فَوَائِدُ الزَّوَاجِ الْعَظِيمَةُ وَثَمَرَاتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ


((فَوَائِدُ الزَّوَاجِ الْعَظِيمَةُ وَثَمَرَاتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ))

إِنَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ الْعَظِيمَةَ -نِعْمَةَ الزَّوَاجِ- الَّتِي يُنْعِمُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِهَا عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ نِعْمَةٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا آثَارٌ فِي الدُّنْيَا وَآثَارٌ فِي الْآخِرَةِ.

فَمِنْ نَتَائِجِهَا فِي الدُّنْيَا: أَنْ يَكُونَ مُعَانًا عَلَى طَاعَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ بِغَضِّ بَصَرِهِ، وَهُدُوءِ خَاطِرِهِ، وَاسْتِقْرَارِ نَفْسِهِ، وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ الَّتِي يَتَحَصَّلُ عَلَيْهَا فِي دُنْيَاهُ.

*وَمِنْ ثَمَرَاتِ الزَّوَاجِ فِي الدُّنْيَا -أَيْضًا-: تَحْصِيلُ الْأَوْلَادِ الَّذِينَ هُمْ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا:

قَالَ تَعَالَى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 46].

الْمَالُ الْكَثِيرُ الْوَفِيرُ وَالْبَنُونَ الْكَثِيرُونَ زِينَةُ هَذِهِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ.

وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ: فَإِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَجْعَلُ لَلْعَبْدِ وَلَدًا صَالِحًا فِي الدُّنْيَا يَتَأَتَّى مِنْهُ دُعَاءٌ صَالِحٌ فِي الْآخِرَةِ يَصِلُ إِلَيْهِ فِيهَا أَجْرُهُ -بِفَضْلِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ- كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ -مِنْهَا-: أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو اللهَ لَهُ)) .

فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْعَمَلَ الَّذِي يَتَأَتَّى مِنَ الْوَلَدِ الصَّالِحِ بِالدُّعَاءِ لِأَبَوَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا هُوَ اسْتِمْرَارٌ لِحَيَاتِهِ هُوَ، كَأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ.

فَالْوَلَدُ الصَّالِحُ يَكُونُ قُرَّةَ عَيْنٍ لَلْمَرْءِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ, وَزُخْرًا لَهُ بَعْدَ الْمَمَاتِ, ثُمَّ يَكُونُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَفْعًا فِي الدَّرَجَاتِ.

*وَمِنْ فَوَائِدِ الزَّوَاجِ أَنَّهُ: إِنْفَاذٌ لِسُنَّةِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي خَلْقِهِ:

فَإِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ فَإِنَّهُ يُنْفِذُ سُنَّةَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِي خَلْقِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْخَلْقَ مَبْنِيٌّ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ كَمَا قَرَّرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ.

*وَهُوَ -أَيْضًا- إِنْفَاذٌ لِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي شَرْعِهِ الْأَغَرِّ:

فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)) .

*وَمِنْ فَوَائِدِ الزَّوَاجِ أَنَّهُ: إِنْفَاذٌ لِسُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [الرعد: 38].

وَنُؤَكِّدُ لَكَ أَنَّنَا لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ -يَا رَسُولَ اللهِ- مِنَ الْبَشَرِ، وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً، فَلَيْسَ أَمْرُكَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ.

*مِنْ ثَمَرَاتِ الزَّوَاجِ: السَّكَنُ وَالرَّاحَةُ النَّفْسِيَّةُ، وَالْمَحَبَّةُ وَالْوُدُّ، وَالرَّحْمَةُ وَالشَّفَقَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ:

قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].

{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي أَوَّلِ النِّسَاءِ: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء: 1]: مِنْ جِنْسِكُمْ، مِنْ بَنِي آدَمَ، وَقِيلَ: خَلَقَ حَوَّاءَ مِنْ ضِلَعِ آدَمَ {لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}: أَيْ وُدًّا وَتَرَاحُمًا وَشَفَقَةً، فَجَعَلَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ الْمَوَدَّةَ وَالرَّحْمَةَ، فَهُمَا يَتَوَادَّانِ وَيَتَرَاحَمَانِ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ هُوَ أَحَبُّ إِلَى أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ رَحِمٍ بَيْنَهُمَا، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}: فِي عَظَمَةِ اللهِ وَفِي قُدْرَتِهِ.

وَمِنْ نِعْمَةِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ جَعَلَ اللهُ الزَّوْجَةَ سَكَنًا وَمَأْوَى لِزَوْجِهَا، وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا الْأُنْسَ وَالطُّمْأَنيِنَةَ، قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189].

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ -أَيُّهَا النَّاسُ- مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ آدَمُ (سلم)، وَجَعَلَ مِنْ نَوْعِ هَذِهِ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ زَوْجَهَا، تُشَارِكُهُ فِي الْخَصَائِصِ وَالطَّبَائِعِ الْبَشَرِيَّةِ؛ لِيَأْنْسَ بِهَا وَيَأْوِيَ إِلَيْهَا.

وَجَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالزَّوَاجِ سِتْرًا وَدِفْئًا وَحِفْظًا بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ: قَالَ تَعَالَى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187].

هُنَّ كَاللِّبَاسِ السَّاتِرِ لَكُمْ، وَأَنْتُمْ كَاللِّبَاسِ السَّاتِرِ لَهُنَّ؛ لِمَا يَكُونُ بَيْنَكُمَا -أَيُّهَا الزَّوْجَانِ- مِنْ مُبَاشَرَةِ الْجَسَدِ بِالْجَسَدِ، وَتَلَاصُقِهِمَا، وَتَدَاخُلِهِمَا، وَإِحَاطَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ، وَطُولِ مُلَازَمَتَهِ لَهُ، مَعَ مَا فِي كُلٍّ مِنْكُمَا لِصَاحِبِهِ مِنْ سَتْرٍ وَدِفْءٍ وَحِفْظٍ.

*مِنْ أَعْظَمِ ثَمَرَاتِ الزَّوَاجِ أَنَّهُ: عِبَادَةٌ للهِ تَعَالَى، وَسَبِيلٌ لِجَمْعِ الْحَسَنَاتِ وَالصَّدَقَاتِ؛ لِطَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ:

*فَالْمُسْلِمُ إِذَا أَتَى شَهْوَتَهُ؛ كَانَ لَهُ بِهَا أَجْرٌ، وَهَذَا مِنْ مَحَاسِنِ دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ، يَقْضِي الْإِنْسَانُ شَهْوَتَهُ وَيَتَحَصَّلُ عَـلَى الْأَجْرِ، وَتَكُونُ صَدَقَةً لَهُ فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِهِ كَمَا قَالَ الرَّسُولُ ﷺ.

قَالَ ﷺ: ((وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ)).

قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ، وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟

قَالَ: ((أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ، فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ)) .

*إِطْعَامُكَ زَوْجَتَكَ وَوَلَدَكَ صَدَقَةٌ: فَعَنِ الْمِقْدَامِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((مَا أَطْعَمْتَ نَفْسَكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَمَا أَطْعَمْتَ وَلَدَكَ وَزَوْجَتَكَ وَخَادِمَكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ)) . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ))، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ)).

هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى بَيَانِ شَيْءٍ مِنْ فَضَائِلِ الْإِسْلَامِ وَمَحَاسِنِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا أَنْفَقْتَهُ عَلَى نَفْسِكَ مِنَ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا تَنْتَفِعُ بِهِ؛ يَكُونُ لَكَ فِيهِ صَدَقَةٌ، وَهَكَذَا مَا أَنْفَقْتَهُ عَلَى مَنْ تَحْتَ يَدِكَ مِنْ زَوْجَةٍ، وَابْنٍ، وَخَادِمٍ وَمَمْلُوكٍ لَكَ فِيهِ صَدَقَاتٌ، وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى النِّيَّة.

إِنَّ مَا أَنْفَقْتَهُ عَلَى نَفْسِكَ -أَيُّهَا الْمُسْلِمُ-، وَعَلَى أَهْلِكَ وَعَلَى مَمْلُوكِكَ، وَعَلَى الْأَجِيرِ الْخَادِمِ، وَالْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ؛ صَدَقَةٌ، كلُّ مَا أَنْفَقْتَهُ فَلَكَ فِيهِ صَدَقَاتٌ.

وَهَذَا مِنْ مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ وَفَضَائِلِهِ، وَمِنْ رَحْمَةِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِالْمُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، وَيَحْتَاجُ هَذَا إِلَى النِّيَّةِ؛ أَيْ: أَنْ تَنْوِيَهُ نِيَّةً عَامَّةً فِي كُلِّ مَا أَنْفَقْتَ مِنْ مَالِكَ فِي وُجُوهِ الْحَلَالِ؛ وَمِنْ ذَلِكَ: الْمَطْعَمُ وَالْمَشْرَبُ، وَالْمَسْكَنُ وَالْمَرْكَبُ تَحْتَسِبُهُ فَلَكَ فِيهِ صَدَقَاتٌ جَارِيَةٌ.

وَهَكَذَا إِذَا قَدَّمْتَ إِحْسَانًا تَحْتَسِبُ فِيهِ الْأَجْرَ عِنْدَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَفِي الْحَدِيثِ: ((لَا أَجْرَ إِلَّا عَن حِسْبَةٍ))  -صَحَّحَهُ بِشَوَاهِدِهِ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((الصَّحِيحَةِ))-؛ أَيْ: لِمَنْ يَحْتَسِبُ، وَهُوَ بِمَعْنَى حَدِيثِ: ((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)) ؛ أَيْ: تَنْوِي إِذَا قُدِّمَ لَكَ الطَّعَامُ مِنْ حَلَالٍ أَنْ تَنْوِيَ فِي هَذَا الطَّعَامِ أَنَّكَ تُحْسِنُ بِهِ إِلَى نَفْسِكَ، وَتَتَقَوَّى بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ وَقَضَاءِ حَاجَاتِكَ الْمُبَاحَةِ وَالشَّرْعِيَّةِ؛ فَيَكُونُ لَكَ فِي هَذَا الطَّعَامِ أَجْرٌ.

وَهَذَا تَكَرُّمٌ مِنَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَإِحْسَانٌ وَإِفْضَالٌ، وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ أَكَلَ مِنْ مَائِدَتِكَ، وَكُلُّ مَنْ شَرِبَ مِمَّا كَسَبَتْ يَدُكَ لَكَ فِيهِ أَجْرٌ.

وَهَذَا جَاءَ مُوَضَّحًا فِي الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ رَحْمَةٌ مِنَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِهَذَا الْمُسْلِمِ الضَّعِيفِ، وَأَنَّ هَذَا الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى لَا يَضِيعُ مِنْ عَمَلِهِ شَيْءٌ أَبَدًا، حَتَّى هَذَا الشَّيْءُ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ وَيَحْفَظُ صِحَّتَهُ وَبِنْيَتَهُ، وَيَحْفَظُ وَلَدَهُ؛ لَهُ فِيهِ الْأُجُورُ الْمُضَاعَفَةُ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ.

*مِنْ ثَمَرَاتِ الزَّوَاجِ الْعَظِيمَةِ أَنَّ: فِيهِ تَكْثِيرًا لِلْأُمَّةِ -تَكْثِيرَ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ وَتَقْوِيتَهُمْ-؛ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ ﷺ: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ؛ وَلِأَنَّ كَثْرَةَ الْأُمَّةِ عِزٌّ لَهَا، وَإِيَّاكَ وَقَوْلَ الْمَادِّيِّينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ كَثْرَةَ الْأُمَّةِ تُوجِبُ الْفَقْرَ وَالْبَطَالَةَ، بَلْ إِنَّ الْكَثْرَةَ عِزٌّ امْتَنَّ اللهُ بِهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، حَيْثُ قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا} [الإسراء: 6]، وَذَكَّرَ شُعَيْبٌ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- قَوْمَهُ بِتِلْكَ الْكَثْرَةِ، حَيْثُ قَالَ: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ} [الأعراف: 86].

فَكَثْرَةُ الْأُمَّةِ عِزٌّ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتْ أَرْضُهُمْ قَابِلَةً لِلْحِرَاثَةِ، وَالزِّرَاعَةِ، وَالصِّنَاعَةِ، بِحَيْثُ يَكُونُ فِيهَا مَوَادُّ خَامٌ لِلصِّنَاعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ -وَاللهِ- كَثْرَةُ الْأُمَّةِ سَبَبًا لِلْفَقْرِ وَالْبَطَالَةِ أَبَدًا.

*مِنْ ثَمَرَاتِ الزَّوَاجِ وَالْأَوْلَادِ: سَعَةُ الرِّزْقِ:

الْإِنْسَانُ يَرَى الرِّزْقَ يَنْفَتِحُ إِذَا وَلِدَ لَهُ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ {وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6]:  وَمَا مِنْ دَابَّةٍ ذِي حَيَاةٍ تَمْشِي بِهُدُوءٍ رُوَيْدًا رُوَيْدًا فِي الْأَرْضِ مِنْ أَكْبَرِ حَيَوَانٍ يَدِبُّ فِيهَا حَتَّى أَصْغَرِ حَيَوانٍ كَالْفَيْرُوسَاتِ؛ إِلَّا أَوْجَبَ اللهُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَرْزُقَهَا بِوَسِيلَةٍ مِنْ وَسَائِلِهِ الَّتِي يَخْتَارُهَا.

وَيَقُولُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام: 151]: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ تَخَلُّصًا مِنْ أَزْمَةِ الْفَقْرِ الْوَاقِعِ، فَإِنِّي رَازِقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ.

وَقَالَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} [الإسراء: 31]: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ لِتَتَخَلَّصُوا مِنَ النَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ؛ خَوْفَ حُدُوثِ فَقْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، نَحْنُ نَتَكَفَّلُ بِرِزْقِ الْأَوْلَادِ وَرِزْقِ آبَائِهِمُ الْمُنْفِقِينَ عَلَيْهِمْ.

وَقَالَ تَعَالَى: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 32] .

*مِنْ فَوَائِدِ الزَّوَاجِ وَثَمَرَاتِهِ: الْعِفَّةُ، وَحِفْظُ الْفُرُوجِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَعَدَمُ الْوُقُوعِ فِي الزِّنَى:

دِينُ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ هُوَ دِينُ الطَّهَارَةِ، دِينُ طَهَارَةِ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ عَلَى السَّوَاءِ، أَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِطَهَارَةِ الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ وَالْأَنْفُسِ، وَأَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِطَهَارَةِ الْأَبْدَانِ وَالثِّيَابِ وَالْأَمْكِنَةِ، وَهُوَ دِينُ الْعِفَّةِ وَدِينُ الْعَفَافِ، يَنْفِي الْفَاحِشَةَ وَيُحَارِبُهَا وَيَسُدُّ الْمَسَالِكَ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَيْهَا.

فَأَمَرَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَضِّ الْبَصَرِ، وَحِفْظِ الْفَرْجِ:

قَالَ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}، يَعْنِي: إِذَا أَتَتْ نَظْرَةُ الْفَجْأَةِ فَاصْرِفْ بَصَرَكَ، وَهَذَا وَاجِبٌ وَفَرْضٌ.

{وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ}، قَوْلًا وَاحِدًا؛ فَهَذَا لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ تَبْعِيضٍ، وَإِنَّمَا هُوَ كُلٌّ يُؤْتَى بِهِ كُلًّا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ.

{وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ}، ثُمَّ {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ.

وَالزَّوَاجُ مِنْ أَكْبَرِ الْأَسْبَابِ الْمُعِينَةِ عَلَى غَضِّ الْبَصَرِ وَحِفْظِ الْفَرْجِ، قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [النور : 33].

وَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)) .

فَذَكَرَ الرَّسُولُ ﷺ فَوَائِدَ مِمَّا يَتَحَصَّلُ عَلَيْهِ الْمَرْءُ فِي حِينِ زَوَاجِهِ عَلَى مَنْهَجِ رَبِّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ: ((فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ)).

فَالْإِنْسَانُ يُحَصِّلُ بِالزَّوَاجِ الْعِفَّةَ وَالْعَفَافَ لِنَفْسِهِ وَمَنْ تَحْتَهُ مِنْ بَنَاتِ الْمُسْلِمِينَ.

*مِنْ فَوَائِدِ الزَّوَاجِ وَثَمَرَاتِهِ: صِيَانَةُ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْفَوَاحِشِ وَالرَّذَائِلِ، وَالْأَمْرَاضِ الْخَطِيرَةِ:

أَمَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِحِفْظِ الْفُرُوجِ إِلَّا عَلَى مَا أَحَلَّ اللهُ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا، وَحَرَّمَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- الْفَوَاحِشَ؛ قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31)} [المعارج: 29-31].

وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ؛ فَلَا يَطَؤُونَ بِهَا وَطْئًا مُحَرَّمًا مِنْ زِنًى أَوْ لِوَاطٍ أَوْ وَطْءٍ فِي دُبُرٍ أَوْ حَيْضٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيَحْفَظُونَهَا -أَيْضًا- مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهَا وَمَسِّهَا مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، وَيَتْرُكُونَ -أَيْضًا- وَسَائِلَ الْمُحَرَّمَاتِ الدَّاعِيَةَ لِفِعْلِ الْفَاحِشَةِ.

{إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ}: أَيْ سُرِّيَّاتِهِمْ {فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} فِي وَطْئِهِنَّ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْحَرْثِ.

{فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ}: أَيْ غَيْرَ الزَّوْجَةِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ {فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} الْمُتَجَاوِزُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ إِلَى مَا حَرَّمَ اللهُ.

وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32].

وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ قَبِيحَةً، وَبِئْسَ الزِّنَى طَرِيقًا إِلَى تَحْقِيقِ شَهَوَاتِ الْفُرُوجِ، وَالنَّهْيُ عَنِ اقْتِرَابِ الزِّنَى أَبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ الِاقْتِرَابِ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ الَّتِي قَدْ تُفْضِي إِلَيْهِ؛ كَالنَّظَرِ، وَالْمُلَامَسَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [النور: 19].

إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ يَظْهَرَ الزِّنَى وَاللِّوَاطُ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ، وَيَذِيعَ فِي جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا بِالْعُقُوبَاتِ التَّأْدِيبِيَّةِ الَّتِي تَسْتَأْصِلُ أَسْبَابَ إِشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ وَعَوَامِلَ الْفَسَادِ الْأَخْلَاقِيِّ، وَبِالْعُقُوبَاتِ الْقَضَائِيَّةِ مِنَ الْجَلْدِ، وَالرَّجْمِ، وَحَدِّ الْقَذْفِ، وَإِسْقَاطِ الشَّهَادَةِ، وَالْوَسْمِ بِالْفِسْقِ.

وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ إِنْ لَمْ يَتُوبُوا؛ لِأَنَّ فِي إِشَاعَةِ السُّوءِ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِيذَاءً لَهُمْ، وَإِضْرَارًا بِهِمْ، وَفِي ذَلِكَ تَهْوِينٌ مِنْ أَمْرِ فِعْلِ الْفَاحِشَةِ، وَتَشْجِيعٌ عَلَى ارْتِكَابِهَا، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ مَنْ أُشِيعَ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ السِّتْرِ وَالصِّيَانَةِ بَيْنَ النَّاسِ.

فَالزَّوَاجُ مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ صِيَانَةِ الْمُجْتَمَعِ مِنَ الْفَوَاحِشِ، وَحِمَايَتِهِ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْخَطِيرَةِ الَّتِي تَظْهَرُ بِسَبَبِ الْعَلَاقَاتِ الْمُحَرَّمَةِ.

فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خِصَالٌ خَمْسٌ إِنِ ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَنَزَلْنَ بِكُمْ وأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ -ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِهَا وَتَفْصِيلِهَا، وَمِنْهَا-: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بها إِلا فَشَا فِيهِمُ الطاعونُ والأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي أَسْلافِهِمْ» . أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَهُوَ ثَابِتٌ صَحِيحٌ.

*مِنَ الثَّمَرَاتِ الْعَظِيمَةِ لِلزَّوَاجِ: إِنْشَاءُ عَلَاقَاتٍ طَيِّبَةٍ بَيْنَ النَّاسِ، وَتَقْوِيَةُ التَّرَابُطِ بَيْنَهُمْ، وَجْعَلُ الْمُجْتَمَعِ مُتَمَاسِكًا:

قَالَ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا} [الفرقان: 54].

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ النُّطْفَةِ بَشَرًا، وَجَعَلَ مِنْ جِنْسِ الْبَشَرِ عَلَاقَةَ رَحِمٍ وَقَرَابَةٍ، تَنْشَأُ عَنْ طَرِيقِ التَّنَاسُلِ الْقَائِمِ عَلَى اشْتِقَاقِ الْأَحْيَاءِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ، وَجَعَلَ عَلَاقَةَ مُصَاهَرَةٍ تَنْشَأُ عَنْ طَرِيقِ التَّزَاوُجِ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَتَشْمَلُ أَقَارِبَ الزَّوْجِ وَأَقَارِبَ الزَّوْجَةِ.

*فَالرَّحِمُ يَكُونُ بِالْقَرَابَةِ وَالصِّهْرِيَّةِ وَالنَّسَبِ؛ فَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: «تَعَلَّمُوا أَنْسَابَكُمْ، ثُمَّ صِلُوا أَرْحَامَكُمْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَيَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ أَخِيهِ الشَّيْءُ، وَلَوْ يَعْلَمُ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مِنْ دَاخِلَةِ الرَّحِمِ، لَأَوْزَعَهُ ذَلِكَ عَنِ انْتِهَاكِه» .

وَالْحَدِيثُ حَدِيثٌ حَسَنُ الْإِسْنَادِ، وَصَحَّ مَرْفُوعًا, أَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ وَالْحَاكِمُ، وَقَدْ جَمَعَ ذَلِكَ بِطُرُقِهِ الْأَلْبَانِيُّ فِي «الصَّحِيحَةِ»، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- .

«تَعَلَّمُوا أَنْسَابَكُمْ»: مِنْ جِهَةِ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَالْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَالصِّهْرِيَّةِ، وَتَعَرَّفُوا أَسْمَاءَ أَقَارِبِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ، وَذَوِي الْأَرْحَامِ مِنْكُمْ وَالْأَقَارِبَ.

إِنَّ الْمُجْتَمَعَ لَا يَكُونُ سَعِيدًا إِلَّا إِذَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِهِ التَّوَاصُلُ وَالتَّوَادُّ، وَالتَّرَاحُمُ وَالْمَحَبَّةُ الشَّرْعِيَّةُ.

وَبِالْجُمْلَةِ: فَبِالزَّوَاجِ يَكُونُ الْبَيْتُ الذي جَعَلَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ سَكنًا, فَالْعَوَاصِفُ الْعَاصِفَاتُ, وَالْمِحَنُ الْمُدْلَهِمَّاتُ الَّتِي يَلْقَاهَا الرَّجُلُ فِي الْحَيَاةِ, وَمَا يَجِدُهُ مِنَ الْمُنَازَعَةِ وَمِنَ الْجُحُودِ وَالْعِنَادِ وَمَا أَشْبَهَ فِي حَرَكَةِ حَيَاتِهِ, هَذَا كُلُّهُ يُخْلَعُ عَلَى عَتَبَةِ بَابِ دَارِهِ، ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ؛ فَيَجِدُ السَّكَنَ مِنْ بَعْدِ الِاضْطِرَابِ, وَالْهُدُوءَ مِنْ بَعْدِ هَذَا الَّذِي وَقعََ مِنَ الْقَلَقِ وَغَيْرِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

 

المصدر:الْمِيثَاقُ الْغَلِيظُ وَضَرُورَةُ الْحِفَاظِ عَلَيْهِ

التعليقات


فوائد مفرغة قد تعجبك


  هَلْ رَأَى النَّبِيُّ رَبَّهُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ؟
  الدرس الأول : «رَمَضاَنُ شَهْرُ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ»
  اسْتِحْبَابُ إِكْرَامِ الْيَتِيمِ وَالدُّعَاءِ لَهُ
  ثَمَرَاتُ مُعَامَلَةِ الْخَلْقِ بِالرَّحْمَةِ وَالتَّسَامُحِ
  مِنْ صُوَرِ الْعَمَلِ التَّطَوُّعِيِّ: نَظَافَةُ الشَّوَارِعِ وَالْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ
  عَقِيدَةُ الْيَهُودِ التَّوْرَاتِيَّةُ الْقَتْلُ وَالذَّبْحُ
  أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ: سَلَامَةُ الصُّدُورِ وَبَذْلُ النَّفْسِ لِلْمُسْلِمِينَ
  عَامٌ شَهِيدٌ وَعَامٌ جَدِيدٌ
  مِنْ حُقُوقِ الطِّفْلِ فِي الْإِسْلَامِ: الْعَدْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِخْوَتِهِ
  جُمْلَةٌ مِنْ سُبُلِ الِارْتِقَاءِ بِالِاقْتِصَادِ
  الْأَطْفَالُ هِبَةٌ مِنَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَقُرَّةُ عَيْنٍ لِلْأَبَوَيْنِ
  اللهُ هُوَ الْعَفُوُّ الْكَرِيمُ
  رِسَالَةٌ إِلَى الْمُنَادِينَ بِالْخُرُوجِ وَإِحْدَاثِ الْفَوْضَى
  الِاسْتِسْلَامُ للهِ -جَلَّ وَعَلَا- شَاخِصًا فِي قِصَّةِ الْخَلِيلِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-
  وُجُوهُ وَأَدِلَّةُ خَيْرِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان