مَظَاهِرُ النِّظَامِ فِي كَوْنِ الرَّحْمَنِ


((مَظَاهِرُ النِّظَامِ فِي كَوْنِ الرَّحْمَنِ))

إِنَّ الْمُتَأَمِّلَ فِي هَذَا الْكَوْنِ الْوَاسِعِ يَرَى أَنَّ النِّظَامَ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ اللهِ الْكَوْنِيَّةِ فِي الْخَلْقِ؛ فَالْكَوْنُ كُلُّهُ يَسِيرُ وَفْقَ نِظَامٍ دَقِيقٍ، وَتَرْتِيبٍ بَدِيعٍ، وَتَنْسِيقٍ مُحْكَمٍ، وَإِتْقَانٍ يُبْهِرُ الْعُقُولَ، وَلَا عَجَبَ فِي ذَلِكَ فَتِلْكَ صَنْعَةُ بَدِيعِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؛ قَالَ تَعَالَى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88].

وَتَرَى الْجِبَالَ -أَيُّهَا الرَّائِي- تَظُنُّهَا مُتَمَاسِكَةً لَا حَرَكَةَ لِذَرَّاتِهَا وَلَا سَيْرَ لَهَا فِي جُمْلَتِهَا، وَهِيَ فِي وَاقِعِ حَالِهَا تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ الَّذِي تَتَحَرَّكُ ذَرَّاتُهُ تَحَرُّكًا دَاخِلِيًّا، وَيَسِيرُ فِي جُمْلَتِهِ مِنْ مَوْقِعٍ إِلَى مَوْقِعٍ فِي السَّمَاءِ، وَكَذَلِكَ حَالُ الْجِبَالِ وَسَائِرِ مَا فِي الْأَرْضِ؛ إِذْ ذَرَّاتُ كُلِّ شَيْءٍ تَتَحَرَّكُ حَرَكَاتٍ فِي دَوَائِرَ وَأَقْفَالٍ مُقْفَلَةٍ.

وَجُمْلَةُ الْأَرْضِ مَعَ جِبَالِهَا تَمُرُّ سَائِرَةً فِي دَوْرَةٍ يَوْمِيَّةٍ حَوْلَ نَفْسِهَا، وَفِي دَوْرَةٍ سَنَوِيَّةٍ حَوْلَ الشَّمْسِ.

صَنَعَ اللهُ ذَلِكَ صُنْعًا، الَّذِي أَحْكَمَ صُنْعَهُ، وَجَعَلَهُ مُطَابِقًا لِلْمَقْصُودِ مِنْهُ.

وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}، وَقَالَ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}.

وَتَأَمَّلْ فِي كُلِّ مَا فِي الْكَوْنِ مِنْ ذَرَّاتٍ وَعَنَاصِرَ، وَنُظُمٍ وَقَوَانِينَ وَنَوَامِيسَ، وَنِسَبٍ وَرَوَابِطَ وَعَلَائِقَ، وَأَقْدَارٍ وَأَحْجَامٍ وَأَوْزَانٍ، وَمُدَدٍ وَأَوْقَاتٍ وَأَزْمَانٍ، وَصُوَرٍ وَأَشْكَالٍ وَأَلْوَانٍ، وَحَرَكَاتٍ وَسَكَنَاتٍ وَأَوْضَاعٍ، وَأَجْنَاسٍ وَأَصْنَافٍ وَأَنْوَاعٍ.

وَتَعَالَ نَتَصَوَّرُ عَدَدَ مَا فِي الْعَالَمِ -عَالَمِ الْخَلْقِ- مِنْ شَيْءٍ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنَ الذَّرَّةِ إِلَى الْمَجَرَّةِ، وَتَصَّوَرْ عَدَدَ مَا يَرْبِطُ بَيْنَهَا فِي عَالَمِ الْأَمْرِ مِنْ رَوَابِطَ وَعَلَائِقَ عَلَى اخْتِلَافِ النَّوَامِيسِ وَالْأَقْدَارِ وَالْمُدَدِ، وَالْأَشْكَالِ وَالْحَرَكَاتِ وَالْأَوْضَاعِ، ثُمَّ تَعَالَ نَدْرُسُ فِي ضَوْءِ الْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ بَعْضَ مَا فِي هَذَا الْعَالَمِ مِنْ تَقْدِيرٍ وَاتِّزَانٍ، وَتَنْظِيمٍ وَتَرْتِيبٍ وَإِحْكَامٍ وَإِتْقَانٍ.

مِنْ جُمْلَةِ الْآيَاتِ:

{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}.

{وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا}.

{وَكُلُّ شَيْءٍ عَنْدَهُ بِمِقْدَارٍ}.

{وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ}.

{وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عَندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}.

{وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ}.

{صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}.

{الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ}.

{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}.

{مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ}.

{قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}.

{وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ}.

{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}.

هَذَا بَعْضُ كَلَامِ اللهِ الَّذِي نَزَلَ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ، سَلِيلِ الْقَبِيلَةِ الْأُمِّيَّةِ، وَرَبِيبِ الْبِيئَةِ الْأُمِّيَّةِ مُنْذُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَرْنًا مِنَ الزَّمَانِ.

وَدِينُ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمُ يَأْمُرُنَا بِأَنْ نَعْبُدَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَأَنْ نَجْتَهِدَ فِي النَّظَرِ فِي الْآفَاقِ وَفِي الْأَنْفُسِ وَفِيمَا بَثَّ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي تَضَاعِيفِ هَذَا الْكَوْنِ مِنَ الْآيَاتِ؛ لِكَيْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الْأَسْرَارِ الَّتِي تَرْتَقِي بِهَا الْحَيَاةُ.

وَمِنْ مَظَاهِرِ النِّظَامِ فِي كَوْنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ: الْآيَاتُ الْأُفُقِيَّةُ فِي كَمَالِ إِحْكَامِهَا وَنِظَامِهَا؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164].

إِنَّ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَوْنِيَّةِ لَدَلَائِلَ وَاضِحَاتٍ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ -تَعَالَى- وَإِلَهِيَّتِهِ؛ وَمِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ:

الْآيَةُ الْأُولَى: آيَةُ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ بِارْتِفَاعِهَا بِغَيْرِ عَمَدٍ، وَمَا فِيهَا مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَفِي مَدِّ الْأَرْضِ وَبَسْطِهَا، وَمَا فِيهَا مِنَ الْجِبَالِ وَالْبِحَارِ وَالْأَنْهَارِ وَالْأَشْجَارِ.

وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ: تَعَاقُبُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ عَلَى مُحِيطِ الْأَرْضِ فِي الْمَجِيءِ وَالذَّهَابِ، وَالظُّلْمَةِ وَالنُّورِ، بِنِظَامٍ مُحْكَمٍ وَدَقِيقٍ.

وَالْآيَةُ الثَّالِثَةُ: السُّفُنُ الَّتِي تَجْرِي عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، مَاخِرَةً مُحَمَّلَةً بِالْأَثْقَالِ، وَتَنْقُلُهَا مِنْ بَلَدٍ إِلَى آخَرَ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ فِي تِجَارَاتِهِمْ وَمَنَافِعِهِمْ.

وَالْآيَةُ الرَّابِعَةُ: الدَّوْرَةُ الْمَائِيَّةُ وَنِظَامُ تَحْلِيَةِ الْمَاءِ بِالتَّبَخُّرِ وَالِاجْتِمَاعِ فِي السَّحَابِ، ثُمَّ هُطُولُهُ مَطَرًا عَلَى مَا يَشَاءُ اللهُ، وَلِمَنْ يَشَاءُ اللهُ، وَآيَةُ دَوْرَةِ الْحَيَاةِ النَّبَاتِيَّةِ.

وَالْآيَةُ الْخَامِسَةُ: مَا فَرَّقَ اللهُ فِي الْأَرْضِ مِنْ أَنْوَاعِ الدَّوَابِّ كُلِّهَا، عَلَى اخْتِلَافِ أَحْجَامِهَا، وَأَشْكَالِهَا، وَأَلْوَانِهَا، وَأَصْوَاتِهَا، وَمُدَدِ حَمْلِهَا، وَكَيْفِيَّةِ تَنَاسُلِهَا، وَوُجُوهِ الِانْتِفَاعِ بِهَا.

وَالْآيَةُ السَّادِسَةُ: تَقْلِيبُ اللهِ الرِّيَاحَ، وَتَنْوِيعُهَا فِي جِهَاتِهَا شَرْقًا وَغَرْبًا وَشَمَالًا وَجَنُوبًا، وَفِي أَحْوَالِهَا حَارَّةً وَبَارِدَةً، وَعَاصِفَةً وَلَيِّنَةً، وَمُلَقِّحَةً لِلنَّبَاتِ وَعَقِيمًا.

وَالْآيَةُ السَّابِعَةُ: الْغَيْمُ الْمُذَلَّلُ الْمُسَيَّرُ وَفْقَ مَقَادِيرِ اللهِ وَأَوَامِرِهِ الْحَكِيمَةِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.

فَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَوْنِيَّةِ السَّبْعِ دَلَائِلُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، وَعَجَائِبُ دَالَّةٌ عَلَى عَظَمَةِ قُدْرَتِهِ، وَإِبْدَاعِهِ لِمَخْلُوقَاتِهِ، وَكَمَالِ إِرَادَتِهِ، وَوَاسِعِ عِلْمِهِ، وَجَلِيلِ حِكْمَتِهِ وَإِتْقَانِهِ، مَعَ عِنَايَتِهِ بِعِبَادِهِ.

كُلُّهَا آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ عَقْلًا عِلْمِيًّا، فَيَعْلَمُونَ أَنَّ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ خَالِقًا وَمُدَبِّرًا، قَادِرًا عَلَى مَا يُرِيدُ.

وَقَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40].

لَا الشَّمْسُ يَصْلُحُ لَهَا وَلَا يَتَيَسَّرُ لَهَا أَنْ تَلْحَقَ وَتَبْلُغَ الْقَمَرَ فَتَبْتَلِعَهُ؛ لِأَنَّ ضَابِطَ الْعَدْلِ الْمُتْقَنِ بَيْنَ الْجَاذِبِيَّاتِ وَالْحَرَكَاتِ يَمْنَعُهَا مِنْ أَنْ تَطْغَى مُتَجَاوِزَةً حُدُودَهَا الَّتِي قَدَّرَهَا اللهُ وَقَضَاهَا.

وَلَا اللَّيْلُ يَسْبِقُ زَمَانَ حُدُوثِ النَّهَارِ وَلَا يَسْبِقُ مَكَانَ حُدُوثِهِ؛ إِذْ كُلَّمَا وُجِدَ النَّهَارُ فِي أَيِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ انْعَدَمَ اللَّيْلُ، فَلَا يَكُونُ لِلَّيْلِ سَبْقٌ لِلنَّهَارِ لَا فِي الزَّمَانِ وَلَا فِي الْمَكَانِ، كَمَا أَنَّ الظُّلْمَةَ بِطَبِيعَتِهَا لَا تَغْلِبُ الضَّوْءَ، وَلَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَفَوَّقَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ وُجُودَ اللَّيْلِ يَتَوَقَّفُ عَلَى غِيَابِ النَّهَارِ، بَيْنَمَا يَحْدُثُ النَّهَارُ بِمُجَرَّدِ إِشْرَاقِ الشَّمْسِ بِضَوْئِهَا.

وَلِكُلِّ نَجْمٍ أَوْ كَوْكَبٍ فَلَكٌ خَاصٌّ بِهِ يَسِيرُ عَلَى خَطِّهِ سَابِحًا لَا يَتَعَدَّى حُدُودَهُ، وَهُمْ جَمِيعًا يَسْبَحُونَ بِانْتِظَامٍ عَجِيبٍ دُونَ أَنْ تَتَعَارَضَ أَوْ تَتَصَادَمَ؛ {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}.

وَقَالَ تَعَالَى: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ} [الملك: 3].

هُوَ الَّذِي خَلَقَ فِي كَوْنِهِ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ، فَجَعَلَهَا مُتَطَابِقَةً بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ؛ كُلُّ كُرَةٍ تُحِيطُ بِالْكُرَةِ الدَّاخِلَةِ فِيهَا إِلَى سَبْعِ كُرَاتٍ.

مَا تَرَى -أَيُّهَا النَّاظِرُ الْمُدَقِّقُ- فِي شَيْءٍ مِنْ خَلْقِ الرَّحْمَنِ اعْوِجَاجًا وَلَا اخْتِلَافًا وَلَا تَنَاقُضًا عَنْ قُصْوَى دَرَجَاتِ إِتْقَانِهِ لِمَا خُلِقَ لَهُ، وَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِنْ ذَلِكَ فَكَرِّرِ النَّظَرَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، هَلْ تَرَى فِيهَا مِنْ شُقُوقٍ وَصُدُوعٍ؟!!

* وَمِنْ أَعْظَمِ مَظَاهِرِ النِّظَامِ فِي الْكَوْنِ: الْإِحْكَامُ وَالنِّظَامُ الْكَامِلُ فِي تَعَاقُبِ الْأَزْمَانِ وَالْفُصُولِ؛ فَقَدْ جَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- تَعَاقُبَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ عَلَى مُحِيطِ الْأَرْضِ فِي الْمَجِيءِ وَالذَّهَابِ، وَالظُّلْمَةِ وَالنُّورِ، بِنِظَامٍ مُحْكَمٍ وَدَقِيقٍ مِنَ الْآيَاتِ الْكَوْنِيَّةِ الدَّالَّةِ بِوُضُوحٍ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ -تَعَالَى- وَإِلَهِيَّتِهِ، وَاللهُ -جَلَّ وَعَلَا- جَعَلَ هَذَا التَعَاقُبَ لِحِكَمٍ جَلِيلَةٍ عَظِيمَةٍ؛ فَقَدْ قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ} [النور: 44].

يُغَيِّرُ اللهُ أَحْوَالَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بِالطُّولِ وَالْقِصَرِ، وَالِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ؛ بِسَبَبِ حَرَكَةِ الْأَرْضِ حَوْلَ نَفْسِهَا وَحَوْلَ الشَّمْسِ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَدَلَالَةً لِأَهْلِ الْعُقُولِ وَالْبَصَائِرِ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ.

وَمِنْ أَعْظَمِ حِكَمِ تَعَاقُبِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ: أَنَّ اللهَ جَعَلَ اللَّيْلَ لِرَاحَةِ الْبَشَرِ، وَالنَّهَارَ لِطَلَبِ الرِّزْقِ، وَتَحْصِيلِ أَسْبَابِ الْمَعَاشِ؛ قَالَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا} [النبأ: 10-11].

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ سِتْرًا وَغِطَاءً، وَقَطْعًا لِلْحَرَكَةِ، وَتَحْصِيلًا لِلرَّاحَةِ، وَجَعَلْنَا النَّهَارَ وَقْتًا لِطَلَبِ الْعَيْشِ وَالرِّزْقِ، وَتَحْصِيلِ أَسْبَابِ الْمَعَاشِ وَالْحَيَاةِ.

وَقَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [النحل: 12]

وَذَلَّلَ اللهُ لَكُمُ اللَّيْلَ لِرَاحَتِكُمْ، وَالنَّهَارَ لِمَعَاشِكُمْ.

* وَمِنْ مَظَاهِرِ النِّظَامِ الْمُحْكَمِ فِي كَوْنِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: ((الْآيَاتُ النَّفْسِيَّةُ؛ قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21].

{أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} [يس: 77].

{فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ *  خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ} [الطارق: 5-6]، وَنَحْوَهَا مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي يُنَبِّهُ اللهُ فِيهَا الْإِنْسَانَ عَلَى التَّأَمُّلِ وَالنَّظَرِ فِي ابْتِدَاءِ خَلْقِهِ وَتَطَوُّرِهِ، وَكَيْفَ تَنَقَّلَتْ بِهِ الْأَحْوَالُ مِنَ النُّطْفَةِ إِلَى أَنْ صَارَ إِنْسَانًا كَامِلًا فِي بَدَنِهِ وَفِي عَقْلِهِ، وَكَيْفَ أَحْسَنَ اللهُ خَلْقَهُ وَنَظَمَهُ هَذَا النِّظَامَ الْعَجِيبَ، فَوَضَعَ فِيهِ كُلَّ عُضْوٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي مَنَافِعِهِ كُلِّهَا، وَوَضَعَ كُلَّ عُضْوٍ فِي مَحَلِّهِ اللَّائِقِ بِهِ الَّذِي لَا يَحْسُنُ وَلَا يَلِيقُ أَنْ يُوضَعَ إِلَّا فِي مَحَلِّهِ.

وَمِنْ آيَاتِهِ الْأُفُقِيَّةِ النَّفْسِيَّةِ إِخْبَارُهُ -تَعَالَى- أَنَّهُ سَخَّرَ لِلْإِنْسَانِ جَمِيعَ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَعَادِنَ الْكَوْنِ وَعَنَاصِرَهُ، ثُمَّ إِخْبَارُهُ بِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا، وَجَعَلَ لَهُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ وَآلَاتِ الْعِلْمِ، وَعَلَّمَهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ)) .

وَمِنْ مَظَاهِرِ النِّظَامِ فِي كَوْنِ الرَّحْمَنِ: الْمَحْسُوسَاتُ؛ فَهِيَ تَنْقَسِمُ فِي أَخْصَرِ تَقْسِيمٍ إِلَى: حَيَاةٍ، وَمَادَّةٍ، وَطَاقَةٍ.

الْحَيَاةُ فِي مُخْتَلَفِ صُوَرِهَا تَنْتَفِعُ بِالْمَادَّةِ وَالطَّاقَةِ وَتَتَوَقَّفُ عَلَيْهِمَا.

الْمَادَّةُ وَالطَّاقَةُ مُتَلَازِمَتَانِ، فَالْمَادَّةُ لَا تَنْفَكُّ عَنِ الطَّاقَةِ؛ ظَاهِرَةٍ أَوْ بَاطِنَةٍ، وَالطَّاقَةُ لَا تَكَادُ تَنْفَكُّ عَنْ مَادَّةٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ خَالِقَ الْمَادَّةِ وَالطَّاقَةِ وَاحِدٌ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، وَأَنَّهُ هُوَ خَالِقُ الْحَيَاةِ.

الطَّاقَةُ فِي الْأَرْضِ مَصْدَرُهَا الشَّمْسُ؛ فَكُلُّ نَارٍ تُوقَدُ وَكُلُّ طَعَامٍ يُؤْكَلُ مَصْدَرُ طَاقَتِهِ: الشَّمْسُ الَّتِي يَخْتَزِنُهَا النَّبَاتُ كِيمَاوِيًّا؛ لِيَكُونَ غِذَاءً وَوَقُودًا لِلْحَيَوَانِ، فَضْلًا عَنْ ضَرُورَةِ الشَّمْسِ لِلْحَيَاةِ بِالنَّهَارِ.

حَتَّى طَاقَةُ الْفَحْمِ وَزَيْتُ الْبِتْرُولِ أَصْلُهُمَا مِنَ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّ الْفَحْمَ أَصْلُهُ نَبَاتِيٌّ، وَزَيْتُ الْبِتْرُولِ أَصْلُهُ نَبَاتِيٌّ أَوْ حَيَوَانِيٌّ، وَلَوْ كَانَ أَصْلُهُ مَعْدِنِيًّا لَكَانَ مَرْجِعُ طَاقَتِهِ -أَيْضًا- إِلَى الشَّمْسِ، حَتَّى حَرَارَةُ جَوْفِ الْأَرْضِ وَنَارِ الْبَرَاكِينِ أَصْلُهَا الشَّمْسُ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ قِطْعَةً مِنَ الشَّمْسِ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ أَرْضًا.

أَثْبَتَ ذَلِكَ الْعِلْمُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ.

فَخَالِقُ الْحَيَاةِ وَالْمَادَّةِ وَالطَّاقَةِ هُوَ خَالِقُ الْأَرْضِ وَالشَّمْسِ.

وَمِنْ أَعْظَمِ مَظَاهِرِ النِّظَامِ فِي كَوْنِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: جَرَيَانُ الشَّمْسِ، وَمَنَازِلُ الْقَمَرِ؛ قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} [يس: 38-39].

هَذِهِ الشَّمْسُ تَسِيرُ بِانْتِظَامٍ مُسْرِعَةً إِلَى مُسْتَقَرٍّ لَهَا قَدَّرَهُ اللهُ زَمَانًا وَمَكَانًا، ذَلِكَ الْجَرَيَانُ الْمُتْقَنُ الْعَجِيبُ الْمُسْتَمِرُّ لِبُلُوغِ مُسْتَقَرٍّ يَتَوَقَّفُ عِنْدَهُ جَرَيَانُ الشَّمْسِ فِي مَكَانٍ مُحَدَّدٍ مِنَ الْكَوْنِ وَزَمَانٍ مُحَدَّدٍ مِنَ الدَّهْرِ.

ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْقَوِيِّ الْغَالِبِ بِقُدْرَتِهِ، الْمُحِيطِ عِلْمًا بِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي حَدَّدَ مَقَادِيرَ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ الَّتِي تَجْرِي فِيهَا الشَّمْسُ، وَمَقَادِيرَ حَجْمِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَجْمُوعَتِهَا، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى مَجْمُوعَاتِ النُّجُومِ الْأُخْرَى فِي السَّمَاوَاتِ.

وَقَدَّرْنَا لِلْقَمَرِ مَنَازِلَ يَنْزِلُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ فِي مَنْزِلٍ مِنْهَا لَا يَتَعَدَّاهُ، يَبْدَأُ هِلَالًا ضَئِيلًا حَتَّى يَكْمُلَ قَمَرًا مُسْتَدِيرًا، ثُمَّ يَرْجِعُ فِي آخِرِ مَنَازِلِهِ ضَئِيلًا مِثْلَ عُودِ النَّخْلَةِ الْمُتَقَوِّسِ الْيَابِسِ الْمُصْفَرِّ كَمَا كَانَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ.

وَالْقَمَرُ مُرْتَبِطٌ بِالْأَرْضِ، يَدُورُ حَوْلَهَا وَيَنْفَعُ أَهْلَهَا، وَكَانَ مِنْ قَبْلُ قِطْعَةً مِنْهَا كَمَا كَانَتْ هِيَ قِطْعَةً مِنَ الشَّمْسِ، فَخَالِقُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهَا وَاحِدٌ -سُبْحَانَهُ-.

الْأَرْضُ إِنْ هِيَ إِلَّا سَيَّارٌ مِنْ سَيَّارَاتِ الْمَجْمُوعَةِ الشَّمْسِيَّةِ؛ وَإِنِ امْتَازَتْ عَنْ سَائِرِهَا بِالْحَيَاةِ الدَّافِقَةِ.

بَقِيَّةُ السَّيَّارَاتِ وَأَقْمَارُهَا أَصْلُهَا -أَيْضًا- الشَّمْسُ، وَهِيَ مُرْتَبِطَةٌ بِهَا كَارْتِبَاطِ الْأَرْضِ وَقَمَرِهَا بِهَا؛ فَخَالِقُ الْمَجْمُوعَةِ الشَّمْسِيَّةِ وَمَا فِيهَا وَاحِدٌ -سُبْحَانَهُ-.

وَهَذِهِ مِنْ طُرُقِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ بِإِثْبَاتِ وَحْدَةِ النِّظَامِ الْحَاكِمِ لِلْكَوْنِ، فَيَدُلُّكَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَصْدَرَهُ وَاحِدٌ، وَهُوَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-.

وَمِنْ أَعْظَمِ مَظَاهِرِ النِّظَامِ فِي كَوْنِ الرَّحْمَنِ: دَوْرَةُ الْمَاءِ بَيْنَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، دَوْرَةُ الْعَنَاصِرِ اللَّازِمَةِ كُلٌّ مِنْهَا لِاسْتِمْرَارِ الْحَيَاةِ عَلَى الْأَرْضِ؛ كُلُّ ذَلِكَ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ، أَوْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا، فَالْأُكْسِجِينُ وَالْكَرْبُونُ -مَثَلًا- اللَّازِمَانِ لِتَنَفُّسِ وَتَغَذِّي الْأَحْيَاءِ وَلِلْوَقُودِ فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ؛ يَتَحَوَّلَانِ تَدْرِيجِيًّا إِلَى ثَانِي أُكْسِيدِ الْكَرْبُونِ الَّذِي لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَالَّذِي يَضُرُّ إِذَا زَادَتْ نِسْبَتُهُ فِي الْجَوِّ إِلَى نَحْوِ بِضْعَةِ أَجْزَاءٍ عَلَى الْعَشْرَةِ آلَافٍ، فَلَوْ زَادَ عَنْ هَذِهِ النِّسْبَةِ أَضَرَّ الْأَحْيَاءَ.

فَلَوْ لَمْ يَتَجَدَّدَا بِحَيَاةِ النَّبَاتِ الَّذِي يُحَلِّلُ ثَانِيَ أُكْسِيدِ الْكَرْبُونِ بِخُضْرَةِ وَرَقِهِ وَضَوْءِ الشَّمْسِ، فَيَتَغَذَّى بِالْكَرْبُونِ وَيَنْمُو وَيَنْفُثُ الْأُكْسِجِينَ، فَكَذَلِكَ يَصْنَعُ النَّبَاتُ، فَيَأْخُذُ ثَانِيَ أُكْسِيدِ الْكَرْبُونِ الَّذِي يَضُرُّ بِالْإِنْسَانِ، وَالَّذِي يَتَنَفَّسُهُ الْإِنْسَانُ، يَأْخُذُهُ النَّبَاتُ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَتَغَذَّى عَلَى الْكَرْبُونِ الَّذِي فِيهِ، وَيَنْفُثُ لَنَا نَحْنُ الْأُكْسِجِينَ فِي الْهَوَاءِ لِلْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ يَتَنَفَّسَانِهِ.

إِذَنْ؛ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَنَفِدَ الْأُكْسِجِينُ مِنَ الْهَوَاءِ، وَبَطَلَ الِانْتِفَاعُ بِمُرَكَّبَاتِ الْكَرْبُونِ فِي الْغِذَاءِ، وَأَيُّ هَذَيْنِ لَوْ حَدَثَ كَافٍ لِإِيقَافِ الْحَيَاةِ عَلَى الْأَرْضِ.

فَهَذِهِ الدَّوْرَةُ -كَمَا تَرَى- بِقَانُونٍ وَاحِدٍ تَدُلُّ عَلَى قُدْرَةِ الْخَالِقِ -جَلَّ وَعَلَا-، لَا عَلَى وُجُودِهِ فَحَسْبُ؛ بَلْ عَلَى قُدْرَتِهِ، وَعَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ.

وَمِنْ مَظَاهِرِ النِّظَامِ فِي كَوْنِ الرَّحْمَنِ: دَوْرَاتُ حَيَاةِ الْكَائِنَاتِ الْحَيَّةِ، لِنَعْلَمْ جَمِيعًا أَنَّ هَذَا الْكَوْنَ عَامِرٌ بِالْكَائِنَاتِ الَّتِي لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللهُ، وَكُلُّهَا مَرْزُوقٌ مِنْ رِزْقِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَهُوَ أَمْرٌ عِنْدَمَا يَتَأَمَّلُ الْمَرْءُ فِيهِ يَكَادُ عَقْلُهُ يَذْهَبُ مِنْهُ.

فَعَلَيْكَ أَنْ تَتَصَوَّرَ -مَثَلًا- وَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْكَائِنَاتِ الْبَحْرِيَّةَ الَّتِي تَحْيَا فِي الْبِحَارِ وَالْمُحِيطَاتِ هِيَ أَكْثَرُ عَدَدًا مِنَ الْكَائِنَاتِ الْبَرِّيَّةِ بِمَا لَا يُقَاسُ، وَكُلُّهَا مَرْزُوقَةٌ، وَلِكُلٍّ مِنْهَا دَوْرَةُ حَيَاةٍ، تُولَدُ بِالْمِيلَادِ الَّذِي قَدَّرَهُ اللهُ، ثُمَّ تَمْضِي فِي حَيَاتِهَا بِرِزْقٍ مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ تَغْذِيَةٍ أَوْ نَفَسٍ أَوْ إِخْرَاجٍ، تَتَكَاثَرُ أَوْ لَا تَتَكَاثَرُ، ثُمَّ يَنْتَهِي أَجَلُهَا عِنْدَ حَدٍّ حَدَّدَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَمَسَارِبُهَا فِي الْحَيَاةِ مَحْسُوبَةٌ.

مِنْ أَعْظَمِ مَعَالِمِ النِّظَامِ الْمُحْكَمِ فِي كَوْنِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: ((الْإِبْدَاعُ الْإِلَهِيُّ فِي النَّحْلَةِ: هَذَا التَّكْوِينُ الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهَا، فَقَدْ جَعَلَ لَهَا الْبَارِي -سُبْحَانَهُ- مَعِدَتَيْنِ، فَلِلنَّحْلَةِ مَعِدَتَانِ، إِحْدَاهُمَا تَسْتَعْمِلُهَا لِجَمْعِ الْمَوَادِّ الْأَوَّلِيَّةِ الَّتِي تَسْتَخْلِصُهَا مِنْ رَحِيقِ الْأَزْهَارِ، أَوْ تَحْمِلُ بِهَا الْمَاءَ وَتَنْقُلُهُ إِلَى الْخَلِيَّةِ، وَالْمَعِدَةُ الثَّانِيَةُ مُخَصَّصَةٌ لِلطَّعَامِ الَّذِي تَهْضِمُهُ وَتَتَغَذَّى بِهِ.

وَمِنَ الْعَجِيبِ: أَنَّ نَحْلَ كُلِّ خَلِيَّةٍ يَتَعَارَفُ عَلَى رَائِحَةِ تُمَيِّزُ نَحْلَهَا عَنْ غَيْرِهِ، وَتَسْتَطِيعُ النَّحْلَةُ أَنْ تَعُودَ إِلَى بَيْتِهَا مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ.

وَمِنْ عَجَائِبِ هِدَايَةِ النَّحْلِ: أَنَّهُ يَبْنِي جُدْرَانَ الْبُيُوتِ السُّدَاسِيَّةَ مِنَ الشَّمْعِ الْخَالِصِ الَّذِي لَا يَنْفُذُ مِنْهُ الْهَوَاءُ؛ وَلَكِنَّهُ عَنْدَمَا يُغْلِقُ أَبْوَابَ الْبُيُوتِ الَّتِي تَحْوِي يَرَقَاتِ النَّحْلِ يَخْلِطُ الشَّمْعَ بِحُبُوبِ اللِّقَاحِ، وَبِهَذَا يَتَسَرَّبُ الْهَوَاءُ مِنْ خِلَالِ حُبُوبِ اللِّقَاحِ، فَتَبْقَى الْيَرَقَاتُ حَيَّةً، وَلَوْ لَمْ يَهْدِهَا رَبُّهَا إِلَى ذَلِكَ لَمَاتَتِ الْيَرَقَاتُ، وَزَالَ النَّحْلُ مِنْ فَوْقِ ظَهْرِ الْبَسِيطَةِ.

وَقَدْ حَدَّثَنَا رَبُّنَا فِيمَا حَدَّثَنَا عَنْهُ مِنْ آيَاتِهِ الْبَاهِرَةِ الَّتِي تَسْتَدْعِي التَّأَمُّلَ وَالتَّفَكُّرَ إِلَى هِدَايَتِهِ الْعَجِيبَةِ لِلنَّحْلِ؛ {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 68-69])) .

* وَمِنْ مَعَالِمِ النِّظَامِ فِي كَوْنِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: النِّظَامُ الْمُحْكَمُ لِحَيَاةِ النَّمْلِ: هَذَا النَّمْلُ الَّذِي تَرَاهُ مِنْ كَبِيرٍ وَصَغِيرٍ كُلُّهُ مَخْلُوقٌ بِخَلْقِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- وَبِقُدْرَتِهِ، بَدَأَ بِبِدَايَةٍ مُعَيَّنَةٍ، بِدَايَةِ الْخَلْقِ لَهُ، بِكُلِّ نَمْلَةٍ نَمْلَةٍ، مِمَّا لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-، ثُمَّ تَمْضِي فِي حَيَاتِهَا مَرْزُوقَةً بِرِزْقِهَا، فَتَنْمُو شَيْئًا فَشَيْئًا، تَتَكَاثَرُ أَوْ لَا تَتَكَاثَرُ، ثُمَّ إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا انْتَهَى عُمُرُهَا.

فِي دَوْرَةِ الْحَيَاةِ هَذِهِ حَرَكَةُ حَيَاةٍ وَحَرَكَةٌ فِي الْوُجُودِ، وَهَذِهِ الْحَرَكَةُ مَرْصُودَةٌ مَكْتُوبَةٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ.

 ((ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي «شِفَاءِ الْعَلِيلِ» بَعْضَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِدَايَاتِ النَّمْلِ؛ فَقَالَ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَهَذَا النَّمْلُ مِنْ أَهْدَى الْحَيَوَانَاتِ، وَهِدَايَتُهَا مِنْ أَعْجَبِ شَيْءٍ؛ فَإِنَّ النَّمْلَةَ الصَّغِيرَةَ تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا، وَتَطْلُبُ قُوتَهَا وَإِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهَا الطَّرِيقُ.

فَإِذَا ظَفِرَتْ بِهِ؛ حَمَلَتْهُ وَسَاقَتْهُ فِي طُرُقٍ مُعْوَجَّةٍ بَعِيدَةٍ ذَاتِ صُعُودٍ وَهُبُوطٍ فِي غَايَةٍ مِنَ التَّوَعُّرِ، حَتَّى تَصِلَ إِلَى بُيُوتِهَا، فَتَخْزُنُ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي وَقْتِ الْإِمْكَانِ.

فَإِذَا خَزَنَتْهَا عَمَدَتْ إِلَى مَا يَنْبُتُ مِنْهَا فَفَلَقَتْهُ فِلْقَتَيْنِ لَئِلَّا يَنْبُتَ، فَإِنْ كَانَ يَنْبُتُ مَعَ فِلْقَةٍ وَاحِدَةً -أَيْ: بَعْدَ أَنْ يُفْلَقَ بِاثْنَتَيْنِ- فَإِنَّهَا تَفْلِقُهُ بِأَرْبَعَةٍ، فَإِذَا أَصَابَهُ بَلَلٌ وَخَافَتْ عَلَيْهِ الْعَفَنَ وَالْفَسَادَ انْتَظَرَتْ بِهِ يَوْمًا ذَا شَمْسٍ، فَخَرَجَتْ بِهِ فَنَشَرَتْهُ عَلَى أَبْوَابِ بُيُوتِهَا، ثُمَّ أَعَادَتْهُ إِلَى بُيُوتِهَا، وَلَا تَتَغَذَّى مِنْهَا نَمْلَةٌ مِمَّا جَمَعَهُ غَيْرُهَا.

وَيَكْفِي فِي هِدَايَةِ النَّمْلِ مَا حَكَاهُ اللهُ -سُبْحَانَهُ- فِي الْقُرْآنِ عَنِ النَّمْلَةِ الَّتِي سَمِعَ سُلَيْمَانُ كَلَامَهَا وَخِطَابَهَا لِأَصْحَابِهَا بِقَوْلِهَا: {يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}، فَاسْتَفْتَحَتْ خِطَابَهَا بِالنِّدَاءِ الَّذِي يَسْمَعُهُ مَنْ خَاطَبَتْهُ، ثُمَّ أَتَتْ بِالِاسْمِ الْمُبْهَمِ، ثُمَّ أَتْبَعَتْهُ بِمَا يُثْبِتُهُ مِنَ اسْمِ الْجِنْسِ إِرَادَةً لِلْعُمُومِ، ثُمَّ أَمَرَتْهُمْ بِأَنْ يَدْخُلُوا مَسَاكِنَهُمْ فَيَتَحَصَّنُوا مِنَ الْعَسْكَرِ.

ثُمَّ أَخْبَرَتْ عَنْ سَبَبِ هَذَا الدُّخُولِ، وَهُوَ خَشْيَةُ أَنْ يُصِيبَهُمْ مَعَرَّةُ الْجَيْشِ فَيَحْطِمَهُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ، ثُمَّ اعْتَذَرَتْ عَنْ نَبِيِّ اللهِ وَجُنُودِهِ بِأَنَّهُمْ لَا يَشْعَرُونَ بذَلِكَ، وَهَذَا مِنْ أَعْجَبِ الْهِدَايَةِ.

وَتَأَمَّلْ كَيْفَ عَظَّمَ اللهُ -سُبْحَانَهُ- شَأْنَ النَّمْلِ بِقَوْلِهِ: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ}، ثُمَّ قَالَ: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ}.

فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ بِأَجْمَعِهِمْ مَرُّوا عَلَى ذَلِكَ الْوَادِي، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْوَادِيَ مَعْرُوفٌ بِالنَّمْلِ؛ كَوَادِي السِّبَاعِ وَنَحْوِهِ، ثُمَّ أَخْبَرَ بِمَا دَلَّ عَلَى شِدَّةِ فِطْنَةِ هَذِهِ النَّمْلَةِ وَدِقَّةِ مَعْرِفَتِهَا، حَيْثُ أَمَرَتْهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا مَسَاكِنَهُمُ الْمُخْتَصَّةَ بِهِمْ، فَقَدْ عَرَفَتْ هِيَ وَالنَّمْلُ أَنَّ لِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنْهَا مَسْكَنًا لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ فِيهِ سِوَاهُمْ.

ثُمَّ قَالَتْ: {لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ}؛ فَجَمَعَتْ بَيْنَ اسْمِهِ وَعَيْنِهِ، وَعَرَّفَتْهُ بِهِمَا، وَعَرَّفَتْ جُنُودَهُ وَقَائِدَهَا، ثُمَّ قَالَتْ: {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}، فَكَأَنَّهَا جَمَعَتْ بَيْنَ الِاعْتِذَارِ عَنْ مَضَرَّةِ الْجَيْشِ بِكَوْنِهِمْ لَا يَشْعُرُونَ، وَبَيْنَ لَوْمِ أُمَّةِ النَّمْلِ حَيْثُ لَمْ يَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَيَدْخُلُوا مَسَاكِنَهُمْ، لِذَلِكَ تَبَسَّمَ نَبِيُّ اللهِ سُلَيْمَانُ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا، وَإِنَّهُ لَمَوْضِعُ تَعَجُّبٍ وَتَبَسُّمٍ)) .

هَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا كَانَ لِاسْتِجْلَاءِ بَعْضِ الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ فِي هَذَا الْخَلْقِ الْإِنْسَانِيِّ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ عَنِ الْحِكْمَةِ، وَأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا إِلَّا لِحِكْمَةٍ، فَلَيْسَ فِي هَذَا الْكَوْنِ كُلِّهِ مِنْ شَيْءٍ مَخْلُوقٍ إِلَّا عَلَى مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ خُلِقَ، وَعَلَى مُقْتَضَى الْعِلْمِ وُجِدَ، وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- الْقَادِرُ الْقَدِيرُ الْمُقْتَدِرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

فَإِذَا مَا تَنَزَّلْتَ إِلَى الْكَائِنَاتِ الدُّنْيَا، وَأَخَذْتَ الْفَيْرُوسَاتِ -مَثَلًا-، وَمِنَ الْفَيْرُوسَاتِ مَا لَا يُرَى بِالْعَيْنِ الْمُجَرَّدَةِ تَحْتَ الْمِجْهَرِ إِلَّا بِتَكْبِيرِهِ بِرُبُعِ مِلْيُونِ مَرَّةٍ -بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ أَلْفَ مَرَّةٍ- مِنْ أَجْلِ أَنْ يُرَى هَذَا الْفَيْرُوسُ الَّذِي يَفْعَلُ فِي النَّاسِ مَا تَعْلَمُونَ، كَـ (فَيْرُوس سِي) -مَثَلًا- فِي إِصَابَةِ الْكَبِدِ، فَهَذَا لَا يُرَى إِلَّا مُكَبَّرًا بِرُبُعِ مِلْيُونِ مَرَّةٍ.

وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بَدَأَهُ وَبَدَأَ خَلْقَهُ فِي وَقْتٍ حَدَّدَهُ، وَجَعَلَ لَهُ دَوْرَةَ حَيَاةٍ، يُصِيبُ الْخَلِيَّةَ الْفُلَانِيَّةَ مِنَ الْكَبِدِ فِي وَقْتٍ يُحَدِّدُهُ اللهُ، وَبِطَرِيقَةٍ يَدْخُلُ بِهَا إِلَى الْجَسِدِ! وَلَهُ تَغْذِيَتُهُ، وَلَهُ إِخْرَاجُهُ، وَلَهُ دَوْرَةُ حَيَاتِهِ بِتَكَاثُرِهِ، وَبِإِصَابَتِهِ لِمَا يُصِيبُهُ مِنْ تِلْكَ الْخَلَايَا فِي الْكَبِدِ الْإِنْسَانِيِّ مُدَمِّرًا أَوْ غَيْرَ مُدَمِّرٍ، ثُمَّ يَمْضِي فِي حَيَاتِهِ إِلَى نِهَايَتِهَا بِأَعْدَادٍ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهَا إِلَّا اللهُ!! وَكُلُّ ذَلِكَ بِعَيْنِ الرِّعَايَةِ مَرْصُودٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَصِلُ رِزْقُهُ، وَيَمْضِي عَلَيْهِ أَجَلُهُ، وَكَذَلِكَ الْكَائِنُ الْإِنْسَانِيُّ.

عِبَادَ اللهِ! ((هَذَا الْكَوْنُ الْهَائِلُ الضَّخْمُ الشَّاسِعُ الْوَاسِعُ، السَّائِرُ وَفْقَ نِظَامٍ دَقِيقٍ؛ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ صَانِعُهُ حَيًّا قَدِيرًا عَلِيمًا مُرِيدًا، وَاللهُ خَلَقَ الْخَلْقَ بِهَذَا التَّكْوِينِ الْهَائِلِ، وَهَذَا النِّظَامِ الْكَامِلِ؛ لِيُعَرِّفَنَا بِقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ؛ {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12].

وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ الَّذِي يَحْكُمُ هَذَا الْكَوْنَ عِلْمًا شَامِلًا كَامِلًا؛ {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [الأنعام: 59].

فَالنَّظَرُ فِي هَذَا الْكَوْنِ يَشِي بِأَنَّهُ مُحْكَمٌ مُتْقَنٌ، قَدْ وُضِعَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ فِي مَوْضِعِهِ الْمُنَاسِبِ، وَخُلِقَ بِالْمِقْدَارِ الْمُنَاسِبِ فِي غَايَةِ الْجَوْدَةِ وَالْإِتْقَانِ؛ {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88]، {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ} [السجدة: 7].

لِذَلِكَ فَإِنَّ النَّاظِرَ الْمُتَبَصِّرَ فِي خَلْقِ اللهِ لَا يَرَى إِلَّا الْكَمَالَ وَالْإِتْقَانَ، وَلَوْ بَحَثَ عَنْ عَيْبٍ فِي الْخَلْقِ مَا وَجَدَهُ؛ {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} [الملك: 3-4])) .

 

المصدر:احْتِرَامُ النِّظَامِ الْعَامِّ فِي ضَوْءِ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ

التعليقات


فوائد مفرغة قد تعجبك


  الْمُسْلِمُونَ جَسَدٌ وَاحِدٌ
  مِنْ سُبُلِ مُوَاجَهَةِ ظَاهِرَةِ الْإِدْمَانِ: تَحْذِيرُ الشَّبَابِ مِنْ أَخْطَارِ الْمُخَدِّرَاتِ
  مَفْهُومُ الْحَيَاةِ وَالِابْتِلَاءِ
  نَبِيُّكُمْ ﷺ كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا مَعَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ
  نِعْمَةُ الشَّبَابِ -مَرْحَلَةِ الْقُوَّةِ-
  ثَمَرَاتُ الْإِيجَابِيَّةِ
  سَبَبُ النَّصْرِ الْأَعْظَمُ: تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ وَالِاتِّبَاعِ
  حَاجَةُ الْعَالَمِ كُلِّهِ إِلَى دِينِنَا الرَّشِيدِ
  اللهُ هُوَ الْعَفُوُّ الْكَرِيمُ
  تَقْدِيمُ مَصْلَحَةِ الْأُمَّةِ عَلَى الْمَصَالِحِ الْخَاصَّةِ بِالصَّبْرِ عَلَى جَوْرِ الْأَئِمَّةِ
  الْإِيمَانُ تَصْلُحُ بِهِ الْحَيَاةُ عَلَى مُسْتَوَى الْأَفْرَادِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ
  حَالُ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ!!
  أَشْرَفُ الْعُلُومِ وَأَعْلَاهَا وَأَسْمَاهَا
  مَظَاهِرُ النِّظَامِ فِي عِبَادَةِ الصَّوْمِ
  الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ مِنْ أَهَمِّ عَوَامِلِ الْقُوَّةِ فِي بِنَاءِ الدُّوَلِ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان