اسْتِقْبَالُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ بِالْوَفَاءِ بِالْحُقُوقِ وَتَحَرِّي الْحَلَالِ

اسْتِقْبَالُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ بِالْوَفَاءِ بِالْحُقُوقِ وَتَحَرِّي الْحَلَالِ

((اسْتِقْبَالُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ

بِالْوَفَاءِ بِالْحُقُوقِ وَتَحَرِّي الْحَلَالِ))

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّـه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّـهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((أَيَّامُ الْعَشْرِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا))

فَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَالَ: ((أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا أَيَّامُ الْعَشْرِ)) . وَأَخْرَجَ الْحَدِيثَ ابْنُ حِبَّانَ، وَصَحَّحَهُ لِغَيْرِهِ الْأَلْبَانِيُّ.

وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ أَيَّامَ الْعَشْرِ هِيَ أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا بِلَا اسْتِثْنَاءٍ.

اللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- فَاضَلَ بَيْنَ الْأَزْمَانِ؛ فَجَعَلَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرَ اللَّيَالِي، وَجعَلَ يَوْمَ النَّحْرِ أَفْضَلَ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَقِيلَ: هُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّهُ مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ أَذَلَّ وَلَا أَدْحَرَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.

وَإِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- لَيَدْنُو عَشِيَّةَ عَرَفَةَ يُبَاهِي بِأَهْلِ الْمَوْقِفِ الْمَلَائِكَةَ، يَقُولُ: ((مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟)).

وَلَكِنَّ الَّذِي إِلَيْهِ الْمَصِيرُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ سَالِمٌ مِنَ الْمُعَارِضَةِ.

وَفَضَّلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ عَلَى سَائِرِ أَيَّامِ الْعَامِ، وَفَضَّلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بَعْضَ الْأَمْكِنَةِ عَلَى بَعْضٍ؛ فَجَعَلَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِئَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فَضْلًا وَأَجْرًا، وَجَعَلَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ بِأَلْفِ صَلَاةٍ.

فَفَاضَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بَيْنَ الْأَمَاكِنِ, وَفَاضَلَ اللهُ  رَبُّ الْعَالَمِينَ بَيْنَ الْأَزْمَانِ، وَفَاضَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ؛ فَجِبْرِيلُ هُوَ مُقَدَّمُ الْمَلَائِكَةِ، وَهُوَ الْأَمِينُ صَاحِبُ الْوَحْيِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ مِنْ لَدُنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَفَاضَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ؛ فَجَعَلَ أَشْرَفَهُمْ مُحَمَّدًا ﷺ؛ فَهُوَ خَيْرُ الرُّسُلِ وَأَفْضَلُهُمْ، وَهُوَ الَّذِي صَلَّى بِهِمْ ﷺ فِي لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ؛ فَهُوَ ﷺ إِمَامُهُمْ وَمُقَدَّمُهُمْ، وَهُوَ صَاحِبُ الشَّفَاعَةِ الْعُظْمَى ﷺ.

وَفَاضَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بَيْنَ النَّاسِ؛ فَجَعَلَ أَكْرَمَهُمْ عِنْدَهُ أَتْقَاهُمْ، وَمَيَّزَهُمْ بِالتَّقْوَى وَالطَّاعَةِ وَالْإِنَابَةِ لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ.

وَفَضَّلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الكُتُبَ الْمُنَزَّلَةَ مِنْ لَدُنْهُ -سُبْحَانَهُ- بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ؛ فَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ هُوَ أَشْرَفُ مَا أَنْزَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنَ الْكُتُبِ؛ لِأَنَّ اللهَ  رَبَّ الْعَالَمِينَ أَوْحَى بِهَذَا الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ إِلَى نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ ﷺ لِخَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ.

فَقَدْ فَاضَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بَيْنَ الْأُمَمِ؛ فَجَعَلَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ آخِرَ الْأُمَمِ زَمَانًا، وَأَوَّلَهَا وَأَعْلَاهَا مَقَامًا.

فَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَنَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.

وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ -كَمَا فِي حَدِيثِ ((الْمُسْنَدِ)) وَغَيْرِهِ، وَهُوَ ثَابِتٌ صَحِيحٌ- قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي)).

فَلَوْ كَانَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ زَمَانًا وَوُجُودًا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَ النَّبِيَّ ﷺ.

فَفَضَّلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هَذِهِ الْأَيَّامَ الْعَشْرَ عَلَى سَائِرِ أَيَّامِ الْعَامِ.

النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ((أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا أَيَّامُ الْعَشْرِ)).

 ((اسْتِقْبَالُ الْعَشْرِ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ وَتَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ))

إِنَّ الرَّسُولَ ﷺ بَيَّنَ لَنَا رَبُّنَا عَلَى لِسَانِهِ ﷺ فَضْلَ مَوَاسِمِ الْخَيْرَاتِ، يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ -كَمَا رَوَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ)) بِسَنَدِهِ عَنْهُ يَرْفَعُهُ- قَالَ: قَالَ الرَّسُولُ ﷺ: ((مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ -يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ-)).

قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: ((وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ)).

فَبَيَّنَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ فَضْلَ الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَبَيَّنَ لَنَا نَبِيُّنَا ﷺ أَنَّ أَلْوَانَ الطَّاعَاتِ، وَضُرُوبَ الْخَيْرَاتِ، وَصُنُوفَ التَّقَرُّبِ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ هُوَ أَحَبُّ شَيْءٍ إِلَى رَبِّنَا -جَلَّ وَعَلَا- فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ.

يُحِبُّ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هَذِهِ الطَّاعَاتِ، وَيُعْلِي قَدْرَ هَذِهِ الْقُرُبَاتِ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَوْقَاتِ فِي سَائِرِ الْعَامِ.

((مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ -يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ-)).

وَأَجَلُّ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعَبْدُ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِي الْعَشْرِ أَنْ يَتُوبَ.. أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللهِ مُنْسَلِخًا مِنْ إِهَابِ الذُّنُوبِ؛ رَاجِعًا بِالْوِلَادَةِ الثَّانِيَةِ بِإِعْلَانِ تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ، وَتَجْرِيدِ الْمُتَابَعَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ.

فَهِيَ الْوِلَادَةُ الثَّانِيَةُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ الَّتِي يَدْفَعُ فِيهَا رَحِمٌ بِشَيْءٍ مِنْ مُضْغَةٍ مِنْ لَحْمٍ وَعَظْمٍ وَعَصَبٍ، لَا تَكَادُ تَكُونُ شَيْئًا، بَلْ هِيَ كَأَنَّمَا هِيَ أَمْشَاجٌ.

ثُمَّ مَا تَزَالُ تَرْتَقِي حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ رَحِمِ الدُّنْيَا إِلَى سَعَةِ الْآخِرَةِ بِالْوِلَادَةِ الثَّانِيَةِ؛ بِإِعْلَانِ تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ، وَتَجْرِيدِ الْمُتَابَعَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ، بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَتُوبُهَا الْعَبْدُ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّ سَيْفَ الْمَنِيَّةِ مُعَلَّقٌ عَلَى رَقَبَتِهِ، وَكَأَنَّ كَأْسَ الْمَوْتِ الدَّائِرَ عَلَى هَذَا الْخَلْقِ مِمَّنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ بِالْحَيَاةِ، سَرْعَانَ مَا يَتَجَرَّعُهُ، وَسَرْعَانَ مَا يَرْتَشِفُ مِنْهُ قَطَرَاتِ الْمَوْتِ.

فَإِذَا مَا جَاءَ الْمَوْتُ، وَضَرَبَ ضَرْبَتَهُ، فَصَارَ مَا لِلسَّمَاءِ لِلسَّمَاءِ، وَصَارَ مَا لِلْأَرْضِ لِلْأَرْضِ بَعْدَ حِينٍ يَصِيرُ مَوَاطِئَ الْأَقْدَامِ، يَصِيرُ مُمْتَهَنًا، يَصِيرُ تُرَابًا، يَصِيرُ رَغَامًا، يَصِيرُ لَا شَيْءَ! ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ كُلَّ أَحَدٍ، وَيُقِيمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْخَلْقَ.

يَتُوبُ الْمَرْءُ إِلَى رَبِّهِ -جَلَّ وَعَلَا-؛ بِإِعْلَانِ تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ لِلْعَلِيِّ الْمَجِيدِ، وَبِتَجْرِيدِ الْمُتَابَعَةِ لِسَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ، بِأَخْذِ الْأَمْرِ بِالْجِدِّ الَّذِي لَا لَعِبَ فِيهِ، وَلَا هَزْلَ، بِأَخْذِ الْأَمْرِ بِالْعَزِيمَةِ الَّتِي لَا تُنْقَضْ.

وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْ وَرَاءِ الْقَصْدِ، وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يُعْطِي عَلَى النِّيَّةِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعَمَلِ إِذَا مَا صَلُحَتْ.

وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ صَاحِبُ الْمَنِّ وَالْحَوْلِ، وَالطَّوْلِ وَالْجُودِ، يَهَبُ مَا يَشَاءُ مَنْ يَشَاءُ كَمَا يَشَاءُ وَقْتَمَا يَشَاءُ، وَأَيْنَمَا يَشَاءُ، لَا رَادَّ لِقَضَائِهِ، وَلَا مَانِعَ لِأَمْرِهِ، بَلْ أَمْرُهُ نَافِذٌ، وَحُكْمُهُ مَاضٍ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! إِنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ الْفَرْضُ الْأَعْظَمُ عَلَى جَمِيعِ الْعَبِيدِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ لَهُ مِنَ الْآثَارِ الْحَسَنَةِ، وَالْفَضَائِلِ الْمُتَنَوِّعَةِ مِثْلَ مَا لِلتَّوْحِيدِ.

فَإِنَّ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ ثَمَرَاتِ التَّوْحِيدِ وَفَضَائِلِهِ.

*فَنَسْتَقْبِلُ الْعَشْرَ -عِبَادَ اللهِ- بِتَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ -وَهُوَ حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ-؛ فَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ عَلَى حِمَارٍ، فَقَالَ لِي: ((يَا مُعَاذُ! أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ؟))

قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.

قَالَ: ((حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ: أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ: أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا)).

قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَلا أَبُشِّرُ النَّاسَ؟

قَال: ((لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا)). أَخْرَجَاهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ».

الرَّدِيفُ: هُوَ الَّذِي يَحْمِلُهُ الرَّاكِبُ خَلْفَهُ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ، وَهَذَا مِنْ تَوَاضُعِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، كَانَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ، وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ.

((حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ)): الْوَاجِبُ عَلَى الْخَلْقِ عِبَادَةُ اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.

((حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ)): كَتَبَ اللهُ عَلَى نَفْسِهِ؛ تَفْضُّلًا وَإِحْسَانًا: أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا.

فَهَذا الْحَقُّ حَقٌّ أَحَقَّهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى نَفْسِهِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحمَةَ} [الأنعام: 54]، {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47].

قَالَ بَعْضُهُمْ:

مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبُ ***  كَلَّا وَلَا سَعْيٌ لَدَيْهِ ضَائِـــعُ

إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا *** فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الْكَرِيمُ الْوَاسِعُ

قَالَ النَّبِيُّ : ((لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا))؛ أَيْ: فَيَعْتَمِدُوا عَلَى ذَلِكَ؛ فَيَتْرُكُوا التَّنَافُسَ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ.

*وَنَسْتَقْبِلُ أَيَّامَ الْعَشْرِ بِتَحْقِيقِ الْمُتَابَعَةِ لِلْمَعْصُومِ ﷺ؛ وَذَلِكَ بِتَحْقِيقِ مُقْتَضَيَاتِ شَهَادَةِ ((أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ)) ﷺ، وَهِيَ:

1*طَاعَتُهُ ﷺ فِيمَا أَمَرَ، وَاجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ.

قَالَ -جَلَّ ذِكْرُهُ-: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80].

وَقَالَ ﷺ: ((كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى)).

قِيلَ: وَمَنْ يَأْبَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قَالَ: ((مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي دَخَلَ النَّارَ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((الصَّحِيحِ)).

وَمِنْ مُقْتَضَيَاتِ شَهَادَةِ ((أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ)):

2*تَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، وَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِهِ.

كَمَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلهَوَى * إِن هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ} [النجم: 3-4].

*وَمِنْ مُقْتَضَيَاتِهَا:

3*أَلَّا يُعْبَدُ اللهُ إِلَّا بِمَا شَرَعَ، لَا يُعْبَدُ اللهُ بِالْبِدَعِ, فَلَا تَعْبُدِ اللهَ بِشَيْءٍ إِلَّا إِذَا كَانَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- قَدْ بَيَّنَهُ لَكَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ، فَإِذَا دَلَّكَ عَلَيْهِ -أَمَرَكَ بِهِ، أَوْ دَلَّ أَصْحَابُهُ عَلَيْهِ، وَدَعَا إِلَيْهِ-؛ فَإِنَّهُ -حِينَئِذٍ- يَكُونُ عِبَادَةً عَلَى شُرُوطِهَا, ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)). كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ.

وَقَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)). كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)).

وَقَالَ -أَيْضًا- : ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ)).

4*التَّحَاكُمُ إِلَيْهِ، وَالرِّضَا بِحُكْمِهِ، وَالْمَقْصُودُ: التَّحَاكُمُ إِلَى شَرْعِهِ وَدِينِهِ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِلَّا بِالتَّحَاكُمِ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِم حَرَجًا مِّمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسلِيمًا} [النساء: 65].

فَتَحْكِيمُهُ ﷺ فِي كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ عَلَى الْأَفْرَادِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ، الْحُكَّامِ وَالْمَحْكُومِينَ، كُلُّ ذَلِكَ وَاجِبٌ فَرْضٌ مُتَحَتِّمٌ، لَا مَحِيدَ عَنْهُ لِمُؤْمِنٍ مُنْقَادٍ لِرَسُولِ اللهِ .

إِنَّنَا لَنْ نُدَافِعَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ بِأَعْظَمَ مِنْ أَنْ نَتَّبِعَهُ، فَهَذَا هُوَ الدِّفَاعُ الْحَقُّ، أَنْ نَعْلَمَ شَرْعَهُ الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ، وَأَنْ نُحَقِّقَهُ، وَأَنْ نَعْمَلَ بِهِ، وَنَثْبُتَ عَلَيْهَ، وَنَدْعُوَ إِلَيْهِ، حَتَّى يَأْتِيَنَا الْيَقِينُ بِفَضْلِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

عِبَادَ اللهِ! هِذِهِ الْفُرْصَةُ اللَّائِحَةُ إِذَا مَرَّتْ قَدْ لَا تَعُودُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَدْرِي مَا يَكُونُ فِي غَدٍ، وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ عُمُرَهُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَهُ مَضْرُوبًا عَلَيْهِ بِالْأَجَلِ الْحَتْمِ اللَّازِمِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ.

فَإِذَا آتَى اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مُسْلِمًا هَذِهِ الْفُرْصَةَ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي اقْتِنَاصِهَا وَاهْتِبَالِهَا، وَعَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ حَثِيثَ السَّعْيِ؛ لِتَحْصِيلِهَا وَعَدَمِ تَفْوِيتِهَا، فَعَلَيْهِ أَنْ يُقْبِلَ عَلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِالتَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ، وَأَنْ يَنْخَلِعَ وَيَنْسَلِخَ مِنَ الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ.

 ((اسْتِقْبَالُ الْعَشْرِ بِرَدِّ الْمَظَالِمِ إِلَى أَرْبَابِهَا))

عِبَادَ اللهِ! إِذَا آتَى اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مُسْلِمًا هَذِهِ الْفُرْصَةَ -فُرْصَةَ إِدْرَاكِ الْعَشْرِ-؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الْمَظَالِمَ إِلَى أَرْبَابِهَا، وَأَنْ يَسْتَرْضِيَ الْخُصُومَ، وَأَنْ يَجْتَهِدَ فِي أَنْ يَكُونَ مُخْلِصًا للهِ،  مُتَّبِعًا لِنَبِيِّهِ الْكَرِيمِ ﷺ.

لَقَدْ حَرَّمَ الْإِسْلَامُ الظُّلْمَ، وَجَعَلَهُ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَتَوَعَّدَ الظَّالِمِينَ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} [ابراهيم: 42-43].

وَهَدَّدَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- الظَّالِمِينَ؛ فَقَالَ -عَزَّ مِنْ قَائِلٍ-: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء: 227].

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَقَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ رَسُولُهُ ﷺ: ((يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَشَيْءٌ حَرَّمَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى نَفْسِهِ، أَفَيَرْضَاهُ مِنْ غَيْرِهِ؟!!

وَالنَّبِيُّ ﷺ عِنْدَمَا أَخْبَرَ أَنَّ ((دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ)), وَأَنَّ اللهَ يَسْتَجِيبُ دُعَاءَ الْمَظْلُومِ -قَالَ الْعُلَمَاءُ: ((وَلَوْ كَانَ كَافِرًا))- وَذَلِكَ لِأَنَّ اللهَ حَكَمٌ عَدْلٌ، يُحِبُّ الْعَدْلَ، وَيُبْغِضُ الظُّلْمَ وَالْجَوْرَ.

فِي ((الصَّحِيحَيْنِ))  عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَاصَمَتْهُ أَرْوَى بِنْتُ أُوَيْسٍ عِنْدَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فِي أَرْضٍ ادَّعَتْ أَنَّهُ اغْتَصَبَهَا مِنْهَا فَأُرْسِلَ إِلَيْهِ، فَجَاءَ، فَتُلِيَتْ عَرِيضَةُ الدَّعْوَى بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: أَنَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شَيْئًا بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟!

قَالَ مَرْوَانُ: وَمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟

قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((مَنِ اغْتَصَبَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ)).

قَالَ: لَا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَهَا.

إِلَّا أَنَّ مَسَّ الظُّلْمِ أَلِيمٌ، إِلَّا أَنَّ وَقْعَهُ شَدِيدٌ.

وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مِنَ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ، وَهُوَ مِنَ السَّابِقِينَ الثَّابِتِينَ الصَّالِحِينَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ. لِوَقْعِ الظُّلْمِ وَعِظَمِ الِافْتِرَاءِ، لَمْ يُطِقْ فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَأَعْمِ بَصَرَهَا، وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا)).

فَأَعْمَى اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بَعْدُ بَصَرَهَا، فَكَانَتْ تَتَلَمَّسُ الْجُدُرَ لَا تَدْرِي طَرِيقَهَا، فَوَقَعَتْ فِي بِئْرٍ فِي الْأَرْضِ الَّتِي خَاصَمَتْ سَعِيدًا فِيهَا، فَكَانَتْ قَبْرَهَا؛ لَمَّا دَعَا عَلَيْهَا اسْتُجِيبَ لَهُ فِيهَا.

فَلَا تَظْلِمْ! فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ.

وَمَهْمَا عَادَيْتَ مِنْ أَحَدٍ بِحَقٍّ فَالْتَزَمْتَ فِيهِ أَمْرَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- كُنْتَ عَلَيْهِ بِالْحُجَّةِ فَالِجًا، وَفِي الْأَمْرِ كُلِّهِ مَنْصُورًا، فَإِذَا ظَلَمْتَ تَوَرَّطْتَ، فَأَمْسَكَ بِكَ مِنْ رَقَبَتِكَ.

بِمَعْنَى أَنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- يَقْتَصُّ مِنَ الْأَبْعَدِ؛ إِذْ ظَلَمَ؛ لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حَرَّمَ الظُّلْمَ وَجَعَلَهُ بَيْنَ الْعِبَادِ مُحَرَّمًا.

حَتَّى إِنَّهُ -جَلَّ وَعَلَا- إِقَامَةً لِلْحَقِّ وَإِحْقَاقًا لِلْعَدْلِ تُنْصَبُ الْمَوَازِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَتُوزَنُ أَعْمَالُ الْمُكَلَّفِينَ، وَيُحْشَرُ كُلُّ مَا خَلَقَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْحَشَرَاتِ وَالْبَهَائِمِ حَتَّى الذَّرِّ، كَمَا قَالَ الرَّسُولُ ﷺ: ((يُقَادُ مِنَ الذَّرَّةِ)): وَهِيَ النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ - لِلذَّرَّةِ كَمَا ((يُقَادُ لِلْجَمَّاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ)) ، مِنَ الشِّيَاهِ؛ إِقَامَةً لِأَمْرِ اللهِ حَقًّا وَعَدْلًا.

فَتُحْشَرُ الْوُحُوشُ كُلُّهَا؛ مِنْ أَجْلِ إِقَامَةِ الْحَقِّ، وَإِحْقَاقِ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ حَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ، وَجَعَلَهُ بَيْنَ الْخَلْقِ فِي الْأَرْضِ مُحَرَّمًا.

احْذَرِ الظُّلْمَ! وَأَعْلَاهُ مَا تَعَلَّقَ بِالدِّمَاءِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ الْكَرِيمَ ﷺ فِي أَعْظَمِ اجْتِمَاعٍ شَهِدَهُ وَأَوْسَعِهِ، فِي يَوْمِ النَّحْرِ كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ))  مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرَةَ نُفَيْعِ بْنِ الْحَارِثِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَحْضَرَ أَذْهَانَهُمْ، وَاسْتَجْلَبَ فُهُومَهُمْ حَتَّى صَارَتْ شَاخِصَةً بَيْنَ يَدَيْهِ، وَتَحْتَ نَاظِرَيْهِ، وَهُوَ ﷺ يَقُولُ: ((أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟)).

وَهُمْ يَقُولُونَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.

فَيَقُولُ: ((أَلَيْسَ بِيَوْمِ النَّحْرِ؟)).

يَقُولُونَ: بَلَى.

((أَلَيْسَ بِالشَّهْرِ الَّذِي جَعَلَ اللهُ الْقَدْرَ؟)).

يَقُولُونَ: بَلَى.

يَقُولُ: ((أَلَيْسَتْ هَذِهِ الْبَلْدَةُ؟)).

يَقُولُونَ: بَلَى.

فَلَمَّا قَرَّرَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ بِحُرْمَةِ الْيَوْمِ فِي شَهْرِهِ فِي مَكَانِهِ، قَالَ: ((إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا)).

لَا تَهَاوُنَ فِي هَذَا أَبَدًا؛ لِأَنَّ الدَّوَاوِينَ عِنْدَ اللهِ ثَلَاثَةٌ:

دِيوَانٌ لَا يَعْبَأُ اللهُ بِهِ شَيْئًا: وَهُوَ ظُلْمِ الْعَبْدِ نَفْسَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ مِنْ تَقْصِيرِهِ فِي حَقِّهِ؛ فَإِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَا يَعْبَأُ بِهَذَا الدِّيوَانِ.

وَدِيوَانٌ لَا يَغْفِرُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْهُ شَيْئًا: وَهُوَ الشِّرْكُ.

نَسْأَلُ اللهَ الْعَافِيَةَ وَالسَّلَامَةَ.

وَدِيوَانٌ لَا يَدَعُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْهُ شَيْئًا: وَهُوَ مَا كَانَ مِنْ ظُلْمِ الْعَبْدِ غَيْرَهُ؛ فَإِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَابُدَّ أَنْ يُقِيمَ فِيهِ الْأَمْرَ عَلَى وَجْهِهِ إِحْقَاقًا لِلْحَقِّ وَإِقَامَةً لِلْعَدْلِ.

وَلَا بُدَّ مِنْ تَوْفِيَةِ الْحُقُوقِ لِأَصْحَابِهَا، وَسَوْقِهَا لِأَرْبَابِهَا؛ {لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ}.

إِنَّ الَّذِي يَنْخَرُ فِي جَمِيعِ بِنَايَاتِ الْأُمَّةِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهَا وَفِي جَمِيعِ مُدَدِهَا إِنَّمَا هُوَ الظُّلْمُ..

أَمَّا إِذَا أُسِّسَ الْأَمْرُ عَلَى الْعَدْلِ فَأَبْشِرْ بِأُمَّةٍ قَائِمَةٍ عَزِيزَةٍ مُسْتَبْشِرَةٍ بِنَصْرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَا يُؤَيِّدُ ظَالِمًا، وَلَا يَنْصُرُهُ، وَإِنَّمَا يَخْذُلُهُ وَيَقْتَصُّ مِنْهُ، وَيُقِيمُ عَلَيْهِ الْأَمْرَ دُنْيَا وَآخِرَةً.

*اسْتَقْبِلُوا الْعَشْرَ بِرَدِّ الْمَظَالِمِ إِلَى أَهْلِهَا! أَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ))  بِسَنَدِهِ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ».

فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ مَنْ صَامَ عَرَفَاتٍ فِي غَيْرِ الْمَوْقِفِ؛ فَإِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ يُعْطِيهِ أَجْرًا جَزِيلًا، وَيُكَفِّرُ عَنْهُ ذُنُوبَ سَنَةٍ مَضَتْ مِمَّا يَقْبَلُ التَّكْفِيرَ -مِمَّا يَقْبَلُ أَنْ يُكَفَّرَ مِنَ الذُّنُوبِ-.

وَأَمَّا حُقُوقُ الْعِبَادَ فَحَاشَا وَكَلَّا، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ ظُلْمٍ لِخَلْقِ اللهِ بِأَيْدٍ بَاطِشَةٍ، وَأَلْسُنٍ فِي أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ وَالِغَةٍ، وَظُلْمٍ لِخَلْقِ اللهِ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَأَبْشَارِهِمْ، وَأَعْرَاضِهِمْ، وَمُمْتَلَكَاتِهِمْ، وَنِسَائِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ؛ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّوْفِيَةِ؛ إِذِ الْأَمْرُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعَدْلِ الَّذِي قَامَتْ عَلَيْهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ.

اللهُ بَنَى الْأَمْرَ عَلَى الْعَدْلِ، وَأَسَّسَ الْمُلْكَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ عَلَى الْحَقِّ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ ظُلْمًا أَبَدًا.

اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يُرْسِي الْقِيَمَ فِي هَذِهِ الْقُلُوبِ الْمُؤْمِنَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ نَظَرٌ لِشَيْءٍ سِوَى الْحَقِّ وَالْعَدْلِ، بِالنَّظَرِ الْمُسْتَقِيمِ وَالْمِنْهَاجِ الْقَوِيمِ.

((إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي)) ؛ فَشَيْءٌ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى نَفْسِهِ، يُرِيدُ عَبْدٌ أَنْ يَتَمَتَّعَ بِهِ فِي الْحَيَاةِ، كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟!!

((إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، فَلَا تَظَالَمُوا))؛ وَلِذَلِكَ لَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ طَائِفًا بِالْبَيْتِ يَبْدَأُ الشَّوْطَ مِنْ هُنَالِكَ مِنْ عِنْدِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ -الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ، وَكَانَ أَبْيَضَ مِنَ الثَّلْجِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا الْعِبَادِ-، يَبْعَثُهُ اللهُ شَاهِدًا لِمَنِ اسْتَلَمَهُ، لِمَنْ قَبَّلَهُ، لِمَنْ سَجَدَ عَلَيْهِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ.

النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ، ثُمَّ يَبْدَأُ فِي الطَّوَافِ حَوْلَ الْبَيْتِ، وَيَقُولُ لِعُمَرَ: «يَا عُمَرُ! إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ لَا تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ، فَتُؤْذِيَ الضَّعِيفَ، إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ فَهَلِّلْ وَكَبِّرْ» .

فَيَخْشَى النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ مُزَاحَمَةِ الْأَقْوِيَاءِ عَلَى الْحَجَرِ عِنْدَ الرُّكْنِ، وَيَخْشَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الضَّعَفَةِ أَنْ تَطَأَهُمُ الْأَقْدَامُ، وَيَخْشَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَيَخْشَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى مَنْ يَأْتِي بَعْدُ.

فَفَضْلُ الْقُوَّةِ فِيكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَصْرُوفًا لِمَا يُفِيدُ، لَا لِمَا يَضُرُّ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُ الْأُمَّةَ قِيَمَ الْعَدْلِ وَالْحَقِّ، وَالْجَلَالِ وَالْجَمَالِ وَالْكَمَالِ؛ لِأَنَّهَا تَحَقَّقَتْ فِيهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَكَانَ بِهَا عَلَى الْأَرْضِ مُتَحَرِّكًا.

 ((اسْتِقْبَالُ الْعَشْرِ

بِالِاجْتِهَادِ فِي أَدَاءِ الْحُقُوقِ وَسَدَادِ الدُّيُونِ))

إِنَّ أَكْلَ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، قَالَ تَعَالَى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188].

وَلَا يَأْكُلْ بَعْضُكُمْ مَالَ بَعْضٍ دُونَ وَجْهٍ مِنَ الْحَقِّ، كَالْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ، وَالْغَصْبِ، وَالسَّرِقَةِ، وَالْغِشِّ، وَالتَّغْرِيرِ، وَالرِّبَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

فَلَا يَسْتَحِلَّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ إِلَّا لِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي شَرَعَهَا اللهُ؛ كَالْمِيرَاثِ وَالْهِبَةِ، وَالْعَقْدِ الصَّحِيحِ الْمُبِيحِ لِلْمِلْكِ.

وَلَا يُنَازِعْ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فِي الْمَالِ وَهُوَ مُبْطِلٌ، وَيَرْفَعْ إِلَى الْحَاكِمِ أَوْ الْقَاضِي لِيَحْكُمَ لَهُ، وَيَنْتَزِعَ مِنْ أَخِيهِ مَالَهُ بِشَهَادَةٍ بَاطِلَةٍ، أَوْ بَيِّنَةٍ كَاذِبَةٍ، أَوْ رِشْوَةٍ خَبِيثَةٍ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ.

فَإِنَّ أَكْلَ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، فَلْيَمْتَثِلْ كُلُّ عَبْدٍ أَمْرَ اللهِ بِاجْتِنَابِ أَكْلِ الْأَمْوَالِ بِالْبَاطِلِ، فَإِنَّهُ مُحَرَّمٌ بِكُلِّ حَالٍ، لَا يُبَاحُ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ.

وَعِنْدَ مُسْلِمٍ فِي ((الصَّحِيحِ))  عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ: ((مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَأَدْخَلَهُ النَّارَ)).

قَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَوْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا؟

قَالَ: ((وَلَوْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ)).

وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ فِي وَقْتِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَمَنٌ، وَإِنْ كَانَ لَهُ الْيَوْمَ ثَمَنٌ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَمَنٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، ((وَلَوْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ)) تُتَّخَذُ مِنْهُ الْمَسَاوِيكُ.

فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ: ((مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ))، يَحْلِفُ زُورًا وَيُقْسِمُ كَذِبًا أَنَّ هَذَا لَهُ، وَلَيْسَ لَهُ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ، كَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَالِ الْمُتَخَاصِمِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ: ((إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِالْحُجَّةِ مِنْ أَخِيهِ، فَأَقْضِي لَهُ بِمَا لَيْسَ لَهُ بِحَقٍ، فَمَنِ اقْتَطَعَ شَيْئًا مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ)) .

يَعْنِي: إِذَا قَضَيْتُ لَهُ بِمَا لَيْسَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَلْحَنَ وَأَبْيَنَ بِالْحُجَّةِ مِنْ عَيِيٍّ ذِي حَقٍّ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُبِينَ وَلَا أَنْ يُعْرِبَ عَنْ حَقِّةِ بِحُجَّةٍ ظَاهِرَةٍ، وَبَيِّنَةٍ بَاهِرَةٍ، وَإِنَّمَا أَقْضِي بِالظَّاهِرِ ((فَإِنِ اقْتَطَعَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِفَتْوَايَ؛ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ))، إِذَا أَخَذَ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقٍّ ((أَقْتَطِعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ)).

*أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! اسْتَقْبِلُوا الْعَشْرَ بِالْمُبَادَرَةِ فِي أَدَاءِ الْحُقُوقِ، وَسَدَادِ الدُّيُونِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ))-، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»، أَيْ: تَأْخِيرُ الْغَنِيِّ وَفَاءَ الدَّيْنِ ظُلْمٌ، فَيَحْرُمُ أَنْ يَمْطُلَ بِحَقِّ الْآخَرِ.

عِبَادَ اللهِ! الْمَدِينُ الَّذِي يَمُوتُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ؛ مَحْبُوسٌ فِي قَبْرِهِ إِلَى حِينِ الْوَفَاءِ بِدَيْنِهِ!!

مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَلَا يُرَحْ رِيحَهَا حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ دَيْنُهُ وَإِلَّا فَلَا.

فَإِذَا مَاتَ إِنْسَانٌ وَكَانَ عَلَيْهِ وَلَوْ دِرْهَمٌ دَيْنًا؛ فَهُوَ مَحْبُوسٌ عَنِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ دَيْنُهُ.

فَعَنْ سَعْدِ بْنِ الْأَطْوَلِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّ أَخَاهُ مَاتَ وَتَرَكَ ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَتَرَكَ عِيَالًا، فَأَرَدْتُ أَنْ أُنْفِقَهَا عَلَى عِيَالِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ أَخَاكَ مَحْبُوسٌ بِدَيْنِهِ، فَاذْهَبْ فَاقْضِ عَنْهُ».

قَالَ: فَذَهَبْتُ فَقَضَيْتُ عَنْهُ، ثُمَّ جِئْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ قَضَيْتُ عَنْهُ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا امْرَأَةٌ تَدَّعِي دِينَارَيْنِ، وَلَيْسَتْ لَهَا بَيِّنَةٌ.

قَضَيْتُ جَمِيعَ الدُّيُونِ إِلَّا دِينَارَيْنِ، جَاءَتِ امْرَأَةٌ فَادَّعَتْ أَنَّ لَهَا عَلَى أَخِي هَذَيْنِ الدِّينَارَيْنِ وَلَيْسَ لَهَا بَيِّنَةٌ، لَمَّا طَالَبْتُهَا بِالْبَيِّنَةِ، أَعِنْدَكِ صَكٌّ؟!!

قَالَتْ: لَا.

أَعِنْدَكِ شُهُودٌ؟!!

قَالَتْ: لَا.

فَلَيْسَ عِنْدَهَا بَيِّنَةٌ، مَا هُوَ إِلَّا مَحْضُ الْقَوْلِ، وَمَحْضُ الِادِّعَاءِ.

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَعْطِهَا، فَإِنَّهَا صَادِقَةٌ».

وَفِي رِوَايَةٍ: ((..فَإِنَّهَا مُحِقَّةٌ)) .

فَأَمَرَهُ الرَّسُولُ ﷺ أَنْ يُؤَدِّيَ لِلْمَرْأَةِ مَا عَلَى أَخِيهِ مِنَ الدَّيْنِ.

انْظُرْ لِقَوْلِ نَبِيِّكَ ﷺ: ((إِنَّ أَخَاكَ مَحْبُوسٌ بِدَيْنِهِ)).

إِلَّا الدَّيْنَ!!

الْتَفِتْ لِهَذَا جَيِّدًا.

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِنَّ أَخَاكَ مَحْبُوسٌ بِدَيْنِهِ)).

فَهُوَ يُحْبَسُ فِي قَبْرِهِ بِدِينِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ.

أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ الصَّحَابِيَّ أَنَّ أَخَاهُ مَحْبُوسٌ بِسَبَبِ دَيْنِهِ.

وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَسَّرَ هَذَا الْحَبْسُ بِالْحَدِيثِ الْآخَرِ.

فَالرَّسُولُ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّهُ مَأْسُورٌ بِدَيْنِهِ عَنِ الْجَنَّةِ)): يَعْنِي مَحْبُوسٌ بِدَيْنِهِ، إِنَّهُ مَأْسُورٌ بِدَيْنِهِ عَنِ الْجَنَّةِ.

فَالَّذِي يَمُوتُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ؛ يُؤْسَرُ وَيُحْبَسُ بِدَيْنِهِ عَنِ الْجَنَّةِ، لَا يَدْخُلُهَا حَتَّى يُؤَدَّى عَنْهُ دَيْنُهُ.

فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى جَنَازَةٍ -وَفِي رِوَايَةٍ: صَلَّى الصُّبْحَ- فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: ((أَهَا هُنَا مِنْ آلِ فُلَانٍ أَحَدٌ؟!!))

فَسَكَتَ الْقَوْمُ، وَكَانَ إِذَا ابْتَدَأَهُمْ بِشَيْءٍ سَكَتُوا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-؛ أَدَبًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ.

فَقَالَ ذَلِكَ مِرَارًا -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- لَا يُجِيبُهُ أَحَدٌ، ((أَهَا هُنَا مِنْ آلِ فُلَانٍ أَحَدٌ؟!!)).

لَا يُجِيبُهُ أَحَدٌ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَقُولُهَا ﷺ.

وَبَعْدَ الثَّالِثَةِ، قَالَ رَجُلٌ: هُوَ ذَا يَا رَسُولَ اللهِ -يَعْنِي هَا أَنَا ذَا- فَقَامَ رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ مِنْ مُؤَخَّرِ النَّاسِ -يَعْنِي: قَامَ عَجِلًا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَجُرُّ إِزَارَهُ وَيُسَوِّيهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَاصِدًا.

فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ((مَا مَنَعَكَ فِي الْمَرَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ أَنْ تَكُونَ أَجَبْتَنِي؟!!)).

يَعْنِي: لِمَ لَمْ تُجِبْنِي فِي الْمَرَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، وَأَجَبْتَ بَعْدَ الثَّالِثَةِ؟!!

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مُطَمْئِنًا: ((أَمَا إِنِّي لَمْ أُنَوِّهَ بِاسْمِكَ إِلَّا لِخَيْرٍ))؛ يَعْنِي مَا أَرَدْتُ أَنْ أَسُوءَكَ بِاسْتِدْعَائِكَ، وَإِنَّمَا أَرَدْتُ لَكَ الْخَيْرَ وَلِأَهْلِكَ وَذَوِيكَ.

((إِنَّ فُلَانًا -لِرَجُلٍ مِنْهُمْ- مَأْسُورٌ بِدِينِهِ عَنِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَافْدُوهُ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَأَسْلِمُوهُ إِلَى عَذَابِ اللهِ)) .

اللهم اقْضِ عَنَّا دُيُونَنَا يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

يَقُولُ: ((إِنَّ فُلَانًا.. ))؛ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ مِنْ آلِ فُلَانٍ، مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ مِنْهُمُ الرَّجُلُ الَّذِي جَاءَ يَجُرُّ إِزَارَهُ.

قَالَ: ((فُلَانٌ مِنْكُمْ مَأْسُورٌ بِدَيْنِهِ عَنِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَافْدُوهُ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَأَسْلِمُوهَ إِلَى عَذَابِ اللهِ)).

فَلَوْ رَأَيْتَ أَهْلَهُ، وَمَنْ يَتَحَرَّوْنَ أَمْرَهُ!! قَامُوا فَقَضَوْا عَنْهُ، حَتَّى مَا أَحَدٌ يَطْلُبُهُ بِشَيْءٍ -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا-، فَأَخَذَ أَهْلُهُ وَعَشِيرَتُهُ يَتَسَابَقُونَ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ حَتَّى مَا يُطَالِبُ أَحَدٌ بِشَيْءٍ.

النَّبِيُّ ﷺ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ الْجَنَازَةَ يَوْمًا، ثُمَّ تَأَخَّرَ ﷺ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ عَلَى صَاحِبِ الْجَنَازَةِ دَيْنًا، ثُمَّ قَالَ ﷺ: ((صَلُّوا عَلَى أَخِيكُمْ)).

فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَصْحَابِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَا أَقْضِي مَا عَلَيْهِ.

قَالَ: ((أَنْتَ تَقْضِي مَا عَلَيْهِ؟))

قَالَ: أَنَا أَقْضِي مَا عَلَيْهِ.

فَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى عَلَى الرَّجُلِ.

فَلَمَّا كَانَ فِي غَدٍ -أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ- قَالَ: ((مَا فَعَلَتِ الدِّينَارَانِ؟))

كَانَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ دِينَارَانِ أَوْ ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْقَاهُ، يَقُولُ: ((مَا فَعَلَ الدَّيْنُ؟))

يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ؛ يَعْنِي لَمْ يَمْضِ كَثِيرٌ.

فَمَا زَالَ يَلْقَاهُ، فَيَقُولُ لَهُ: ((مَا فَعَلَ الدَّيْنُ؟))، حَتَّى قَالَ: قَدْ قَضَيْتُهُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللهِ.

قَالَ: ((الْآنَ حِينَ بَرُدَتْ عَلَيْهِ جِلْدَتُهُ)) .

يَعْنِي: كَأَنَّمَا يُصَابُ بِمَسِّ النَّارِ وَبِحَرِّهَا، فَلَمَّا قَضَيْتَ عَنْهُ؛ بَرُدَ عَلَيْهِ جِلْدُهُ بَعْدَ أَنْ قُضِيَ عَنْهُ دَيْنُهُ.

فَاللهَ اللهَ فِي الدَّيْنِ -عِبَادَ اللهِ-!

((وَمَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَنْ يُهْلِكَهَا، وَأَنْ يُبَدِّدَهَا، وَأَلَّا يَقْضِيَهَا؛ عَذَّبَهُ اللهُ بِالنَّارِ، وَمَنْ أَخَذَ أَمْوَالًا وَفِي نِيِّتِهِ أَنْ يَقْضِيَهَا، وَأَنْ يَرُدَّهَا؛ قَضَاهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَنْهُ)) .

عِبَادَ اللهِ! عَذَابُ الْقَبْرِ مِمَّا يُؤَدِّي إِلَيْهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَسْتَدِينُ الدَّيْنَ، وَلَيْسَ فِي نِيِّتِهِ أَنْ يَقْضِيَهُ، فَيَقْضِي اللهُ بِأَنْ يَمُوتَ الرَّجُلُ الْمَدِينُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤَدِّيَ الدَّيْنَ، وَمِنْ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَهُ، فَيُؤْسَرُ عَنِ الْجَنَّةِ، وَيُعَذَّبُ بِمَسِّ النَّارِ فِي قَبْرِهِ إِلَى أَنْ يَرِثَ اللهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا.

فَعَلَيْنَا أَنْ نَحْتَرِزَ مِنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى عَذَابِ الْقَبْرِ.

 ((اسْتِقْبَالُ الْعَشْرِ بِتَحَرِّي الْحَلَالِ))

إِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- أَمَرَنَا بِالْأَكْلِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَاتًا وَكَسْبًا، فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 171]، أَنْ يَكُونَ طَيِّبًا فِي ذَاتِهِ، طَيِّبًا فِي كَسْبِهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ طَيِّبًا فِي ذَاتِهِ، وَأَنْ يَكُونَ حَرَامًا فِي كَسْبِهِ، فَتَعْلَقُ بِهِ الْحُرْمَةُ أَيْضًا.

*الْأَكْلُ مِنَ الْحَلَالِ مُعِينٌ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَمِنْ أَسْبَابِ قَبُولِهِ:

إِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- سَوَّى بَيْنَ الْمُرْسَلِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ فِي وُجُوبِ الْأَكْلِ مِنَ الْحَلَالِ وَاجْتِنَابِ الْحَرَامِ؛ فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المُؤْمِنُون: 51].

فَأَمَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْمُرْسَلِينَ بِالْأَكْلِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْأَمْرِ بِمَا الْمَرْءُ مَأْمُورٌ بِهِ كَمَا فِي قَوْلِ رَبِّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ} [الأَحْزَاب: 1].

فَيَأْمُرُهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِالتَّقْوَى، وَهُوَ إِمَامُ الْمُتَّقِينَ، وَهُوَ مَوْصُوفٌ بِهَا، وَيَأْمُرُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْمُرْسَلِينَ بِالْأَكْلِ مِنَ الْحَلَالِ، وَهُمْ آكِلُونَ مِنْهُ، ثُمَّ أَتْبَعَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْأَمْرَ بِالْأَكْلِ مِنَ الْحَلَالِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ بِالْأَمْرِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ.

فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْأَكْلَ مِنَ الْحَلَالِ مُعِينٌ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أَكَلَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَعَانَهُ ذَلِكَ -بِفَضْلِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ- عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَعَمَلُ الصَّالِحِ هُوَ مَا كَانَ للهِ خَالِصًا، وَعَلَى قَدَمِ النَّبِيِّ سَائِرًا ﷺ.

{يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا}، وَأَتْبَعَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ذَلِكَ الْأَمْرَ الْكَبِيرَ بِالتَّهْدِيدِ وَالتَّحْذِيرِ: {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}.

وَفِي ضِمْنِهِ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ لِمَنْ خَالَفَ فَأَكَلَ مِمَّا فِيهِ حُرْمَةٌ أَوْ مِمَّا لَيْسِ بِطَيِّبٍ فِي حَقِيقَتِهِ، أَوْ مِمَّا حُصِّلَ مِنْ وَجْهٍ لَا يَلِيقُ بِمُحَصِّلِهِ.

فَذَكَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ قَدْ صَرَفَ الْأَمْرَ إِلَى الْمُرْسَلِينَ؛ فَمَنْ دُونَهُمْ أَوْلَى بِانْصِرَافِ الْأَمْرِ إِلَيْهِمْ.

فَإِذَا قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِلْمُرْسَلِينَ: {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ}؛ فَإِنَّ مَنْ دُونَهُمْ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ، وَإِذَا جَاءَ التَّحْذِيرُ وَالتَّشْدِيدُ {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} فِي حَقِّ الْمُرْسَلِينَ؛ فَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ دُونَهُمْ أَوْلَى وَأَجْدَرُ.

فَأَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْمُؤْمِنِينَ بِأَكْلِ الطَّيِّبَاتِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ} [البَقَرة: 172]: فَوَجَّهَ الْأَمْرَ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ بِالْأَكْلِ مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقَهُمُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وَأَمَرَهُمْ بِالشُّكْرِ.

وَعَلَى مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَنْ يُخْلِصَ للهِ تَعَالَى فِي قَصْدِهِ وَعَمَلِهِ، وَأَنْ يَحْرِصَ عَلَى النَّفَقَةِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي لَا حُرْمَةَ فِيهَا وَلَا شُبْهَةَ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَقَدْ ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ ((الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَقَدْ غُذِيَ بِالْحَرَامِ؛ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟)).

*إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا:

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا أَخْرَجَ ذَلِكَ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا)) .

((إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا)): إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ فِي ذَاتِهِ، وَطَيِّبٌ فِي صِفَاتِهِ، وَطَيِّبٌ فِي أَفْعَالِهِ، وَطَيِّبٌ فِي أَسْمَائِهِ، فَلَهُ -جَلَّ وَعَلَا- الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ، وَاللهُ -جَلَّ وَعَلَا- مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ.

((إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا)): لَا يَقْبَلُ إِلَّا مَا كَانَ طَيِّبًا فِي ذَاتِهِ، لَيْسَ بِخَبِيثٍ، وَإِلَّا مَا كَانَ طَيِّبًا فِي تَحْصِيلِهِ، فَلَيْسَ بِحَرَامٍ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ طَيِّبًا فِي ذَاتِهِ، وَيُكْتَسَبُ اكْتِسَابًا تَلْحَقُهُ الْحُرْمَةُ فِيهِ؛ فَيَكُونُ حَرَامًا لِلْكَسْبِ، لَا حَرَامًا لِلذَّاتِ.

فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الْمَيْتَةِ أَوْ مِنْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ؛ قِيلَ: هَذَا مُحَرَّمٌ لِذَاتِهِ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ بِحُرْمَةِ ذَاتِهِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إِذَا مَا اغْتَصَبَ شَاةً؛ فَالْحُرْمَةُ تَلْحَقُ الْكَسْبَ هَاهُنَا، وَلَا تَلْحَقُ الذَّاتَ.

 ((إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا)): لَا يَقْبَلُ إِلَّا مَا كَانَ طَيِّبًا فِي ذَاتِهِ، فَلَيْسَ بِخَبِيثٍ، وَإِلَّا مَا كَانَ طَيِّبًا فِي كَسْبِهِ، فَلَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا فِيهِ شُبْهَةٌ.

((وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [المؤمنون: 51]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172])).

فَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ التَّسْوِيَةَ فِي هَذَا الْأَمْرِ الْكَبِيرِ، وَهُوَ أَكْلُ الْحَلَالِ، وَمُجَانَبَةُ الْحَرَامِ، وَالْبُعْدُ عَنِ الْخَبَائِثِ، وَتَحَرِّي الطَّيِّبِ الطَّاهِرِ.

فَأَمَرَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، وَفِي هَذَا رَفْعٌ لِشَأْنِ الْمُؤْمِنِينَ؛ إِذْ أَمَرَهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الصَّفْوَةَ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُمُ الْمُرْسَلُونَ، إِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ.

وَالرَّسُولُ ﷺ يُخْبِرُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَنْفَقَ نَفَقَةً مِنْ حَرَامٍ، فَوَصَلَ بِهَا رَحِمَهُ، أَوْ عَطَفَ بِهَا عَلَى يَتِيمٍ، أَوْ أَنْفَقَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، جُمِعَ ذَلِكَ جَمِيعًا ثُمَّ قُذِفَ بِهِ فِي النَّارِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) يَقُولُ: ((لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ)).

*عَلَى تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا الْعَشْرَ؛ بِمُجَانَبَةِ الْغِشِّ، وَالتَّطْفِيفِ، وَالِاحْتِكَارِ؛ فَالنَّبِيُّ ﷺ رَهَّبَ مِنَ الغِشِّ، وَرَغَّبَ فِي النَّصِيحَةِ فِي البَيْعِ وَغَيْرِهِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا, فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟!»

قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.

قَالَﷺ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي». رَوَاهُ مُسْلِمٌ .

وَمِنْ كَبائِرِ الإِثْمِ، وَعَظَائِمِ الذُّنُوبِ: تَطْفِيفُ المَكَايِيلِ وَالمَوَازِينِ.

وَالتَّطْفِيفُ: البَخْسُ وَالنَّقْصُ؛ فَهُوَ مُطَفِّفٌ، وَالجَمْعُ: مُطَفِّفُونَ.

قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9)} [الرَّحْمَن: 7-9].

وَقَالَ ﷺ فِي رِعَايَةِ المَوَازِينِ: «إِذَا وَزَنْتُمْ؛ فَأَرْجِحُوا» .

وَالنَّبِيُّ ﷺ رَغَّبَ فِي السَّمَاحَةِ فِي البَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَحُسْنِ التَّقَاضِي وَالقَضَاءِ؛ فَعَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «رَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى». رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

وَرَهَّبَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الِاحْتِكَارِ؛ وَالِاحْتِكَارُ: هُوَ شِرَاءُ الشَّيْءِ وَحَبْسُهُ؛ لِيَقِلَّ بَيْنَ النَّاسِ؛ فَيَغْلُوَ سِعْرُهُ، وَيُصِيبَهُمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ الضَّرَرُ.

وَالِاحْتِكَارُ حَرَّمَهُ الشَّارِعُ وَنَهَى عَنْهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الجَشَعِ، وَالطَّمَعِ، وَسُوءِ الخُلُقِ، وَالتَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ، رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ مَعْمَرٍ : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنِ احْتَكَرَ؛ فَهُوَ خَاطِئٌ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .

 ((مَا نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ!!))

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ الْمُسْلِمَ يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُتَوَقِّيًا, وَأَلَّا يَقْذِفَ فِي جَوْفِهِ إِلَّا مَا كَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُ حَلَالٌ صِرْفٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ, لَا مَا يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ حَرَامٌ.

واَلْحَقُّ أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَتَوَقُّوْنَ ذَلِكَ تَوَقِّيًا نَفْسِيًّا لَا تَوَقِّيًا عَمَلِيًّا, بِمَعْنَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَجْتَرِئُ عَلَى الْحَرَامِ, وَهُوَ يَتَيَقَّنُ فِي نَفْسِهِ أَمَامَ نَفْسِهِ أَنَّهُ حَرَامٌ, وَإِنَّمَا يَبْحَثُ عَنْ عِلَّةٍ وَيَبْحَثُ عَنْ حُجَّةٍ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُحَلِّلَ لِنَفْسِهِ مَا حَاكَ فِي صَدْرِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَلَالٍ, وَأَنَّهُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ جَانِبِ الْإِثْمِ.

إِنَّ النَّاسَ حَتَّى إِذَا مَا تَحَلَّلُوا مِنْ دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَانْطَلَقَتْ أَيْدِيهِمْ فِي ثَرْوَاتِ النَّاسِ وَفِي أَمْوَالِهِمْ تَعِيثُ فِيهَا فَسَادًا، وَتَكْسِبُ حَرَامًا، وَتُحَصِّلُ إِثْمًا وَسُحْتًا، فَإِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ الْأَمِينَ ﷺ يُرِي النَّاسَ فِي أَنْفُسِهِمْ آيَاتٍ.

وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَا يُبَارِكُ فِي الْحَرَامِ، وَآكِلُ الْحَرَامِ كَشَارِبِ مَاءِ الْبَحْرِ، لَا يُرْوَى أَبَدًا، كَالْإِبِلِ الْهِيمِ -وَهِيَ الَّتِي فِي أَجْوَافِهَا دَاءٌ مَا تَزَالُ تَشْرَبُ وَتَشْرَبُ بِلَا وَعْيٍ حَتَّى تَنْقَضَّ مَعِدَاتُهَا مِمَّا تَشْرَبُ، لَا تَعِي وَلَا تُدْرِكُ-.

تَشْرَبُ شُرْبَ الْهِيمِ مَتَى مَا أَخَذْتَ الْحَرَامَ، وَالدِّرْهَمُ الْحَرَامُ مَتَى دَخَلَ عَلَى الْحَلَالِ أَفْسَدَهُ، تَمَامًا كَقَطْرَةِ الدَّمِ تُخَالِطُ كُوبَ الْمَاءِ أَوْ كُوبَ اللَّبَنِ الْبَارِدِ الْعَذْبِ الَّذِي تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ، وَلَكِنَّ قَطْرَةَ الْبَوْلِ إِذَا مَا خَالَطَتْهُ أَفْسَدَتْهُ، تَعَافُهُ النَّفْسُ وَلَا تُقْبِلُ عَلَيْهِ.

إِنَّ أَكْلَ الْحَرَامِ يُثْمِرُ ثَمَرًا آخَرَ خَبِيثًا مُرًّا، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى الْجَنَّةِ كُلَّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ، كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ -مِنْ حَرَامٍ- فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ» .

*أَكْلُ الْحَرَامِ مِنْ أَعْظَمِ قَوَاطِعِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ:

لَقَدْ ضَرَبَ النَّبِيُّ  ﷺ  مَثَلًا عَمَلِيًّا؛ لِيُقَرِّبَ الْمَسْأَلَةَ إِلَى الْأَذْهَانِ، وَلَيْجَعْلَهَا حَاضِرَةً فِي الْجَنَانِ، عَصِيَّةً عَلَى النِّسْيَانِ، قَالَ: ((ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ)) : وَالسَّفَرُ مَظِنَّةُ إِجَابَةِ دُعَاءِ الدَّاعِينَ، وَالْإِطَالَةُ فِيهِ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَذَلِكَ.

((ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ)): شُعِّثَ شَعْرُهُ لِقِلَّةِ الْعِنَايَةِ بِهِ، انْشِغَالًا بِمَا هُوَ بِصَدَدِهِ، مَعَ الْغَبَرَةِ الَّتِي تَلْحَقُهُ مِنْ أَثَرِ السَّفَرِ وَوَعْثَائِهِ، وَهُوَ مَشْغُولٌ عَمَّا لَحِقَهُ مِنَ الشَّعَثِ وَالْغَبَرَةِ بِدُعَاءِ رَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مُقْبِلًا عَلَيْهِ، وَهَذَا -أَيْضًا- بِالْمَذَلَّةِ للهِ -جَلَّ وَعَلَا- مِنْ مَظِنَّةِ إِجَابَةِ دُعَاءِ الدَّاعِينَ.

((ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ، أَغْبَر، يَمُدُّ يَدَيْهِ))؛ يَمُدُّ يَدَيْهِ: وَهَذَا مِنْ مَظِنَّةِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ أَيْضًا.

وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ  ﷺ  قَالَ: ((إِنَّ اللهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَمُدَّ إِلَيْهِ يَدَيْهِ فَيَرُدَّهُمَا صِفْرًا)) .

فَإِذَا مَدَّ يَدَيْهِ إِلَى رَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، فَذَلِكَ حَرِيٌّ بِأَنْ يُجِيبَ اللهُ الْكَرِيمُ دُعَاءَهُ.

فَهُوَ ((يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ، أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ)): وَالرُّبُوبِيَّةُ بِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ أَحْرَى، فَيَذْكُرُ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- دَاعِيًا إِيَّاهُ بِهَذَا الْوَصْفِ الْكَرِيمِ، وَبِهَذَا الِاسْمِ الْجَلِيلِ؛ بِاسْمِ الرَّبِّ الثَّابِتِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَأَمَّا الْوَصْفُ الَّذِي انْطَوَى عَلَيْهِ الِاسْمُ، فَإِنَّ مَنْ نَادَى بِهِ حَرِيٌّ أَنْ يُجَابَ نِدَاؤُهُ، وَأَنْ يُغَاثَ إِذَا اسْتَغَاثَ: ((يَا رَبِّ، يَا رَبِّ))، وَيُكَرِّرُ ذَلِكَ، وَهُوَ -أَيْضًا- مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ.

وَلَكِنَّ النَّبِيَّ  ﷺ  يَذْكُرُ أَمْرًا يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى الْإِجَابَةِ: ((يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَقَدْ غُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!)).

فَذَكَرَ النَّبِيُّ  ﷺ  اسْتِبْعَادَ اسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ ((فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟))؛ فَكَيْفَ يُسْتَجَابُ لِمَنْ هَذَا شَأْنُهُ وَهَذِهِ حَالُهُ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَدْعُو رَبَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ذَاكِرًا إِيَّاهُ بِاسْمِهِ الْجَلِيلِ ((الرَّبِّ))، وَبِوَصْفِهِ الْعَظِيمِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَهُوَ يُطِيلُ مَعَ ذَلِكَ السَّفَرَ، وَلَكِنَّهُ لَا يُسْتَجَابُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى نَفْسِهِ فِي إِجَابَةِ رَبِّهِ دُعَاءَهُ؛ إِذْ أَتَى بِمَطْعَمٍ حَرَامٍ، وَمَشْرَبٍ حَرَامٍ، وَمَلْبَسٍ حَرَامٍ، وَقَدْ غُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!!

فَبَيَّنَ النَّبِيُّ  ﷺ  أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ قَوَاطِعِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ أَنْ يَكُونَ الْمَرْءُ آكِلًا مِنْ حَرَامٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ  ﷺ  أَخْبَرَ أَنَّ ((كُلَّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ)) ، وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ  ﷺ  أَنَّ اللَّحْمَ الَّذِي نَبَتَ مِنَ السُّحْتِ مُحَرَّمٌ عَلَى الْجَنَّةِ.

وَبَيَّنَ النَّبِيُّ  ﷺ  أَنَّ الْإِنْسَانَ يَأْكُلُ مِنَ الْحَرَامِ، وَيَشْرَبُ مِنَ الْحَرَامِ، وَيَلْبَسُ مِنَ الْحَرَامِ، وَهَذَا يَكُونُ مِنْ كَسْبِهِ.

وَغُذِيَ مِنَ الْحَرَامِ، فَيُغَذَّى وَيُطْعَمُ مِنْ كَسْبِ الْحَرَامِ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يُطْعِمُ أَهْلَهُ الْحَرَامَ، وَيَغْذُوهُمْ بِهِ، بَلْ وَيَتَخَلَّقُ جَنِينُ امْرَأَتِهِ فِي رَحِمِهَا مِنْ حَرَامٍ يَغْذُوهَا بِهِ، فَيَظَلُّ هَكَذَا مُغْتَذِيًا عَلَيْهِ، حَتَّى يَشِبَّ بَعْدُ وَلَحْمُهُ كُلُّهُ مِنَ الْحَرَامِ، وَالنَّبِيُّ  ﷺ  يَقُولُ: ((كُلَّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ)).

ذَكَرَ النَّبِيُّ  ﷺ  بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ -وَهُمَا الْغِذَاءُ-، قَالَ: ((وَغُذِيَ مِنْ حَرَامٍ)): فَأَفْرَدَ هَذَا نَاحِيَةً؛ لِأَنَّ مَا ذُكِرَ أَوَّلًا يَكُونُ مِنْ كَسْبِ الْإِنْسَانِ، مَطْعَمُهُ مِنْ حَرَامٍ، وَمَشْرَبُهُ مِنْ حَرَامٍ بِكَسْبِهِ فِي تَحْصِيلِ الْحُرْمَةِ وَارْتِكَابِ الْجَرِيمَةِ، وَالْوُقُوعِ عَلَى مَا حَرَّمَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ تَحْصِيلًا وَكَسْبًا.

ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْبُطُونِ دَفْعًا، ثُمَّ يَقْطَعُ عَلَى نَفْسِهِ طَرِيقَ إِجَابَةِ دُعَائِهِ إِذَا دَعَا رَبَّهُ، وَلَوْ أَتَى بِكُلِّ آدَابِ الدُّعَاءِ كَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ  ﷺ  فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ.

فَإِنَّهُ مَعَ مَا أَتَى بِهِ مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ، وَمَا هُوَ مَظِنَّةُ الْإِجَابَةِ عِنْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ، أَخْبَرَ الرَّسُولُ  ﷺ  أَنَّهُ لَا يُسْتَجَابُ لَهُ، بَلِ اسْتَبْعَدَ جِدًّا أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ، فَقَالَ: ((فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟))  ﷺ .

فَذَكَرَ النَّبِيُّ  ﷺ  الْكَسْبَ تَحْصِيلًا، وَالدَّفْعَ فِي الْبُطُونِ أَكْلًا وَشُرْبًا، ثُمَّ ذَكَرَ اِغْتِذَاءَ الْغَيْرِ عَلَى مَا حَرَّمَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنَ الْكَسْبِ الَّذِي لَمْ يُشْرَعْ، يُحَصِّلُهُ غَيْرُ مَنِ اغْتَذَى عَلَيْهِ، قَالَ: ((وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ)).

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ الْجُرْمِ، وَعَظِيمِ الْإِثْمِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ مَنْ يَقَعُ عِنْدَمَا يَأْكُلُ مِنَ الْحَرَامِ، وَيَشْرَبُ مِنَ الْحَرَامِ، وَيَلْبَسُ مِنَ الْحَرَامِ، وَيُطْعِمُ الْمَرْأَةَ مِنَ الْحَرَامِ، وَيُخَلَّقُ الْجَنِينُ فِي الرَّحِمِ مِنَ الْحَرَامِ.

ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ عَلَى الثَّدْيِ رَاضِعًا لَبَانَ الْحَرَامِ، ثُمَّ يَشِبُّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَطْعَمٍ حَرَامٍ وَمَشْرَبٍ حَرَامٍ، ثُمَّ يَشْكُو النَّاسُ بَعْدُ مِنْ خَيْبَةِ الْأَوْلَادِ، وَمِنْ عَدَمِ اسْتِقَامَةِ الْمِنْهَاجِ، وَهُمْ أَوْلَادُ حَرَامٍ عَلَى هَذَا النَّحْوِ وَتِلْكَ الصِّفَةِ!! وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا.

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ جَعَلَ مِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ الدِّينِ، وَجَعَلَ قَاعِدَتَهُ وَصُلْبَهُ وَأَسَاسَهُ: أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ آخِذًا بِالْحَلَالِ الصِّرْفِ الْمَحْضِ الَّذِي لَا شُبْهَةَ فِيهِ.

أَكْلُ الْحَلَالِ هُوَ الطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ لِتَحْصِيلِ الْخَيْرِ دُنْيَا وَآخِرَةً.

إِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ لَا يُسَامِحُ فِي الْحَرَامِ أَبَدًا، وَلَوْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا -كَمَا مَرَّ- ((وَلَوْ كَانَ عُودًا مِنْ أَرَاكٍ)).

فَلَا تَحْسَبَنَّ أَنَّ أَكْلَ الْحَرَامِ يُوصِلُ إِلَى شَيْءٍ، وَلَا تَحْسَبَنَّ أَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّبْهَةِ يُوصِلُ إِلَى شَيْءٍ، فَالْأَخْذُ بِالشُّبْهَةِ يُوشِكُ أَنْ يُوقِعَ فِي الْحَرَامِ، كَمَا قَالَ الرَّسُولُ .


مِنْ أَكْبَرِ أَبْوَابِ أَكْلِ الْحَرَامِ: الِاعْتِدَاءُ عَلَى الْمَالِ الْعَامِّ

عَبْدَ اللهِ! اتَّقِ اللهَ! وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ سَائِلُكَ، وَأَنَّكَ لَا بُدَّ أَنْ تُؤَاخِذَ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ يُؤَاخِذَكَ.

الدَّمَ وَالْمَالَ! إِيَّاكَ أَنْ تَعْتَدِيَ عَلَى مَالِ أَخِيكَ؛ فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ السَّرِقَةَ، وَحَرَّمَ الْغَصْبَ، وَحَرَّمَ الرِّشْوَةَ، وَحَرَّمَ أَكْلَ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَحَرَّمَ أَكْلَ أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ.

الْيَوْمَ عِنْدَمَا تَنْظُرُ فِي الْمَالِ الْعَامِّ؛ مَالِي وَمَالِكَ، مَالِ كُلِّ مَنْ يَقْطُنُ هَذَا الْبَلَدَ، مَالِ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ، الْمَالُ الْعَامُّ تَتَعَلَّقُ بِهِ ذِمَمُ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ؛ تَجِدُ النَّاسَ فِي جُمْلَتِهِمْ لَا يَرْقُبُونَ فِي الْمَالِ الْعَامِّ -مَالٌ تَعَلَّقَتْ بِهِ جَمِيعُ ذِمَمِ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ وَأَحْيَانِهِمْ- لَا يَرْقُبُونَ فِي هَذَا الْمَالِ الْعَامِّ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً، وَلَا يُرَاعُونَهُ بِحَالٍ أَبَدًا!!

لا يَسْتَقِرُّ فِي عَقْلِ وَاحِدٍ، وَلَا فِي وِجْدَانِهِ أَنَّ هَذَا الْمَالَ مَالُهُ، وَأَنَّ هَذَا الْمَالَ تَتَعَلَّقُ بِهِ ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ، وَأَنَّ الْإِثْمَ فِيهِ أَكْبَرُ مِنَ الْإِثْمِ الْوَاقِعِ عَلَيْهِ عِنْدَمَا يَقَعُ عَلَى مَالٍ خَاصٍّ؛ لِأَنَّ الْمَالَ الْعَامَّ تَعَلَّقَتْ بِهِ ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ.

فَعَلَيْنَا أَنْ نَتَّقِيَ اللهَ رَبَّنَا فِي أُمَّتِنَا، وَفِي أَرْضِنَا الْمُسْلِمَةِ الَّتِي أَقَامَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَيْهَا، نُدَافِعُ عَنْهَا إِلَى آخِرِ قَطْرَةٍ مِنْ دِمَائِنَا، وَإِلَى آخِرِ مَا فِي أَرْوَاحِنَا مِنْ دِمَاءٍ، وَمَا فِي عُرُوقِنَا مِنْ دِمَاءٍ.

عِبَادَ اللهِ! لِلْغُلُولِ عُقُوبَةٌ فِي حَالِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَفِي الْبَرْزَخِ مِنْ بَعْدِ الْوَفَاةِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، ثُمَّ فِي الْقِيَامَةِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي النَّارِ وَبِئْسَ الْقَرَارُ.

وَالْغُلُولُ فِي الْأَصْلِ هُوَ: الْخِيَانَةُ.

وَأَصْلُهُ: هُوَ أَنْ يَأْخُذَ الْإِنْسَانُ شَيْئًا مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْمَقَاسِمِ.

وَهُوَ فِي زَمَانِنَا -كَمَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا-: ((الْمَالُ الْعَامُّ)).

فَالْمَالُ الْعَامُّ مَا أُخِذَ مِنْهُ فَهُوَ غُلُولٌ، وَالَّذِي يَتَنَزَّلُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ الْغُلُولِ هُوَ بِعَيْنِهِ مَا يَتَنَزَّلُ عَلَى الْمَالِ الْعَامِّ؛ لِأَنَّ الْمَالَ الْعَامَّ كَالْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، تَتَعَلَّقُ بِهِ ذِمَمُ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، فَلِكُلِّ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ حَقٌّ.

وَالِاعْتِدَاءُ عَلَى الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ كَالِاعْتِدَاءِ عَلَى الْمَالِ الْعَامِّ بِغَيْرِ حَقٍّ، هُوَ اعْتِدَاءٌ عَلَى مَا يَخُصُّ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ.

فَالتَّوَرُّطُ فِي الْمَالِ الْعَامِّ بِأَخْذِ مَا لَا يَحِلُّ، أَوْ إِتْلَافِ مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُتْلَفَ كَالْأَخْذِ مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْمَقَاسِمِ، هُوَ أَكْبَرُ مِنَ الِاعْتِدَاءِ عَلَى الْمَالِ الْخَاصِّ؛ لِأَنَّ الْمَالَ الْخَاصَّ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِهِ ذِمَّةُ فَرْدٍ بِعَيْنِهِ، وَأَمَّا الْمَالُ الْعَامُّ.. وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْمَقَاسِمِ فَهُوَ أَمْرٌ تَتَعَلَّقُ بِهِ ذِمَمُ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.

فَعُقُوبَةُ الغُلُولِ كَمَا قَالَ اللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عِمْرَان: 161].

* وَأمَّا عُقُوبَتُهُ فِي الْقَبْرِ: فَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» (): أنَّ النبيَّ ﷺ أَخْبَرَ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي غَلَّ شَمْلَةً يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ المَغَانِمِ قَبْلَ المَقَاسِمِ تَشْتَعِلُ عَلَيْهِ فِي قَبْرِهِ نَارًا».

وَالشَّمْلةُ: تَلْفِيعَةٌ، أَوْ هِيَ كِسَاءٌ يُمْكِنُ أنْ يُحِيطَ بِهِ المَرْءُ بَدَنَهُ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ كَمَا في «الصَّحِيحَيْنِ»  عَنْ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مَرَّ مَعَ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- على قُبُورٍ، فَقَالَ الصَّحَابَةُ: فُلَانٌ شَهِيدٌ، ثُمَّ قَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، ثُمَّ قَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ.

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْقَبْرِ الثَّالِثِ: «كلَّا، إِنِّي رَأَيْتُهُ في النَّارِ في بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَوْ عَبَاءَةٍ».

إِذَنْ؛ الْغُلُولُ: هُوَ الْأَخْذُ مِنَ الْمَالِ الْعَامِّ، يُعَاقَبُ بِهِ الْمُرْءُ في قَبْرِهِ؛ اشْتِعَالًا لَهُ عَلَيْهِ في قَبْرِهِ كَمَا أَخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ.

* وَكَذَلِكَ الْعُقُوبَةُ بِهِ فِي الْمَوْقِفِ: فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -كَمَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ»- قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، ثُمَّ قَالَ: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ.

لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ -وَهُوَ صَوْتُ الْفَرَسِ فِيمَا دُونَ الصَّهِيلِ-، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ.

لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ.

لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ.

لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ -يَعْنِي غَلَّ ثِيَابًا أَوْ مَا يَسِيرُ مَسَارَ ذَلِكَ وَيُدْرَجُ فِي سِلْكِهِ-، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ.

لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ -يَعْنِي ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً-، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ».


عِبَادَ اللهِ! مِنَ الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ: التَّخْرِيبُ، وَالتَّحْرِيقُ، وَإِرَاقَةُ الدِّمَاءِ، وَالاعْتِدَاءُ عَلَى الْمُمْتَلَكَاتِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ؛ فَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ، يَقُومُ بِهِ مَنْ يَقُومُ مِنَ الْمُنْتَمِينَ إِلَى الْجَمَاعَاتِ الْمُنْحَرِفَةِ مِنَ الْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنَ التَّكْفِيرِيِّينَ مِنَ الْقُطْبِيِّينَ وَغَيْرِهِم، مِنَ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ الْمُحَارِبِينَ للهِ وَرَسُولِهِ السَّاعِينَ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ وَالْإِفْسَادِ الْبَاغِينَ لِهَذَا الْوَطَنِ الضَّيَاعَ وَالسُّقُوطَ فِي هَاوِيَةٍ لَا قَرَارَ لَهَا!!

اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا!

حَافِظُوا عَلَى مُمْتَلَكَاتِكُمْ!

حَافِظُوا عَلَى مُؤسَّسَاتِكُمْ!

حَافِظُوا عَلَى مُنْشَآتِكُمْ!

حَافِظُوا عَلَى أَمْوَالِ الْأُمَّةِ! وَكُونُوا عَلَيْهَا سَاهِرِينَ!

وَاللهُ يَرْعَاكُمْ، وَيَتَوَلَّاكُمْ، وَهُوَ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّد، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ, صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَومِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

 ((عِبَادَاتُ الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ))

فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا أَيَّامُ الْعَشْرِ))؛ يَعْنِيْ الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ.

 فَهَذِهِ الْأَيَّامُ الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ هِيَ خَيْرُ أَيَّامِ الْعَامِ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ؛ لَأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ جَعَلَ فِيهَا مِنْ هَذَا الْمَنْسَكِ الْعَظِيمِ، وَمِنْ هَذَا الْقَصْدِ الطَّاهِرِ، وَمِنْ هَذَا الْفَضْلِ الْكَرِيمِ مَا جَعَلَ!

وَجَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِيهَا مِنَ النَّفَحَاتِ، وَجَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِيْنَ فِيهَا مِنْ الرَّحَمَاتِ، وَأَنْزَلَ اللهُ فِيهَا مِنَ الْفُيُوضَاتِ مَا أَنْزَلَ!

 اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ جَعَلَ هَذِهِ الْأَيَّامَ خَيْرَ أَيَّامِ الْعَامِ، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ مُحَمَّدٌ ﷺ.

 خَيْرُ أَيَّامِ الْعَامِ.. أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ هِيَ أَيَّامُ الْعَشْرِ؛ يَعْنِي الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ.

 وَكَانَتِ الْعَشْرُ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى مَنْ سَبَقَنَا مِنْ عُلَمَائِنَا -بَدْءًا مِنْ صَحَابَةِ نَبِيِّنَا ﷺ، مُرُورًا بِالتَّابِعِينَ، وَتَابِعِيهِمْ، وَأَتْبَاعِ تَابِعِيهِمْ، وَالْأَئِمَّةِ، وَمَنْ تَلَا مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ إِلَى يَوْمِ النَّاسِ هَذَا- إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ أَقْبَلُوا عَلَى الْعِبَادَةِ؛ بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْمَزِيدَ.

 وَكَانُوا يَتَوَخُّونَ فِيهَا سُنَّةَ الرَّسُولِ ﷺ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ بِسَنَدِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ -يَعْنِي: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ- فَإِذَا أَهَلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ -يَعْنِي: فَدَخَلَ عَلَيْهِ شَهْرُ ذِي الْحِجَّةِ- فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعَرِهِ -لَا مِنْ إِبِطِهِ، وَلَا مِنْ عَانَتِهِ، وَلَا مِنْ شَارِبِهِ- فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعَرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ)).

 وَالنَّبِيُّ ﷺ جَعَلَهَا سُنَّةً مَسْنُونَةً.

 وَعِنْدَنَا كَمَا فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) ، عَنْ عَمْرو بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عَمَّارٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: ((كُنَّا فِي الْحَمَّامِ قُبَيْلَ الْأَضْحَى، فَاطَّلَى فِيهِ نَاسٌ -يَعْنِي: اسْتَخْدَمُوا النَّوْرَةَ، وَهِيَ حَجَرٌ جِيرِيٌّ كَلْسِيٌّ، يُوضَعُ عَلَى الشَّعَرِ، ثُمَّ يَتَلَبَّثُ يَنْتَظِرُ الْمَرْءُ قَلِيلًا؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُزِيلَ بِهِ الشَّعَرَ، فَهِيَ مُزِيلٌ لِلشَّعَرِ كَانَ-.

فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَمَّامِ: إِنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَكْرَهُ هَذَا أَوْ يَنْهَى عَنْهُ، فَلَقِيتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: ((يَا ابْنَ أَخِي! هَذَا حَدِيثٌ قَدْ نُسِيَ وَتُرِكَ)).

هَذَا أَمْرٌ قَدْ نُسِيَ، هَذَا أَمْرٌ قَدْ تُرِكَ؛ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَفْعَلُهُ!!

قَالَ سَعِيدٌ: ((حَدَّثَتْنِي أُمُّ سَلَمَةَ، زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أَهَلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ، فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعَرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ».

وَانْظُرْ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى الْجَلِيلِ الَّذِي جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ؛ لِكَيْ يُشَارِكَ فِي هَذَا الْخَيْرِ كُلُّ أَبْنَاءِ الْأُمَّةِ مِمَّنْ أَسْعَدَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِشُهُودِ الْمَوْسِمِ، وَمِمَّنْ فَاتَهُ أَنْ يُشَارِكَ، فَهُوَ يُشَارِكُ الْمُحْرِمَ فِي بَعْضِ مَا عَلَى الْمُحْرِمِ؛ إِذْ لَيْسَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا؛ لَا مِنْ شَعَرِهِ، وَلَا مِنْ بَشَرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ.

وَلَكِنَّ الْمُقِيمَ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُضَحِّيَ لَيْسَ مَحْظُوُرًا عَلَيْهِ أَنْ يُجَامِعَ أَهْلَهُ، وَلَا أَنْ يَلْبَسَ الْمَخِيطَ، وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ الَّتِي حَظَرَهَا الشَّارِعُ الْحَكِيمُ عَلَى مَنْ دَخَلَ فِي النُّسُكِ.

 وَإِنَّمَا جَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هَذَا الْأَمْرَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ الْجَلِيلَةَ -وَهِيَ الْفِدَاءُ بِالذِّبْحِ الْعَظِيمِ- إِنَّمَا تُذَكِّرُ بِمَا كَانَ مِنَ التَّسْلِيمِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [ الصافات: ١٠٣ ].

لَمَّا أَنْ أَسْلَمَا للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْقِيَادَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا -يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ-، أَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَسَلَّمَ الْأَمْرَ للهِ بِأَنْ يَذْبَحَ وَلَدَهُ بِيَدِهِ، وَهُوَ وَحِيدُهُ، وَبِكْرُهُ، وَفِلْذَةُ كَبِدِهِ، وَأَنْ يَذْبَحَهُ بِيَدِهِ بِرُؤْيَا مَنَامٍ لَا بِوَحْيٍ مُبَاشِرٍ.

لَمَّا أَسْلَمَ الْأَمْرَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَقَدْ مَنَّ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَيْهِ بِهِ، عَلَى عُلُوِّ السِّنِّ وَارْتِفَاعِ السُّنُونَ، وَقَدْ بَلَغَ مِنَ الْكِبَرِ الْمَبَالِغَ، وَأَيِسَ مِنْ أَنْ يُنْجِبَ وَأَنْ يُرْزَقَ بِالْوَلَدِ، فَآتَاهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَلَدًا حَلِيمًا، أَخَذَ بِهَذَا الْحِلْمِ فِي نَفْسِهِ وَفِي أَبِيهِ.

فَلَمَّا أَخْبَرَهُ أَبُوهُ أَنَّهُ يَرَى فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ يَذْبَحُهُ، قَالَ: يَا أَبَتِ! يُنَادِيهِ هَكَذَا بِهَذَا اللُّطْفِ، وَبِهَذَا الْحُبِّ، وَبِهَذَا الرِّفْقِ، وَبِهَذِهِ الشَّفَقَةِ.

قَالَ: يَا أَبَتِ! لَيْسَ عِنْدِي مِنْ مَوْجِدَةٍ عَلَيْكَ!!

يَا أَبَتِ! إِنَّمَا هُوَ الْحُبُّ مِنَ الْقَلْبِ دَافِقًا، وَإِنَّمَا هُوَ الْحُبُّ فِي الْقَلْبِ لِلْبَدَنِ مُتْرِعًا، وَإِنَّمَا هُوَ الْحُبُّ مِنَ النَّفْسِ مُنْبَثِقًا!!

{قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصافات: 102]؛ لِأَنَّكَ لَا تَأْتِي بِأَمْرٍ مِنْ عِنْدِ نَفْسِكَ.

{فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}: لَمَّا سَلَّمَ الْوَالِدُ وَالْوَلَدُ لِأَمْرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ -وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ مَنْ كَانَ فِي تِلْكَ الْحَالِ وَالِدًا وَوَلَدًا مَا كَانَ لَيَلْتَفِتَ لِأَخْذِ شَيْءٍ لَا مِنْ شَعَرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ -وَقَدْ صَدَّقَ الرُّؤْيَا حَتَّى جَاءَ أَوَانُ الْفِدَاءِ بِالذِّبْحِ الْعَظِيمِ.

وَإِذَنْ؛ فَمِنَ التَّشَبُّهِ بِإِبْرَاهِيمَ أَنْ يَكُونَ الْمَرْءُ كَذَلِكَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَيَّامِ الَّتِي جَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِيهَا مِنَ الْعَطَاءَاتِ وَالْفُيُوضَاتِ مَا يَجْعَلُ مَنْ تَخَلَّفَ مُقْتَرِبًا مِمَّنْ سَبَقَ وَآتَاهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الْكُبْرَى بِشُهُودِ الْمَوْسِمِ.

 فَأَتَى بِالْأَمْرِ، كَمَا أَمَرَ الرَّسُولُ ﷺ: ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)) .

فَجَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هَذَا الْعَمَلَ الْمَفْضُولَ فِي الْوَقْتِ الْفَاضِلِ لَاحِقًا بِالْعَمَلِ الْفَاضِلِ فِي الْوَقْتِ الْمَفْضُولِ، وَرُبَّمَا زَادَ عَلَيْهِ.

 يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((مَا مِنْ أَيَّامٍ.. ))؛ هَكَذَا كَمَا مَرَّ ذِكْرُهُ فِي قَوْلِ اللهِ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] بِهَذَا النَّفْيِ، ثُمَّ مَا أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: ((مَا مِنْ أَيَّامٍ..))؛ مِنْ مُطْلَقِ مَا يُقَالُ لَهُ أَيَّامٌ، يَعْنِي مِنْ جِنْسِ مَا يُقَالُ لَهُ أَيَّامٌ، إِنْ أَرَدْتَ الْجِنْسَ، أَوْ مِنْ بِدَايَةِ مَا يُقَالُ لَهُ أَيَّامٌ، إِنْ أَرَدْتَ أَنَّهَا لِلابْتِدَاءِ.

 وَمَعَ ذَلِكَ يَتَأَتَّى النَّفْيُ، وَتَقَعُ النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِهِ لَإِرَادَةِ الْعُمُومِ، ((مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ -يَعْنِي مِنْ أَيَّامِ الْعَشْرِ-)).

 وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ؟

 قَالَ: ((وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ)) .

فَعَلَ ذَلِكَ فِيْ غَيْرِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ، بَلْ هُوَ أَفْضَلُ مِمَّنْ أَتَى بِغَيْرِ الْجِهَادِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ الَّتِي دَلَّنَا نَبِيُّنَا ﷺ عَلَى عَظِيمِ قَدْرِهَا وَارْتِفَاعِ مَكَانَتِهَا .

وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَفِي ((السُّنَنِ))  عَنْ حَفْصَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: ((لَـمْ يَكُنْ يَدَعُ صِيَامَ الْعَشْرِ))؛ تَعْنِي الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ.

وَعِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-، قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ».

وفي رواية: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَصُمِ الْعَشْرَ».

وَيَأْتِيَ أَقْوَامٌ مِمَّنْ يُعَارِضُونَ النُّصُوصَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ؛ لِكَيْ يَتَشَبَّثُوا بِنَصِّ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-، فَيَدَّعُونَ كَرَاهِيَةَ صِيَامِ التِّسْعِ الْأُوَلِ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ!!

 بَلْ إِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَجُمْهُورُهُمْ هُوَ أَنَّ الصِّيَامَ مُسْتَحَبٌّ جِدًّا، وَارْجِعْ فِي ذَلِكَ إِلَى ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) بِشَرْحِ النَّوَوِيِّ -عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ-: ((فَإِنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ اسْتِحْبَابًا أَكِيدًا: أَنْ يَصُومَ الْمَرْءُ التِّسْعَ الْأُوَلَ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ)).

 وَأَمَّا التَّاسِعُ فَفِيهِ نَصًّا: «أَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ يُكَفِّرُ بِصِيَامِهِ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ»، كَمَا أَخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ ؛ يَعْنِي بِذَلِكَ يَوْمَ عَرَفَةَ.

وَإِذَنْ؛ فَصِيَامُ هَذِهِ الْأَيَّامِ مُسْتَحَبٌّ اسْتِحْبَابًا شَدِيدًا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا فِي ((السُّنَنِ)): ((أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يَدَعُ -لَا يَتْرُكُ- صِيَامَ الْعَشْرِ)).

وَقَدْ ذَكَرَتْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ؛ لِأَنَّ الْعَاشِرَ لَا يُصَامُ إِذْ هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمُ الْعِيدِ مُحَرَّمٌ صَوْمُهُ -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ-، وَإِنَّمَا أَخْرَجَتْ ذَلِكَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ عَلَىَ سَبِيِلِ الْتَّغْلِيبِ، فَذَكَرَتِ الْعَشْرَ وَأَرَادَتِ الْتِّسْعَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-.

 وَمْعُلُومٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ- أَنَّ الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا مَا أَخْبَرَتْ عَنْهُ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ شَيْئًا، وَأَخْبَرَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ؛ فَالْحُكْمُ لِلْمُثْبِتِ، وَلَا يُلْتَفَتُ لِلنَّافِي.

وَعِنْدَكَ أَنَّ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- -كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) - قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا))؛ يَعْنِي تَقُولُ: وَأَنَا أُصَلِّي الضُّحَى.

وَلَكِنْ أَخْبَرَتْ بِعِلْمِهَا، وَلَا تَثْرِيبَ عَلَيْهَا، وَلَا يَعْنِي عَدَمُ عِلْمِهَا عَدَمَ الشَّيْءِ فِي ذَاتِهِ.

وَإِنَّمَا الشَّأْنُ هَا هُنَا وَالْمَصِيرُ إِلَى مَا أَخْبَرَتْ بِهِ أَمُّ الْمُؤْمِنِينَ حَفْصَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-، وَذَلِكَ صَحِيحٌ عَنْهَا.

وَعَلَيْهِ؛ فَيُسْتَحَبُّ الصَّوْمُ فِي تِسْعِ ذِي الْحِجَّةِ، وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ، وَأَنْ تَأْتِيَ بِأَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الْعِبَادَةِ حَتَّى تَبْلُغَ فِيْهِ غَايَةَ الْجُهْدِ كَمَا كَانَ الْسَّابِقُونَ مِنَ الصَّالِحِينَ يَفْعَلُوْنَ.

عِبَادَ اللهِ! النَّبِيُّ ﷺ دَلَّ عَلَى فَضِيلَةِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ يَدْخُلُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَالذِّكْرُ: تَهْلِيلًا وَتَحْمِيدًا وَتَسْبِيحًا وَتَكْبِيرًا، وَيَدْخُلُ فِيهِ تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ طَلَبُ الْعِلْمِ وَبَثُّهُ وَإِذَاعَتُهُ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الصِّيَامُ، وَالزَّكَاةُ، وَالصَّدَقَةُ، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ، وَالْعَطْفُ عَلَى الْأَيْتَامِ وَالْمَسَاكِينِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ، وَحُسْنُ الْجِوَارِ، وَمَا أَشْبَهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ؛ فَيَدْخُلُ الصِّيَامُ.

فَلَا تَحْرِمُوا أَنْفُسَكُمْ -عِبَادَ اللهِ-، وَالْتَزِمُوا سَنَّةَ الْنَّبِيِّ ﷺ فِي أَحْوَالِكُمْ، وَأُعْمَالِكُمْ، وَأَقْوَالِكُمْ.

أَسْأَلُ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ، وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُه- أَنْ يَجْمَعَنَا جَمِيْعًا عِنْدَ بَيْتِهِ الْحَرَامِ، وَعَلَىَ صَعِيدِ عَرَفَاتٍ مِنْ قَابِلٍ بِرَحْمَتِهِ، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

اللهم احْمِلْنَا إِلَى بَلَدِكَ الْحَرَامِ.

اللهم احْمِلْنَا إِلَى بَلَدِكَ الْحَرَامِ.

اللهم احْمِلْنَا إِلَىَ بَلَدِكَ الْحَرَامِ، وَبَيْتِكَ الْحَرَامِ؛ حُجَّاجًا وَمُعْتَمِرِيْنَ، وَتَقَبَّلْ مِنَّا أَجْمَعِينَ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.


المصدر:اسْتِقْبَالُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ بِالْوَفَاءِ بِالْحُقُوقِ وَتَحَرِّي الْحَلَالِ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  الشيعة في مصر
  قُوا أنفسَكم وأهليكم نارًا
  عقيدة أهل الإسلام في حقوق الحكام
  فَهْمُ مَقَاصِدِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَصَلَاحِيَتُهَا لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ
  الرد على الملحدين:الفرق بين التصور والتعقل، وبيان أقسام المعلوم
  [ طليعة الرد على الحلبي [ الجزء الأول
  نَصَائِحُ الْنَّبِيِّ الأَمِين لِتُجَّارِ المُسْلِمِين
  يَوْمُ عَرَفَةَ
  حِمَايَةُ الْأَوْطَانِ بَيْنَ فَرْضِ الْعَيْنِ وَفَرْضِ الْكِفَايَةِ
  التَّضْحِيَةُ مِنْ أَجْلِ الأَوْطَانِ وَمُرَاعَاةُ المَصْلَحَةِ العُلْيَا لِلْأُمَّةِ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان