تاريخ النشر الأربعاء,30 رمضان 1439 / 13 يونيو 2018

تفريغ خطبة حَالُ الْمُسْلِمِ بَعْدَ رَمَضَانَ


((حَالُ الْمُسْلِمِ بَعْدَ رَمَضَانَ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُه، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((عِبَادَةُ الْمُسْلِمِ حَتَّى الْمَوْت))

فَإِنَّهُ وَإِنِ انْقَضَى شَهْرُ رَمَضَانَ فَإِنَّ عَمَلَ المُؤْمِنِ لا يَنْقَضِي قَبْلَ المَوْتِ، قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99]، وَقَالَ تَعَالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا مَاتَ العَبْدُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ» ، فَلَمْ يَجْعَلْ لِانْقِطَاعِ العَمَلِ غَايَةً إِلَّا المَوْتُ.

((الصِّيَامُ لَا يَنْقَضِي بِانْقِضَاءِ رَمَضَانَ!!))

عِبَادَ اللهِ! فَلَإِنِ انْقَضَى صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّ المُؤْمِنَ لَنْ يَنْقَطِعَ عَنْ عِبَادَةِ الصِّيَامِ بِذَلِكَ.

فَالصِّيَامُ لا يَزَالُ مَشْرُوعًا -وَللهِ الحَمْدُ- فِي العَامِ كُلِّهِ.

فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ», مِنْ حَدِيثِ: أَبِي أَيُّوبَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ».

وَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ: «ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: «أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ ﷺ -وَذَكَرَ مِنْهَا-: صِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ».

وَالأَوْلَى أَنْ تَكُونَ أَيَّامَ البِيضِ: ((وَهِيَ الثَّالِثَ عَشَرَ، وَالرَّابِعَ عَشَرَ، وَالخَامِسَ عَشَرَ))؛ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ! إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةً؛ فَصُمْ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ».

وَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَومِ يَوْمِ عَرَفَةَ؟

فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ».

وَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ عَاشُورَاءَ؟

فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ».

وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ؟

فَقَالَ: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ».

وَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»: عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ؟

قَالَ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ، صِيَامُ شَهْرِ اللهِ الْمُحَرَّمِ».

وفي «الصَّحِيحَينِ»: عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ».

وَفِي لَفْظٍ: «كَانَ يَصُومُهُ إِلَّا قَلِيلاً».

وَعَنْهَا -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَحَرَّى صِيَامَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ».

وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي ((الصَّحِيحِ)).

((سُنَّةُ قِيَامِ اللَّيْلِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِ رَمَضَانَ!!))

فَلَإِنِ انْقَضَى قِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَإِنَّ القِيَامَ لا يَزَالُ مَشْرُوعًا وَللهِ الحَمْدُ، فِي كُلِّ لَيلَةٍ مِنْ لَيَالِي السَّنَةِ، ثَابِتًا مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَولِهِ.

فَفِي «صَحِيحِ البُخَارِيِّ»: عَنِ المُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَيَقُومُ -أَوْ لِيُصَلِّيَ- حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: «أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا».

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ».

وَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»: عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ، بَعْدَ الْفَرِيضَةِ، صَلَاةُ اللَّيْلِ».

وَصَلاةُ اللَّيِلِ تَشْمَلُ التَّطَوُّعَ كُلَّهِ وَالوِتْر، فَيُصَلِّي مَثْنَى، مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً فَأَوْتَرَتْ مَا صَلَّى ، وَإِنْ شَاءَ صَلَّى عَلى مَا ذُكِرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ السُّنَّةُ، كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: «أَنَّهُ مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ، وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً».

وَفِي «صَحِيحِ البُخَارِيِّ»: عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَىٰ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ».

وَالرَّوَاتِبُ التَّابِعَةُ لِلْفَرِائِضِ اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً: أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهُ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ.

عَنْ أُمِّ حَبِيبَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي للهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً؛ تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ، إِلَّا بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، أَوْ إِلَّا بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ».

وَفِي لَفْظٍ: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَالذِّكْرُ أَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، أَمَرَ اللهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ، وَحَثَّ عَليهِ رَسُولُهُ ﷺ.

قَالَ تَعَالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} [النساء: 103].

وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَلَّمَ اسْتَغْفَرَ ثَلاثًا، وَقَالَ: «اللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ».

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ سَبَّحَ اللهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ: تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ». رواه مسلم.

عِبَادَ اللهِ! لَقَدْ تَعَلَّمْنَا فِي رَمَضَانَ الْكَثِيرَ مِنَ الخَيْرِ، نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الخَيْرِ، وَأَنْ يَهْدِيَنَا إِلَى الرُّشْدِ، وَأَنْ يُقِيمَنَا عَلَيْهِ حَتَّى نَلْقَى وَجْهَ اللهِ الْكَرِيمِ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ, صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَومِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((الْإِقْبَالُ عَلَى قِرَاءَةِ وَمُدَارَسَةِ الْقُرْآنِ طُوَالَ الْعَامِ))

فَالنَّبِيُّ ﷺ عَلَّمَنَا فِي رَمَضَانَ كَيْفَ نُقْبِلُ عَلَى كِتَابِ رَبِّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- تَالِينَهُ، مُتَدَارِسِينَهُ، مُتَعَلِّمِينَهُ، فَاقِهِينَهُ.

فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ؛ إِذْ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذْ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ، بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي وَنَفْسِي ﷺ.

وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ عَامٍ، فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ مَرَّةً فِي رَمَضَانَ مِنْ كُلِّ عَامٍ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ؛ دَارَسَهُ جِبْرِيلُ مَرَّتَيْنِ.

فَمُدَارَسَةُ الْقُرْآنِ مَعْلَمٌ مِنْ مَعَالِمِ رَمَضَانَ، وَهِيَ مُمْتَدَّةٌ طُولَ الْعَامِ، وَقَدْ أَنْذَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِإِنْذَارٍ شَدِيدٍ قَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَسَمًا بِالْعَلِيِّ الحَمِيدِ المَجِيدِ، فَقَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ؛ إِنَّهُ -يَعْنِي: الْقُرْآنَ- أَشَدُّ تَفَصِّيًا -أَيْ: تَفَلُّتًا- مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا)).

تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ، وَاظِبُوا عَلَى النَّظَرِ فِيهِ، وَتِلَاوَتِهِ، وَمَعْرِفَةِ مَعَانِيهِ، وَالْإِحَاطَةِ بِمَرَامِيهِ.

وَقَدْ بَيَّنَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ، كَمَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ)).

يَرْفَعُ أَقْوَامًا يَتْلُونَهُ وَيَعْمَلُونَ بِهِ، يَرْفَعُ أَقْوَامًا يُطَبِّقُونَهُ، يَأْخُذُونَ بِحَلَالِهِ وَيَدَعُونَ مَا حَرَّمَ، وَيَنْزَجِرُونَ بِزَوَاجِرِهِ، وَيَتَّعِظُونَ بِمَوَاعِظِهِ، وَيُحَوِّلُونَهُ إِلَى سُلُوكٍ، وَحَيَاةٍ نَابِضَةٍ خَافِقَةٍ بِالطُّهْرِ وَالْعَفَافِ، فَيَكُونُ فِي الدُّنْيَا النَّمَاءُ وَالْبَقَاءُ وَالْعَطَاءُ، وَيَنْمَحِي عَنِ الدُّنْيَا الشَّقَاءُ وَالظُّلْمُ وَالْعَسْفُ وَالْجَوْرُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ تَطْبِيقَ كِتَابِ اللهِ يَنْفِي عَنِ الدُّنْيَا هَمَّهَا وَكَرْبَهَا وَشَقَاءَهَا وَأَلَمَهَا.

اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- قَضَى وَقَدَّرَ أَنْ جَعَلَ لِكُلِّ حَيٍّ غِذَاءً، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِلْإِنْسَانِ غِذَاءً، غِذَاءُ جَسَدِهِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِاللُّحُومِ وَالْبُقُولِ وَالثِّمَارِ وَالْفَوَاكِهِ، فَهَذَا غِذَاءُ الْبَدَنِ، غِذَاءُ الجَسَدِ.

الْقَلْبُ جَعَلَ اللهُ حَيَاتَهُ فِي الْوَحْيِ الْمَعْصُومِ، فِي كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللهِﷺ، إِذَا تَرَكَ الْإِنْسَانُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَذَهَبَ يُقِيتُ -يُغَذِّي- قَلْبَهُ بِغَيرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ مَاتَ الْقَلْبُ.

وَكَمْ مِنْ قَلْبٍ مَيِّتِ لَا تَنْفَعُ فِيهِ مَوْعِظَةٌ، وَلَا يُنَبِّهُهُ مِنْ مَوْتِهِ زَجْرٌ وَلَا تَخْوِيفٌ!

نَقِّ قَلْبَكَ، وَطَهِّرْ رُوحَكَ؛ فَإِنَّكَ قَدْ خَرَجْتَ مِنْ مَدْرَسَةٍ عَلَّمَتْكَ الْكَثِيرَ، فَاحْذَرْ أَنْ تَنْتَكِسَ؛ فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَقَامَ عَلَيْكَ الحُجَّةَ، عَلَّمَكَ كَيْفَ تَصُومُ، وَعَلَّمَكَ كَيْفَ تَقُومُ، وَعَلَّمَكَ كَيْفَ تَنْظُرُ فِي كِتَابِ رِبِّكَ، أَوْ كَيْفَ تَسْمَعُ آيَاتِهِ تُتْلَى عَلَيْكَ.

وَاحْذَرْ أَنْ تَدَعَ كِتَابَ رَبِّكَ؛ فَإِنَّهُ هُوَ هَادِيكَ إِلَى الجَنَّةِ، وَهُوَ قَائِدُكَ إِلَيْهَا، وَهُوَ نُورُكَ عَلَى صِرَاطِ رَبِّكَ، وَهُوَ شَفِيعُكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِي قَبْرِكَ.

((رَمَضَانُ مَدْرَسَةٌ لِلتَّرْبِيَةِ عَلَى الْبَذْلِ وَالْعَطَاءِ))

لَقَدْ أَمَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَذْلِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، وَحُرٍّ وَعَبْدٍ، وَذَكَرٍ وَأُنْثَى؛ فَعَلَّمَكَ الْبَذْلَ وَالْعَطَاءَ، عُلِّمْتَ؛ فَإِنِ اْنْتَكَسْتَ فَلَا تَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَكَ!

فَالْمَالُ مَالُ اللهِ، وَالمُوَفِّقُ لِلْإِنْفَاقِ وَالْبَذْلِ هُوَ اللهُ، فَإِذَا وَفَّقَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لِلْبَذْلِ، فَالمَالُ مَالُهُ، وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلَكَ عَلَيْهِ فَوَفَّقَكَ لِبَذْلِهِ وَإِنْفَاقِهِ فِي سَبِيلِهِ، ثُمَّ يَمُنُّ عَلَيْكَ بَعْدُ بِقَبُولِهِ.

يَقُولُ النَّبِيُّ الْأَمِينُ ﷺ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلاَ يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ».

وَهَذَا كُلُّه مِنْ مِنَنِ رَبِّنَا المُتَتَابِعَاتِ، فَإِذَا أَنْعَمَ عَلَيْكَ بِالرِّزْقِ، ثُمَّ وَفَّقَكَ لِإِنْفَاقِهِ، فَقَدْ بَقِيَ أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنْكَ.

فَإِذَا قَبِلَ مِنْكَ مَا رَزَقَكَ إِيَّاهُ، وَوَفَّقَكَ لِإِنْفَاقِهِ فِي سَبِيلِهِ وَهَدَاكَ، ثُمَّ قَبِلَ ذَلِكَ مِنْكَ بَعْدُ، فَأَيُّ مِنَّةٍ لَكَ فِي هَذَا؟!

وَإِنَّمَا هُوَ المَانُّ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَهُوَ الجَوَادُ الْكَرِيمُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

نَسْأَلُ اللهَ رَبَّ العَالَمِينَ كَمَا مَنَّ عَلَينَا وَأَكْرَمَنَا بِأَنْ أَشْهَدَنَا هَذَا الشَّهْرَ، وَأَعَانَنَا عَلى مَا مَرَّ مِنْ صِيَامِهِ، وَتَفَضَّلَ عَلَينَا بِمَا مَرَّ عَلَينَا مِنْ قِيَامِهِ، أَنْ يُحْسِنَ لَنَا الخِتَامِ أَجْمَعِينَ، إِنَّهُ تَعَالى عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، وَبِالإِجَابَةِ جَدِيرٌ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلى آله وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

التعليقات


خطب قد تعجبك


  مِنْ مَعَانِي ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) فِي الْقُرْآنِ
  الْحَجُّ تَوْحِيدٌ للهِ وَاسْتِسْلَامٌ وَرِسَالَةٌ إِلَى الْخَوَارِجِ!
  تَعْظِيمُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَدَعْوَةُ الْخَوَارِجِ لِلتَّوْبَةِ
  فَضَائِلُ التَّوْحِيدِ وَمَا يُكَفِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ
  اسْتِقْبَالُ رَمَضَانَ بِتَطْهِيرِ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ
  فَضَائِلُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَجُمْلَةٌ مِنْ سُنَنِ الْأُضْحِيَّةِ وَالْعِيدِ
  جُمْلَةٌ مِنْ حِكَمِ وَفَوَائِدِ الصِّيَامِ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان