءِ))

فَإِنَّ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَعَارَفَ أَصْحَابُ الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ عَلَى احْتِرَامِهَا وَتَقْدِيرِهَا وَتَعْظِيمِ مَنْ أَتَى بِهَا؛ إِنَّ مِنْ تِلْكَ الْأَخْلَاقِ: خُلُقَ الْوَفَاءِ.

وَقَدْ كَانَتِ الْعَرَبُ تَضْرِبُ الْأَمْثَالَ، فَمِنْ أَمْثَالِهِمْ: ((هُوَ أَعَزُّ مِنَ الْوَفَاءِ))، فَلَمَّا رَأَوْا نُدْرَةَ هَذَا الْخُلُقِ وَعِزَّةَ وُجُودِهِ فِي النَّاسِ، وَيَظَلُّونَ الْأَمَدَ مُفْتَقِدِينَ إِلَيْهِ، بَاحِثِينَ عَنْهُ، فَنَادِرًا مَا يَلْقَوْنَهُ، وَقَلَّ مَا يَجِدُونَهُ، وَعَلِمُوا أَنَّهُ صَعْبُ الْمَنَالِ جِدًّا، وَلَا يُدْرِكُهُ إِلَّا الْأَفْذَاذُ مِنَ الْبَشَرِ؛ ضَرَبُوا بِنُدْرَتِهِ الْمَثَلَ، فَقَالُوا: ((هُوَ أَعَزُّ مِنَ الْوَفَاءِ)).

فَجَعَلُوا لِلشَّيْءِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَحَصَّلَ عَلَيْهِ إِلَّا بِشِقِّ النَّفْسِ أَوْ مَا فَوْقَ ذَلِكَ؛ جَعَلُوا لَهُ الْمَثَلَ الْمَضْرُوبَ بِالْوَفَاءِ الْمَفْقُودِ.

كَانَتِ الْعَرَبُ تُقَدِّرُ هَذَا الْخُلُقَ جِدًّا، فَلَمَّا جَاءَ سَيِّدُ الْأَوْفِيَاءِ ﷺ؛ ارْتَكَزَ -بَعْدَ ارْتِكَازِهِ عَلَى مَوْرُوثِ الْفِطْرَةِ السَّوِيَّةِ- عَلَى الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ الْمَرْعِيَّةِ.

الْوَفَاءُ: إِتْمَامُ الْعَهْدِ، وَإِكْمَالُ الشَّرْطِ.

وَضِدُّهُ: الْغَدْرُ، وَهُوَ خُلُقٌ خَبِيثٌ، حَذَّرَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ كَثِيرًا، وَدَعَا فِي الْمُقَابِلِ ﷺ -كَمَا دَعَا الْكِتَابُ الْعَزِيزُ- إِلَى الْأَخْذِ بِنَقِيضِهِ، وَهُوَ الْوَفَاءُ.

وَقَدْ أَمَرَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِصِدْقِ اللِّسَانِ، وَصِدْقِ الْفِعْلِ جَمِيعًا، وَهَذَا هُوَ الْوَفَاءُ.

الْوَفَاءُ: صِدْقُ اللِّسَانِ وَالْعَمَلِ مَعًا، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالْإِنْسَانِ، فَمَهْمَا فَقَدَ الْإِنْسَانُ الْوَفَاءَ؛ فَقَدَ حَظَّهُ مِنَ الْإِنْسَانِيَّةِ أَصْلًا.

وَقَدْ أَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ بِالْوَفَاءِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ:

يَقُولُ رَبُّنَا: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [البقرة: 40].

فَأَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، بِالْعَهْدِ الَّذِي قَطَعَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى بَنِي آدَمَ فِي عَالَمِ الذَّرِّ؛ {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172].

فَهَذَا الْعَهْدُ الَّذِي أَخَذَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالْمِيثَاقِ الْأَوَّلِ؛ يُطَالِبُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالْوَفَاءِ بِهِ، وَالرُّجُوعِ إِلَى الْفِطْرَةِ الَّتِي لَمْ تَنْتَكِسْ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ إِنْسَانًا.

وَلَا يَسْتَطِيعُ هَذَا الْخُلُقَ إِلَّا الْأَفْذَاذُ الْأَقَلُّونَ مِنَ الْبَشَرِ، وَقَدْ بَيَّنَ لَنَا رَبُّنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ، يَقُولُ رَبُّنَا: {وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ} [الأعراف: 102].

فَأَكْثَرُهُمْ -كَمَا تَرَى- لَا عَهْدَ لَهُ، وَمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْغَدْرِ لَا مَحَالَةَ، فَأَخْبَرَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِأَنَّ أَهْلَ التَّحَقُّقِ بِهَذَا الْخُلُقِ الْعَظِيمِ هُمُ الْأَقَلُّونَ عَدَدًا، الْأَرْفَعُونَ قَدْرًا.

الْوَفَاءُ: وَفَاءٌ بِالْعَهْدِ، وَوَفَاءٌ بِالْعَقْدِ، وَوَفَاءٌ بِالْوَعْدِ.

هَذَا مِنْ حَيْثُ الْمُوفَى بِهِ.

فَالْوَفَاءُ: صِدْقُ اللِّسَانِ وَالْفِعْلِ جَمِيعًا، وَأَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ عَلَى هَذَا النَّحْوِ مِنَ الصِّدْقِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَحِينَئِذٍ إِذَا مَا تَعَلَّقَ الْوَفَاءُ بِشَيْءٍ أَتَى بِهِ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ غَيْرِ مَا نُكْثٍ وَلَا غَدْرٍ، وَمِنْ غَيْرِ مَا ارْتِكَاسٍ فِي تِلْكَ الْحَمْئَةِ الْوَبِيلَةِ بِالْبُعْدِ عَنِ الْأَخْلَاقِ الَّتِي جَاءَ الرَّسُولُ ﷺ لِيُتَمِّمَهَا ((إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ)) ﷺ.

وَيَقُولُ فِي رِوَايَةٍ ﷺ: ((إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ)) .

 ((النَّبِيُّ ﷺ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي الْبِرِّ وَالْوَفَاءِ))

*بِرُّ النَّبِيِّ ﷺ وَوَفَاؤُهُ مَعَ زَوْجَاتِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-:

كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ فِي الْمَبِيتِ وَالْإِيوَاءِ وَالنَّفَقَةِ.

وَكَانَتْ سِيرَتُهُ مَعَ أَزْوَاجِهِ حُسْنَ الْمُعَاشَرَةِ، وَحُسْنَ الْخُلُقِ، وَكَانَ يُسَرِّبُ إِلَى عَائِشَةَ بَنَاتٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يَلْعَبْنَ مَعَهَا -وَكَانَتْ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ-، وَكَانَ إِذَا هَوِيَتْ شَيْئًا لَا مَحْذُورَ فِيهِ؛ تَابَعَهَا عَلَيْهِ.

وَكَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِهَا، وَرُبَّمَا كَانَتْ حَائِضًا، وَكَانَ يَأْمُرُهَا وَهِيَ حَائِضٌ فَتَأْتَزِرُ، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا، وَكَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ يُمَكِّنُهَا مِنَ اللَّعِبِ، وَيُرِيهَا الْحَبَشَةَ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي مَسْجِدِهِ، وَهِيَ مُتَّكِئَةٌ عَلَى مَنْكِبِهِ تَنْظُرُ، وَسَابَقَهَا فِي السَّفَرِ عَلَى الْأَقْدَامِ مَرَّتَيْنِ، وَتَدَافَعَا فِي خُرُوجِهِمَا مِنَ الْمَنْزِلِ مَرَّةً.

وَكَانَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، وَلَمْ يَقْضِ لِلْبَوَاقِي شَيْئًا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ، وَكَانَ يَقُولُ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي «السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ».

وَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ، دَارَ عَلَى نِسَائِهِ، فَدَنَا مِنْهُنَّ وَاسْتَقْرَأَ أَحْوَالَهُنَّ.

وَكَانَ النَّبِيُّ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، وَكَانَ يَخْدُمُ نَفْسَهُ، فَعَنْ عَمْرَةَ، قَالَتْ: قِيلَ لِعَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: مَاذَا كَانَ يَعْمَلُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ؟!

قَالَتْ: «كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ، يَفْلِي ثَوْبَهُ، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ».

أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي «الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ»، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي «السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ».

وَلِلْحَدِيثِ شَاهِدٌ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنِ حِبَّانَ، وَصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، سَأَلَهَا رَجُلٌ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ؟!

قَالَتْ: «نَعَمْ، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ مَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ».

وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- بِلَفْظٍ آخَرَ، قَالَتْ: «كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ».

«يَفْلِي ثَوْبَهُ»؛ أَيْ: يُفَتِّشُهُ؛ لِيُخْرِجَ مِنْهُ مَا عَلِقَ بِهِ، مِنْ شَوْكٍ، أَوْ قَذًى.

«قِيلَ لَهَا:» وَالْقَائِلُ لَهَا لَمْ يُعَيَّنْ.

«مَاذَا كَانَ يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ؟».

قَالَتْ: «كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ»، وَمَهَّدَتْ بِذَلِكَ لِمَا يَأْتِي: «يَفْلِي ثَوْبَهُ»؛ يَعْنِي: يُفَتِّشُهُ؛ لِيَلْتَقِطَ مَا فِيهِ مِمَّا عَلِقَ فِيهِ مِنْ نَحْوِ شَوْكٍ وَغَيْرِهِ، أَوْ لِيُرَقِّعَ مَا فِيهِ مِنْ نَحْوِ خَرْقٍ.

«وَيَحْلُبُ شَاتَهُ» (بِضَمِّ اللَّامِ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا) (وَيَحْلِبُ شَاتَهُ).

«يَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ الرِّجَالُ فِي بُيُوتِهِمْ»، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «يَعْمَلُ عَمَلَ الْبَيْتِ»، وَأَكْثَرُ مَا يَعْمَلُ الْخِيَاطَةُ، يُرَقِّعُ ثَوْبَهُ، فَيُسَنُّ لِلرَّجُلِ خِدْمَةُ نَفْسِهِ، وَخِدْمَةُ أَهْلِهِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّوَاضُعِ وَتَرْكِ التَّكَبُّرِ.

وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَوَاضُعِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَعَدَمِ تَرَفُّعِهِ وَتَكَبُّرِهِ، كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ الدُّنْيَا، وَأَهْلُ الْجَاهِ وَالْمَنَاصِبِ.

 ((صُوَرٌ مِنْ بِرِّ النَّبِيِّ بِنِسَائِهِ))

لَمَّا وَقَعَ شَيْءٌ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-، قَالَ: «مَنْ تَرْضَيْنَ أَنْ يَكُونَ حَكَمًا بَيْنِي وَبَيْنَكِ؟!».

فَرَضِيَتْ أَبَا بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَهُوَ أَبُوهَا، فَاخْتَارَتْ أَبَا بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنْ يَكُونَ حَكَمًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَاسْتَدْعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تَقُولِينَ أَوْ أَقُولُ أَنَا؟!»

فَقَالَتْ: قُلْ، وَلَا تَقُلْ إِلَّا حَقًّا.

فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ فَقَامَ يَضْرِبُهَا، وَأَخَذَ يَطْعَنُ فِي خَاصِرَتِهَا بِيَدِه، وَيَقُولُ: يَا عَدُوَّةَ نَفْسِهَا، وَهَلْ يَقُولُ إِلَّا حَقًّا؟!

فَدَارَتْ حَتَّى كَانَتْ خَلْفَ النَّبِيِّﷺ، فَأَخَذَ يَمْنَعُ عَنْهَا أَبَا بَكْرٍ، وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: «مَا لِهَذَا دَعَوْنَاكَ!». يَعْنِي: أَنَا مَا دَعَوْتُكَ لِتَضْرِبَهَا، لَوْ كُنْتُ ضَارِبًا لَفَعَلْتُ، وَلَكِنْ جِئْنَا بِكَ حَكَمًا، لَا مُعَاقِبًا وَلَا ضَارِبًا.

انْصَرَفَ أَبُو بَكْرٍ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ لَهَا: «أَرَأَيْتِ كَيْفَ دَفَعْتُ عَنْكِ الرَّجُلَ؟!».

اصْطَلَحَا.

فَأَرْسَلَ ﷺ أَنَسًا فَاشْتَرَى عِنَبًا، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ مُتَلَدِّدًا يَسِيرُ عَلَى مِثْلِ الْجَمْرِ يَخْشَى مِنْ غَضَبِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-، فَيَغْضَبُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- عَلَيْهَا، وَيَخْشَى أَنْ يُطَلِّقَهَا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ، فَلَمْ يَبْعُدْ، فَلَقِيَ أَنَسًا فَقَالَ: كَيْفَ الْحَالُ يَا أَنَسُ؟! قَالَ: اصْطَلَحَا.

فَدَخَلَ غَيْرَ مُحْتَشِمٍ، وَقَالَ: دَعَوْتُمَانِي فِي غَضَبِكُمَا أَوْ فِي خِصَامِكُمَا، وَنَسِيتُمَانِي فِي صُلْحِكُمَا.

فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «ادْخُلْ فَكُلْ»؛ أَيْ: كُلْ عِنَبًا.

فَالنَّبِيُّ ﷺ -وَهُوَ الْخَصْمُ- فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، لَمْ يَضْرِبْ، الْحَكَمُ لَمْ يَصْبِرْ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يَطْعَنُ فِي خَاصِرَتِهَا، وَيَقُولُ: يَا عَدُوَّةَ نَفْسِهَا، وَهَلْ يَقُولُ إِلَّا حَقًّا؟!

وَأَمَّا النَّبِيُّ ﷺ فَيَقُولُ لَهَا: «انْظُرِي كَيْفَ دَفَعْتُ عَنْكِ الرَّجُلَ؟!».

*وَفَاءُ النَّبِيِّ لِزَوْجَتِهِ خَدِيجَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- حَتَّى بَعْدَ مَوْتِهَا:

مِنْ وَفَاءِ النَّبِيِّ ﷺ قِيَامُهُ بِذَبْحِ الشَّاةِ، وَتَقْطِيعِ أَعْضَائِهَا، ثُمَّ الْأَمْرُ بِتَوْزِيعِ ذَلِكَ فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- بَعْدُ.

وَلَا يَخْفَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ الْوَفَاءِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ فِي تَقْطِيعِ أَعْضَاءِ الشَّاةِ، وَإِرْسَالِ رَسُولٍ إِلَى بُيُوتِ الصَّاحِبَاتِ مَعَ نُدْرَةِ أَنْ يَكُونَ لِلرَّسُولِ ﷺ شَاةٌ يُطْعِمُهَا أَهْلَ بَيْتِهِ.

وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ جُودُهُ ﷺ، وَشَاهِدُهُ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ مَا كَانَ يُبْقِي مِنَ الشَّاةِ شَيْئًا، لِقَوْلِ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: «ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا»، وَلَوْلَا إِرْسَالُ جَمِيعِ الشَّاةِ؛ لَقَالَتْ: ثُمَّ يَبْعَثُ مِنْهَا.

وَكَذَلِكَ فَرَحُهُ وَسُرُورُهُ ﷺ عِنْدَمَا تَزُورُهُ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-، وَرَدَ: «فَارْتَاعَ لِذَلِكَ»؛ أَيْ هَشَّ لِمَجِيئِهَا، مَعَ ظُهُورِ عَلَامَاتِ الْفَرَحِ عَلَى وَجْهِهِ.

فَمِنْ شِدَّةِ حُبِّهِ ﷺ لِخَديجَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-؛ كَانَ يُحِبُّ مَنْ يُذَكِّرُهُ بِهَا، وَكَانَ يَقُولُ مِنْ شِدَّةِ فَرَحِهِ: «اللَّهُمَّ هَالَةَ»؛ أَيْ يَا رَبِّ! اجْعَلِ الْمُسْتَأْذِنَ فِي الدُّخُولِ هَالَةَ.

قَالَ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: «وَفِي هَذَا كُلِّهِ دَلِيلٌ لِحُسْنِ الْعَهْدِ، وَحِفْظِ الْوُدِّ، وَرِعَايَةِ حُرْمَةِ الصَّاحِبِ وَالْعَشِيرِ فِي حَيَاتِهِ وَوَفَاتِهِ، وَإِكْرَامِ أَهْلِ ذَلِكَ الصَّاحِبِ».

أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-، قَالَتْ: ((مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ, وَمَا رَأَيْتُهَا)).

عَجِيبٌ!! هِيَ الَّتِي لَمْ تَرَهَا، وَهِيَ الَّتِي تَغَارُ مِنْهَا، وَبَلَغَتِ الْغَيْرَةُ مِنْهَا مَبْلَغَهَا، وَمَا غَارَتْ غَيْرَتَهَا مِنْهَا عَلَى وَاحِدَةٍ مِمَّنْ عَاصَرَتْهُنَّ تَحْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ لِمَ؟!

قَالَتْ: ((وَلَكِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ  يُكْثِرُ ذِكْرَهَا, وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ، ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً, ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ -فِي صُوَيْحِبَاتِهَا-)). هَذِهِ كَانَتْ تَأْتِينَا أَيَّامَ خَدِيجَة، أَنْعِمْ بِأَيَّامِ خَدِيجةَ!

اذْهَبُوا بِهَذِهِ إِلَيْهَا، وَهَذِهِ كَانَتْ تَطْرُقُنَا أَيَّامَ خَدِيجَةَ، وَأَنْعِمْ بِأَيَّامِ خَدِيجَةَ! اذْهَبُوا بِهَذِهِ إِلَى صَاحِبَةِ خَدِيجَةَ، وَهَكَذَا.

تَقُولُ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: ((فَرُبَّمَا قُلْتُ: كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ)).

فَيَقُولُ: ((إِنَّهَا كَانَتْ، وَكَانَتْ، وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ)).

مَزَايَا عَدِيدَةٌ، وَخِصَالٌ حَمِيدَةٌ، وَمَآثِرُ مَجِيدَةٌ، وَمِنْ مَآثِرِهَا: أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَعْتِبْ عَلَيْهَا فِي عِشْرَتِهَا بِطُولِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَمَا أَغْضَبَتْهُ مَرَّةً قَطُّ، وَلَا رَاجَعَتْهُ فِي شَيْءٍ أَبَدًا -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-.

وَهَذَا الْوَفَاءُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِخَدِيجَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- كَانَ كُلُّهُ بَعْدَ وَفَاتِهَا -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-، مَعَ مَا كَانَ مِنَ الْوَفَاءِ فِي حَالِ حَيَاتِهَا -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-.

فَالنَّبِيُّ ﷺ عَلَّمَ الدُّنْيَا الْوَفَاءَ.

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ -مِنْ لُؤْلُؤٍ مُجَوَّفٍ أَوْ مِنْ ذَهَبٍ مَنْظُومٍ بِالْجَوْهَرِ- لَا صَخَبَ فِيهِ -لَا اخْتِلَاطَ لِلْأَصْوَاتِ بِارْتِفَاعِ غَوْغَائِيَّتِهَا- وَلَا نَصَبَ -لَا مَشَقَّةَ وَلَا تَعَبَ-)).

فَصَفَاءٌ فِي الْمَكَانِ، وَصَفَاءٌ فِي الْمَكِينِ، وَصَفَاءٌ فِي الْجَوِّ، وَصَفَاءٌ فِي الضَّمِيرِ، وَهِيَ الصَّفَاءُ كُلُّهُ -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا أُمِّنَا-.

*بِرُّ النَّبِيِّ ﷺ بِأَبْنَائِهِ وَبَنَاتِهِ، وَفَاطِمَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- مِثَالًا:

لَقَدْ أَخْبَرَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّهُ مَا كَانَ مِنْ أَحَدٍ أَشْبَهَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَمْتِهِ، وَفِي دَلِّهِ، وَفِي مَشْيِهِ، وَفِي جِلْسَتِهِ مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَقْبَلَتْ قَامَ إِلَيْهَا فَقَبَّلَهَا، وَأَجْلَسَهَا فِي مَوْضِعِهِ ﷺ، وَكَانَ إِذَا أَقْبَلَ عَلَيْهَا وَذَهَبَ إِلَيْهَا؛ قَامَتْ إِلَيْهِ فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ ﷺ.

وَمَقَامُ فَاطِمَةَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَقَامٌ عَظِيمٌ جَلِيلٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ لَمَّا أَرَادَ آلُ أَبِي جَهْلٍ أَنْ يُنْكِحُوا عَلِيًّا ابْنَتَهُمْ، وَعَلِيٌّ زَوْجُ فَاطِمَةَ بِنْت رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَرَادَ آلُ أَبِي جَهْلٍ أَنْ يُنْكِحُوا عَلِيًّا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ابْنَتَهُمْ.

فَخَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَقَالَ: ((إِنَّ آلَ أَبِي جَهْلٍ أَرَادُوا أَنْ يُنْكِحُوا عَلِيًّا ابْنَتَهُمْ، وَلَا وَاللهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ تَحْتَ سَقْفٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ أَرَادَ عَلِيٌّ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَلْيُفَارِقْ فَاطِمَةَ))، فَرَجَعَ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنْ ذَلِكَ.

وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذَلِكَ الْبَيَانِ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَوْ حَدَثَ يَكُونُ فِتْنَةً لِفَاطِمَةَ -رَضِيَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهَا-؛ لِأَنَّهُ تَكُونُ ضَرَّتُهَا بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ، يَجْتَمِعَانِ تَحْتَ سَقْفٍ وَاحِدٍ، وَلِكُلٍّ مِنَ الْحَقِّ عَلَى عَلِيٍّ مَا يُمَاثِلُ مَا لِلْأُخْرَى، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أَلَا إِنَّ فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنِّي -وَالْبَضْعَةُ: الْقِطْعَةُ مِنَ اللَّحْمِ- يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا)). فَرَجَعَ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

لَمَّا دَخَلَتْ فَاطِمَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ مَرِيضًا، فَأَكَبَّتْ عَلَيْهِ، فَسَارَّهَا بِكَلَامٍ، وَأَسَرَّ إِلَيْهَا كَلَامًا، فَبَكَتْ ثُمَّ أَكَبَّتْ عَلَيْهِ، فَسَارَّهَا بِكَلَامٍ فَضَحِكَتْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: ((إِنْ كُنْتُ لَأَحْسَبُ أَنَّهَا مِنْ أَكْمَلِ النِّسَاءِ، فَإِذَا هِيَ تَضْحَكُ وَتَبْكِي فِي آنٍ؟!!)).

فَأَقْبَلَتْ عَلَيْهَا فَقَالَتْ: ((بِمَا أَسَرَّ إِلَيْكِ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟)).

قَالَتْ: ((إِنِّي إِذَنْ لَبَذِرَةٌ -وَالْبَذِرُ مِنَ الرِّجَالِ: الَّذِي يَنْقُلُ الْحَدِيثَ، وَلَا يَسْتَقِرُّ عَلَى صَفْحَةِ قَلْبِهِ شَيْءٌ سَمِعَهُ، فَإِذَا جَلَسَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ حَدَّثَ بِمَا كَانَ- وَمَا كُنْتُ لَأُفْشِي سِرَّ رَسُولِ اللهِ)).

فَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ حَدَّثْتُ بِالَّذِي كَانَ، فَقَالَتْ: ((إِنِّي لَمَّا أَكْبَبْتُ عَلَيْهِ الْمَرَّةَ الْأُولَى أَسَرَّ إِلَيَّ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَأْتِيهِ فِي كُلِّ عَامٍ فِي رَمَضَانَ لِيُدَارِسَهُ الْقُرْآنَ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَقَدْ جَاءَهُ فِي هَذَا الْعَامِ مَرَّتَيْنِ، فَعَلِمَ أَنَّ الْأَجَلَ قَدْ دَنَا.

قَالَتْ: فَبَكَيْتُ، فَلَمَّا أَكْبَبْتُ عَلَيْهِ الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ أَسَرَّ إِلَيَّ أَنِّي -أَيْ فَاطِمَة -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-- أَسْرَعُ أَهْلِ بَيْتِهِ لُحُوقًا بِهِ، قَالَتْ: فَضَحِكْتُ)).

فَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الرَّسُولُ ﷺ.

فَضْلُ فَاطِمَةَ وَعَظِيمُ قَدْرِهَا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَمْرٌ مَعْلُومٌ.

*مَحَبَّةُ وَبِرُّ النَّبِيِّ بِأَحْفَادِهِ:

عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَدُعِينَا إِلَى طَعَامٍ فَإِذَا حُسَيْنٌ يَلْعَبُ فِي الطَّرِيقِ، فَأَسْرَعَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَامَ الْقَوْمِ، ثُمَّ بَسَطَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَمُرُّ مَرَّةً هَاهُنَا وَمَرَّةً هَاهُنَا، يُضَاحِكُهُ حَتَّى أَخَذَهُ، فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ فِي ذَقَنِهِ وَالْأُخْرَى فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ اعْتَنَقَهُ فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، سِبْطَانِ مِنَ الْأَسْبَاطِ»«». هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَسَلَكَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي «السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ».

«سِبْطَانِ»: «السِّبْطُ»: وَلَدُ الْبِنْتِ، مَأْخَذُهُ مِنَ «السَّبَطِ» بِالْفَتْحِ وَهِيَ شَجَرَةٌ لَهَا أَغْصَانٌ كَثِيرَةٌ وَأَصْلُهَا وَاحِدٌ، كَأَنَّ الْوَالِدَ بِمَنْزِلَةِ الشَّجَرَةِ، وَكَأَنَّ الْأَوْلَادَ بِمَنْزِلَةِ الْأَغْصَانِ.

قَالَ الْقَاضِي«»: «السِّبْطُ»: وَلَدُ الْوَلَدِ؛ أَيْ: هُوَ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ«».

«حُسَيْنٌ يَلْعَبُ فِي الطَّرِيقِ فَأَسْرَعَ ﷺ أَمَامَ الْقَوْمِ، ثُمَّ بَسَطَ يَدَيْهِ»: يُرِيدُ أَنْ يَمْنَعَ الْحُسَيْنَ مِنَ الْحَرَكَةِ.

فِي الْحَدِيثِ: تَوَاضُعُ النَّبِيِّ ﷺ وَشَفَقَتُهُ وَرَحْمَتُهُ بِالْأَطْفَالِ.

وَفِيهِ: صِلَتُهُ بِأَرْحَامِهِ.

«جَعَلَ الْغُلَامَ يَمُرُّ مَرَّةً هَاهُنَا وَمَرَّةً هَاهُنَا»: أَيْ: يُحَاوِلُ الْفِرَارَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

وَفِيهِ: مُضَاحَكَةُ الصَّبِيِّ، وَمُمَازَحَتُهُ وَاعْتِنَاقُهُ، وَإِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَيْهِ.

وَفِي الْحَدِيثِ: اسْتِحْبَابُ مُلَاطَفَةِ الصَّبِيِّ، وَاسْتِحْبَابُ مُدَاعَبَتِهِ؛ رَحْمَةً لَهُ وَلُطْفًا بِهِ، وَبيَانُ خُلُقِ التَّوَاضُعِ مَعَ الْأَطْفَالِ وَغَيْرِهِمْ.

فَهَذا النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ مَعَ عَظِيمِ مَسْئُولِيَّتِهِ، وَمَعَ جَلِيلِ مَا نَاطَهُ اللهُ تَعَالَى بِعُنُقِهِ، وَمَعَ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ أَمْرِ الدَّعْوَةِ وَالْبَلَاغِ وَأَدَاءِ الرِّسَالَةِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى، يَجِدُ فِي صَدْرِهِ فُسْحَةً؛ -وَمَا أَوْسَعَ صَدْرَهُ ﷺ!- لِكَيْ يُلَاطِفَ حُسَيْنًا عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، وَهِيَ صُورَةٌ مُحَبَّبَةٌ، فِيهَا شَفَقَةٌ، وَفِيهَا رِقَّةٌ، وَفِيهَا رَحْمَةٌ، وَفِيهَا رَأْفَةٌ، فَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى مَنْ وَصَفَهُ رَبُّهُ بِأَنَّهُ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: أَبْصَرَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُقَبِّلُ الْحَسَنَ.

فَقَالَ: إِنَّ لِي مِنَ الْوَلَدِ عَشَرَةً مَا قَبَّلْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنه مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ«».

*وَفَاءُ النَّبِيِّ لِلْأَنْصَارِ، وَوَفَاؤُهُ وَبِرُّهُ بِمَنْ آذَوْهُ قَبْلُ:

أَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) بِسَنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -فِيمَا يَأْتِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدُ-، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَبَاحٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَفَدَتْ وُفُودٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، فَكَانَ يَصْنَعُ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ الطَّعَامَ.

فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ -وحُقَّ لَهُ؛ إِذْ هُوَ مِمَّنْ رَبَّاهُمْ عَلَى عَيْنِهِ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ- مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَدْعُوَنَا إِلَى رَحْلِهِ -لِيُطْعِمَهُمْ-.

فَقُلْتُ -يقولُ عَبْدُ اللهِ بْنِ رَبَاحٍ في سِيَاقِ حَدِيثِهِ، يَعْنِي: قَالَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِأَهْلِهِ مُحَرِّضًا وَحَاثًّا- فَقُلْتُ: أَلَا أَصْنَعُ طَعَامًا، فَأَدْعُوَهُمْ إِلَى رَحْلِي -وَأَفْعَلُ كَمَا يَفْعَلُ أَبُو هُرَيْرَةَ صَاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ-؟

فَأَمَرْتُ بِطَعَامٍ يُصْنَعُ -فَأَمَرَ أَهْلَهُ وَمَنْ كَانَ هُنَالِكَ فِي خِدْمَتِهِ أَنْ يَصْنَعُوا طَعَامًا-؟

قَالَ: ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا هُرَيْرَةَ مِنَ الْعَشِيِّ -يَعْنِي: فِي آخِرِ النَّهَارِ-، فَقُلْتُ: الدَّعْوَةُ عِنْدِي اللَّيْلَةَ -كَانُوا فِي رَمَضَانَ كَمَا ذَكَرَ-، فَقَالَ: سَبَقْتَنِي؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَوْتُهُمْ.

فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ -وَعِنْدَنَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ- بِذَاتِ السِّيَاقِ لِنَفْسِ الرَّاوِي فِي ذَاتِ الْقِصَّةِ وَنَفْسِ الْحَدَثِ أَنَّهُمُ انْتَهَوْا إِلَى بَيْتِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبَاحٍ وَمَعَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-- وَلَمَّا يُدْرِكِ الطَّعَامُ بَعْدُ، يَعْنِي: هُوَ مُتَّصِلٌ بِالْحَالِ، وَهَذَا فَارِقُ مَا بَيْنَ (لَمْ) وَ(لَمَّا)، وَلَمْ يُدْرِكِ الطَّعَامُ بَعْدُ: فَهَذَا قَطْعٌ لِلصِّلَةِ بِالْحَالِ، وَلَمَّا يُدْرِكِ الطَّعَامُ بَعْدُ: يَعْنِي: وَلَمَّا يَنْضُجِ الطَّعَامُ بَعْدُ؛ وَلَكِنَّهُ عَلَى شَفَا نُضُوجٍ-.

يَقُولُ: -يَعْنِي: لَمَّا جَلَسُوا وَالطَّعَامُ لَمْ يُؤْتَ بِهِ بَعْدُ- أَلَا تُحَدِّثُنَا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ بِحَدِيثٍ مِنْ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، حَتَّى يُدْرِكَ طَعَامُنَا، حَتَّى يَنْضُجَ طَعَامُنَا؟

فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَلَا أُعْلِمُكُمْ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ -يَعْنِي: مَا أَخْتَارُ لَكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا حَدِيثًا مِنْ حَدِيثِكُمْ مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ-.

ثُمَّ ذَكَرَ فَتْحَ مَكَّةَ، فَقَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ -جَاءَ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي جُنْدِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مُقَاتِلِينَ مُجَاهِدِينَ لِفَتْحِ مَكَّةَ بَعْدَ نُكْثِ الْعَهْدِ، وَبَعْدِ نَقْضِ الْعَقْدِ، وَبَعْدَ إِخْلَافِ الْوَعْدِ، فَمَا هَيَّجَ عَلَيْهِمْ جُنْدَ الْإِسْلَامِ إِلَّا الْغَدْرُ، وَجَاءَ النَّبِيُّ الْوَفِيُّ ﷺ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ-.

فَبَعَثَ الزُّبَيْرَ عَلَى إِحْدَى الْمُجَنِّبَتَيْنِ، وَبَعَثَ خَالِدًا عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْأُخْرَى -الْمُجَنِّبَتَانِ: الْجَنَاحَانِ بَيْنَهُمَا قَلْبُ الْجَيْشِ-، وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْحُسَّرِ -الَّذِينَ لَا خِوَذَ لَهُمْ، وَالَّذِينَ لَا أَدْرُعَ تَسْتُرُ صُدُورَهُمْ-، فَأَخَذُوا بَطْنَ الْوَادِي -يَعْنِي: فَمَضَوْا فِي بَطْنِ الْوَادِي مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ، أَعْنِي الحُسَّرَ-، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي كَتِيبَةٍ -وَالْكَتِيبَةُ: الْقِطْعَةُ الْعَظِيمَةُ مِنَ الْجَيْشِ-.

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: فَنَظَرَ فَرَآنِي، فَقَالَ: ((أَبُو هُرَيْرَةَ)).

قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ.

فَقَالَ: «لَا يَأْتِينِي إِلَّا أَنْصَارِيٌّ».

يَعْنِي: صِحْ بِهِمْ، اهْتِفْ بِهِمْ، اهْتِفْ بِالْأَنْصَارِ، صِحْ بِهِمْ، وَادْعُهُمْ إِلَيَّ؛ وَلَكِنْ لَا يَأْتِينِي إِلَّا أَنْصَارِيٌّ-.

قَالَ: فَأَطَافُوا بِهِ -وَحَذَفَ هَاهُنَا حَدَثًا وَكَلَامًا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا يَأْتِينِي إِلَّا أَنْصَارِيٌّ».

قَالَ: فَأَحَاطُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَأَطَافُوا بِهِ.

اهْتِفْ لِي بِالْأَنْصَارِ، اُدْعُهُمْ إِلَيَّ، فَذَهَبْتُ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ النَّاسِ أَدْعُو الْأَنْصَارَ وَاحِدًا وَاحِدًا؛ هَلُمُّوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَمَا مِنْهُمْ مِنْ وَاحِدٍ إِلَّا أَسْرَعَ طَائِرًا بِجَنَاحَيِ الشَّوْقِ إِلَى لِقَاءِ النَّبِيِّ ﷺ، حَتَّى كَانُوا عِنْدَهُ، فَأَطَافُوا بِهِ، حَذَفَ ذَلِكَ كُلَّهُ.

فَأَطَافُوا بِهِ، وَوَبَّشَتْ قُرَيْشٌ أَوْبَاشًا لَهَا وَأَتْبَاعًا -يَعْنِي: جَمَعَتِ السِّفْلَةَ وَالْأَوْبَاشَ وَسَقَطَ الْمَتَاعِ مِنَ النَّاسِ، فَجَعَلَتْهُمْ تَقْدِمَةً يَلْقَوْنَ مُحَمَّدًا وَجُنْدَهُ ﷺ.

فَقَالُوا: نُقَدِّمُ هَؤُلَاءِ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شَيْءٌ كُنَّا مَعَهُمْ -يَعْنِي: إِنْ أَصَابُوا مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ فَوْزًا وَنَصْرًا كُنَّا مَعَهُمْ-، وَإِنْ أُصِيبُوا أَعْطَيْنَا الَّذِي سُئِلْنَا.

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمَّا رَأَى ذَلِكَ لِلْأَنْصَارِ: «تَرَوْنَ إِلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ، وَأَتْبَاعِهِمْ».

ثُمَّ قَالَ بِيَدَيْهِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى -كَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ هَكَذَا -وَأَمْسَكَ الشَّيْخُ كَفَّهُ بِكَفِّهِ؛ إِشَارَةً لِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَيْهِمْ-، «تَرَوْنَ إِلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ، وَأَتْبَاعِهِمْ» -يَعْنِي: قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَيْكُمْ.

وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ -وَهُوَ الَّذِي يُصَارُ إِلَيْهِ-: فَأَخْفَى شِمَالَهُ ﷺ، وَأَمْضَى عَلَيْهَا يَمِينَهُ هَكَذَا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تَرَوْنَ إِلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ، وَأَتْبَاعِهِمْ»، ثُمَّ جَعَلَ يَدَيْهِ هَكَذَا، يَعْنِي: افْرُوهُمْ فَرْيًا، وَمَثِّلُوا بِهِمْ مِنْ وَرَائِهِمْ-، قَالَ النبي ﷺ: «حَتَّى تُوَافُونِي بِالصَّفَا».

قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فَمَا شَاءَ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا إِلَّا قَتَلَهُ -لَا يَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ-، وَمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يُوَجِّهُ إِلَيْنَا شَيْئًا -يَعْنِي: هُمْ لَا يُدَافِعُونَ إِلَّا بِقَدْرِ مَا يُدْفَعُونَ، لَا يَصْنَعُونَ شَيْئًا-.

قَالَ -فَلَمَّا وَقَعَ ذَلِكَ مَاذَا حَدَثَ؟-: جَاءَ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ -جَاءَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَسْعَى حَثِيثًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ -وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ-  أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ -يَعْنِي: أُبِيدَتْ وَاسْتُأْصِلَتْ، وَيُقَالُ لِلْأَجْمَاعِ الَّذِينَ يُجْمَعُونَ مَعًا، وَلِلْأَوْزَاعِ الْمُتَفَرِّقِينَ إِذَا مَا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؛ يُقَالُ لِذَلِكَ: خَضْرَاءُ، وَخَضْرَاؤُهُمْ: جَمَاعَاتُهُمْ، يَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ يَا رَسُولَ اللهِ.

النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ يَمُرُّ بِأَمْرَيْنِ كَبِيرَيْنِ:

فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَقَدْ أَخْرَجْتُمُونِي بَعْدَمَا طَارَدْتُمُونِي، وَحَاوَلْتُمْ قَتْلِي، فَتَرَصَّدْتُمْ بِي رَصَدًا، وَأَرَدْتُمْ أَنْ تَهْتَبِلُوا مِنِّي غِرَّةً لِلْقَضَاءِ عَلَيَّ، وَخَرَجْتُ، وَتَرَكْتُ، وَمَضَيْتُ، وَقَاتَلْتُ، وَجَاهَدْتُ، وَتَعِبْتُ، وَدَافَعْتُ عَنْ دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

ثُمَّ أُبْتُ وَرَجَعْتُ، وَلَمْ أَرْجِعْ إِلَّا لِنُكْثِكُمْ بِعَهْدِكُمْ، وَنَقْضِكُمْ لِعَقْدِكُمْ، وَخَيْسِكُمْ بِوَعْدِكُمْ، فَلَمْ أَفْتَتْ عَلَيْكُمْ؛ فَمَاذَا تُرِيدُونَ؟!! لَكِنَّهُ الصَّبُورُ الْحَلِيمُ ﷺ.

وَصَّى الْأَنْصَارَ قَبْلُ بِالْإِشَارَةِ هَكَذَا -أَمْسَكَ كَفَّهُ بِكَفِّهِ-، أَوْبَاشُهُمْ وَأَتْبَاعُهُمْ يَدْفَعُونَ بِهِمْ فِي وُجُوهِكُمْ -هَكَذَا وَأَمْسَكَ كَفَّهُ بِكَفِّهِ-.

وَالْآنَ مَاذَا يَكُونُ الشَّانُ مَعَ الْأَنْصَارِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-؟

لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ».

فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَمَّا الرَّجُلُ -يَعْنُونَ مُحَمَّدًا ﷺ، مَا الَّذِي أَلْجَأَهُمْ إِلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَهُمْ مُلُوكُ الْبَيَانِ، وَسَلَاطِينُ الْبَلَاغَةِ، وَأَسَاطِينُ التَّعْبِيرِ أَيْضًا؟!! أَوَ مَا كَانَتْ هُنَالِكَ لَفْظَةٌ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ هَاهُنَا مُعَبِّرَةً مُؤَدِّيَةً لِلْمَعْنَى الْمُرَادِ سِوَى هَذَا الْإِطْلَاقِ؟!-

أَمَّا الرَّجُلُ؛ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ، وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ -تَدْرِي.. لَقَدْ قَالُوهَا كَأَنَّهَا تَوْطِئَةٌ لِعُذْرٍ؛ بَلْ كَأَنَّمَا دَفَعُوا بِهَا اعْتِذَارًا؛ يَعْنِي: النَّبِيُّ ﷺ حِينَمَا رَأَوْا رَأْفَتَهُ بِقَوْمِهِ، وَكَفَّهُ الْقَتْلَ عَنْهُمْ ﷺ؛ جَنَحَتْ بِهِ الطَّبِيعَةُ الْبَشَرِيَّةُ فِي أَعْلَى مَرَامِيهَا وَأَجْلَى مَسَامِيهَا، فَلَا عَتْبَ عَلَيْهِ هَاهُنَا، وَلَهُ الْعُذْرُ كُلُّهُ ﷺ.

لِمَاذَا أَمَّنَ وَقَدْ أَمَرَ بِأَنْ نَجْعَلَ فِيهِمُ السَّيْفَ؟

لِمَاذَا قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ؛ وَقَدْ أَمَرَنَا قَبْلُ وَانْتَدَبَنَا وَحْدَنَا: لَا تَدْعُ لِي إِلَّا الْأَنْصَارَ، وَلَا يَأْتِينِي إِلَّا أَنْصَارِيٌّ؟

وَهَذِهِ كَتِيبَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَأْتِيهَا الْأَمْرُ الْمُبَاشِرُ بِالْفِعْلِ، وَهِيَ تَفْعَلُ مَا أُمِرَتْ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ مِنْ غَيْرِ مَا تَقْصِيرٍ، حَتَّى يَأْتِيَ الْأَمْرُ مِنَ الْبَشِيرِ النَّذِيرِ ((مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ)).

نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَمَّا الرَّجُلُ ﷺ؛ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ، وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ.

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَجَاءَ الْوَحْيُ -لَمْ يَنْقُلْهَا، أَعْنِي: الْقَوْلَةَ الَّتِي قِيلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ-، وَكَانَ إِذَا جَاءَ الْوَحْيُ لَا يَخْفَى عَلَيْنَا، فَإِذَا جَاءَ -يَعْنِي: الْوَحْيَ-؛ فَلَيْسَ أَحَدٌ يَرْفَعُ طَرْفَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْوَحْيُ، فَلَمَّا انْقَضَى الْوَحْيُ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ» قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ.

قَالَ: ((قُلْتُمْ: أَمَّا الرَّجُلُ؛ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ، وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ؟)).

وَهَذَا دَلِيلٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ عَلَى أَنَّ الْوَحْيَ بِالسُّنَّةِ يَكُونُ مِنْ عِنْدِ اللهِ بِالطَّرِيقِ الْمُبَاشِرِ هَكَذَا.

قَالُوا: قَدْ كَانَ ذَاكَ.

قَالَ: ((كَلَّا)) -وَكَلَّا هَاهُنَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ عَلَى أَصْلِهَا -يَعْنِي: لَا، لَمْ يَحْدُثْ أَنْ أَخَذَتْنِي رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِي وَقَدْ خَرَجْتُ مِنْهَا مُهَاجِرًا، فَلَا أَعُودُ مِنْ هِجْرَتِي، وَإِنَّمَا أَنَا مُسْتَمِرٌّ عَلَى مَا كَانَ، وَأَيْضًا: لَا رَأْفَةَ فِي الْفِعْلِ الَّذِي كَانَ مِنْ كَفِّ الْقَتْلِ عَنْهُمْ وَلَا شَيْءَ؛ لِأَنَّهُمْ عَشِيرَةٌ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِحِكَمٍ جَلِيلَةٍ.

وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ (كَلَّا) هَاهُنَا بِمَعْنَى: حَقًّا، نَعَمْ، أَدْرَكَتْنِي رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِي وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِي؛ وَلَكِنِّي لَا أَسِيرُ عَلَى مُقْتَضَى رَغَبَاتِي الشَّخْصِيَّةِ، وَلَا أَعُودُ إِلَى قَنَاعَاتِي الذَّاتِيَّةِ، وَإِنَّمَا -كَمَا قَالَ ﷺ، قَالَ: كَلَّا، إِنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ ﷺ، وَإِذَنْ؛ فَمَاذَا سَيَكُونُ بَعْدُ؟-

قَالَ: ((كَلَّا، إِنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، هَاجَرْتُ إِلَى اللهِ وَإِلَيْكُمْ، وَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ».

يَا لَلْوَفَاءِ!!

الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ، وَهَذِهِ أَرْضِي وَأَرْضُ آبَائِي.

وَهَذِهِ دِيَارِي وَدِيَارُ أَجْدَادِي، وَهَذَا الْبَيْتُ بِأَشْرَفِ قَرْيَةٍ بِبَلْدَةٍ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ، حَبِيبٌ إِلَيَّ، عَزِيزٌ عَلَيَّ، بَنَاهُ أَبَوَايَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ، وَإِنِّي لَأَوَدُّ، وَإِنِّي لَوَادٌّ أَنْ أَظَلَّ عِنْدَهُ أَطُوفُ بِهِ، وَأَسْتَلِمُ حَجَرَهُ، وَأَظَلُّ هَاهُنَا، وَلَكِنَّ الْأَمْرَ كَمَا أَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَقَدَّرَ.

وَإِنَّهُ ﷺ لَا يَصْدُرُ فِي شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا كَمَا قَالَ لَهُ رَبُّهُ وَهُوَ يُتَرْجِمُ عَنِ الْوَحْيِ بِالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، يَقُولُ النَّبِيُّ: ((وَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ)).

فَأَظَّلُ بَيْنَكُمُ الْحَيَاةَ الْبَاقِيَةَ، فَإِذَا مِتُّ فَبَيْنَكُمْ أَمُوتُ، وَبِدِيَارِكُمْ أُدْفَنُ، وَقَبْرِي عِنْدَكُمْ وَلَدَيْكُمْ ﷺ.

وَفَاءٌ مَا بَعْدَهُ وَفَاءٌ!!

فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَبْكُونَ وَيَقُولُونَ: وَاللهِ؛ مَا قُلْنَا الَّذِي قُلْنَا إِلَّا الضِّنَّ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ ﷺ.

وَاللهِ مَا قُلْنَا مَا قُلْنَا إِلَّا أَنَّا أَشِحَّةٌ عَلَيْكَ، وَإِلَّا إِنَّا بُخَلَاءُ بِكَ غَايَةَ الْبُخْلِ، لَا نُفَرِّطُ فِيكَ أَبَدًا، وَلَا نَتَصَوَّرُ أَنْ نَعُودَ وَنُخَلِّيَكَ بَعْدَنَا، وَلَا أَنْ نُغَادِرَكَ فِي مَكَانٍ لَا تَكُونُ مَعَنَا فِيهِ ﷺ.

وَعَيْنًا بِعَيْنٍ، وَسِنًّا بِسِنٍّ، وَوَفَاءً بِوَفَاءٍ ((الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ)).

فَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِ الْأَوْفِيَاءِ ﷺ.

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ، وَيَعْذِرَانِكُمْ».

إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ فِيمَا قُلْتُمْ، وَيَعْذِرَانِكُمْ فِيمَا لَفَظْتُمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَصْدُرُ إِلَّا مِنَ الْحُبِّ كَمَا أَعْلَنْتُمْ عَنِ الضِّنِّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ.

قَالَ: فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى دَارِ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَغْلَقَ النَّاسُ أَبْوَابَهُمْ -يُحَصِّلُونَ الْأَمَانَ-، قَالَ: وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، حَتَّى أَقْبَلَ إِلَى الْحَجَرِ، فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، قَالَ: فَأَتَى عَلَى صَنَمٍ إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ -أَهَذَا إِلَهٌ؟!! أَهَذَا يَنْفَعُ أَوْ يَضُرُّ؟!! أَهَذَا يَنْفَعُ نَفْسَهُ؟!! أَهَذَا يَدْفَعُ لَا يَنْفَعُ شَيْئًا مِنَ الضُّرِّ يَنْزِلُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ، أَوْ يُصِيبُ لَا بِالْقَذَى، وَإِنَّمَا بِسِيَةِ الْقَوْسِ مِحْجَرَهُ وَعَيْنَهُ؟!! فَلْنَرَ.

قَالَ: وَفِي يَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَوْسٌ، وَهُوَ آخِذٌ بِسِيَةِ الْقَوْسِ -يَعْنِي: بِطَرَفِ الْقَوْسِ الْمَحْمِيِّ-، فَلَمَّا أَتَى عَلَى الصَّنَمِ؛ جَعَلَ ﷺ يَطْعُنُهُ فِي عَيْنِهِ -يَطْعَنُ بِهَذَا الْقَوْسِ الَّذِي فِي يَدِهِ فِي عَيْنِ ذَلِكَ الصَّنَمِ-، وَيَقُولُ ﷺ: {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} [الإسراء: 81].

فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا، فَعَلَا عَلَيْهِ حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللهَ، وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ ﷺ.

النَّبِيُّ ﷺ مُعَلِّمُ البَشَرِيَّةِ الوَفَاءَ..


 

*بِرُّ النَّبِيِّ وَشَفَقَتُهُ بِخَدَمِهِ:

عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي -وَأَبُو طَلْحَةَ هُوَ زَوْجُ أُمِّ سُلَيْمٍ أُمِّ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ--، فَأَخَذَ بِيَدِ أَنَسٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ أَمَّهُ هِيَ الَّتِي أَخَذَتْ ِبيَدِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَنَسًا غُلَامٌ كَيِّسٌ فَلْيَخْدُمْكَ.

قَالَ: فَخَدَمْتُهُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَوَاللَّهِ مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا؟ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ: لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا؟!» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَهَذَا لَا يَنْقَضِي مِنْهُ الْعَجَبُ، وَلَكِنَّهَا أَخْلَاقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ لِأَنَّ أَنَسًا كَانَ فِي التَّاسِعَةِ مِنْ عُمُرِهِ، أَوْ فِي الْعَاشِرَةِ، أَوْ هُوَ بَيْنَهُمَا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

حَتَّى إِنَّهُ كَانَ أَحْيَانًا يَفْعَلُ مَا تَقْتَضِيهِ سِنُّهُ، كَمَا حَكَى هُوَ عَنْ نَفْسِهِ، قَالَ: أَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَذْهَبَ لِحَاجَةٍ عَيَّنَهَا لِي، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَذْهَبُ!

يَقُولُ لِلرَّسُولِ ﷺ، وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: «اذْهَبْ يَا أَنَسُ، فَافْعَلْ كَذَا!».

فَقُلْتُ: وَاللَّهِ، لَا أَذْهَبُ. وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ.

قَالَ: فَمَا رَاعَنِي إَّلا وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَخَذَ بِأُذُنِي مِنْ خَلْفِي وَيَقُولُ: «يَا أُنَيْسُ هَلْ ذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟!».

فَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَقُلْ لَهُ لِشَيْءٍ صَنَعَهُ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا؟ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ يَصْنَعْهُ: لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا.

عَشْرُ سِنِينَ لَمْ يَقُلْ لَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً ذَلِكَ!!

وَهَذَا شَيْءٌ لَا يَنْقَضِي مِنْهُ الْعَجَبُ، وَلَكِنَّهَا أَخْلَاقُ الرَّسُولِ ﷺ.

«مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا»؛ أَيْ: لَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ فِي فِعْلٍ وَلَا تَرْكٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ تَرْكَ اعْتِرَاضِهِ ﷺ عَلَى أَنَسٍ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْخِدْمَةِ وَالْآدَابِ، لَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُ الِاعْتِرَاضِ فِيهَا.

يَعْنِي: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِخِدْمَتِهِ ﷺ لَا يَلْتَفِتُ إِلَى هَذَا، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ.

عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: «خَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي قَطُّ: أُفٍّ. وَلَا قَالَ لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَهُ؟ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَفْعَلْهُ: أَلَا فَعَلْتَ كَذَا؟!» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

هِيَ أَخْلَاقُ النَّبِيِّ ﷺ، فَهَلْ يَسْتَطِيعُ الرَّجُلُ أَلَّا يَقُولَ لِوَلَدِهِ مِنْ صُلْبِهِ عَشْرَ سِنِينَ، أَلَّا يَقُولَ لَهُ: أُفٍّ، خِلَالَ هَذِهِ الْفَتْرَةِ مِنَ الزَّمَانِ؟!

فَأَنَسٌ لَيْسَ بِوَلَدِهِ، وَهَذَا أَدْعَى لِأَنْ يُعَامِلَهُ بِمَا لَمْ يُعَامِلْ بِهِ وَلَدَهُ، وَلَكِنَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

«أُفٍّ» كَلِمَةُ تَضَجُّرٍ.

لَمْ تَصْدُرْ مِنْهُ قَطُّ عَشْرَ سِنِينَ، وَأَنَسٌ كَانَ صَبِيًّا بَعْدُ.

عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، فَأَرْسَلَنِي يَوْمًا لِحَاجَةٍ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَذْهَبُ، وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ نَبِيُّ اللهِ ﷺ، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: «يَا أُنَيْسُ -وَالتَّصْغِيرُ لِلتَّدْلِيلِ- أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟!».

قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللهِ.

قَالَ أَنَسٌ: وَاللَّهِ لَقَدْ خَدَمْتُهُ تِسْعَ سِنِينَ، مَا عَلِمْتُهُ قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ أَوْ لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: هَلَّا فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟! رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي «شَرْحِ مُسْلِمٍ» فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «قَوْلُهُ: «تِسْعَ سِنِينَ»، وَفِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ «عَشْرَ سِنِينَ» مَعْنَاهُ أَنَّهَا تِسْعُ سِنِينَ وَأَشْهُرٌ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ تَحْدِيدًا لَا تَزِيدُ وَلَا تَنْقُصُ، وَخَدَمَهُ أَنَسٌ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ الْأُولَى.

فَفِي رِوَايَةِ التِّسْعِ لَمْ يَحْسِبِ الْكَسْرَ، بَلِ اعْتَبَرَ السِّنِينَ الْكَوَامِلَ، وَفِي رِوَايَةِ الْعَشْرِ حَسَبَهَا سَنَةً كَامِلَةً، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ».

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ كَمَالِ خُلُقِهِ ﷺ وَحُسْنِ عِشْرَتِهِ، وَحِلْمِهِ وَصَفْحِهِ، بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي وَنَفْسِي ﷺ.

لَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَكْمَلَ النَّاسِ خُلُقًا، وَأَحْسَنَهُمْ أَخْلَاقًا، كَانَ أَوْلَى النَّاسِ بِالْحُبِّ وَالْقُرْبِ مِنْهُ، مَنْ بَلَغَ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ مَبْلَغًا مَرْضِيًّا، وَتَسَنَّمَ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ مَكَانًا عَلِيًّا.

وَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-، قَالَتْ: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ، بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ، إِلا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلا ضَرَبَ خَادِمًا وِلا امْرَأَةً». الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

النَّبِيُّ ﷺ كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا.

«مَا ضَرَبَ» «بِيَدِهِ» لِلتَّأْكِيدِ؛ لِأَنَّ الضَّرْبَ عَادَةً يَكُونُ بِالْيَدِ، فَلَوِ اقْتَصَرَتْ عَلَى قَوْلِهَا: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ» لَفُهِمَ أَنَّهُ مَا ضَرَبَ بِيَدِهِ، وَلَكِنَّهَا أَكَّدَتْ بِقَوْلِهَا: «مَا ضَرَبَ بِيَدِهِ».

«شَيْئًا»؛ أَيْ: آدَمِيًّا أَوْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهَا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتُفِيدُ الْعُمُومَ.

«وَقَطُّ»، كَمَا مَرَّ؛ لِتَأْكِيدِ الْمَاضِي.

«إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ»؛ أَيْ: فَحِينَئِذٍ يَضْرِبُ بِيَدِهِ إِنِ احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ، وَقَدْ وَقَعَ مِنْهُ فِي الْجِهَادِ، حَتَّى إِنَّهُ ﷺ قَتَلَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ بِيَدِهِ فِي أُحُدٍ، وَلَمْ يَقْتُلْ بِيَدِهِ ﷺ أَحَدًا سِوَاهُ.

وَأُبِيُّ بْنُ خَلَفٍ أَشْقَى النَّاسِ، فَإِنَّ أَشْقَى النَّاسِ مَنْ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ قَتَلَهُ نَبِيُّ. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ.

«وَلَا ضَرَبَ خَادِمًا وَلَا امْرَأَةً»؛ أَيْ: مَعَ وُجُودِ سَبَبِ ضَرْبِهِمَا، وَهُوَ مُخَالَفَتُهُمَا غَالِبًا إِنْ لَمْ يَكُنْ دَائِمًا، فَالتَّنَزُّهُ عَنْ ضَرْبِ الْخَادِمِ وَالْمَرْأَةِ -حَيْثُ أَمْكَنَ- أَفْضَلُ، لَا سِيَّمَا لِأَهْلِ الْمُرُوءَةِ وَالْكَمَالِ، وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ إِخْبَارُ أَنَسٍ بِأَنَّهُ لَمْ يُعَاتِبْهُ قَطُّ، كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ، وَلَا قَالَ لَهُ لِشَيْءٍ فَعَلَهُ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا هَكَذَا، وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ يَفْعَلْهُ: لِمَ لَمْ تَفْعَلْ هَذَا هَكَذَا؟

فَالْحَدِيثُ فِيهِ بَيَانٌ لِرَحْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ.

هَاهُنَا بَيَانٌ لِرَحْمَتِهِ بِنِسَائِهِ وَخَدَمِهِ، وَكُلُّ مَنِ اتَّصَلَ بِهِ مِنْ أُمَّتِهِ، وَأَنَّهُ مَا اسْتَخْدَمَ يَدَهُ إِلَّا فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- دِفَاعًا عَنِ الْحَقِّ فِي شَتَّى مَجَالَاتِهِ.

فَوَفَاؤُهُ وَفَاؤُهُ ﷺ.

وَإِذَا صَحِبْتَ رَأَى الْوَفَاءَ مُجَسَّمَا           فِي بُرْدِكَ الْأَصْحَابُ وَالْخُلَطَاءُ

وَإِذَا أَخَذْتَ الْعَهْدَ أَوْ أَعْطَيْتَهُ              فَجَمِيعُ عَهْدِكَ ذِمَّةٌ وَوَفَاءُ ﷺ.

 ((كُنْ بَارًّا بِوَطَنِكَ وَفِيًّا لَهُ!!))

*مَوَاقِعُ الْأَوْطَانِ فِي الْقُلُوبِ، وَوَفَاءُ النَّبِيِّ ﷺ لِوَطَنِهِ:

لَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى ذَاكِرًا الأَوْطَانَ وَمَوَاقِعَهَا فِي القُلُوبِ: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} [النساء: 66].

فَسَوَّى بينَ قَتْلِ أَنْفُسِهِم والخُرُوجِ مِن دِيَارِهِم، وَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لو كَتَبَ على عِبَادِهِ الأَوَامِرَ الشَّاقَّةَ عَلَى النُّفُوسِ مِن قَتْلِ النُّفُوسِ، والْخُرُوجِ مِنَ الدِّيَارِ لَمْ يَفْعَلْهُ إِلَّا الْقَلِيلُ مِنْهُمْ وَالنَّادِرُ.

وَنَسَبَ اللهُ الدِّيَارَ إِلَى مُلَّاكِهَا: قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [الحج: 40].

وَلَو قَنَعَ النَّاسُ بِأَرْزَاقِهِمْ قَنَاعَتَهُمْ بِأَوْطَانِهِمْ، مَا اشْتَكَى عَبْدٌ الرِّزْقَ؛ فَإِنَّ النَّاسَ بِأَوْطَانِهِم أَقْنَعُ مِنْهُم بِأَرْزَاقِهِمْ.

عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ الْعَنْ شَيْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بنَ خَلَفٍ؛ كَمَا أَخْرَجُونَا مِنْ دِيَارِنَا».

فَدَعَا ﷺ أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ رَحْمَتِهِ مَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ أَرْضِهِ، وَأَنْ يُبْعِدَ اللهُ مَنْ أَبْعَدَهُ عَنْ وَطَنِهِ.

ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ».

وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَه، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِمَكَّةَ يَقُولُ: «وَاللهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ». وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَه: «وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِليَّ». صَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.


 

((صَيْحَةُ نَذِيرٍ مُتَجَدِّدَةٌ لِجُمُوعِ الْمِصْرِيِّينَ.. ))

مِمَّا هُوَ مُقَرَّرٌ بِالنِّسْبَةِ لِلذَّاكِرَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ أَنَّهَا مَلَكَةٌ مُسْتَبِدَّةٌ، وَمِنَ اسْتِبْدَادِهَا بِالْعَقْلِ الْبَشَرِيِّ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتَذَكَّرُ أُمُورًا مَرَّتْ عَلَيْهَا سَنَوَاتٌ بَلْ عُقُودٌ تَذَكُّرًا تَامًّا وَاضِحًا، كَأَنَّهُ يَحْيَاهَا، يَرَاهَا وَيَسْمَعُهَا، وَتَغِيمُ عَنْهُ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ أُمُورٌ قَرِيبَةٌ أَوْ حَاضِرَةٌ تَتَوَارَى ظِلَالُهَا فِي آفَاقِ النِّسْيَانِ، فَلَا يَعْرِفُهَا وَلَا يَتَعَرَّفُ عَلَيْهَا.

أَتَذَكَّرُ الْآنَ أَمْرًا مَرَّ عَلَيْهِ رُبُعُ قَرْنٍ مِنَ الزَّمَانِ، أَتَذَكَّرُهُ الْآنَ كَأَنِّي حَاضِرُهُ، رَائِيهِ وَسَامِعُهُ، كَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَتِسْعِ مِائَةٍ مِنَ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ (1992م) إِبَّانَ مَا عُرِفَ بِحَرْبِ الْخَلِيجِ.

وَقَدْ كَانَ مِمَّا بُثَّ وَنُشِرَ أَنَّ مِنْ أَسَالِيبِ الْحَرْبِ وَوَسَائِلِهَا الْمُسْتَخْدَمَةِ تَسْلِيطَ حُزَمٍ مِنَ الْمَوْجَاتِ الْكَهْرُومَغْنَاطِيسِيَّةِ بِقُوَّةٍ مُعَيَّنَةٍ عَلَى مُدَنِ فِي دُوَلٍ، أَوْ عَلَى قِطَاعَاتٍ مِنْهَا، أَوْ حَتَّى عَلَى دُوَلٍ بِكَامِلِهَا، مِنْ أَقْمَارٍ اصْطِنَاعِيَّةٍ فِي مَدَارَاتِهَا.

فَتُؤَثِّرُ هَذِهِ الْمَوْجَاتُ الْكَهْرُومَغْنَاطِيسِيَّةُ عَلَى أَنْمَاطِ التَّفْكِيرِ، وَوَسَائِلِ الْإِدْرَاكِ، وَطَرَائِقِ الْحُكْمِ عَلَى الْأُمُورِ وَالْأَشْيَاءِ تَأْثِيرًا عُضْوِيًّا مُبَاشِرًا، يَرْجِعُ إِلَى التَّأْثِيرِ الْعُضْوِيِّ الْمُبَاشِرِ عَلَى خَلَايَا الْمُخِّ وَالْأَعْصَابِ.

وَيَقَعُ تَبَعًا لِهَذَا التَّأْثِيرِ اضْطِرَابَاتٌ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْمُقَدِّمَاتِ وَالنَّتَائِجِ، وَاخْتِلَافَاتٌ فِي الْأَنْمَاطِ الْعَصَبِيَّةِ وَالْفِكْرِيَّةِ، وَتَحَوُّلَاتٌ عَقْلِيَّةٌ وَنَفْسِيَّةٌ.

وَهَذِهِ النَّتَائِجُ كُلُّهَا هِيَ بِعَيْنِهَا الْمُسْتَهْدَفُ الْوُصُولُ إِلَيْهَا بِحُرُوبِ الْجِيلِ الرَّابِعِ، وَتَأْثِيرَاتِ وَسَائِلِ الِاتِّصَالِ الِاجْتِمَاعِيِّ، وَبَثِّ الْفَوْضَى الْفِكْرِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ وَالْمَعْلُومَاتِيَّةِ فِيمَا يُعْرَفُ بِـ(السُّوشْيَال مِيْدِيَا)؛ لِبَلْبَلَةِ أَفْكَارِ الْمُجْتَمَعِ الْوَاحِدِ، وَخَلْخَلَةِ تَمَاسُكِهِ فِكْرِيًّا وَعَقَدِيًّا، وَأَخْلَاقِيَّا وَسُلُوكِيًّا.

 

وَهُوَ مَا تَعِيشُهُ الْمُجْتَمَعَاتُ الْبَشَرِيَّةُ الْيَوْمَ كَنَتِيجَةٍ مُبَاشِرَةٍ لِلْحَرْبِ الْمَاسُونِيَّةِ الصُّهْيُونِيَّةِ الْعَالَمِيَّةِ عَلَى جُمُوعِ الْبَشَرِ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْجُويِيمِ أَوِ الْأُمَمِيِّينَ، حَتَّى إِنَّ الْمُجْتَمَعَاتِ الْبَشَرِيَّةَ الْمُسْتَهْدَفَةَ صَارَتْ لَا تَحْتَاجُ الْيَوْمَ إِلَى أَقْمَارٍ اصْطِنَاعِيَّةٍ تَبُثُّ مَوَجَاتٍ كَهْرُومَغْنَاطِيسِيَّةً لِلتَّأْثِيرِ عَلَى عُقُولِ أَبْنَائِهَا وَأَعْصَابِهِمْ.

وَلَكِنْ مَا الَّذِي جَعَلَ ذَلِكَ الْأَمْرَ الْقَدِيمَ يَطْفُو ظَاهِرًا مِنْ بَحْرِ النِّسْيَانِ لِيَلُوحَ لِي ظَاهِرًا بَعْدَ رُبُعِ قَرْنٍ مِنَ الزَّمَانِ؟!!

هَلْ هِيَ فَقَطِ الذَّاكِرَةُ الْمُسْتَبِدَّةُ.. هَكَذَا! بِلَا تَفْسِيرٍ وَلَا تَعْلِيلٍ، وَهَلْ هُنَاكَ شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِالْعَقْلِ الْإِنْسَانِيِّ يَأْتِي هَكَذَا بِلَا تَفْسِيرٍ وَلَا تَعْلِيلٍ؟!!

بِالْقَطْعِ لَا، وَلَكِنْ لَا شَكَّ أَنَّنَا لَا نَمْلِكُ تَرَفَ إِنْفَاقِ الْوَقْتِ فِي بَحْثٍ كَهَذَا، وَمَعَ ذَلِكَ فَأَقْطَعُ بِأَنَّ هُنَاكَ سَبَبًا ظَاهِرًا، أَدَّى إِلَى تَذَكُّرِ ذَلِكَ بَعْدَ هَذِهِ الْأَعْوَامِ الطُّوَالِ، وَهُوَ وُجُودُ النَّتِيجَةِ الَّتِي كَانَ يُرَادُ الْوُصُولُ إِلَيْهَا.

وَمَا الَّذِي أَعْنِيهِ بِذَلِكَ؟

الَّذِي أَعْنِيهِ بِهَذَا هُوَ: أَنَّ الْوَاقِعَ الَّذِي تَعِيشُهُ قِطَاعَاتٌ مُغَرَّرٌ بِهَا مِنَ الْمِصْرِيِّينَ يَبْدُو فِي لَا مَعْقُولِيَّتِهِ، بَلْ فِي عَبَثِيَّتِهِ؛ شَبِيهًا بَلْ مُنْطَبِقًا عَلَى النَّتِيجَةِ السَّابِقَةِ.

قِطَاعَاتٌ مُغَرَّرٌ بِهَا مِنَ الْمِصْرِيِّينَ، تَعْبَثُ بِعُقُولِهِمْ مَقُولَاتٍ بَاطِلَةً، وَشَائِعَاتٍ كَاذِبَةً، وَتَلْعَبُ بِهِمْ لَعِبَ الصِّبْيَانِ بِالْكُرَةِ.

تَجْمُّعَاتٌ مِنَ الْخَوَنَةِ بِاسْمِ الدِّينِ تَارَةً، وَبِاسْمِ السِّيَاسَةِ تَارَةً، وَبِتَهْيِيجِ الْأَطْمَاعِ وَإِثَارَةِ الْأَحْقَادِ تَارَاتٍ.

قِطَاعَاتٌ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ تَتَعَامَى عَنِ الْمَاضِي الْقَرِيبِ، الَّذِي لَمْ تَمْضِ عَلَيْهِ عَشْرَةُ أَعْوَامٍ، بَلْ عَنِ الْحَاضِرِ الْمَنْظُورِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمُؤَامَرَاتِ وَالْمُخَاطَرَاتِ، وَالْخُطُوبِ الْمُهْلِكَاتِ.

تَتَعَامَى هَذِهِ الْقِطَاعَاتُ الْمُغَرَّرُ بِهَا عَنْ هَذَا وَذَاكَ، وَيَتَّبِعُونَ نَاعِقِي الْبُوم وَنَاعِبِي الْغِرْبَانِ عَلَى خَرَائِبِ السِّيَاسَةِ الْفَاشِلَةِ، وَالدِّيَانَةِ الْمُحَرَّفَةِ الْبَاطِلَةِ، وَكَأَنَّ تَأْثِيرًا عُضْوِيًّا وَفِكْرِيًّا قَدْ أَلَمَّ بِعُقُولِهِمْ، وَطَرَائِقِ اسْتِيعَابِهِمْ وَتَفْكِيرِهِمْ، فَهُمْ كُتَلٌ مِنَ اللَّحْمِ وَالْعَظْمِ تُحَرَّكُ وَلَا تَتَحَرَّكُ، وَيُتَصَوَّرُ لَهَا وَلَا تَتَصَوَّرُ، وَتُسْلِمُ زِمَامَ الْفِكْرِ طَائِعَةً بِلَا تَفَكُّرٍ، وَلَا تَتَفَكَّرُ!!

وَاحَسْرَتَاهُ!!

أَيُّهَا الْمِصْرِيُّونَ! اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا، وَاحْذَرُوا أَنْ تُفْلِتَ فُرْصَتُكُمُ الدَّانِيَةُ الْقَرِيبَةُ، فَإِنَّكُمْ إِنْ فَقَدْتُمُوهَا لَنْ تُدْرِكُوهَا!!

فَلَا تَتَّبِعُوا كلَّ مُخرِّبٍ خَائِنٍ، يُرِيدُ أَنْ يَنْقُضَ عُرَى دَوْلَتِكُمْ، وَأَنْ يُشَتِّتَ جُمُوعَكُمْ، تَتَكَفَّفُونَ الدُّوَلَ وَالْمُنَظَمَّاتِ الَّتِي تَرْعَى الْحَيَوَانَاتِ، وَلَا تَرْعَى الْبَشَرَ، وَتَأْسَى عَلَى الْكِلَابِ الضَّالَّةِ وَالْقِطَطِ الشَّارِدَةِ، فَتُوَفِّرُ مَأْوًى وَغِذَاءً وَدَوَاءً، وَتُبِيدُ فِي الْوَقْتِ عَيْنِهِ مُدُنًا بَلْ دُوَلًا؛ قَتْلًا بِدَمٍ بَارِدٍ، أَوْ وَأْدًا لِلنَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ فِي رِمَالِ الِاحْتِقَارِ، وَصَحْرَوَاتِ النَّفْيِ مِنْ حَيَاةِ الْبَشَرِ؛ لِيُعَامَلَ الْمَرْءُ أَدْنَى مِنْ مُعَامَلَةِ الْحَيَوَانِ!!

أَيُّهَا الْمِصْرِيُّونَ! اتَّقُوا اللهَ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ.

تَمَاسَكُوا، وَتَعَاضَدُوا، وَاجْعَلُوا الْغَايَاتِ الصَّغِيرَةَ، وَالْأَهْدَافَ الرَّخِيصَةَ، وَالِاهْتِمَامَاتِ الزَّائِفَةَ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ، وَاحْرِصُوا عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْعُلْيَا لِوَطَنِكُمْ.

فَاسْتِقْرَارُ وَطَنِكُمْ اسْتِقْرَارٌ لِدِينِكُمْ، وَتَقَدُّمُهُ تَمْكِينٌ لِأُصُولِهِ وَمَبَادِئِهِ؛ لِيُعْبَدَ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَيَنْعَمَ النَّاسُ بِالْحَيَاةِ الْحَقَّةِ فِي أَفْيَائِهِ وَشَرَائِعِهِ.

((تَعَلَّمُوا مِنْ دُرُوسِ التَّارِيخِ!))

دَرْسٌ مُهِمٌّ مِنْ دُرُوسِ التَّارِيخِ يَجِبُ حِفْظُهُ، الْأَغْبِيَاءُ فَقَطْ هُمُ الَّذِينَ يُكَرِّرُونَ أَخْطَاءَهُمْ.

الْإِنْسَانُ يَعِيشُ فِي جَمَاعَةٍ، وَالْفِيلُ أَيْضًا، وَيَتَمَتَّعُ بِالذَّكَاءِ، وَالثَّعْلَبُ أَيْضًا، وَالْإِنْسَانُ يَمْتَلِكُ الْقُدْرَةَ عَلَى الْكَلَامِ، وَالْبَبَّغَاءُ قَدْ يَبْدُو كَذَلِكَ، وَالْإِنْسَانُ يُفَكِّرُ، وَقَدْ يُفَكِّرُ الْكَلْبُ أَيْضًا، وَالْإِنْسَانُ يَضْحَكُ، وَقَدْ يَبْدُو الْقِرْدُ ضَاحِكًا، وَلَكِنَّ فَارِقًا فَارِقًا بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعَى وَهُوَ التَّارِيخُ.

الْإِنْسَانُ كَائِنٌ لَهُ تَارِيخٌ، يَسْتَفِيدُ مِنْ أَخْطَائِهِ، يَتَعَلَّمُ مِنْهَا وَيَتَجَاوَزُهَا.

إِنَّ الْفَأْرَ يَقَعُ فِي الْمَصْيَدَةِ مُنْذُ آلَافِ السِّنِينِ بِقِطْعَةِ الْجُبْنِ الشَّهِيَّةِ ذَاتِهَا دُونَ تَغْيِيرٍ.

وَمُنْذُ وَقَعَ أَوَّلُ أَسَدٍ فِي شَبَكَةِ أَوَّلِ صَيَّادٍ وَحَفَدَةُ الْأَسَدِ يَقَعُونَ فِي الشَّبَكَةِ ذَاتِهَا دُونَ تَعَلُّمٍ، وَيَسْهُلُ جَرْجَرَةُ فِيلٍ إِلَى حَدِيقَةِ حَيَوَانٍ بِقَلِيلٍ مِنَ الْخُضْرَةِ كَمَا حَدَثَ مَعَ جَدِّهِ الْأَوَّلِ دُونَ خِبْرَةٍ.

أَمَّا الْإِنْسَانُ؛ فَكُلُّ تَجْرِبَةٍ تَمُرُّ بِهِ تُكْسِبُهُ مَعْرِفَةً، وَكُلُّ مَأْسَاةٍ يَتَعَرَّضُ لَهَا يَجِبُ أَلَّا يُكَرِّرَهَا، وَكُلُّ جُحْرٍ لُدِغَ مِنْهُ يَنْبَغِي أَلَّا يَمُدَّ يَدَهُ إِلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى إِلَّا إِذَا كَانَ حَيَوَانًا، مُنْتَهَى الْإِهَانَةِ لِلْحَيَوَانِ!!

الْأَغْبِيَاءُ فَقَطْ هُمُ الَّذِينَ يُكَرِّرُونَ أَخْطَاءَهُمْ.. وَالْمِصْرِيُّونَ أَذْكِيَاءُ وَلَنْ يُكَرِّرُوا أَخْطَاءَهُمْ -إِنْ شَاءَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-- وَلَنْ يَدَعُوا أَحَدًا يُرِيدُ الْعَبَثَ بِعُقُولِهِمْ، وَالتَّأْثِيرَ عَلَى قَرَارِهِمْ.

وَلَا سَبِيلَ لِلْمِصْرِيِّينَ لِلْخُرُوجِ مِنَ النَّفَقِ، وَتَجَاوُزِ الْأَزْمَةِ إِلَّا بِالِالْتِفَافِ حَوْلَ قِيَادَتِهِمْ، وَتَفْوِيتِ الْفُرْصَةِ عَلَى أَعْدَاءِ دِينِهِمْ وَوَطَنِهِمْ، وَمُسْتَقْبَلِ أَبْنَائِهِمْ.

وَمِصْرُ فِي حَالَةِ حَرْبٍ حَقِيقِيَّةٍ، يَخُوضُهَا الْجَيْشُ الْمِصْرِيُّ الْبَاسِلُ فِي جَبَهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، أَظْهَرُهَا أَرْضُ الْفَيْرُوزِ -شِبْهُ جَزِيرَةِ سَيْنَاءَ- وَمَا تَمُوجُ بِهِ مِنَ التَّحَدِيَّاتِ وَالْمَخَاطِرِ، وَمَا تَزْخَرُ بِهِ مِنْ صُنُوفِ الْحَاقِدِينَ عَلَى مِصْرَ وَجَيْشِهَا وَأَمْنِهَا، وَشَعْبِهَا، وَقِيَادَتِهَا، فِي مُحَاوَلَاتٍ مُتَتَابِعَةٍ مُسْتَمِيتَةٍ؛ لِإِسْقَاطِ الدَّوْلَةِ الْمِصْرِيَّةِ، وَتَقْوِيضِ بُنْيَانِهَا، وَهَدْمِ بِنَائِهَا.

وَيُعَاضِدُهُمْ بِطَرِيقَةٍ مُبَاشِرَةٍ وَغَيْرِ مُبَاشِرَةٍ أَقْوَامٌ مِنَ الْخَوَنَةِ، الْمُنْتَمِينَ لِهَذَا الْبَلَدِ، يُهَاجِمُونَ الْجَيْشَ الْمِصْرِيَّ، وَيَفْتَرُونَ الْأَكَاذِيبَ مُتَوَهِّمِينَ أَنَّ الْجَيْشَ الْمِصْرِيَّ جُزْءٌ مِنَ النِّظَامِ، مَعَ أَنَّ الْجَيْشَ الْمِصْرِيَّ جُزْءٌ مِنَ الدَّوْلَةِ الْمِصْرِيَّةِ، وَلَمْ يَكُنِ الْجَيْشُ الْمِصْرِيُّ يَوْمًا جُزْءًا مِنَ النُّظُمِ الْحَاكِمَةِ.

وَلَوْ كَانَتِ الْجُيُوشُ تُولَدُ مِنْ رَحِمِ الدُّوَلِ الْمُتَطَوِّرَةِ الْمُسْتَقِرَّةِ، فَإِنَّ الدَّوْلَةَ الْمِصْرِيَّةِ خَاصَّةً وُلِدَتْ مِنْ رَحِمِ الْمُؤَسَّسَةِ الْعَسْكَرِيَّةِ الْوَطَنِيَّةِ الْقَوِيَّةِ.

وَأَمَّا شِعَارُهُمُ الْفَاجِرُ: ((لَا لِحُكْمِ الْعَسْكَرِ))، فَلَا هُمْ يَعْرِفُونَ تَارِيخَهُ، وَلَا هُمْ يَدْرُونَ مَبْعَثَهُ، وَلَا هُمْ يَفْقَهُونَ مَعْنَاهُ.

وَالْمُؤَكَّدُ أَنَّ هَذَا الشِّعَارَ مُسْتَوْرَدٌ مِنْ أَمِرِيكَا اللَّاتِينِيَّةِ، وَعَبَّرَتْ عَنْهُ كِتَابَاتُ (غَارْسِيَا مَارْكِيز) الَّتِي أَثَّرَتْ فِي الْأَجْيَالِ الَّتِي نَضَجَتْ مَعَ دُوَلِ الْقَرْنِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ، دُونَ أَنْ تَعْرِفَ هَذِهِ الْأَجْيَالُ أَنَّ بِدَايَةَ الْجِنَرَالَاتِ فِي أَمِرِيكَا اللَّاتِينِيَّةِ كَانَتْ قِيَادَةَ عِصَابَاتِ الْمُخَدِّرَاتِ، لَبِسَتْ -بَعْدَ أَنْ كَوَّنَتْ ثَرْوَاتٍ- ثِيَابَ الْقَادَةِ، وَوَضَعَتِ الرُّتَبَ وَالنَّيَاشِينَ.

ثُمَّ أَصْبَحُوا فِي مَرْحَلَةٍ لَاحِقَةٍ عُمَلَاءَ لِوَكَالَةِ الْمُخَابَرَاتِ الْأَمْرِيكِيَّةِ، فَلَا هُمْ يَنْتَمُونَ بِجُذُورٍ وَتَقَالِيدَ عَسْكَرِيَّةٍ إِلَى الْعَسْكَرِيَّةِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَنْتَمُوا إِلَيْهَا، وَلَا هُمْ عَرَفُوا الِانْتِمَاءَ وَالْوَطَنِيَّةَ.

عَلَيْنَا -نَحْنُ الْمِصْرِيِّينَ- أَنْ نَحْذَرَ الْحَذَرَ كُلَّهُ مِنْ مُؤَامَرَاتِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَصِيبَةِ، وَلْنَأْخُذْ بِالْأَسْبَابِ أَخْذًا صَحِيحًا، مُتَوَكِّلِينَ عَلَى اللهِ تَعَالَى؛ لِنَجْتَازَ هَذِهِ الْفَتْرَةَ الْخَطِرَةَ مِنْ تَارِيخِنَا، مُحَافِظِينَ عَلَى دِينِنَا؛ لِنَبْنِيَ وَطَنَنَا عَلَى تَوْحِيدِ الْخَالِقِ الْعَظِيمِ، وَاتِّبَاعِ نَبِيِّنَا الْكَرِيمِ ﷺ.

وَمِمَّا يَتَوَجَّبُ أَنْ يُدَافِعَ الْمُسْلِمُ عَنْ دَارِ الْإِسْلَامِ الْعَدُوَّ الَّذِي يُحَاوِلُ اغْتِصَابَهَا وَاحْتِلَالَهَا، وَأَنْ يُجَاهِدَ دُونَهَا بِالْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ؛ احْتِفَاظًا بِمَالِ أَهْلِهَا فِي وَطَنِهِمْ، مِنْ إِقَامَةِ شَعَائِرِ دِينِهِمْ، وَعِبَادَةِ رَبِّهِمْ، وَتَقْلُّبِهِمْ فِي أَمْلَاكِهِمْ، وَصَوْنِ حَرِيمِهِمْ، وَتَصَرُّفِهِمْ فِي مَعَائِشِهِمْ، وَالْقِيَامِ عَلَى تَرْبِيَةِ أَوْلَادِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ عَلَى دِينِ رَبِّهِمْ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ.

وَكُلُّ ذَلِكَ يُحَاوِلُ الْعَدُوُّ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُولَئِكَ، فَيَقْضِي عَلَى شَرَفِ دِينِهِمْ، وَيَمْنَعَ عِبَادَاتِهِمْ، وَيَنْهَبَ أَمْوَالَهُمْ وَمُقْتَنَيَاتِهِمْ، وَيَهْتِكَ حُرَمَهُمْ، وَيَمْحُوَ تَارِيخَ مَجْدِهِمْ، وَيُفْنِيَ لُغَتَهُمْ وَعُلُومَهُمْ فِي رِطَانَتِهِ وَعَوَائِدِهِ.

فَكُلُّ ذَلِكَ وَأَكْثَرُ مِنْهُ مِمَّا يَنْوِيهِ الْعَدُوُّ الْغَاصِبُ لِلْوَطَنِ تِلْقَاءَ أَهْلِهِ؛ وَلِذَا وَجَبَ الْجِهَادُ دُونَهُ لِوَجْهِ اللهِ وَفِي سَبِيلِهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

فَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَأَنْ يَتَحَابُّوا وَلَا يَتَعَادَوْا، وَأَنْ يَتَنَاصَرُوا وَلَا يَتَخَاذَلُوا، وَأَنْ يَأْتَلِفُوا وَلَا يَخْتَلِفُوا؛ حَتَّى يَسْتَطِيعُوا إِقَامَةَ دِينِهِمْ، وَحِفْظَ أَعْرَاضِهِمْ وَدِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.

وَلَا بُدَّ مِنْ نَفْيِ الْعَصَبِيَّةِ وَالْأَغْرَاضِ الْمَذْمُومَةِ؛ مِنَ الِاسْتِعْلَاءِ بِالْجِنْسِ أَوِ الْأَرْضِ أَوْ غَيْرِهَا، فَإِنَّ الْأَرْضَ لَا تُقَدِّسُ أَحَدًا، وَإِنَّمَا يُقَدِّسُ الْإِنْسَانَ عَمَلُهُ.

أَخْرَجَ مَالِكٌ فِي ((الْمُوَطَّأِ)) فِي كِتَابِ الْوَصِيَّةِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَتَبَ إِلَى سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ: ((أَنْ هَلُمَّ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ)).

فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَلْمَانُ: ((إِنَّ الْأَرْضَ لَا تُقَدِّسُ أَحَدًا، إِنَّمَا يُقَدِّسُ الْإِنْسَانَ عَمَلُهُ)).

وَمِيزَانُ الْفَضْلِ عِنْدَ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- هُوَ التَّقْوَى، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].

وَمَا أَشَدَّ جُرْمَ مَنْ يَسْعَى لِإِحْدَاثِ الْفَوْضَى، وَإِطْلَاقِ الْغَرَائِزِ مِنْ قُيُودِهَا!!

وَمَا أَكْبَرَ إِثْمَ مَنْ سَعْيُهُ لِإِضَاعَةِ مَكَاسِبِ الْإِسْلَامِ فِي بَلَدٍ يُنَعَّمُ بِنِعْمَةِ اللهِ عَلَيْهِ بِهَذَا الدِّينِ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَرْنًا مِنَ الزَّمَانِ.

فَمِصْرُ أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَحْفَظَهَا، وَأَنْ يَحْفَظَ أَهْلَهَا، وَأَنْ يُدِيمَ عَلَيْهَا أَمْنَهَا وَأَمَانَهَا، وَسَلَامَهَا وَإِسْلَامَهَا، وَأَنْ يَكْبِتَ أَعْدَاءَهَا، وَأَنْ يُسَلِّمْهَا وَجَمِيعَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.

وصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

 

المصدر: الْبِرُّ وَالْوَفَاءُ  وَرِسَالَةٌ هَامَّةٌ وَمُتَجَدِّدَةٌ إِلَى الْمِصْرِيِّينَ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  حُرْمَةُ المَالِ العَامِّ وَخطُورَةُ التَّعَدِّي عَلَيْهِ
  الرد على الملحدين:مبحث عن الطبيعة ما هي؟ وما هي مفاهيمها؟ وما حقيقة تأثيرها؟
  ((دُرُوسٌ وَعِظَاتٌ مِنْ تَفْسِيرِ الْآيَاتِ)) ((الدَّرْسُ التَّاسِعُ: دُرُوسٌ قُرْآنِيَّةٌ فِي تَرْبِيَةِ الْأَبْنَاءِ))
  لو صدق لكان خيرًا له
  الدِّفَاعُ عَنِ الْوَطَنِ الْإِسْلَامِيِّ وَمَنْزِلَةُ الْمَسَاجِدِ وَوُجُوبُ حِمَايَتِهَا فِي الْإِسْلَامِ
  بين الحياة والموت
  الِانْتِحَارُ.. الْأَسْبَابُ وَسُبُلُ الْوِقَايَةِ
  مَسْئُولِيَّةُ الْمُسْلِمِ الْمُجْتَمَعِيَّةُ وَالْإِنْسَانِيَّةُ وَشَعْبَانُ وَحَصَادُ الْعَامِ
  ((دُرُوسٌ وَعِظَاتٌ مِنْ تَفْسِيرِ الْآيَاتِ)) ​((الدَّرْسُ الْعَاشِرُ: الْحَثُّ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ وَثَمَرَاتُهُ))
  تفجيرات بروكسل بين الغدر والخيانة
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان