مَعْنَى الْجِهَادِ وَنَوْعَاهُ وَشُرُوطُهُ


 ((مَعْنَى الْجِهَادِ وَنَوْعَاهُ وَشُرُوطُهُ))

الْجِهَادُ: مَأْخُوذٌ مِنَ الْجَهْدِ، وَهُوَ التَّعَبُ وَالْمَشَقَّةُ، أَوِ الْجُهْدِ -بِضَمِّ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ- وَهُوَ بُلُوغُ الطَّاقَةِ.

فَالْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ يُتْعِبُ نَفْسَهُ، وَيَبْذُلُهَا لِطَاعَةِ رَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ رَاجِيًا ثَوَابَهُ، وَطَامِعًا فِي جَنَّتِهِ، يَبِيعُ الْحَيَاةَ الْمَحْدُودَةَ الْمُنَغَّصَةَ بِالْحَيَاةِ الْأُخْرَوِيَّةِ الْخَالِيَةِ مِنَ التَّنْغِيصِ، وَالَّتِي لَيْسَ لَهَا حُدُودٌ وَلَا نِهَايَةٌ.

يُشْتَرَطُ فِي هَذَا الْجِهَادِ:

*أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى الْعِلْمِ؛ حَتَّى يَعْلَمَ الْإِنْسَانُ الْأَمْرَ الَّذِي يُجَاهِدُ فِيهِ.

*وَأَنْ يَكُونَ خَالِصًا لِوَجْهِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَالْإِخْلَاصُ فِي ذَلِكَ هُوَ أَعْظَمُ شَرْطٍ فِيهِ.

قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13)} [الصف: 10-13].

وَالْجِهَادُ الشَّرْعِيُّ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ، إِلَى:

*جِهَادٍ بِالْعِلْمِ وَاللِّسَانِ.

*وَجِهَادٍ بِالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ.

*فَأَمَّا الْجِهَادُ بِالْعِلْمِ وَاللِّسَانِ: فَهُوَ طَلَبُ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، وَتَعَلُّمُهُ عَلَى أَيْدِي الْمَشَايِخِ الْمُعْتَبَرِينَ، فَيَأْخُذُونَ ذَلِكَ الْعِلْمَ مِنْ كِتَابِ اللهِ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ.

ثُمَّ يُجَاهِدُ فِي نَشْرِهِ -أَيْ فِي نَشْرِ ذَلِكَ الْعِلْمِ الَّذِي تَعَلَّمَهُ وَحَمَلَهُ-، وَيُجَاهِدُ النَّاسَ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ عَلَيْهِ بِالتَّعْلِيمِ، وَالْخُطَبِ، وَالْمُحَاضَرَاتِ، وَالْكِتَابَةِ.

وَيُجَاهِدُ أَصْحَابَ الِانْحِرَافِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ الْخَارِجِينَ عَنِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، الْآخِذِينَ بِالْحِزْبِيَّاتِ الْبِدْعِيَّةِ، فَجِهَادُهُمْ بِبَيَانِ أَخْطَائِهِمْ، وَإِظْهَارِ فَسَادِ مُعْتَقَدَاتِهِمْ.

هَذَا كُلُّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ.

وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي: فَهُوَ قِتَالُ الْكُفَّارِ عَلَى نَشْرِ الْإِسْلَامِ بِالْآلَاتِ الْحَرْبِيَّةِ، وَهَذَا أَيْضًا أَعْظَمُ الْجِهَادِ، وَلكِنْ لَهُ شُرُوطٌ:

تَقَدَّمَ ذِكْرُ:

*الْعِلْمِ.

*وَالْإِخْلَاصِ.

*وَأَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْجِهَادُ عَلَى الطَّرِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ، بِأَنْ يَكُونَ تَحْتَ رَايَةِ إِمَامِ مُسْلِمٍ؛ لِأَنَّ اللهَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- قَالَ مُبَيِّنًا هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الْجِهَادِ: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122].

فَهَذِهِ الْآيَةُ شَمَلَتِ النَّوْعَيْنِ: الْجِهَادَ بِالْعِلْمِ وَاللِّسَانِ، وَالْجِهَادَ بِالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ.

الْجِهَادُ بِالنَّفْسِ؛ كِلَا الْجِهَادَيْنِ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَفَرَّغَ لِطَلَبِ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ وَمَعْرِفَتِهِ وَإِتْقَانِهِ، ثُمَّ يُجَاهِدُ فِي نَشْرِهِ، وَيُجَاهِدُ مَنْ خَالَفَهُ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ إِلَّا بِجِهَادِ النَّفْسِ.

وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجَاهِدَ بِالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ -أَيْ بِالسِّلَاحِ وَالْعَتَادِ- وَذَلِكَ يَكُونُ فِي كُلِّ زَمَانٍ بِحَسَبِهِ- لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِلَّا بِجِهَادِ النَّفْسِ أَيْضًا.

*رَسُولُ اللهِ ﷺ كَانَ فِي الذُّرْوَةِ الْعُلْيَا مِنَ الْجِهَادِ:

لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الذُّرْوَةِ الْعُلْيَا مِنَ الْجِهَادِ، فَجَاهَدَ فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ بِالْقَلْبِ، وَبِالْبَيَانِ، وَبِالسِّنَانِ.

وَكَانَتْ حَيَاتُهُ ﷺ مَوْقُوفَةً عَلَى الْجِهَادِ بِقَلْبِهِ، وَلِسَانِهِ، وَيَدِهِ، وَأَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِالْجِهَادِ بِالْبَيَانِ مِنْ حَيْثُ بَعَثَهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا * فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان: 51-52].

فَهَذِهِ سُورَةٌ مَكِيَّةٌ أُمِرَ فِيهَا بِجِهَادِ الْكُفَّارِ بِالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ وَتَبْلِيغِ الْقُرْآنِ، وَكَذَلِكَ جِهَادُ الْمُنَافِقِينَ إِنَّمَا هُوَ بِتَبْلِيغِ الْحُجَّةِ، وَإِلَّا فَهُمْ تَحْتَ قَهْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التحريم: 9].

 

المصدر: مَنْزِلَةُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَالْمُؤَامَرَةُ عَلَى مِصْرَ الْآنَ!!

التعليقات


فوائد مفرغة قد تعجبك


  مَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ
  مُرَاقَبَةُ اللهِ وَالضَّمِيرُ الْحَيُّ فِي الْعَمَلِ
  الْإِسْلَامُ رَحْمَةٌ فِي السِّلْمِ وَالْحَرْبِ
  ثَمَرَاتُ الْمُرَاقَبَةِ وَرِعَايَةِ الضَّمَائِرِ
  فَهْمُ مَقَاصِدِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ
  مِنْ دُرُوسِ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ: عِظَمُ قَدْرِ الصَّلَاةِ فِي الْإِسْلَامِ وَعُلُوُّ مَنْزِلَتِهَا
  فَضَائِلُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ
  تزكية النفس سبيل الفلاح والنجاح
  النَّهْيُ عَنِ الْإِسْرَافِ وَالْحَثُّ عَلَى الِاعْتِدَالِ فِي السُّنَّةِ
  هَلْ رَأَى النَّبِيُّ رَبَّهُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ؟
  هَلِ الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَفْضَلُ أَمِ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ؟
  ثَمَرَاتُ الِاقْتِصَادِ الْقَوِيِّ عَلَى الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ
  نَبِيُّ الرَّحْمَةِ ﷺ، وَدِينُهُ دِينُ الرَّحْمَةِ
  مُؤَامَرَةُ الْيَهُودِ الْمَكْشُوفَةُ وَغَفْلَةُ الْمُسْلِمِينَ!!
  الْمَقَاصِدُ الْعُظْمَى لِدِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان