تاريخ النشر السبت,24 شوال 1439 / 07 يوليو 2018

تفريغ خطبة فَضَائِلُ التَّوْحِيدِ وَمَا يُكَفِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ


الْخُطَبُ الْمِنْبَرِيَّةُ

فِي

التَّوْحِيدِ لِعُمُومِ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ

((الْخُطْبَةُ الرَّابِعَةُ))

((فَضَائِلُ التَّوْحِيدِ وَمَا يُكَفِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ .

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ يُعَلِّمُ التَّوْحِيدَ، وَيُحَذِّرُ مِنَ الشِّرْكِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، بِأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، فَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ.

عِبَادَ اللهِ! كَمَا أَنَّ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُكَمِّلَ التَّوْحِيدَ فِي نَفْسِهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُكَمِّلَ التَّوْحِيدَ فِي غَيْرِهِ، عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِتَوْحِيدِ اللهِ، وَأَنْ يَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ اللهِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.

وَكُلُّ مَنِ اهْتَدَى عَلَى يَدَيْهِ فَلَهُ مِثْلُ أُجُورِهِمْ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ.

وَإِذَا كَانَتِ الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ، وَإِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فَرْضًا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، كَانَ الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِ مَقْدُورِهِ، فَعَلَى الْعَالِمِ بَيَانُ ذَلِكَ وَالدَّعْوَةُ وَالْإِرْشَادُ وَالْهِدَايَةُ أَعْظَمُ مِمَّا عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ بِعَالِمٍ، وَعَلَى الْقَادِرِ بِبَدَنِهِ وَيَدِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ جَاهِهِ وَقَوْلُهُ أَعْظَمُ مِمَّنْ عَلَى مَنْ لَيْسَتْ لَهُ تِلْكَ الْقُدْرَةِ، قَالَ تَعَالَى: {فَاتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا استَطَعْتُمْ} [التغابن: 16].

وَرَحِمَ اللهُ مَنْ أَعَانَ عَلَى الدِّينِ وَلَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ، وَإِنَّمَا الْهَلَاكُ فِي تَرْكِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى هَذَا الدِّينِ الْمَتِينِ، الَّذِي صَحَّ فِيهِ قَوْلُ الْقَائِلِ مِنْ سَلَفِنَا الصَّالِحِينَ: ((يَا لَهُ مِنْ دِينٍ، لَو كَانَ لَهُ رِجَالٌ)) .

إِنَّ الدَّعْوَةَ فِي حَقِيقَتِهَا دَعْوَةٌ إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

((فَضَائِلُ التَّوْحِيدِ وَثَمَرَاتُهُ))

لِلتَّوْحِيدِ فَضَائِلُ، لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى؛ مِنْهَا:

*التَّوْحِيدُ فِيهِ الْأَمْنُ وَالْأَمَانُ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ:

قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82].

{آمَنُوا}: أَيْ أَخْلَصُوا العبادة للهِ؛ صَدَقُوا بِقُلُوبِهِمْ، ونَطَقُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَعَمِلُوا بِجَوَارِحِهِمْ.

وَهَذِهِ حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ: تَصْدِيقٌ بِالْجَنَانِ، وَنُطْقٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ وَالْأَرْكَانِ.

{الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا}: أَيْ لَمْ يَخْلِطُوا {إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}: الْمُرَادُ بِهِ فِي الْآيَةِ الشِّرْكُ؛ وَهِيَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ؛ فَتُفِيدُ الْعُمُومَ.

{الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ}

وَالْأَمْنُ:  طُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ وَالنَّفْسِ، وَزَوَالُ الْخَوْفِ.

{وَهُمْ مُهْتَدُونَ}: مُوَفَّقُونَ لِلسَّيْرِ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، ثَابِتُونَ عَلَيْهِ.

{وَهُمْ مُهْتَدُونَ} فِي الدُّنْيَا إِلَى شَرْعِ اللهِ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ؛ فَالِاهْتِدَاءُ بِالْعِلْمِ هِدَايَةُ إِرْشَادٍ، وَالِاهْتِدَاءُ بِالْعَمَلِ: هِدَايَةُ تَوْفِيقٍ.

وَهُمْ مُهْتَدُونَ فِي الْآخِرَةِ إِلَى الْجِنَّةِ.

فَبَيَّنَ ثَوَابَ الْمُوَحِّدِ، وَأَخْبَرَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- عَنْ حَالِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَخْلَصُوا الْعِبَادَةَ لَهُ وَحْدَهُ، وَلَمْ يَخْلِطُوا تَوْحِيدَهُمْ بِظُلْمٍ -أَيْ بِشِرْكٍ- أَنَّهُمْ هُمُ الْآمِنُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، الْمُهْتَدُونَ إِلَى صِرَاطِ اللهِ الْمُسْتَقِيمِ.

{الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}:

الظُّلْمُ أَنْوَاعٌ:

الظُّلْمُ: هُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ:

*ظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ بِالشِّرْكِ: وَهُوَ أَعْظَمُ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ، وَسُمِّيَ الشِّرْكُ ظُلْمًا وَالْمُشْرِكُ ظَالِمًا؛ لِأَنَّهُ وَضَعَ الْعِبَادَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، وَصَرَفَهَا لِغَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا؛ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13].

*الثَّانِي: ظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ بِالْمَعَاصِي؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء:  110].

*الثَّالِثُ مِنْ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ: ظُلْمُ الْعَبْدِ غَيْرَهُ فِي نَفْسٍ، أَوْ مَالٍ، أَوْ عِرْضٍ؛ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: ((يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا)) .

{الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}:.

الظُّلْمُ هَا هُنَا: الشِّرْكُ.

وَيَتَفَاوَتُ حُصُولُ الْأَمْنِ وَالِاهْتِدَاءِ عَلَى حَسَبِ الْإِتْيَانِ بِالتَّوْحِيدِ عَلَى وَجْهِهِ الْمَطْلُوبِ، فَمَنْ سَلِمَ مِنْ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ الثَّلَاثَةِ؛ كَانَ لَهُ الْأَمْنُ التَّامُّ، وَالِاهْتِدَاءُ التَّامُّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

ومَنْ سَلِمَ مِنَ الظُّلْمِ الْأَكْبَرِ وَلَمْ يَسْلَمْ مِنَ النَّوْعَيْنِ الْآخَرَيْنِ؛ حَصَلَ لَهُ مِنْ نَقْصِ الْأَمْنِ وَالِاهْتِدَاءِ عَلَى قَدْرِ ظُلْمِهِ لِنَفْسِهِ، وَظُلْمِهِ لِعِبَادِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

وَمَنْ لَمْ يَسْلَمْ مِنَ الظُّلْمِ الْأَكْبَرِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَمْنٌ وَلَا اهْتِدَاءٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ.

فَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي نَفْيِ الشِّرْكِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي نَفْيِ ظُلْمِهِ لِنَفْسِهِ بِالْوُقُوعِ فِي الْمَعَاصِي.

وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَوَقَّى تَمَامًا مِنْ ظُلْمِ عِبَادِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ لِأَنَّ هَذَا الدِّيوَانَ لَا يَتْرُكُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْهُ شَيْئًا، لَابُدَّ  فِيهِ مِنَ الْقَصَاصِ.

وَالْقَصَاصُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ بِالدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ؛ وَإِنَّمَا هُوَ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، فَيَأْخُذُ صَاحِبُ الْحَقِّ مِنْ حَسَنَاتِ الظَّالِمِ، فَإِذَا فَنِيَتْ حَسَنَاتُ الظَّالِمِ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَظْلُومِ، ثُمَّ طُرِحَ عَلَى الظَّالِمِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ -نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ-.

{الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَفَالْأَمْنُ وَالِاهْتِدَاءُ عَلَى قَدْرِ الْبَرَاءَةِ مِنْ هَذَا الظُّلْمِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْمُطَهَّرَةِ.

وَشَبِيهٌ بِهَا قَوْلُ رَبِّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36].

الْجَوَابُ: بَلَى كَافٍ، وَهَذِهِ الْكِفَايَةُ إِنَّمَا تَكُونُ عَلَى قَدْرِ تَحْقِيقِ الْعُبُودِيَّةِ، فَمَنْ أَتَى بِعُبُودِيَّةٍ حَقَّةٍ؛ فَلَهُ كِفَايَةٌ خَالِصَةٌ، وَيَنْقُصُ مِنْ كِفَايَتِهِ عَلَى قَدْرِ نَقْصِهِ مِنْ عُبُودِيَّتِهِ {أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}.

فَعَلَى قَدْرِ الْعُبُودِيَّةِ تَكُونُ الْكِفَايَةُ، فَعُبُودِيَّةٌ كَامِلَةٌ لَهَا كِفَايَةٌ كَامِلَةٌ، وَعُبُودِيَّةٌ نَاقِصَةٌ لَهَا كِفَايَةٌ عَلَى حَسَبِهَا.

وَأَمَّا ثَمَرَاتُ التَّوْحِيدِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: فَالْفَوْزُ بِرِضَا اللهِ سُبْحَانَهُ، وَالْأَمْنُ النَّفْسِيُّ، وَالشُّعُورُ بِالطُّمَأْنِينَةِ، وَالْحَيَاةُ السَّعِيدَةِ، وَالْبُعْدُ عَنِ الْقَلَقِ وَالشَّقَاءِ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ يَقْتَرِبُونَ مِنْ هَذِهِ الْحِيَاضِ النَّيِّرَةِ، وَالرَّوْضَاتِ الْمُونِقَةِ يُؤْتِيهِمُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَمْنًا نَفْسِيًّا، وَسَوَاءً عَقْلِيًّا، وَشُعُورًا بِالطُّمَأْنِينَةِ وَالِاسْتِقْرَارِ؛ يَحْسُدُهُمْ عَلَيْهِمُ الْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ.

كَمَا قَالَ سَلَفُنَا الصَّالِحُونَ: ((إِنَّهُ لَيَأْتِي عَلَيَّ أَوْقَاتٌ -يَعْنِي مِنْ قُرْبِهِ مِنْ رَبِّهِ، وَلَجْئِهِ إِلَيْهِ، وَانْطِرَاحِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمَا يَجِدُ كِفَاءَ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ وَضَمِيرِهِ وَعَقْلِهِ وجَسَدِهِ- يَقُولُ: إِنَّهُ لَتَأَتِي عَلَيَّ أَوْقَاتٌ أَقُولُ: لَوْ كَانَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي مِثْلِ مَا نَحْنُ فِيهِ، إنَّهُمْ لَفِي عَيْشٍ طَيِّبٍ)) .

فَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا حُقِّقَ هَذَا الْأَمْرُ؛ {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}.

فَالْأَمْنُ وَالِاهْتِدَاءُ عَلَى قَدْرِ تَحْقِيقِ هَذَا الْأَمْرِ الْكَبِيرِ.

عِبَادَ اللهِ! التَّوْحِيدُ يَحْصُلُ لِصَاحِبِهِ الْهُدَى الْكَامِلُ وَالْأَمْنُ التَّامُّ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ.

مِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّهُ السَّبَبُ الْوَحِيدُ لِنَيْلِ رِضْوَانِ اللهِ وَثَوَابِهِ، وَأَنَّ أَسْعَدَ النَّاسِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ حَقَّقَ التَّوْحِيدَ وَأَتَى بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.. مَنْ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ -كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟

فَقَالَ: ((لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ؛ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ: أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

لَا يُمْكِنُ لِعَبْدٍ أَنْ يُحِسَّ بِجَلَالِ الْحَيَاةِ وَلَا بِقِيمَةِ الْوُجُودِ إِلَّا إِذَا كَانَ خَالِصًا مُخْلَصًا.

أَمَّا إِذَا كَانَ مُخَلِّطًا، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُحِسَّ بِجَلَالِ الْحَيَاةِ وَلَا بِقِيمَةِ الْوُجُودِ، وَإِذَا كَانَ قَلْبُهُ عَلَى الشِّرْكِ مُنْطَوِيًا؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يُؤَمِّلُ الْفَلَاحَ لَا دُنْيَا وَلَا آخِرَةً، وَلَا يُحِسُّ بِلَذَّةٍ لِهَذَا الْوُجُودِ أَصْلًا، بَلْ يُحِسُّ أَنَّ هَذَا الْوُجُودَ عَبَثٌ ضَائِعٌ وَلَهْوٌ مَائِعٌ، وَأَنَّهُ لَا غَايَةَ مِنْ وُجُودِهِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ.

وَأَمَّا إِذَا حَقَّقَ التَّوْحِيدَ، فَقَدْ عَرَفَ الْغَايَةَ، وَاسْتَقَامَتِ الْأَقْدَامُ عَلَى الطَّرِيقِ، وَاسْتَبَانَ الْمَنْهَجُ، وَاتَّضَحَتِ الْوَسِيلَةُ إِلَى الْغَايَةِ، بِحَيْثُ لَا يَشْتَبِهُ الْأَمْرُ عَلَى عَبْدٍ مُوَحِّدٍ أَبَدًا.

فَاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الْمُوَحِّدِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

مِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّ جَمِيعَ الْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ مُتَوَقِّفَةٌ فِي قَبُولِهَا وَكَمَالِهَا، وَفِي تَرْتِيبِ الثَّوَابِ عَلَيْهَا عَلَى التَّوْحِيدِ، كُلَّمَا قَوِيَ التَّوْحِيدُ وَالْإِخْلَاصُ للهِ؛ كَمُلَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ وَتَمَّتْ.

مِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّهُ يُسَهِّلُ عَلَى الْعَبْدِ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَيُسَلِّيهِ عَنِ الْمُصِيبَاتِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ مُوَحِّدًا، وَكَانَ عَلَى رَبِّهِ مُقْبِلًا، وَكَانَ قَلْبُهُ للهِ خَالِصًا وَمُخْلَصًا؛ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ مَنْ أَحَبَّهُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ، فَقَدْ قَرَّبَهُ وَاصْطَفَاهُ.

وَحِينَئِذٍ تَقَعُ الْأُمُورُ عَلَى وَجْهِهَا فِي دُنْيَا اللهِ، فَيُسَلِّيهِ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، وَيَلْهَجُ بِالثَّنَاءِ الْحَسَنِ عَلَى رَبِّهِ، كَمَا بَيَّنَ رَبُّنَا  -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- عَنِ الْمُهْتَدِينَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ صِرَاطَهُ الْمُسْتَقِيمَ، وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِنِعَمِهِ ظِاَهرِةً وَبَاطِنَةً، أَنَّ هَؤُلَاءِ إِذَا مَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا: {إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [إبراهيم:35].

وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ مِلْكٌ لِرَبِّهِمْ، وَأَنَّ مَنْ حَكَمَ فِيمَا لَهُ فَمَا ظَلَمَ.

{إِنَّا للهِ}: اللَّامُ فِي قَوْلِهِ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {للهِ}: لِلْمِلْكِ وَالتَّصَرُّفِ.

{إِنَّا للهِ}: مِلْكٌ للهِ، يَتَصَرَّفُ فِينَا رَبُّنَا كَيْفَمَا يَشَاءُ وَحَسَبَمَا يُرِيدُ، وَلَيْسَ لِلْمَمْلُوكِ إِرَادَةٌ مَعَ الْمَالِكِ الْعَظِيمِ.

وَحِينَئِذٍ يَحْدُثُ التَّسْلِيمُ كَمَا فِيمَا وَرَدَ: أَنَّ بَعْضَ الصَّالِحَاتِ لَمَّا جُرِحَتْ أُصْبُعُهَا ضَحِكَتْ، فَقِيلَ: هَذَا جُرْحٌ بَلِيغٌ، فَكَيْفَ تَضْحَكِينَ؟

فَقَالَتْ: إِنَّ حَلَاوَةَ أَجْرِهَا قَدْ أَنْسَتْنِي مَرَارَةَ أَلَمِهَا.

الْمُخْلِصُ للهِ فِي إِيمَانِهِ وتَوْحِيدِهِ تَخِفُّ عَلَيْهِ الطَّاعَاتُ، كَمَا قَالَ سَيِّدُ الْعَابِدِينَ ﷺ: ((وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ)) . أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

وَكَانَ يَقُولُ لِبِلَالٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((أَرِحْنَا بِهَا -أَيْ: بِالصَّلَاةِ- يَا بِلَالُ)) . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَزِعَ إِلَى الصَّلَاةِ؛ فَيَجِدُ فِيهَا رَاحَةَ قَلْبِهِ، وَسُكُونَ نَفْسِهِ، وَارْتِيَاحَ ضَمِيرِهِ ﷺ.

وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ إِذَا  حَزَبَهُ أَمْرٌ -أَيْ: أَهَمَّهُ أَمْرٌ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا-؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يَفْزَعَ إِلَى الصَّلَاةِ؛ لَيَجِدَ فِي الصَّلَاةِ رَاحَةَ قَلْبِهِ، وَسُكُونَ نَفْسِهِ، وَارْتِيَاحَ ضَمِيرِهِ.

وَهَلْ مِنْ شَيْءٍ يُوصِلُ إِلَى رَاحَةِ الْقَلْبِ، وَاسْتِقْرَارِ الضَّمِيرِ، وَسَلَامَةِ الْبَالِ، وَصِحَّةِ الْحَالِ، أَعْظَمُ مِنَ الْانْطِرَاحِ عَلَى عَتَبَاتِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟!!

تَعُودُ إِلَى اللهِ صَنْعَتُهُ وَقَدْ أَصَابَهَا مِنَ الْفَسَادِ مَا أَصَابَهَا، وَلَا يَمْلِكُ إِصْلَاحَهَا إِلَّا الَّذِي خَلَقَهَا وَهُوَ أَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ.

فَيَرْجُو الْعَابِدُ ثَوَابَ رَبِّهِ وَرِضْوَانَهُ، وَيَهُونُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ -إِذَا حَقَّقَ التَّوْحِيدَ فَكَانَ مُوَحِّدًا للهِ حَقًّا وَصِدْقًا- يَهُونُ عَلَيْهِ تَرْكُ مَا تَهْوَاهُ النَّفْسُ مِنَ الْمَعَاصِي.

فَنَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُكْرِمَنَا وَلَا يُهِينَنَا، وَأَنْ يَرْفَعَنَا وَلَا يَخْفِضَنَا، وَنَسْأَلُهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَلَّا يَضَعَنَا، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

مِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّهُ إِذَا كَمُلَ فِي الْقَلْبِ؛ حَبَّبَ اللهُ لِصَاحِبِهِ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قَلْبِهِ، وَكَرَّهَ إِلَيْهِ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَجَعَلَهُ مِنَ الرَّاشِدِينَ؛ فَلَا يَرَى فِي الْوُجُودِ غَايَةً سِوَى إِرْضَاءِ مَوْلَاهُ -جَلَّ وَعَلَا-.

الْمُوَحِّدُ لَا يُقَدِّمُ مَحَبَّةَ أَحَدٍ عَلَى مَحَبَّةِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- وَلَوْ كَانَ أَعَزَّ الْخَلْقِ عَلَيْهِ وَأَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَيْهِ.

مِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ وَثِمَارِهِ ونَتَائِجِهِ: أَنَّهُ يُخَفِّفُ عَنِ الْعَبْدِ الْمَكَارِهَ، وَيُهَوِّنُ عَلَيْهِ الْآلَامَ؛ إِنَّمَا هِيَ خَطْفَةُ بَرْقٍ خَافِقَةٍ، حَتَّى يَضْرِبَ الْمَوْتُ ضَرْبَتَهُ، فَيَصِيرَ مَا لِلسَّمَاءِ لِلسَّمَاءِ وَمَا لِلْأَرْضِ لِلْأَرْضِ، وَيَحْدُثَ اللِّقَاءُ الْمَنْشُودُ.

وَحِينَئِذٍ تَزُولُ جَمِيعُ الْآلَامِ، وَيَضْمَحِلُّ الْهَمُّ وَيَنْتَهِي الْغَمُّ، وَسَاعَتَئِذٍ يُذْبَحُ عَلَى مَذَابِحِ الْقُرْبَانِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ الْأَجَلِّ الْأَعْلَى كُلُّ مَا كَانَ هُنَالِكَ مِمَّا يَصْرِفُ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى جَنَابِهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

فَبِحَسَبِ تَكْمِيلِ الْعَبْدِ لِلتَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ يَكُونُ تَلَقِّيهِ لِلْمَكَارِهِ وَالْآلَامِ بِقَلْبٍ مُنْشَرِحٍ، وَنَفْسٍ مُطْمَئِنَّةٍ، وَتَسْلِيمٍ وَرِضًا بِأَقْدَارِ اللهِ الْمُؤْلِمَةِ.

كَمَا قَالَ وَلِيٌّ مِنْ أَوْلِيَائِهِ الصَّالِحِينَ -هُوَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ -رَحِمَهُ اللهُ-- وَقَدْ تَمَشَّتِ الْأَكَلَةُ فِي رِجْلِهِ، وَقَرَّرَ الْأَطِبَّاءُ حَسْمَهَا -أَيْ: قَطْعَهَا-، ثُمَّ وُضِعَتْ بَعْدَ الْبَتْرِ فِي الزَّيْتِ الْمَغْلِيِّ وَكَاَن فِي الصَّلَاةِ؛ فَأُغْشِيَ عَلَيْهِ.

فَلَمَّا أَفَاقَ نَظَرَ إِلَى مَا تَبَقَّى وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَى مَا ذَهَبَ -وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ مَعَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَلَى رَبِّهِ حَقٌّ، وَإِنَّمَا يُؤْتِيهِ اللهُ مَا يُؤْتِيهِ إِكْرَامًا مِنْهُ وَإِفْضَالًا وَتَفْضُّلًا عَلَيْهِ-.

لَمَّا أَفَاقَ عُرْوَةُ -رَحِمَهُ اللهُ- نَظَرَ إِلَى مَا تَبَقَّى وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَى مَا فَقَدَ، فَقَالَ -وَقَدْ قُطِعَتْ رِجْلُهُ-: ((الْحَمْدُ للهِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ قَدِ ابْتَلَيْتَ فِي عُضْوٍ فَقَدْ عَافَيْتَ فِي أَعْضَاءٍ)).

فَانْظُرْ إِلَى جَلَالِ التَّوْحِيدِ يَتَأَلَّقُ مُتَوَهِّجًا فِي قَلْبِ هَذَا الْعَبْدِ مِنْ عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، يَنْظُرُ إِلَى فِعْلِ اللهِ بِهِ؛ فَلَا يُعَقِّبُ عَلَيْهِ، وَيَنْظُرُ فِي الْحِكْمَةِ الْكَامِنَةِ وَالْبَادِيَةِ فِي أَمْرِهِ تَعَالَى؛ فَلَا يَعْتَرِضُ عَلَى أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ رَبِّهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَلَا عَلَى فِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِ اللهِ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ.

مِنْ أَعْظَمِ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّهُ يُحَرِّرُ الْعَبْدَ مِنْ رِقِّ الْمَخْلُوقِينَ، يُحَرِّرُ الْعَبْدَ مِنَ التَّعَلُّقِ بِهِمْ، وَمِنْ خَوْفِهِمْ وَرَجَائِهِمْ وَالْعَمَلِ لِأَجْلِهِمْ، وَهَذَا هُوَ الْعِزُّ الْحَقِيقِيُّ وَالشَّرَفُ الْعَالِي.

أَلَاَ تَرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا كَانَ قَلْبُهُ خَالِصًا لِرَبِّهِ لَمْ يُبَالِ بِأَحَدٍ سِوَى مَوْلَاهُ، وَلَمْ يَخَفْ سِوَاهُ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ -رَحِمَهُ اللهُ-: إِنَّهُ يَخَافُ مِنْ بَعْضِ الْوُلَاةِ؛ فَقَالَ: ((لَا يَخَافُ الْعَبْدُ مِنْ غَيْرِ اللهِ إِلَّا لِمَرَضٍ فِي قَلْبِهِ، وَلَوْ صَحَّحْتَ لَمْ تَخَفْ أَحَدًا)) .

لَوْ صَحَّحْتَ لَمْ تَخَفْ أَحَدًا، إِنَّمَا يَخَافُ الْعَبْدُ مِنْ غَيْرِ اللهِ لِمَرَضٍ فِي قَلْبِهِ، فَالْعِزُّ الْحَقِيقِيُّ وَالشَّرَفُ الْعَالِي أَلَّا تَرَى لِأَحَدٍ عَلَيْكَ فَضْلًا، إِنَّمَا الْفَضْلُ للهِ، وَأَلَّا تَرَى لِأَحَدٍ عَلَيْكَ مِنْ يَدٍ، إِنَّمَا الْيَدُ الْعُلْيَا بِالْعَطَاءِ الْكَبِيرِ للهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْإِكْرَامَ إِنَّمَا يَتَأَتَّى مِنْ لَدُنْ رَبِّنَا -جَلَّ وَعَلَا- ذِي الْفَوَاضِلِ وَذِي الْإِعْطَاءِ الَّذِي لَا حَدَّ لَهُ، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ عَلَى قَلْبِكَ مِنْ سُلْطَانٍ.

وَيَتَحَرَّرُ الْقَلْبُ مِنْ سُلْطَانِ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلَا يَصِيرُ فِي رِقِّ الْعَبِيدِ وَلَا فِي رَجَائِهِمْ وَلَا فِي خَوْفِهِمْ، وَلَا فِي تَوَقُّعِ الْأَذَى يَتَأَتَّى مِنْ نَاحِيَتِهِمْ؛ لِأَنَّ الْفَعَّالَ لِمَا يُرِيدُ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَمِيدُ.

فَيَكُونُ الْعَبْدُ مَعَ ذَلِكَ مُتَأَلِّهًا مُتَعَبِّدًا للهِ -جَلَّ وَعَلَا- لَا يَرْجُو سِوَاهُ، وَلَا يَخْشَى إِلَّا إِيَّاهُ، وَلَا يُنِيبُ إِلَّا إِلَيْهِ، وَلَا يَعْتَمِدُ إِلَّا عَلَيْهِ، وَبِذَلِكَ يَتِمُّ الْفَلَاحُ وَيَتَحَقَّقُ النَّجَاحُ.

إِذَا لَمْ يَتَحَرَّرِ الْقَلْبُ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ لِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى عَاشَ يَرْسُفُ فِي أَغْلَالِ الْمَذَلَّةِ لِكُلِّ وَضِيعٍ فِي أَرْضِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَصِيرُ عَبْدًا لِلشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَأَمَّا الَّذِي يَتَحَرَّرُ مِنْ كُلِّ قُيُودِ الْعُبُودِيَّةِ لِغَيْرِ اللهِ الْعَظِيمِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-؛ فَإِنَّهُ الَّذِي يَنْطَلِقُ فِي آفَاقِ الْحُرِّيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ عَبْدًا ذَلِيلًا للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ، عَزِيزًا بِعُبُودِيَّتِهِ لِرَبِّهِ.

الْعِزَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ الَّتِي تُسْتَمَدُّ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللهِ وَتَوْحِيدِهِ، كَمَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8].

فَالْمُؤْمِنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ تِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي يُرَدِّدُهَا فِي كُلِّ صَلَاةٍ: ((اللهُ أَكْبَرُ)).

((اللهُ أَكْبَرُ)) فِي قَلْبِهِ وَضَمِيرِهِ، وَفِي إِيمَانِهِ وَيَقِينِهِ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَمِنْ كُلِّ أَحَدٍ.

وَالْمُشْرِكُ لَا يَعْرِفُ هَذِهِ الْعِزَّةَ وَلَا يَتَذَوَّقُهَا؛ لِأَنَّهُ بِإِشْرَاكِهِ بِرَبِّهِ تَعَالَى يُعَبِّدُ نَفْسَهُ لِغَيْرِ رَبِّهِ، وَهِيَ عُبُودِيَّةٌ ذَلِيلَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ للهِ -عَزَّ وَجَلَّ-.

وَالشِّرْكُ بِاللهِ تَعَالَى مَهَانَةٌ لِكَرَامَةِ الْإِنْسَانِ، وَحَطٌّ لِقَدْرِهِ وَمَنْزِلَتِهِ، وَاللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فَطَرَ النَّفْسَ الْإِنْسَانِيَّةَ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ بِالتَّوْحِيدِ.

وَأَخْبَرَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: أَنَّ الْإِنْسَانَ حِينَ يَعْمَلُ بِمُقْتَضَى عِلْمِهِ بِالتَّوْحِيدِ، فَإِنَّ نَفْسَهُ تَكُونُ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ؛ لِأَنَّهَا تَتَّجِهُ كُلُّهَا وِجْهَةً وَاحِدَةً فِي جَمِيعِ تَصَرُّفَاتِهَا: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [المنافقون:8].

فَتِلْكَ حَصِيلَةُ التَّوْحِيدِ، تَجْمَعُ النَّفْسَ الْبَشَرِيَّةَ فِي وِحْدَةٍ وَاحِدَةٍ وَاتِّجَاهٍ وَاحِدٍ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، قَالَ تَعَالَى: {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31].

شَبَّهَ الْإِيمَانَ وَالتَّوْحِيدَ فِي عُلُوِّهِ وَسَعَتِهِ وَشَرَفِهِ بِالسَّمَاءِ، الَّتِي هِيَ مَصْعَدُهُ وَمَهْبَطُهُ، فَمِنْهَا هَبَطَ إِلَى الْأَرْضِ وَإِلَيْهَا يَصْعَدُ مِنْهَا، وشَبَّهَ تَارِكَ الْإِيمَانَ وَالتَّوْحِيدَ بِالسَّاقِطِ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى أَسْفَلَ سَافِلِينَ؛ مِنْ حَيْثُ التَّضْيِيقُ الشَّدِيدُ، وَالْآلَامُ الْمُتَرَاكِمَةُ، وَالطَّيْرُ الَّتِي تَخْطَفُ أَعْضَاءَهُ وَتُمَزِّقُهُ كُلَّ مُمَزَّقٍ.

شَبَّهَ ذَلِكَ بِالشَّيَاطِينِ  الَّتِي يُرْسِلُهَا اللهُ تَعَالَى  تَؤُزُّهُ وَتُزْعِجُهُ وَتُقْلِقُهُ إِلَى مَظَانِّ هَلَاكِهِ، وَالرِّيحُ الَّتِي تَهْوِي بِهِ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ، وَهَوَاهُ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَلَى إِلْقَاءِ نَفْسِهِ فِي أَسْفَلِ مَكَانٍ وَأَبْعَدِهِ عَنِ السَّمَاءِ، فَهَذَا مَثَلُ الْمُشْرِكِ الَّذِي أَشْرَكَ بِرَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَجَانَبَ التَّوْحِيدَ.

مِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ الَّتِي لَا يَلْحَقُهُ فِيهَا شَيْءٌ: أَنَّهُ إِذَا تَمَّ وَكَمُلَ فِي الْقَلْبِ، وَتَحَقَّقَ تَحَقُّقًا كَامِلًا بِالْإِخْلَاصِ التَّامِّ للهِ تَعَالَى، فَإِنَّ الْقَلِيلَ مِنَ الْعَمَلِ يَصِيرُ كَثِيرًا، وَتُضَاعَفُ الْأَعْمَالُ وَالْأَقْوَالُ بِغَيْرِ حَصْرٍ وَلَا حِسَابٍ، تَـرْجَحُ كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ فِي مِيزَانِ الْعَبْدِ، بِحَيْثُ لَا تُقَابِلُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَعُمَّارُهَا مِنْ جَمِيعِ خَلْقِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

كَمَا فِي حَدِيثِ الْبِطَاقَةِ: أَنَّهُ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ بِطَاقَةٌ، وَإِذَا بِكِفَّةٍ فِيهَا تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا؛ كُلُّ سِجِلٍّ مَدَّ الْبَصَرِ، وَهِيَ مَمْلُوءَةٌ بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا وَالْآثَامِ، فَلَمَّا نَزَلَتِ الْبِطَاقَةُ طَاشَتْ كِفَّةُ السِّجِلَّاتِ عَالِيَةً، وَخَفَّتْ كَأَنْ لَا شَيْءَ فِيهَا، وَرَجَحَتْ كِفَّةُ الْبِطَاقَةِ، وَإِذَا فِي الْبِطَاقَةِ مَكْتُوبٌ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ).

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الخَلَائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ البَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحَافِظُونَ؟

فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ.

فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟

فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ.

فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ، فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ.

فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا هَذِهِ البِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ.

فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ.

قَالَ: فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ وَالبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ، وَثَقُلَتِ البِطَاقَةُ؛ فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ».

أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي «صَحِيحِ الْجَامِعِ»، وَغَيْرِهِ.

قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((فَالْأَعْمَالَ لَا تَتَفَاضَلُ بِصُوَرِهَا وَعَدَدِهَا، وَإِنَّمَا تَتَفَاضَلُ بِتَفَاضُلِ مَا فِي الْقُلُوبِ، فَتَكُونُ صُورَةُ الْعَمَلَيْنِ وَاحِدَةً، وَبَيْنَهُمَا فِي التَّفَاضُلِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالرَّجُلَانِ يَكُونُ مَقَامُهُمَا فِي الصَّفِّ وَاحِدًا، وَبَيْنَ صَلَاتَيْهِمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.

وَتَأَمَّلْ حَدِيثَ الْبِطَاقَةِ الَّتِي تُوضَعُ فِي كِفَّةٍ، وَيُقَابِلُهَا تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِنْهَا مَدُّ الْبَصَرِ، فَتَثْقُلُ الْبِطَاقَةُ وَتَطِيشُ السِّجِلَّاتُ؛ فَلَا يُعَذَّبُ)).

قَالَ: ((وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مُوَحِّدٍ لَهُ مِثْلُ هَذِهِ الْبِطَاقَةِ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَدْخُلُ النَّارَ بِذُنُوبِهِ)).

كُلُّ مُوَحِّدٍ لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))، وَإِلَّا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُوَحِّدًا؛ إِذْ كُلُّ مُوَحِّدٍ لَهُ هَذِهِ الْبِطَاقَةُ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلِاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَدْخُلُ النَّارَ بِذُنُوبِهِ، لَا يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ صَاحِبِ الْبِطَاقَةِ.

لِمَاذَا؟

لِأَنَّ الْأَعْمَالَ إِنَّمَا تَتَفَاضَلُ بِتَفَاضُلِ مَا فِي الْقُلُوبِ، فتَكُونُ صُورَةُ الْعَمَلَيْنِ وَاحِدَةً وَبَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاضُلِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَإِنَّمَا نَجَى صَاحِبُ الْبِطَاقَةِ؛ لِكَمَالِ إِخْلَاصِهِ فِي ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)).

وَكَـمْ مِمَّنْ يَقُولُهَا لَا يَبْلُغُ هَذَا الْمَبْلَغَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ الْكَامِلِ مِثْلُ وَلَا قَرِيبٌ مِمَّا قَامَ بِقَلْبِ هَذَا الْعَبْدِ.

عُلَمَاءُ السُّوءِ، قَعَدُوا عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ يَدْعُونَ النَّاَس إِلَيْهَا بِأَقْوَالِهِمْ، وَيَصْرِفُونَ النَّاسَ عَنْهَا بِأَفْعَالِهِمْ، فَهَذَا شَأْنُ عُلَمَاءِ السُّوءِ، وَكَذَلِكَ الَّذِي يَقُولُ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) وَلَا يُحَقِّقُهَا.

مِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّ اللهَ تَكَفَّلَ لِأَهْلِهِ بِالْفَتْحِ وَالنَّصْرِ فِي الدُّنْيَا، وَالْعِزِّ وَالشَّرَفِ وَحُصُولِ الْهِدَايَةِ، وَالتَّيْسِيرِ لِلْيُسْرَى، وَإِصْلَاحِ الْأَحْوَالِ، وَالتَّسْدِيدِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ، فَتَجِدُ الْمُوَحِّدَ مُسَدَّدًا فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، لَا تَتَأَتَّى مِنْهُ دَنِيَّةٌ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ لَفْظُ سُوءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْمِنْهَاجِ يَسْعَى حَثِيثًا إِلَى الْغَايَةِ مُسْتَبْشِرًا بِرِضْوَانِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَمِنْ أَعْظَمِ فَضَائِلِ وَفَوَاضِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الْمُوَحِّدِينَ، يُدَافِعُ عَنِ الْمُوَحِّدِينَ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ شُرُورَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَيَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِالْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ إِلَيْهِ، وَالِاطْمِئْنَانِ بِذِكْرِهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((إِنَّ فِي الدُّنْيَا جَنَّةً، مَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا فَلَنْ يَدْخُلَ جَنَّةَ الْآخِرَةِ، قِيلَ: مَاهِيَ؟

قَالَ: هِيَ جَنَّةُ الْأُنْسِ بِاللهِ، وَالِانْطِرَاحِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَإِلْقَاءِ الْهُمُومِ وَالْغُمُومِ عَلَى عَتَبَاتِ التَّوَكُّلِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ؛ هَذِهِ الْجَنَّةُ مَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا فِي الدُّنْيَا، فَلَنْ يَنْعَمْ بِجَنَّةِ الْخُلْدِ فِي الْآخِرَةِ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) هِيَ أَفْضَلُ الْأَذْكَارِ وَأَعْظَمُهَا مَعْنًى، وَلِأَجْلِهَا خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ؛ فَهِيَ ذِكْرٌ وَدُعَاءٌ

أَعْظَمُ الْكَلِمَاتِ: كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فَهِيَ عَظِيمَةُ الْمَعْنَى ثَقِيلَةُ الْوَزْنِ وَلَكِنْ يَخْتَلِفُ وَزْنُهَا بِحَسَبِ مَنْ صَدَرَتْ عَنْهُ.

فَالْمُنَافِقُ يَتَلَفَّظُ بِهَا، وَلَكِنَّهَا لَا تَزِنُ عِنْدَ اللهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ كَاذِبٌ فِي قَوْلِهِ، وَالْمُؤْمِنُ يَتَلَفَّظُ بِهَا مُحَقِّقًا لِشُرُوطِهَا؛ فَتَكُونُ ذَاتَ وَزْنٍ عَظِيمٍ عِنْدَ اللهِ لِصِدْقِهِ مَعَ اللهِ فِيهَا.

فَلَوْ وُضِعَتِ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهَا مِنَ الْعُمَّارِ غَيْرِ اللهِ، وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَا فِيهَا فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ، وَ(لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) فِي الكِفَّةِ الْأُخْرَى، لَرَجَحَتْ بِهِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةُ؛ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ نَفْيِ الشِّرْكِ، وَتَوْحِيدِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَلِمَا يَجْتَمِعُ لِقَائِلِهَا مِنَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وِلَما يَحْصُلُ لَهُ مِنْ تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا.

وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ شَأْنِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ.

((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) تَحْتَاجُ مِنَّا أَنْ نَبْذُلَ الْمَجْهُودَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ نَعْلَمَهَا عِلْمًا صَحِيحًا يُنَافِي الْجَهْلَ، وَأَنْ نَتَيَّقَنَهَا، وَأَنْ نُحِبَّهَا، وَأَنْ نَصْدُقَ فِيهَا، وَأَنْ نَقْبَلَهَا وَنُذْعِنَ لَهَا، وَأَلَّا نُمَارِيَ فِيهَا، وَأَنْ نُحِبَّ مَنْ أَتَى بِهَا، وَنُبْغِضَ مَنْ حَارَبَهَا، فَإِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ كُنَّا مُوَحِّدِينَ حَقًّا، وَإِذَا لَمْ نَفْعَلْ، فَلَا يَلُومَنَّ أَحَدٌ إِلَّا نَفْسَهُ!

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ, صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَومِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((مَا يُكَفِّرُ التَّوْحِيدُ مِنَ الذُّنُوبِ))

فَإِنَّ التَّوْحِيدَ -عِبَادَ اللهِ- فَضْلُهُ عَظِيمٌ، وَهُوَ سَبَبٌ لِتَكْفِيرِ الذُّنُوبِ، وَدُخُولِ الْجَنَّةِ؛ فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ، وَيَحْذَرَ مِنْ ضِدِّهِ.

عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : ((مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ)). أَخْرَجَاهُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)).

وَلَهُمَا-أَيْ: وَلِلشَّيْخَيْنِ- مِنْ حَدِيثِ عِتْبَانَ: ((.. فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ, يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهَ)).

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : ((مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ)): أَيْ نَطَقَ بِهَا عَالِمًا بِمَعْنَاهَا، عَامِلًا بِمُقْتَضَاهَا.

((وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)): فَشَهِدَ لَهُ بِالرِّسَالَةِ، بِمَعْنَى: أَنَّهُ صَدَّقَهُ فِيمَا أَخْبَرَ، وَأَطَاعَهُ فِيمَا أَمَرَ، وَاجْتَنَبَ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ، وَلَمْ يَعْبُدِ اللهَ إِلَّا بِمَا شَرَعَ.

((وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ)): مَمْلُوكٌ وَلَيْسَ ابْنًا، وَرَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ.

((وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ)): أَيْ خَلَقَهُ بِكَلِمَتِهِ؛ قَالَ: كُنْ فَكَانَ.

((أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ)): أَيْ مِنَ الْأَرْوَاحِ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ تَعَالَى، وَالْإِضَافَةُ لِلتَّشْرِيفِ.. ((وَرُوحٌ مِنْهُ)).

((والْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ)): وَعْدٌ ثَابِتٌ لَا شَكَّ فِيهِ.

((أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ)): أَيْ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ ذُنُوبٌ دُونَ الشِّرْكِ.

وَحَدِيثُ عِتْبَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ ﷺ: ((فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ)): أَيْ: مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ، وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ.

فَاشْتَمَلَ حَدِيثُ عُبَادَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَلَى أَرْبَعَةِ أُمُورٍ مُهِمَّةٍ وَهِيَ:

*الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ:

وَمَعْنَى ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)): لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللهُ.

وَلَا تَنْفَعُ قَائِلَهَا إِلَّا إِذَا أَتَى بِشُرُوطِهَا، وَاجْتَنَبَ نَوَاقِضَهَا؛ فَلَمْ يَأْتِ بِنَاقِضٍ مِنْ نَوَاقِضِهَا.

*الْأَمْرُ الثَّانِي: شَهَادَةُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ:

وَالرَّسُولُ مَوْصُوفٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِوَصْفَيْنِ:

*الْأَوَّلُ: أَنَّهُ عَبْدٌ للهِ.

لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ خَصَائِصِ الْإِلَهِيَّةِ؛ وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ غَلَا فِيهِ، وَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغَاثَةِ, وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ إِلَّا للهِ وَحْدَهُ.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ: أَرْسَلَهُ اللهُ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ؛ فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا طَاعَتُهُ؛ وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ تَرَكَ طَاعَتَهُ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ.

وَمُقْتَضَى شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ: طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، وَاجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ، وَأَلَّا يُعْبَدَ اللهُ إِلَّا بِمَا شَرَعَ.

*الْأَمْرُ الثَّالِثُ: أَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ، أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ:

وَصَفَ عِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِأَرْبَعَةِ أَوْصَافٍ:

*أَنَّهُ ((عَبْدٌ للهِ)): وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُ اللهُ، أَوِ ابْنُ اللهِ، أَوْ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ -تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا-.

*الثَّانِي مِنَ الْأَوْصَافِ: ((وَرَسُولُهُ)): وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى الْيَهُودِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِرِسَالَتِهِ، وَوَقَعُوا فِي عِرْضِهِ وَعِرْضِ أُمِّهِ.

*الثَّالِثُ مِنَ الْأَوْصَافِ: ((وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ)): أَيْ خَلَقَهُ اللهُ تَعَالَى بِكَلِمَةِ: ((كُنْ)).

أَرْسَلَ بِهَا جِبْرِيلَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-) إِلَى مَرْيَمَ؛ فَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ.

*الرَّابِعُ مِنَ الْأَوْصَافِ: ((وَرُوحٌ مِنْهُ)): فَعِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- رُوحٌ مِنَ الْأَرَوْاحِ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ كَسَائِرِ الْخَلْقِ؛ وَالْإِضَافَةُ لِلتَّشْرِيفِ.

*الْأَمْرُ الرَّابِعُ مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ حَدِيثُ عُبَادَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ)):

الْإِيمَانُ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ مِنْ جُمْلَةِ الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلَكِنْ خَصَّهُمَا الرَّسُولُ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُمَا مُسْتَقَرٌّ وَنِهَايَةٌ لِلْأَبْرَارِ وَالْفُجَّاِر؛ فَالْجَنَّةُ دَارُ الْأَبْرَارِ، وَالنَّارُ دَارُ الْفُجَّارِ.

ثَمَرَةُ الشَّهَادَةِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ السَّابِقَةِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الْحَدِيثُ: دُخُولُ الْجَنَّةِ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ؛ فَالْمُوَحِّدُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ:

*إِمَّا أَنْ يَلْقَى اللهَ سَالِمًا مِنَ الذُّنُوبِ كُلِّهَا: فَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ.

*أَوْ يَلْقَى اللهَ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى ذَنْبٍ دُونَ الشِّرْكِ: فَهُوَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ.. إِنْ شَاءَ اللهُ سُبْحَانَه عَفَا عَنْهُ بِفَضْلِهِ، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ بِعَدْلِهِ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ.

فَالْمُوَحِّدُ مُسْتَقَرُّهُ الْجَنَّةُ عَلَى كُلِّ حَالٍ -نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ-.

عِبَادَ اللهِ! الْمُوَحِّدُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ:

إِمَّا أَنْ يَلْقَى اللهَ سَالِمًا مِنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ؛ فَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ، بِلَا حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ.

أَوْ يَلْقَى اللهَ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى ذَنْبٍ دُونَ الشِّرْكِ؛ فَهُوَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ.. إِنْ شَاءَ اللهُ سُبْحَانَهُ عَفَا عَنْهُ بِفَضْلِهِ، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ بِعَدْلِهِ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ.

وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانٌ لِفَضِيلَةِ الْإِخْلَاصِ: مَنْ تَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) وَلَمْ يَعْمَلْ بِهَا؛ لَمْ تَنْفَعْهُ.

وَقَدْ حَرَّمَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلى النَّارِ مَنْ أَتَى بِهَا -أَيْ: بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ- مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ -كَمَاَ فِي حَدِيثِ عِتْبَانَ- وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ؛ وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى ذَلِكَ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ -يَعْنِي حَدِيثَ عِتْبَانَ- تَقْيِيدٌ لِلْمُطْلَقِ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ))؛ لِأَنَّهُ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ: ((مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)).

وَلِلتِّرْمِذِيِّ - وَحَسَّنَهُ- عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ، وَغَيْرُهُ.

((يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا)): أَيْ بِمَلْئِهَا، أَوْ مَا يُقَارِبُ مَلْأَهَا مِنَ الْخَطَايَا وَالْآثَامِ وَالذُّنُوبِ.

((ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِيِ شَيْئًا، لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً)).

الْمَغْفِرَةُ: سَتْرُ الذُّنُوبِ وَمَحْوُهَا.

التَّوْحِيدُ يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ..

مَنْ لَقِيَ اللهَ مُحَقِّقًا التَّوْحِيدَ، فَإِنَّ اللهَ يُكَفِّرُ عَنْهُ ذُنُوبَهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِلْءَ الأَرْضِ أَوْ مَا يُقَارِبُ مِلْأَهَا، وَهَذَا دَلَالَةٌ عَلَى سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ وَكَرَمِهِ عَلَى عِبَادِهِ.

وَالْوَعْدُ بِالْمَغْفِرَةِ مُعَلَّقٌ بِمَشِيئَةِ اللهِ، وَهِيَ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِتَحْقِيقِ شَرْطٍ عَظِيمٍ، وَهُوَ السَّلَامَةُ مِنَ الشِّرْكِ، كَبِيرِهِ وَصَغِيرِهِ.

قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}؛ لِذَلكِ قَالَ: ((يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا)).

((شَيْئًا)): نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّـفْيِ؛ فَتُفِيدُ الْعُمُومَ.

فَيَلْقَى رَبَّهُ سَالِمًا مِنَ الشِّرْكِ كَبِيرِهِ وَصَغِيرِهِ، فَحِينَئِذٍ تَشْمَلُهُ الْمَغْفِرَةُ، - وَلَوْ أَتَى بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا- ، أَيْ: بِمِلْئِهَا أَو مَا يُقَارِبُ مِلْأَهَا.

فَالتَّوْحِيدُ يَدْفَعُ صَاحِبَهُ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَكُلَّمَا اكْتَمَلَ تَوْحِيدُ الْعَبْدِ؛ مَنَعَهُ ذَلِكَ مِنَ اقْتِرَافِ الذُّنُوبِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمُوَحِّدَ قَدِ امْتَلَأَ قَلْبُهُ بِمَحَبَّةِ اللهِ، وَإِجْلَالِهِ وَتَعْظِيمِهِ، وَخَوْفِهِ؛ فَيَدْفَعُهُ إِلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ. 

قَدْ تَسْتَشْكِلُ هَذَا الْحَدِيثَ الْقُدُسِيَّ: ((يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا -أَيْ: بِمِلْءِ الْأَرْضِ خَطَايَا، أَوْ بِمَا يُقَارِبَ مِلْأَهَا- ثَّمُ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا)).

قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: كَيْفَ يَكُونُ مُوَحِّدًا لَا شِرْكَ فِيهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، قَوْلًا وَعَمَلًا، ثُمَّ يَأْتِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا؟!!

وَالْجَوَابُ: هَذَا كُلُّه لِلدَّلَالَةِ عَلَى فَضْلِ التَّوْحِيدِ، وَأَمَّا الْمُوَحِّدُ الْحَقُّ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَبْتَعِدُ عَنِ الذُّنُوبِ؛ لِأَنَّ الْمَعَاصِي قَادِحَةٌ فِي سَوَادِ حَدَقَةِ عَيْنِ التَّوْحِيدِ، فَهُوَ إِذَا لَقِيَ رَبَّهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ تَخَلَّصَ مِنَ الشِّرْكِ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ، كَبِيرِهِ وَصَغِيرِهِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ بَعِيدًا عَنِ الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ.

((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) هِيَ أَفْضَلُ الْكَلَامِ، وَتَوْحِيدُ الرَّبِّ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَهُ فَضَائِلُ لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-.

مِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّهُ يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ -كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ-، لَوْ أَنَّ الْعَبْدَ لَقِيَ رَبَّهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، أَيْ: لَقِيَهُ مُوَحِّدًا، لَأَتَاهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِقُرَابِ الْأَرْضِ مَغْفِرَةً.

وَمِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّهُ السَّبَبُ الْأَعْظَمُ لِتَفْرِيجِ كُرُبَاتِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَدَفْعِ عُقُوبَتِهِمَا؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَغْفِرُ لِلْمُخْلِصِينَ الذُّنُوبَ، وَيُعَافِيهِمْ مِنَ الْبَلَاءِ، وَيَكْشِفُ عَنْهُمُ الْكُرُبَاتِ مَا لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ غَيْرِهِمْ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ آوَاهُمُ الْمَبِيتُ إِلَى الْغَارِ، وَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمُ الصَّخْرَةُ، فَتَوَسَّلُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِخَالِصِ أَعْمَالِهِمْ؛ فَفَرَّجَ عَنْهُمْ وَخَرَجُوا يَمْشُونَ. وَالْحَدِيثُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ».

فَاللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- يَغْفِرُ لِلْمُخْلِصِينَ الذُّنُوبَ، وَيُعَافِيهِمْ مِنَ الْبَلَاءِ، وَيَكْشِفُ عَنْهُمُ الْكُرُبَاتِ مَا لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ غَيْرِهِمْ.

مِنْ أَجَلِّ فَوَائِدِ التَّوْحِيدِ: أَنَّه يَمْنَعُ الْخُلُودَ فِي النَّارِ إِذَا كَانَ فِي الْقَلْبِ مِنْهُ أَدْنَى مِثْقَالٍ، وَلَوْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، فَإِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يُحَرِّمُ عَلَى مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ.. مِنْ تَوْحِيدٍ، أَنْ يُخَلَّدَ فِي النَّارِ.

وَأَمَّا إِذَا كَمُلَ التَّوْحِيدُ وَالْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ دُخُولَ النَّارَ بِالْكُلِّيَّةِ.

فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا -أَيْ: مِنَ النَّارِ، قَدْ اسْوَدُّوا- فَيُلْقَوْنَ فِي نَهْرِ الْحَيَا أَوِ الْحَيَاةِ -شَكَّ مَالِكٌ- فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً؟)).

((أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ.. )):

الْمِثْقَالُ: الْوَزْنُ.

وَالْخَرْدَلُ: نَبَاتٌ صَغِيرُ الْحَبِّ، يُشَبَّهُ بِهِ الشَّيْءُ الْبَالِغُ الْقِلَّةِ.

((يُلْقَوْنَ فِي نَهْرِ الْحَيَا.. )):

((الْحَيَا)): الْمَطَرُ؛ لِأَنَّهُ تَحْصُلُ بِهِ الْحَيَاةُ، وَنَهْرُ الْحَيَاةِ هُوَ الَّذِي يَحْيَا مَنِ انْغَمَسَ فِيهِ.

((فَيَنْبُتُونَ)): فَيَخْرُجُونَ.

((كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ)): وَهِيَ بِذْرَةُ النَّبَاتِ مِنَ الْبُقُولِ وَالرَّيَاحِينِ.

((صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً)): مُنْثَنِيَةً تَسُرُّ النَّاظِرِينَ.

وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ بِوُجُوهٍ نَضِرَةٍ، مَسْرُورِينَ مُتَبَخْتِرِينَ.

عِبَادَ اللهِ! اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- يُبَيِّنُ لَنَا أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَتَى بِكُلِّ ذَنْبٍ سِوَى الشِّرْكِ، ثُمَّ لَقِيَ اللهَ  -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مُوَحِّدًا، فَإِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَغْفِرُ لَهُ مَا كَانَ مِنْ ذُنُوبِهِ وَلَا يُبَالِي.

يَقُولُ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: ((يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا -وَقُرَابُهَا: مَا يُقَارِبُ مِلْأَهَا-، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً)).

((تَعَلَّمُوا التَّوْحِيدَ.. وَخَافُوا مِنَ الْخُلُودِ فِي النَّارِ!!))

عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَعْرِفَ مَعْنَى ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) مَعْرِفَةً صَحِيحَةً، وَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَحْقِيقِ شُرُوطِهَا، وَأَلَّا يَتَلَوَّثَ بِشَيْءٍ مِنْ نَوَاقِضِهَا؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَلَوَّثَ بِشَيْءٍ مِنْ نَوَاقِضِ ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))؛ صَارَ مُشْرِكًا شِرْكًا أَكْبَرَ، وَإِذَا مَاتَ دَخَلَ النَّارَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا.

النَّاسُ لَا يَتَصَوَّرُونَ مَعْنَى الْخُلُودِ، يَعْنِي إِذَا دَخَلَ الْإِنْسَانُ النَّارَ مُشْرِكًا بِرَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ فَإِنَّهُ لَنْ يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ أَبَدَ الْأَبِيدِ؛ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَانِهَايَةَ لِلْعَذَابِ فِي النَّارِ -نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ-.

عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُحَاوِلَ أَنْ يَتَصَوَّرَ ذَلِكَ تَصَوَّرًا مُقَارَبًا، وَقَدْ ضَرَبَ الْعُلَمَاءُ لَه الْمَثَلَ فَقَالُوا: مِنْ أَجْلِ أَنْ تَعْرِفَ الْخُلُودَ.. مِنْ أَجْلِ أَنْ تَعْرِفَ أَبَدَ الْآبِدِينَ.. مِنْ أَجْلِ أَنْ تَعْرِفَ مَعْنَى أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ مُؤْمِنًا مُوَحِّدًا؛ فَإِنَّهُ يَتَنَعَّمُ فِيهَا أَبَدًا خَالِدًا فِيهَا أَبَدًا؛ وَكَذَلِكَ: إِذَا دَخَلَ النَّارَ -وَالْعِيَاذُ بِاللهِ- مُشْرِكًا غَيْرَ مُوَحَّدٍ لِرَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ فَإِنَّهُ يُخَلَّدُ فِيهَا أَبَدًا، مِنْ أَجْلِ أَنْ تَعْرِفَ هَذَا فَتَصَوَّرِ الْآتِيَ:

قَالُوا: تَصَوَّرْ أَنَّ هَذِهِ الْكُرَةَ الْأَرْضِيَّةَ كُتْلَةٌ مُصْمَتَةٌ مِنَ الطِّينِ، لَا زَرْعَ، وَلَا مَاءَ، وَلَا شَجَرَ، وَلَا بُيُوتَ، وَلَا شَيْءَ، أَنَّ هَذِهِ الْكُرَةَ الْأَرْضِيَّةَ كُتْلَةٌ مُصْمَتَةٌ مِنَ الطِّينِ، وَقَدْ امْتَلَأَتْ بِالذَّرِّ؛ أَيْ بِالنَّمْلِ الدَّقِيقِ لَا بِالنَّمْلِ الْكَبِيرِ، وَإِنَّمَا امْتَلَأَتْ هَذِهِ الْكُتْلَةُ الطَّينِيَّةُ، هَذِهِ الْكُرَةُ الْأَرْضِيَّةُ -عَلَى النَّحْوِ الْمَوْصُوفِ- امْتَلَأَتْ بِالنَّمْلِ الدَّقِيقِ، بِنَمْلَةٍ بِجِوَارِ نَمْلَةٍ فَمُلِئَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا.

إِذَا تَصَوَّرْتَ هَذَا، تَصَوَّرْ أَنَّ طَائِرًا يَأْتِي كُلَّ أَلْفَيْ سَنَةٍ؛ فَيَخْطِفُ مِنْ هَذَا النَّمْلِ نَمْلَةً، لَوْ تَصَوَّرْتَ أَنْ يَفْنَى هَذَا النَّمْلُ فَسَيَفْنَى الْخُلُودُ.

مَتَى يَنْتَهِي النَّمْلُ؟!!

هَذَا النَّمْلُ بِهَذِهِ الْكَثْرَةِ عَلَى الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ بِهَذَا الْوَصْفِ، وَطَائِرٌ يَأْتِي كُلَّ أَلْفَيْ -لَا كُلَّ أَلْفٍ- بَلْ كُلَّ أَلْفَيْ سَنَةٍ؛ لِيَخْطِفَ مِنْ هَذَا النَّمْلِ الدَّقِيقِ الصَّغِيرِ نَمْلَةً، فَإِذَا تَصَوَّرْتَ أَنْ يَفْنَى هَذَا النَّمْلُ فَسَيَفْنَى الْخُلُودُ، وَيَخْرُجُ الْكُفَّارُ مِنَ النَّارِ!!

فَمَتَى يَخْرُجُونَ؟!!

وَمَع ذَلِكَ فَالْخُلُودُ أَبْعَدُ مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ مُنْتَهٍ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّ عَدَدَ النَّمْلِ مَحْصُورٌ يَعْلَمُهُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-، وَإِنْ لَمْ نَعْلَمْهُ نَحْنُ بِحِسَابَاتِنَا مَهْمَا دَقَّقْتَ، وَلَكِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ؛ إِذَنْ هُوَ عَدَدٌ مَحْصُورٌ يَعْلَمُهُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-، ثُمَّ هَذَا الْعَدَدُ مِنَ السِّنِينَ مَحْصُورٌ -أَيْضًا-؛ لِأَنَّهُ عَلَى قَدْرِ النَّمْلِ بِعَدَدِهِ، فَهَذَا الْمَثَلُ لِلتَّقْرِيبِ وَلَيْسَ عَلَى الْحَقِيقَةِ.

وَأَمَّا مَنْ دَخَلَ النَّارَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، فَلَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا أَبَدَ الْأَبِيدِ، إِلَى مَا يَقُولُونَ عَنْهُ: إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ.

فَلِمَاذَا تَظْلِمُ نَفْسَكَ؟!!

الْإِنْسَانُ يُمْكِنُ أَنْ يَمُوتَ مُشْرِكًا شِرْكًا أَكْبَرَ!!

مَنِ الَّذِي أَخَذَ عَلَى رَبِّهِ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ، أَوْ أَعْطَاهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْبَرَاءَةَ أَنَّهُ يَمُوتُ مُوَحِّدًا؟!!

قَدْ يَمُوتُ كَافِرًا!! ((وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، ثُمَّ يَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ؛ فَيَدْخُلُ النَّارَ)).

أَنْتَ لَا تَدْرِي مَاذَا كُتِبْتَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ: أَتَمُوتُ مُؤْمِنًا مُوَحِّدًا، أَمْ يَمُوتُ الْأَبْعَدُ جَاحِدًا كَافِرًا؟!!

وَلِذَلِكَ كَانَ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- يَقُولُ أَحَدُهُمْ لِأَخِيهِ إِذَا لَقِيَهُ: ((اجْلِسْ بِنَا نَبْكِي عَلَى عِلْمِ اللهِ فِينَا، اجْلِسْ نَبْكِي عَلَى عِلْمِ اللهِ فِينَا سَاعَةً))؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ لَا يَدْرِي بِمَا يُخْتَمُ لَهُ، رُبَّمَا مَرِضَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ مرَضًا مِنَ الْأَمْرَاضِ الَّتِي تَسْتَتْبِعُ الْأَلَمَ الَّذِي لَا يُطَاقُ، وَلَمْ يُخَفَّفْ عَنْهُ؛ رُبَّمَا كَفَرَ.

وَهَذَا تَرَاهُ وَتَسْمَعُهُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْحَالَاتِ، رُبَّمَا جَلَسْتَ إِلَى مُحْتَضَرٍ وَهُوَ يُعَانِي مَا يُعَانِي مِنَ السَّكَرَاتِ، تَقُولُ لَهُ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ فَيَسُبُّ رَبَّهُ وَيَمُوتُ كَافِرًا!!

أَيْنَ الْبَرَاءَةُ الَّتِي أُعْطِيتَهَا بِأَنْ تَمُوتَ مُسْلِمًا؟!!

هَلْ عِنْدَكَ بَرَاءَةٌ بِذَلِكَ؟!!

وَإِذَا دَخَلَ الْإِنْسَانُ النَّارَ كَافِرًا مُشْرِكًا غَيْرَ مُوَحِّدٍ؛ فَهُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي مَرَّ تَقْرِيبًا.

وَأَمَّا الْحَقِيقَةُ؛ فَهِيَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ وَأَبْلَغُ!!

فَيَا للهِ.. كَمْ يَظْلِمُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ بِتَفْرِيطِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ!!

فَنَسْأَلُ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ يُوقِظَنَا مِنْ رَقْدَتِنَا، وَأَنْ يُنَبِّهَنَا مِنْ سُبَاتِنَا، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الْمُوَحِّدِينَ، وَأَنْ يُمِيتَنَا مُوَحِّدِينَ، وَأَنْ يَحْشُرَنَا فِي زُمْرَةِ الْمُوَحِّدِينَ، تَحْتَ لِوَاءِ سَيِّدِ الْمُوَحِّدِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ.

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. 

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.

التعليقات


خطب قد تعجبك


  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان