تاريخ النشر الإثنين,09 ذو الحجة 1439 / 20 أغسطس 2018

تفريغ خطبة حَجَّةُ النَّبِيِّ ﷺ وَدَعْوَةٌ إِلَى التَّآلُفِ


((حَجَّةُ النَّبِيِّ ﷺ وَدَعْوَةٌ إِلَى التَّآلُفِ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((بَيْنَ يَدَيْ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ))

فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَجَّ فِي الْإِسْلَامِ حَجَّةً وَاحِدَةً فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَدْ حَجَّ بِالنَّاسِ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ، وَلَمْ يَحُجَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي تِلْكَ السَّنَةِ.

وَقَدْ عَلَّلَ الْعُلَمَاءُ -رَحِمَهُمُ اللهُ- ذَلِكَ بِأَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَتَلَاعَبُونَ بِالشُّهُورِ، وَكَانَ النَّسَأَةُ يُؤَخِّرُونَ وَيُقَدِّمُونَ؛ فَاخْتَلَّ مِيزَانُ السَّنَةِ عَمَّا جَعَلَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَيْهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، حَتَّى قَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: ((إِنَّ حَجَّةَ أَبِي بَكْرٍ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ وَقَعَتْ فِي شَهْرِ ذِي الْقَعْدَةِ)).

فَلَمْ يَحُجَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، وَشَهِدَ الْمَوْسِمَ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ، وَأَخْبَرَ: ((أَنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ)) .

وَالنَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَ بِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- قَدْ أَعَادَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ أَعْدَلَ أَحْوَالِهَا كَمَا خَلَقَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَأَنَّ زَمَانَ التَّلَاعُبِ بِالْأَشْهُرِ قَدْ مَضَى وَلَنْ يَعُودَ.

وَلَمْ يَحُجَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ -وَكَانُوا قَدْ وَرِثُوا مِنْ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- الْحَجَّ- فَكَانُوا يَحُجُّونَ وَمَنْ حَجَّ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ؛ كَانُوا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِتَلْبِيَتِهِمُ الشِّرْكِيَّةِ؛ لَيَلْغَطُوا بِذَلِكَ وَيُغَالِطُوا الْمُسْلِمِينَ فِي تَلْبِيَتِهِمُ التَّوْحِيدِيَّةِ: ((لَبَّيْكَ اللهم لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ))، فَكَانُوا يَقُولُونَ: ((لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ مَلَكْتَهُ وَمَا مَلَكَ!!)) .

وَأَنْزَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ((سُّورَةَ بَرَاءَة)) وَفِيهَا بَرَاءَةُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَرَسُولِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.

وَلَمَّا مَضَى أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ أَمِيرًا عَلَى الْحَجِّ وَتَوَجَّهَ بِالنَّاسِ إِلَى مَكَّةَ، أَتْبَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِعَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَكَانَ وَمَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فَلَمَّا لَحِقَ عَلِيٌّ بِأَبِي بَكْرٍ، قَالَ لَهُ الصِّدِّيقُ: أَمِيرٌ أَمْ مَأْمُورٌ؟

قَالَ: بَلْ مَأْمُورٌ، وَأَعْلَنَ فِي النَّاسِ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ الْمَوْسِمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ؛ لِأَنَّ أَقْوَامًا مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً كَمَا وَلَدَتْهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ، وَيَقُولُونَ: لَا نَطُوفُ بِالْبَيْتِ فِي ثِيَابٍ ظَلَمْنَا فِيهَا أَحَدًا؛ لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَا يُحِبُّ ذَلِكَ!!

وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عَارِيًا؛ فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فَأَعْلَنَ فِي النَّاسِ فِي الْمَوْسِمِ: ((أَلَّا يَدْخُلَنَّ الْمَسْجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ)).

وَأَتَمَّ لِأَهْلِ الْعَهْدِ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يَسِيحُونَ فِي الْأَرْضِ، فَحَافَظَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْعَهْدِ وَالذِّمَّةِ، وَلَمْ يَخْفِرْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَأَمْضَى أَمْرَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي الْمُشْرِكِينَ، وَخَلَصَ الْبَيْتُ لِأَهْلِهِ، لِلْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُوَحِّدِينَ.

((مَعَالِمُ مِنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ))

النَّبِيُّ ﷺ حَجَّ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ، وَأَعْلَنَ فِي النَّاسِ أَنِّي حَاجٌّ؛ فَتَوَافَدَ النَّاسُ عَلَى مَدِينَةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِيَأْتَمُّوا بِهِ فِي الْمَوْسِمِ، وَلِيَتَعَلُّمُوا مِنْهُ الْمَنَاسِكَ ﷺ .

وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ -وَكَانَ قَارِنًا-، فَاعْتَمَرَ ﷺ.

ثُمَّ إِنَّهُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ تَحَرَّكَ النَّبِيُّ ﷺ مُتَوَجِّهًا مِنْ مَكَّةَ إِلَى (مِنًى)، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، وَصَلَاةَ الصُّبْحِ، فِي كُلِّ ذَلِكَ يُصَلِّي الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا وَيَقْصُرُ الرُّبَاعِيَّةَ.

وَأَمَّا فِي الْيَوْمِ التَّاسِعِ -وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ- تَحَرَّكَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى ((وَادِي عُرَنَةَ))، وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي ذَلِكَ يُكَبِّرُ رَبَّهُ، وَيُعَظِّمُهُ، وَيُهَلِّلُهُ، وَيَدْعُوهُ، وَيَسْتَغْفِرُهُ، ثُمَّ إِنَّهُ ﷺ خَطَبَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ خُطْبَةً عَظِيمَةً جِدًّا، وَكُلُّ خُطَبِهِ عَظِيمَةٍ.

ثُمَّ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ صَلَاةَ الظُّهْرِ وَصَلَاةَ الْعَصْرِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ يَقْصُرُ فِي الصَّلَاتَيْنِ، ثُمَّ دَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ إِلَى الصَّخْرَاتِ، فَجَعَلَ وَجْهَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَتَوَجَّهَ إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- دَاعِيًا إِلَى أَنْ سَقَطَ الْقُرْصُ، ثُمَّ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ وَقَدْ أَرْدَفَ خَلْفَهُ ﷺ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-.

ثُمَّ ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، إِلَى الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَهُوَ يُشِيرُ بِيَدِهِ يَمُدُّهَا يَقُولُ: ((السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ))، ((السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ)).

فَلَمَّا نَزَلَ الْمُزْدَلِفَةَ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمْعًا مَعَ التَّأْخِيرِ وَقَصْرِ الْعِشَاءِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ، ثُمَّ قَامَ ﷺ لَمَّا دَنَا الْفَجْرُ، فَصَلَّى الصُّبْحَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ثُمَّ إِنَّهُ ﷺ تَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ وَدَعَا رَبَّهُ دُعَاءً طَوِيلًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا.

ثُمَّ أَرْدَفَ خَلْفَهُ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ وَدَفَعَ ﷺ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ، مِنَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ إِلَى مِنًى، فَمَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِـ ((وَادِي مُحَسِّرٍ))، ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي ((وَادِي مُحَسِّرٍ)) حَرَّكَ نَاقَتَهُ -يَعْنِي: أَسْرَعَ بِهَا-.

وَالْعُلَمَاءُ يَقُولُونَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا مَرَّ بِمَكَانِ الْقَوْمِ الْمُعَذَّبِينَ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَهْلَكَ أَصْحَابَ الْفِيلِ فِي ((وَادِي مُحَسِّرٍ))، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمُ الطَّيْرَ الْأَبَابِيلَ؛ فَأَهْلَكَتْهُمْ شَرَّ مَهْلِكٍ، وَلَكِنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: إِنَّ أَصْحَابَ الْفِيلِ لَمْ يُصِبْهُمُ الْعَذَابُ وَالْهَلَاكُ وَالْإِهْلَاكُ بِـ ((وَادِي مُحَسِّرٍ)) وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي ((الْمُغَمَّسِ)).

النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا مَرَّ بِدِيَارِ ثَمُودَ قَنَّعَ رَأْسَهُ، وَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، وَأَمَرَهُمْ بِالْإِسْرَاعِ أَنْ يُصِيبَهُمْ مَا أَصَابَ الْقَوْمَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فَعَذَّبَهُمْ، «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ المُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لَا يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ» .

وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَسْتَقِيمُ فِي الْحَقِيقَةِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا إِذَا ذَهَبُوا إِلَى هَذَا الْوَادِي -وَهُوَ وَادِي مُحَسِّرٍ- قَامُوا هُنَالِكَ يَتَفَاخَرُونَ بِآبَائِهِمْ.

ثُمَّ ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ؛ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، ثُمَّ نَحَرَ هَدْيَهُ، ثُمَّ أَفَاضَ إِلَى مَكَّةَ ﷺ، ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى مِنًى فَبَقِيَ فِيهَا ﷺ أَيَّامَ مِنَى -وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ-.

وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ((أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ للهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ)) .

((وَصَايَا عَظِيمَةٌ جَامِعَةٌ فِي خُطْبَةِ الْوَدَاعِ))

النَّبِيُّ ﷺ تَعَدَّدَتْ خُطَبُهُ فِي حَجِّةِ الْوَدَاعِ؛ فَخَطَبَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ خُطْبَتَهُ الْعَظِيمَةَ الْمَشْهُورَةَ، وَخَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي يَوْمِ النَّحْرِ فَأَعَادَ بَعْضًا مِمَّا قَالَهُ فِي خُطْبَتِهِ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ الْجَمَرَاتِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْ أَيَّامِ النَّفْر وَهُوَ أَوْسَطُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.

كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْلَمُ أَنَّ فِرَاقَهُمْ قَدْ دَنَا، وَأَنَّ لِقَاءَ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- قَدْ حَانَ؛ لِذَلِكَ قَالَ ﷺ فِي خُطْبَتِهِ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ».

ثُمَّ اسْتَنْصَتَ النَّاسَ، وَكَانَ حَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّنْ شَهِدَ مَعَهُ الْمَوْسِمَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُوَحِّدِينَ (مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةً وَعُشْرُونَ أَلْفًا أَوْ أَرْبَعَةً وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا) -عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ- كُلُّهُمْ مُوَحِّدٌ شَهِدَ الْمَوْسِمَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ لِيُؤَدِّيَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، وَلِيَتَعَلَّمَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ.

كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْلَمُ دُنُوَّ أَجَلِهِ، فَأَرَادَ أَنْ يُبْلِغَ لَهُمْ فِي النَّصِيحَةِ.

وَفَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ؛ فَخَطَبَهُمْ خُطْبَتَهُ الْجَامِعَةَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ -وَكَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ- أَنْزَلَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

وَفِي خُطْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ الْجَمَرَاتِ كَانَ يَقُولُ لِلنَّاسِ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ؛ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ».

النَّبِيُّ ﷺ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ الْعَظِيمَةِ -وَهِيَ حَجَّتُهُ الْمُنْفَرِدَةُ الْفَرِيدَةُ الَّتِي لَمْ يَحُجَّ غَيْرَهَا ﷺ- كَانَ يُوَدِّعُ النَّاسَ فَوَصَّاهُمْ وَأَبْلَغَ لَهُمْ فِي الْوَصِيَّةِ، وَوَعَظَهُمْ، وَأَعْظَمَ لَهُمْ فِي الْمَوْعِظَةِ، وَآتَاهُمْ بِأُصُولِ دِينِ الْإِسْلَامِ مُرَكَّزَةً مُصَفَّاةً فِي نِقَاطِ حَدَّدَهَا ﷺ.

((وَصِيَّةُ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّمَسُّكِ بِكِتَابِ اللهِ))

وَصَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي خُطْبَتِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِكِتَابِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-: ((أَلَا إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَدًا؛ كِتَابَ اللهِ)) .

فَمَنْ رَجَعَ إِلَى كِتَابِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَجَدَ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورَ وَاسْتَقَامَتْ أَقْدَامُهُ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.

 ((حُرْمَةُ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ))

فِي خُطَبِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَفِي يَوْمِ النَّحْرِ، وَفِي ثَانِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ أَعْلَنَ ﷺ أَنَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَعْرَاضَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ مُحَرَّمَةٌ تَحْرِيمًا أَبَدِيًّا، فَقَالَ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- قَدْ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ)) .

فَهُوَ تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ، لَا يَحِلُّ أَبَدًا لِمُسْلِمٍ دَمُ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ؛ أَنْ يَجْرَحَهُ أَوْ يَقْطَعَ مِنْهُ عُضْوًا، أَوْ أَنْ يُرِيقَ دَمَهُ، إِلَّا بِمَا أَحَلَّهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْ ذَلِكَ.

 ((التَّآلُفُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَنَبْذُ الْعَصَبِيَّاتِ))

إِنَّ نَبِيَّنَا ﷺ قَدْ بَيَّنَ لَنَا فِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ الْعَظِيمَةِ الْجَامِعَةِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا شَيْءٌ وَاحِدٌ، قَلْبٌ يَنْبِضُ فِي أَجْسَادٍ شَتَّى.

بَيَّنَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْإِسْلَامَ الْعَظِيمَ قَدْ وَحَّدَ الْمُسْلِمِينَ بِتَوْحِيدِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَهِيَ الْأُمَّةُ الْمَرْحُومَةُ.

النَّبِيُّ ﷺ فِي فِقْرَةٍ مِنْ فِقْرَاتِ خُطْبَةِ الْوَدَاعِ يَقُولُ: ((أَيُّهَا النَّاسُ! الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ)) .

((لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا عَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى)) .

كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلَانِ -وَهِيَ دُوَيْبَةٌ كَالْخُنْفَسَاءِ- الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ» .

فَدَلَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى وَحْدَةِ الْمُسْلِمِينَ وَأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجْعَلُهُمْ سَوَاسِيَةً كَأَسْنَانِ الْمُشْطِ، وَلَكِنَّ الْقُدُرَاتِ وَمَا أَعْطَاهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لِلنَّاسِ مِنَ الْعَطِيَّاتِ.

فَذَلِكَ شَيْءٌ يَرْفَعِ اللهُ بِهِ بَعْضَ النَّاسِ فَوْقَ بَعْضٍ؛ مِنَ الْإِيمَانِ وَالتُّقَى، مِنَ الْعِلْمِ وَالْهُدَى، مِمَّا آتَى اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بَعْضَ النَّاسِ مِنْ عَظِيمِ الْخِلَالِ وَمَوْفُورِ الصِّفَاتِ.

* كُفُّوا تَحْرِيشَ الشَّيْطَانِ عَنْكُمْ!

عِبَادَ اللهِ! فِي مَظْهَرٍ مِنْ مَظَاهِرِ تَوْحِيدِ الْأُمَّةِ لَا تَجِدُهُ إِلَّا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ, فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ؛ بِزِيٍّ وَاحِدٍ تَعَبُّدًا لِرَبٍّ وَاحِدٍ, وَاتِّبَاعًا لِرَسُولٍ وَاحِدٍ لِكِتَابٍ وَاحِدٍ, وَوِجْهَةٍ وَاحِدَةٍ هِيَ الْبَلْدَةُ.. هِيَ الْبَلَدُ الْحَرَامُ, وَكَعْبَةٌ بِقِبْلَةٍ وَاحِدَةٍ.

كُلُّ ذَلِكَ مِنْ مَظَاهِرِ تَوْحِيدِ الْأُمَّةِ.

لَا يَخْدَعَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ.

((إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ -أَيْ يَئِسَ عَلَى الْإِقْلَابِ الْمَكَانِيِّ- إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ, وَلَكِنْ بِالتَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ)) .

فَكُفُّوا تَحْرِيشَ الشَّيْطَانِ عَنْكُمْ!

تَوَادُّوا, تَنَاصَحُوا؛ فَإِنَّ هَذَا الدِّينَ لَوْ عَلِمَهُ أَهْلُهُ, وَاللَّهِ لَكَانُوا أَسْعَدَ أَهْلِ الْأَرْضِ, وَإِنْ كَانُوا فِي قِلَّةٍ؛ وَإِنْ كَانُوا فِي عُدْمٍ, وَإِنْ كَانُوا لَا يَجِدُونَ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَالصَّحَابَةَ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- كَانُوا مُقِلِّينَ.

كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنَامُ عَلَى الْحَصِيرِ يُؤَثِّرُ فِي جَنْبِهِ .

كَانَ ﷺ لَوْ أَرَادَ الْمُلْكَ قَادِرًا عَلَيْهِ مُعْطًى إِيَّاهُ؛ وَلَكِنْ رَدَّهُ ﷺ؛ وَفَضَّلَ أَنْ يَعِيشَ عَبْدًا نَبِيًّا؛ فَكَانَ سَيِّدًا؛ لِأَنَّ الَّذِي يَعِيشُ لِنَفْسِهِ قَدْ يَعِيشُ مُسْتَرِيحًا وَلَكِنَّهُ يَعِيشُ صَغِيرًا, وَيَمُوتُ صَغِيرًا.

وَالَّذِي يَعِيشُ لِدِينِهِ يَعِيشُ لِآخِرَتِهِ؛ يَعِيشُ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ وَإِرْشَادِ الضَّالِّينَ وَهِدَايَةِ الْحَائِرِينَ يَعِيشُ كَبِيرًا وَيَمُوتُ كَبِيرًا, وَيُسَمَّى فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ كَبِيرًا رَبَّانِيًا.

 ((فَرْحَةُ عِيدٍ وَأُمَّةٌ مَكْلُومَةٌ!!))

وَالْيَوْمَ يَعُودُ عَلَيْنَا هَذَا الْعِيدُ فِي يَوْمٍ هُوَ أَفْضَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمُ النَّحْرِ هَذَا هُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ.

وَإِنَّمَا سُمِّيَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَقَعُ فِيهِ كُبْرَيَاتُ أَعْمَالِ الْحَجِّ، فَفِي هَذَا الْيَوْمِ رَجْمُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ الْكُبْرَى، وَفِيهِ نَحْرُ الْهَدْيِ، وَفِيهِ الْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ، وَفِيهِ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ، وَهَذِهِ أَكْبَرُ أَعْمَالِ الْحَجِّ.

فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِي بِهَا مَجْمُوعَةً فِي يَوْمِ النَّحْرِ، فِي هَذَا الْيَوْمِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُوَ خَيْرُ أَيَّامِ الْعَامِ.

لَا يَعُودُ الْعِيدُ عَلَى أُمَّةِ الْإِسْلَامِ وَفِيهَا فَرْحَةٌ تَنْبِضُ مِنَ الْقَلْبِ، وَإِنَّمَا فِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْلَقُ عَلَى الْحُدُودِ مَعَ الدُّوَلِ الْكَافِرَةِ بَعْدَمَا يَخْتَارُونَ رِحْلَاتِ الْمَوْتِ، تَأْخُذُهُمُ الْأَمْوَاجُ حَتَّى يَلْتَهِمَهُمُ الْيَمُّ، وَمَنْ نَجَا مِنْهُمْ مِنَ الْمَوْتِ غَرَقًا؛ تَمَنَّى الْمَوْتَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ حَرَقًا؛ لِأَنَّهُمْ يَجِدُونَ مِنَ الْعَنَتِ الْعَانِتِ، وَمِنَ الْمَشَقَّةِ الشَّاقَّةِ، وَمِنَ الْجَهْدِ الْجَاهِدِ مَا لَا تَتَحَمَّلُهُ الْجِبَالُ!!

وَطَائِفَةٌ مِنَ الْأُمَّةِ فِي غَيِّهَا سَادِرَةٌ قَدْ أَدَّتْ إِلَى هَذَا الْوَضْعِ الْعَجِيبِ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، مَا زَالَتْ تَتَوَاعَدُ، وَتَتَعَاهَدُ، وَتَتَعَاقَدُ عَلَى إِرَاقَةِ الدِّمَاءِ، وَتَشْرِيدِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِبَاحَةِ أَعْرَاضِ الْمُسْلِمَاتِ الْحَرَائِرِ كَمَا هُوَ الشَّأْنُ الْيَوْمَ فِي أَرْضِ سُورِيَّا الَّتِي لَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ.

((سُنَنٌ عَظِيمَةٌ فِي عِيدِ الْأَضْحَى))

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَنَا عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْعِيدِ مِمَّا هُوَ خَاصٌّ بِهِ وَهُوَ الْأُضْحِيَّةُ، وَبَيَّنَ لَنَا ﷺ شُرُوطَهَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُضَحِّي، وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِزَمَانٍ التَّضْحِيَةِ، وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ أَيْضًا بِالْأُضْحِيَّةِ فِي سِنِّهَا وَخُلُوِّهَا مِنَ الْعُيُوبِ.

فَهَذَا الَّذِي يُذْبَحُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ وَفِي ثَلَاثَةِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنَ الْيَوْمِ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ هُوَ الْأُضْحِيَّةُ، يَتَقَرَّبُ بِهَا الْعَبْدُ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيَّنَ أَنَّهَا -كَمَا بَيَّنَ الْقُرْآنُ- إِنَّمَا تَكُونُ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ مِنْ ضَأْنِهَا وَمَعْزِهَا.

وَبَيَّنَ الرَّسُولُ ﷺ سِنَّهَا، فَالْإِبِلُ مَا بَلَغَ خَمْسَ سِنِينَ، وَالْبَقَرُ مَا بَلَغَ سَنَتَيْنِ، وَأَمَّا الْغَنَمُ: فَالْمَعْزُ مَا بَلَغَ سَنَةً، وَأَمَّا الضَّأْنُ فَمَا بَلَغَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، لَا يُجْزِئُ مَا دُونَ ذَلِكَ .

وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ خَالِيَةً مِنَ الْعُيُوبِ؛ مِنَ الْعَوَرِ الْبَيِّنِ، وَمِنَ الْعَرَجِ الْبَيِّنِ، وَمِنَ الْمَرَضِ الْبَيِّنِ، وَمِنَ الْعَجَفِ الَّذِي لَا يُنْقِي كَمَا بَيَّنَ الرَّسُولُ ﷺ .

فَلَا تُجْزِئُ أُضْحِيَّةٌ فِيهَا عَيْبٌ مِنْ هَذِهِ الْعُيُوبِ، فَضْلًا عَمَّا فَوْقَهَا مِنَ الْعَمَى وَالْكُسَاحِ وَمَا أَشْبَهَ، وَكَذَلِكَ إِذَا مَا تَقَدَّمَ بِهَا لِرَبِّهِ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي بَيَّنَهُ الرَّسُولُ ﷺ .

عِبَادَ اللهِ! تَكْبِيرُ هَذَا الْعِيدِ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَقِبِ الصَّلَاةِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، تَكْبِيرٌ بِعَقِبِ الصَّلَوَاتِ وَتَكْبِيرٌ مُطْلَقٌ، تَكْبِيرٌ مُطْلَقٌ فِي الشَّوَارِعِ، فِي الْبُيُوتِ، فِي الْأَسْوَاقِ، فِي كُلِّ مَكَانٍ يُكَبِّرُونَ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ .

((نَصَائِحُ غَالِيَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْعِيدِ))

عِبَادَ اللهِ! أَظْهِرُوا شَعِيرَةَ اللهِ، وَتَمَسَّكُوا بِدِينِ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَارْجِعُوا إِلَى رَبِّكُمْ، وَأَرُوا رَبَّكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ نِيَّةً صَالِحَةً، وَتَوْبَةً صَادِقَةً.

إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ لَنَقُولُ فِي مَهَابِّ الرِّيَاحِ الْأَرْبَع، وَلَكِنَّهَا تُنَادِي أَبْنَاءَهَا أَنْ يَفِيئُوا إِلَى ظِلِّهَا، وَأَنْ يَعُودُوا إِلَيْهَا؛ لِيَحْمُوهَا مِنْ أَعْدَائِهَا.

إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ إِلَّا تَكُنْ بِكُمْ تَكُنْ بِغَيْرِكُمْ، ثُمَّ لَا تُحَصِّلُونَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا.

دِينُ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِنَا كَانَ بِغَيْرِنَا، وَيَخْسَرُ مَنْ يَخْسَرُ فِي ذَلِكَ، فَسَارِعُوا إِلَى نُصْرَةِ دِينِ رَبِّكُمْ؛ بِالتَّمَسُّكِ بِدِينِهِ، وَمِنْهَاجِ نُبُوَّةِ نَبِيِّكُمْ ﷺ.

إِيَّاكُمْ وَمَنَاهِجَ الْخَوَارِجِ الضَّالِّينَ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ ، وَأَنَّهُمْ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ فَهُوَ شَرُّ قَتِيلٍ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، وَمَنْ قَتَلُوهُ فَهُوَ خَيْرُ قَتِيلٍ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ ، شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ.

إِيَّاكُمْ وَمَنَاهِجَ الْخَوَارِجِ الْمُنْحِرِفِينَ مِنَ الْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنَ الْقُطْبِيِّينَ، وَمِنَ السُّرُورِيِّينَ، وَمِنَ الْمُتَسَلِّفِينَ الَّذِينَ يَتَمَسَّكُونَ بِالسِّيَاسَةِ يَجْعَلُونَهَا أَمْرًا يَدْعُو إِلَى اللهِ بِزَعْمِهِمْ وَحِفَاظًا عَلَى الشَّرِيعَةِ كَمَا يُكَذِّبُونَ ذَلِكَ بِمُخَرَّصَاتِ مِنْ ظُنُونِهِمْ.

إِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ فَإِنَّهُمْ كَالْجَرَبِ، إِيَّاكُمْ أَنْ تَقْتَرِبُوا مِنْهُمْ، وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فِي أَنْفُسِكُمْ، وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فِي أُمَّتِكُمْ، وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فِي أَوْطَانِكُمْ، حَافِظُوا عَلَيْهَا، حَافِظُوا عَلَى أَوْطَانِ الْإِسْلَامِ -عِبَادَ اللهِ- وَلَا تَجْعَلُوهَا نَهْبًا لِلتَّمَزُّقِ، نَهْبًا لِلتَّشَرْذُمِ، نَهْبًا لِلتَّقْسِيمِ.

اعْرِفُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ عَلَيْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ، وَكَبِّرُوهُ، وَوَحِّدُوهُ، وَهَلِّلُوهُ، وَارْجِعُوا إِلَيْهِ، وَمُرُوا مَنْ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ بِالْتِزَامِ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ.

((نَصَائِحُ لِلنِّسَاءِ يَوْمَ الْعِيدِ))

كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا فَرَغَ مِنْ مَوْعِظَةِ الرِّجَالِ ذَهَبَ إِلَى النِّسَاءِ، فَيَقُولُ لَهُنَّ: «أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ».

قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟

قَالَ: «يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ» .

أَيُّتَهَا النِّسْوَةُ! اتَّقِينَ اللهَ، تَمَسَّكْنَ بِدِينِهِ، دَعْنَ التَّبَرُّجَ، احْتَشِمْنَ بِدِينِ رَبِّكُنَّ، وَارْجِعْنَ إِلَيْهِ، وَعَلِّمُوا أَبْنَاءَكُمْ وَبَنَاتِكُمُ الْفَضِيلَةَ؛ فَإِنَّكُنَّ مَصْنَعُ الرِّجَالِ، وَالْأُمُّ مَدْرَسَةٌ؛ فَيَا أَيَّتُهَا الْمَدْرَسَةُ! لَا تَكُونِي مَكَانًا لِتَعْلِيمِ الْجَهْلِ وَالرَّذِيلَةِ وَالِاجْتِرَاءِ عَلَى حُرُمَاتِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.

احْمِلْنَ أَيُّهَا النِّسَاءُ -مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ- مَسْؤُولِيَّتَكُنَّ، احْمِلْنَهَا حَمْلًا صَحِيحًا، وَانْظُرْنَ إِلَى حَالِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالتَّابِعِيَّاتِ بَعْدَهُنَّ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالْعَفَافِ، مِنْ أَهْلِ الْحِشْمَةِ وَالْإِخْلَاصِ، مِنْ أَهْلِ الْوَفَاءِ، انْظُرْنَ إِلَيْهِنَّ، وَاقْتَدِينَ بِهِنَّ -وَاللهُ يَرْعَاكُنَّ-.

مِنَ السُّنَّةِ فِي هَذَا الْعِيدِ أَنْ يُعَجَّلَ بِالصَّلَاةِ، وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَشْهَدَ الْخُطْبَةِ فَلَهُ الْخِيَارُ فِي ذَلِكَ، إِنْ شَاءَ شَهِدَهَا وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَشْهَدْهَا، لِمَاذَا؟

لِكَيْ يَتَعَجَّلُوا وَيُعَجِّلُوا إِلَى نَحْرِ الْأَضَاحِي: ((اللهم مِنْكَ وَإِلَيْكَ، بِسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ)) .

((اللهم مِنْكُ وَإِلَيْكِ))؛ مِنْكَ تَفَضُّلًا وُجُودًا، مِنْكَ كَرَمًا وَإِكْرَامًا، وَإِلَيْكَ إِخْلَاصًا وَإِخْبَاتًا.

((اللهم مِنْكَ وَإِلَيْكَ، اللهم هَذَا عَنْ فُلَانٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ)).

فَسَارِعُوا إِلَى ذَبْحِ الْأَضَاحِيِّ، وَأَقْبِلُوا عَلَى رَبِّكُمْ، وَأَخْلِصُوا لَهُ، وَأَنِيبُوا إِلَيْهِ.

 ((دَعْوَةٌ إِلَى التَّوْبَةِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ فِي الْعِيدِ))

عِبَادَ اللهِ! عُودُوا إِلَى اللهِ عَوْدًا حَمِيدًا!

تُوبُوا إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ!

وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ، وَبِرُّوا آبَاءَكُمْ، وَبِرُّوا أُمَّهَاتِكُمْ!

وَدَعُوا الشِّجَارَ وَالْخِصَامَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِكُمْ!

آتُوا أَصْحَابَ الْحُقُوقِ حُقُوقَهُمْ، وَرُدُّوا إِلَى مَنْ ظَلَمْتُمُوهُمْ مَا ظَلَمْتُمُوهُمْ إِيَّاهُ!

تُوبُوا إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَاسْتَغْفِرُوهُ، وَعُودُوا إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَنِيبُوا إِلَيْهِ!

تُوبُوا إِلَى اللهِ -عِبَادَ اللهِ- وَاسْتَغْفِرُوهُ، وَارْجِعُوا إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَنِيبُوا إِلَيْهِ؛ عَسَى اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَنْ يَنْصُرَنَا نَصْرًا مُؤَزَّرًا، وَأَنْ يَكْبِتَ أَعْدَاءَنَا بِقُدْرَتِهِ وَحَوْلِهِ وَطَوْلِهِ؛ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

أَسْأَلُ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يُحْسِنَ لَنَا الْخِتَامَ أَجْمَعِينَ، وَإِذَا أَرَادَ بِالنَّاسِ فِتْنَةً أَنْ يَقْبِضَنَا إِلَيْهِ غَيْرَ فَاتِنِينَ، وَلَا مَفْتُونِينَ، وَلَا خَزَايَا وَلَا مَحْزُونِينَ، وَلَا مُغَيِّرِينَ وَلَا مُبَدِّلِينَ، إِنَّهُ هُوَ الْجَوَادُ الرَّحِيمُ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

التعليقات


خطب قد تعجبك


  شُرُوطُ ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) وَنَوَاقِضُهَا
  مِنْ مَعَانِي ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) فِي الْقُرْآنِ
  مَعَانِي وَأَسْرَارُ دُعَاءِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَجُمْلَةٌ مِنْ أَحْكَامِ الْأُضْحِيَةِ وَالْعِيدِ
  خِتَامُ رَمَضَانَ وَالتَّحْذِيرُ مِنَ الْفَوْضَى!!
  فَضَائِلُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَجُمْلَةٌ مِنْ سُنَنِ الْأُضْحِيَّةِ وَالْعِيدِ
  حُبُّ الْوَطَنِ الْإِسْلَامِيِّ مِنَ الْإِيمَانِ
  فَضَائِلُ رَمَضَانَ وَجُمْلَةٌ مِنْ أَحْكَامِ الصِّيَامِ وَآدَابِهِ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان