تفريغ : كَانَ عَمَلُ النَّبِيِّ ﷺ دِيمَةً

((كَانَ عَمَلُ النَّبِيِّ ﷺ دِيمَةً))

فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، كَانَ عَمَلُهُ دَائِمًا لَا يَنْقَطِعُ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ.

 فَلْتَكُنْ مُوَاظِبًا عَلَى فِعْلِ الخَيْرِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا، وَلَكِنْ دَاوِمْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّكَ إِنْ دَاوَمْتَ عَلَيْهِ؛ كَانَ سَجِيَّةً وَعَادَةً، فَلَا تَكَادُ النَّفْسُ تَنْقَطِعُ عَنْهُ بَعْدُ حَنِينًا إِلَيْهِ، وَإِقْبَالًا عَلَيْهِ، وَأَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ.

وَكَانَ عَمَلُهُ ﷺ دِيمَةً؛ فَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامٍ بِاللَّيْلِ بِصَلَاةٍ، وَلَوْ كَحَلْبِ شَاةٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ صِيَامٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ؛ وَلَوْ أَنْ يَصُومَ الاِثْنَيْنَ وَالخَمِيسَ، فَإِنْ كَانَ شَاقًّا عَلَيْهِ؛ فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ الْبِيضِ.

لَا بُدَّ أَنْ يَصُومَ مِنَ الشَّهْرِ شَيْئًا؛ لِكَيْ تَعْتَادَ النَّفْسُ فَطْمَهَا عَمَّا تُحِبُّ وَتَهْوَى؛ لِكَيْ تَكُونَ قَائِمَةً عَلَى مَرْضَاةِ رَبِّهَا الْعَلِيِّ الْأَعْلَى.

*الْإِقْبَالُ عَلَى قِرَاءَةِ، وَمُدَارَسَةِ الْقُرْآنِ طُوَالَ الْعَامِ:

وَالنَّبِيُّ ﷺ عَلَّمَنَا فِي رَمَضَانَ كَيْفَ نُقْبِلُ عَلَى كِتَابِ رَبِّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- تَالِينَهُ، مُتَدَارِسِينَهُ، مُتَعَلِّمِينَهُ، فَاقِهِينَهُ.

 فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ؛ إِذْ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذْ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ، بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي وَنَفْسِي ﷺ.

 وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ عَامٍ، فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ مَرَّةً فِي رَمَضَانَ مِنْ كُلِّ عَامٍ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ؛ دَارَسَهُ جِبْرِيلُ مَرَّتَيْنِ.

فَمُدَارَسَةُ الْقُرْآنِ مَعْلَمٌ مِنْ مَعَالِمِ رَمَضَانَ، وَهِيَ مُمْتَدَّةٌ طُولَ الْعَامِ، وَقَدْ أَنْذَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِإِنْذَارٍ شَدِيدٍ قَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَسَمًا بِالْعَلِيِّ الحَمِيدِ المَجِيدِ، فَقَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ؛ إِنَّهُ يَعْنِي: الْقُرْآنَ- أَشَدُّ تَفَصِّيًا أَيْ: تَفَلُّتًا- مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا)).

تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ، وَاظِبُوا عَلَى النَّظَرِ فِيهِ، وَتِلَاوَتِهِ، وَمَعْرِفَةِ مَعَانِيهِ، وَالْإِحَاطَةِ بِمَرَامِيهِ.

((تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ؛ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّهُ لَأَشَدُّ تَفَصِّيًا أَيْ: تَفَلُّتًا- مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا)).

((مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْإِبِلِ المُعَقَّلَةِ أَيِ: الْإِبِلِ الَّتِي عَقَلَهَا، فَجَعَلَ لِكُلٍّ مِنْهَا عِقَالًا؛ بِحَيْثُ إِنَّهُ قَيَّدَهَا فَلَا تَذْهَبُ-، إِذَا عَاهَدَ عَلَيْهَا حَفِظَهَا، وَإِذَا تَرَكَهَا ذَهَبَتْ)).

وَتَأَمَّلْ هَذَا المَثَلَ؛ فَإِنَّهُ نَادِرٌ وَعَزِيزٌ: لَوْ عِنْدَكَ إِبِلٌ لَمْ تَعْقِلْهَا؛ فَإِنَّهَا تَذْهَبُ مِنْكَ فِي كُلِّ سَبِيلٍ، وَتَصِيرُ شَرُودًا لَا يُمْكِنُ بِحَالٍ أَنْ تَجْمَعَ مِنْهَا وَاحِدًا، وَكَذَلِكَ آيَاتُ الْكِتَابِ المَجِيدِ؛ إِذَا لَمْ تُعَاهِدْ عَلَيْهَا بِمُدَوَامَةِ النَّظَرِ فِيهَا، وَتِلَاوَتِهَا، وَمُرَاجَعَتِهَا؛ فَإِنَّهَا تَذْهَبُ عَنْكَ، وَقَدْ أَقْسَمَ عَلَى ذَلِكَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ، لَمْ يَكْذِبْ، ولَمْ يُكْذَبْ ﷺ.

وَقَدْ بَيَّنَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ، كَمَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ)).

 يَرْفَعُ أَقْوَامًا يَتْلُونَهُ وَيَعْمَلُونَ بِهِ، يَرْفَعُ أَقْوَامًا يُطَبِّقُونَهُ، يَأْخُذُونَ بِحَلَالِهِ وَيَدَعُونَ مَا حَرَّمَ، وَيَنْزَجِرُونَ بِزَوَاجِرِهِ وَيَتَّعِظُونَ بِمَوَاعِظِهِ، وَيُحَوِّلُونَهُ إِلَى سُلُوكٍ وَحَيَاةٍ نَابِضَةٍ خَافِقَةٍ بِالطُّهْرِ وَالْعَفَافِ، فَيَكُونُ فِي الدُّنْيَا النَّمَاءُ وَالْبَقَاءُ وَالْعَطَاءُ، وَيَنْمَحِي عَنِ الدُّنْيَا الشَّقَاءُ وَالظُّلْمُ وَالْعَسْفُ وَالْجَوْرُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ تَطْبِيقَ كِتَابِ اللهِ يَنْفِي عَنِ الدُّنْيَا هَمَّهَا وَكَرْبَهَا وَشَقَاءَهَا وَأَلَمَهَا.

إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا يَتْلُونَهُ، يَفْقَهُونَ مَعَانِيهِ وَيَعْمَلُونَ بِمَا فِيهِ، وَيَضَعُ آخَرِينَ، يُذِلُّهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ تَلَوْهُ فَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِ، لَا أَنَّهُمْ لَمْ يَنْظُرُوا فِيهِ أَصْلًا، وَلَمْ يَتْلُوهُ، لَا! بَلْ إِنَّهُمْ يَتْلُونَهُ وَلَا يُطَبِّقُونَهُ، فَتَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِتِلَاوَتِهِمْ، وَيُلْزِمُهُمُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْحُجَّةَ فِي أَعْنَاقِهِمْ يَوْمَ الْعَرْضِ عَلَيْهِ.

إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ آخَرِينَ، وَلَا حَيَاةَ لِلْقَلْبِ أَبَدًا إِلَّا بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهَذَا أَمْرٌ قَدَرِيٌّ.

 لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- قَضَى وَقَدَّرَ أَنْ جَعَلَ لِكُلِّ حَيٍّ غِذَاءً، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِلْإِنْسَانِ غِذَاءً؛ غِذَاءَ جَسَدِهِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِاللُّحُومِ وَالْبُقُولِ وَالثِّمَارِ وَالْفَوَاكِهِ، فَهَذَا غِذَاءُ الْبَدَنِ.. غِذَاءُ الجَسَدِ.

 لَوْ أَنَّ الْإِنْسَانَ خَالَفَ هَذَا الَّذِي قَضَاهُ اللهُ وَقَدَّرَهُ، وَتَرَكَ هَذَا الْغِذَاءَ الَّذِي يَصْلُحُ الْبَدَنُ بِهِ، فَذَهَبَ يَتَقَوَّتُ بِالتُّرَابِ وَبِالْحَطَبِ وَبِالرِّيشِ؛ يَمُوتُ جَسَدُهُ.

وَكَذَلِكَ الْقَلْبُ جَعَلَ اللهُ حَيَاتَهُ فِي الْوَحْيِ الْمَعْصُومِ، فِي كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، إِذَا تَرَكَ الْإِنْسَانُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَذَهَبَ يُقِيتُ يُغَذِّي- قَلْبَهُ بِغَيرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ مَاتَ الْقَلْبُ.

 وَكَمْ مِنْ قَلْبٍ مَيِّتٍ لَا تَنْفَعُ فِيهِ مَوْعِظَةٌ، وَلَا يُنَبِّهُهُ مِنْ مَوْتِهِ زَجْرٌ وَلَا تَخْوِيفٌ!

 فَتُتْلَى عَلَيهِ آيَاتُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، تَقْرَأُ عَلَيْهِ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ إِلَى خَاتَمَتِهِ لَا يَتَأَثَّرُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ أَغْلَفَ، صَارَ فِي غُلافٍ لَا يَنْفُذُ إِلَيْهِ الهُدَى وَالنُّورُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَفْسَدَ عَلَى نَفْسِهِ قَلْبَهُ: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المُطففين: 14].

أَيُّ شَيْءٍ هُوَ؟

فَسَّرَهُ رَسُولُ اللهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا اِرْتَكَبَ الذَّنْبَ نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةً سَوْدَاءَ، إِلَى أُخْتِهَا، إِلَى أُخْتِهَا، حَتَّى يَصِيرَ الْقَلْبُ أَسْوَدَ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، كَالْكُوزِ المَنْكُوسِ الْأَسْوَدِ.

 وَلَوْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَنْكُوسًا، مَا أَقْبَلَتْ عَلَيهِ نَفْسٌ، وَلَا تَطَلَّعَتْ إِلَيْهِ رَغْبَةٌ؛ إِذْ هُوَ أَسْوَدُ مُرْبَادٌّ؛ سَوَادٌ بِقَلِيلِ بَيَاضٍ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((كَالْكُوزِ مُجَخِّيًّا)).

وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مَنْكُوسٌ لَا يَعْتَدِلُ، فَأَيُّ نَفْعٍ فِيهِ؟! ((لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ)).

 وَفِي المُقَابِلِ إِذَا عَمِلَ الصَّالِحَاتِ، كُلَّمَا أَتَى بِحَسَنَةٍ فَاقْتَرَفَهَا، وَاِكْتَسَبَهَا نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، وَمَا يَزَالُ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَتَّى يَصِيرَ قَلْبُهُ أَبْيضَ كَالصَّفَا، لَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، كَمَا فِي الحَدِيثِ، {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}.

المصدروماذا بعد رمضان؟

التعليقات


فوائد مفرغة قد تعجبك


  الْعَمَلِ بِأَمَانَةٍ وَاجْتِهَادٍ مِنْ عَوَامِلِ الْقُوَّةِ فِي بِنَاءِ الدُّوَلِ
  الْعِلَاجَاتُ النَاجِعَةُ لِلتَّطَرُّفِ الْفِكْرِيِّ وَمَا نَتَجَ عَنْهُ مِنْ إِرْهَابٍ وَتَدْمِيرٍ وَإِلْحَادٍ
  الْإِخْلَاصُ هُوَ قُطْبُ رَحَى الْعِبَادَةِ
  خُطُورَةُ الْمَعَاصِي وَالْمُخَاصَمَةِ فِي الْحَجِّ
  سَبَبُ امْتِيَازِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ بِأَفْضَلِيَّةِ الطَّاعَاتِ فِيهَا
  الْحِرْصُ عَلَى الْإِخْلَاصِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فِي الْحَجِّ
  النَّبِيُّ ﷺ عَلَّمَ الْأُمَّةَ الْوَرَعَ فِي الْمُعَامَلَاتِ
  حُرْمَةُ قَتْلِ الْمَدَنِيِّينَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ
  الْإِسْلَامُ دِينُ الِاعْتِدَالِ وَالْوَسَطِيَّةِ وَالِاسْتِقَامَةِ
  يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمُ إِكْمَالِ اللهِ لِنَبِيِّهِ وَأُمَّتِهِ الدِّينَ
  حَجَّةُ النَّبِيِّ ﷺ كَأَنَّكَ تَرَاهَا
  ذِكْرُ كِبَرِ السِّنِّ وَالشَّيْخُوخَةِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ
  خَوَارِجُ الْعَصْرِ وَتَكْفِيرُ الْمُجْتَمَعَاتِ
  صَلَاحُ الْمُجْتَمَعِ يَبْدَأُ بِصَلَاحِ الْفَرْدِ وَالْأُسْرَةِ
  رَحْمَةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغَزَوَاتِ وَالْحُرُوبِ
  • شارك