أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ وَدُرُوسٌ مِنْ قِصَّةِ الْخَلِيلِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-

أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ وَدُرُوسٌ مِنْ قِصَّةِ الْخَلِيلِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-

((أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ وَدُرُوسٌ مِنْ قِصَّةِ الْخَلِيلِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-))

خُطْبَةُ عِيدِ الْأَضْحَى 1439هـ

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((مِنْ أَسْرَارِ الْحَجِّ الْعَظِيمَةِ))

((فَإِنَّ الْحَجَّ لَهُ شَأْنٌ آخَرُ لَا يُدْرِكُهُ إِلَّا الْحُنَفَاءُ الَّذِينَ ضَرَبُوا فِي الْمَحَبَّةِ بِسَهْمٍ، وَشَأْنُهُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ تُحِيطَ بِهِ الْعِبَارَةُ، وَهُوَ خَاصَّةُ هَذَا الدِّينِ الْحَنِيفِ، وَمَعُونَةُ الصَّلَاةِ، وَسِرُّ قَوْلِ الْعَبْدِ ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))، فَإِنَّهُ مُؤَسَّسٌ عَلَى التَّوْحِيدِ الْمَحْضِ وَالْمَحَبَّةِ الْخَالِصَةِ.

وَهُوَ اسْتِزَارَةُ الْمَحْبُوبِ لِأَحِبَّائِهِ، وَدَعْوَتُهُمْ إِلَى بَيْتِهِ وَمَحَلِّ كَرَامَتِهِ، وَلِهَذَا إِذَا دَخَلُوا فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ فَشِعَارُهُمْ: ((لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ)) إِجَابَةُ مُحِبٍّ لِدَعْوَةِ حَبِيبِهِ.

وَلِهَذَا كَانَ لِلتَّلْبِيَةِ مَوْقِعٌ عِنْدَ اللهِ، وَكُلَّمَا أَكْثَرَ الْعَبْدُ مِنْهَا كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَبِّهِ وَأَحْظَى عِنْدَهُ، فَهُوَ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ أَنْ يَقُولَ: ((لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ)) حَتَّى يَنْقَطِعَ نَفَسُهُ.

وَسَائِرُ شَعَائِرِ الْحَجِّ مِمَّا شَهِدَتْ بِحُسْنِهِ الْعُقُولُ السَّلِيمَةُ، وَالْفِطَرُ الْمُسْتَقِيمَةُ، وَعَلِمَتْ أَنَّ الَّذِي شَرَعَ هَذِهِ لَا حِكْمَةَ فَوْقَ حِكْمَتِهِ)) .

((إِنَّ الْحَاجَّ يَتَذَكَّرُ بِتَحْصِيلِ الزَّادِ زَادَ الْآخِرَةِ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَلْيَحْذَرْ أَنْ تَكُونَ أَعْمَالُهُ فَاسِدَةً بِالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، فَلَا تَصْحَبُهُ وَلَا تَنْفَعُهُ، كَالطَّعَامِ الرَّطْبِ الَّذِي يَفْسُدُ فِي أَوَّلِ مَنَازِلِ السَّفَرِ، فَيَبْقَى صَاحِبُهُ وَقْتَ الْحَاجَةِ مُتَحَيِّرًا.

وَإِذَا فَارَقَ الْحَاجُّ وَطَنَهُ، وَدَخَلَ الْبَادِيَةَ، وَشَهِدَ تِلْكَ الْعَقَبَاتِ وَالصِّعَابَ وَالشَّدَائِدَ، فَلْيَتَذَكَّرْ بِذَلِكَ خُرُوجَهُ مِنَ الدُّنْيَا بِالْمَوْتِ إِلَى مِيقَاتِ الْقِيَامَةِ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْأَهْوَالِ.

وَمِنْ ذَلِكَ: أَنْ يَتَذَكَّرَ وَقْتَ إِحْرَامِهِ وَتَجَرُّدِهِ مِنْ ثِيَابِهِ أَنَّهُ يَلْبَسُ كَفَنَهُ، وَأَنَّهُ سَيَلْقَى رَبَّهُ بِزِيٍّ مُخَالِفٍ لِزِيِّ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَأَنَّهُ يَأْتِي رَبَّهُ مُتَجَرِّدًا مِنَ الدُّنْيَا وَرِفْعَتِهَا وَغُرُورِهَا، مَا مَعَهُ إِلَّا عَمَلُهُ؛ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ.

وَإِذَا لَبَّى فَلْيَسْتَحْضِرْ بِتَلْبِيَتِهِ إِجَابَةَ اللهِ تَعَالَى؛ إِذْ قَالَ: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} [الحج: 27]، وَلْيَرْجُ الْقَبُولَ، وَلْيَخْشَ عَدَمَ الْإِجَابَةِ، وَلْيَتَذَكَّرْ خَيْرَ مَنْ لَبَّى وَأَجَابَ النِّدَاءَ، مُحَمَّدًا ﷺ وَصَحَابَتَهُ الْكِرَامَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ-، وَلْيَعْزِمْ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ، وَاقْتِفَاءِ سُنَّتِهِ، وَاتِّبَاعِ طَرِيقِهِ.

وَإِذَا وَصَلَ إِلَى الْحَرَمِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجُوَ الْأَمْنَ مِنَ الْعُقُوبَةِ، وَأَنْ يَخْشَى أَلَّا يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبِ عِنْدَ اللهِ، مُعَظِّمًا رَجَاءَهُ فِي رَبِّهِ، مُحْسِنًا ظَنَّهُ بِهِ.

فَإِذَا رَأَى الْبَيْتَ الْحَرَامَ اسْتَحْضَرَ عَظَمَةَ اللهِ فِي قَلْبِهِ، وَعَظُمَتْ خَشْيَتُهُ لَهُ، وَازْدَادَ لَهُ هَيْبَةً وَإِجْلَالًا، وَشَكَرَ اللهَ تَعَالَى عَلَى تَبْلِيغِهِ رُتْبَةَ الْوَافِدِينَ إِلَيْهِ، وَلْيَسْتَشْعِرْ عَظَمَةَ الطَّوَافِ بِهِ؛ فَإِنَّهُ صَلَاةٌ.

وَأَمَّا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَالْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ ثُمَّ فِي مِنًى، فَيَتَذَكَّرْ بِمَا يَرَى مِنَ ازْدِحَامِ الْخَلْقِ، وَارْتِفَاعِ أَصْوَاتِهِمْ، وَاخْتِلَافِ لُغَاتِهِمْ، فَلْيَتَذَكَّرْ بِذَلِكَ مَوْقِفَ الْقِيَامَةِ، وَاجْتِمَاعَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي ذَلِكَ الْمَوْطِنِ وَمَا فِيهِ مِنْ أَهْوَالٍ وَشَدَائِدَ: {يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13)} [القيامة: 10-13].

وَإِذَا جَاءَ رَمْيُ الْجِمَارِ؛ فَاقْصِدْ بِذَلِكَ الِانْقِيَادَ لِلْأَمْرِ، وَإِظْهَارَ الرِّقِّ وَالْعُبُودِيَّةِ وَالْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ، وَامْتِثَالَ السُّنَّةِ، وَاتِّبَاعَ الطَّرِيقَةِ، وَتَقْدِيمَهَا عَلَى حُظُوظِ النَّفْسِ وَرَغَبَاتِهَا)) .

 ((مِنْ مَنَافِعِ الْحَجِّ وَثَمَرَاتِهِ))

قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 27-29].

{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ}؛ أَيْ: أَعْلِمْهُم بِهِ وَادْعُهُمْ إِلَيْهِ، وَبَلِّغْ دَانِيهِمْ وَقَاصِيهِمْ فَرْضَهُ وَفَضِيلَتَهُ، فَإِنَّكَ إِذَا دَعَوْتَهُمْ أَتَوْكَ حُجَّاجًا وَعُمَّارًا.

{رِجَالًا}؛ أَيْ: مُشَاةً عَلَى أَرْجُلِهِمْ مِنَ الشَّوْقِ.

{وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ}؛ أَيْ: نَاقَةٍ ضَامِرٍ تَقْطَعُ الْمَهَامِهَ وَالْمَفَاوِزَ، وَتَواصِلُ السَّيْرَ حَتَّى تَأْتِيَ إِلَى أَشْرَفِ الْأَمَاكِنِ.

{مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}؛ أَيْ: مِنْ كُلِّ بَلَدٍ بَعِيدٍ، وَقَدْ فَعَلَ الْخَلِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَدَعَوَا النَّاسَ إِلَى حَجِّ هَذَا الْبَيْتِ، وَأَبْدَيَا فِي ذَلِكَ وَأَعَادَا، وَقَدْ حَصَلَ مَا وَعَدَ اللهُ تَعَالَى بِهِ؛ أَتَاهُ النَّاسُ رِجَالًا وَرُكْبَانًا مِنْ مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا.

ثُمَّ ذَكَرَ فَوَائِدَ زِيَارَةِ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ مُرَغِّبًا فِيهِ؛ فَقَالَ:

{لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}؛ أَيْ: لِيَنَالُوا بَبَيْتِ اللهِ مَنَافِعَ دِينِيَّةً مِنَ الْعِبَادَاتِ الْفَاضِلَةِ وَالْعِبَادَاتِ الَّتِي لَا تَكُونُ إِلَّا فِيهِ، وَمَنَافِعَ دُنْيَوِيَّةً مِنَ التَّكَسُّبِ وَحُصُولِ الْأَرْبَاحِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَكُلُّ هَذَا أَمْرٌ مُشَاهَدٌ كُلٌّ يَعْرِفُهُ.

{وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ}، وَهَذَا مِنَ الْمَنَافِعِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ؛ أَيْ: لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عِنْدَ ذَبْحِ الْهَدَايَا؛ شُكْرًا للهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْهَا وَيَسَّرَهَا لَهُمْ، فَإِذَا ذَبَحْتُمُوهَا {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}؛ أَيْ: شَدِيدَ الْفَقْرِ.

{ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ}؛ أَيْ: يَقْضُوا نُسُكَهُمْ، وَيُزِيلُوا الْوَسَخَ وَالْأَذَى الَّذِي لَحِقَهُمْ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ.

{وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} الَّتِي أَوْجَبُوهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْهَدَايَا.

{وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}؛ أَيِ: الْقَدِيمِ أَفْضَلِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، الْمُعْتَقِ مِنْ تَسَلُّطِ الْجَبَابِرَةِ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَمْرٌ بِالطَّوَافِ خُصُوصًا بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْمَنَاسِكِ عُمُومًا لِفَضْلِهِ وَشَرَفِهِ، وَلِكَوْنِهِ الْمَقْصُودَ وَمَا قَبْلَهُ وَسَائِلُ إِلَيْهِ.

وَلَعَلَّهُ -وَاللهُ أَعْلَمُ- لِفَائِدَةٍ أُخْرَى؛ وَهِيَ أَنَّ الطَّوَافَ مَشْرُوعٌ كُلَّ وَقْتٍ, وَسَوَاءٌ كَانَ تَابِعًا لِنُسُكٍ أَمْ مُسَتَقِلًّا بِنَفْسِهِ.

 ((أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا وَشَرَفُ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ))

اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ جَعَلَ عِيدَ الْأَضْحَى مُرْتَبِطًا بِعِبَادَةٍ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ -وَهِيَ عِبَادَةُ الْحَجِّ-، فِي خَيْرِ الْأَيَّامِ، وَأَشْرَفِ الْأَمَاكِنِ؛ فَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ  مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَالَ: ((أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا أَيَّامُ الْعَشْرِ)). وَالْحَدِيثُ صَحَّحَهُ لِغَيْرِهِ الْأَلْبَانِيُّ.

وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ أَيَّامَ الْعَشْرِ هِيَ أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا بِلَا اسْتِثْنَاءٍ.

وَاللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- فَاضَلَ بَيْنَ الْأَزْمَانِ؛ فَجَعَلَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرَ اللَّيَالِي، وَجعَلَ يَوْمَ النَّحْرِ أَفْضَلَ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

فَضَّلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ عَلَى سَائِرِ أَيَّامِ الْعَامِ، وَفَضَّلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بَعْضَ الْأَمْكِنَةِ عَلَى بَعْضٍ؛ فَجَعَلَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فَضْلًا وَأَجْرًا، وَجَعَلَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ بِأَلْفِ صَلَاةٍ .

فَفَاضَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بَيْنَ الْأَمَاكِنِ, وَفَاضَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بَيْنَ الْأَزْمَانِ.

وَفِي الْعَشْرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ؛ يَومٌ عَظِيمٌ قَدْرُهُ, جَلِيلٌ أَثَرُهُ؛ وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ.

أَخرَجَ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ))  بسَنَدِهِ، عَنْ عَائشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ, وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَة, فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟)).

وَأخَرَجَ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ))  بسَنَدِهِ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ؛ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنّْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبلَهُ, وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعدَهُ)).

وَيَوْمُ عَرَفَةَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أَكْمَلَ اللهُ فِيهِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الدِّينَ، وَأَتَمَّ فِيهِ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةَ؛ فَفِيهِ نَزَلَ قَوْلُ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

وَلَمْ يَنْزِلْ بَعْدَهَا حَلَالٌ وَلَا حَرَامٌ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَاشَ بَعْدَهَا وَاحِدًا وَثَمَانِينَ يَوْمًا.

قَالَ الْبَغَوِيُّ : ((فَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ نَعْيَ رَسُولِ اللهِ ﷺ)).

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ, وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))».

وَقَالَ ﷺ: ((مَعَاشِرَ النَّاسِ! أَتَانِي جِبْرِيلُ آنِفًا فَأَقْرَأَنِي مِنْ رَبِّي السَّلَامَ، وَقَالَ: إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- غَفَرَ لِأَهْلِ عَرَفَاتٍ وَأَهْلِ الْمَشْعَرِ، وَضَمِنَ عَنْهُمُ التَّبِعَاتِ)).

فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَذِا لَنَا خَاصَّةً؟

قَالَ: ((هَذِا لَكُمْ، وَلِمَنْ أَتَى مِنْ بَعْدِكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)).

فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: كَثُرَ خَيْرُ اللهِ وَطَابَ)) .

* أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا:

إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمَشْهُودِ, فِي يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ, فِي يَوْمِ النَّحْرِ -يَوْمِ الْأَضْحَى- فَهُوَ يَوْمُ الْأَضْحَى وَيَوْمُ النَّحْرِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَتَقَرَّبُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِنَحْرِ وَذَبْحِ الْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيِّ فِي مَكَّةَ -زَادَهَا اللهُ تَشْرِيفًا-, وَكَذَلِكَ فِي عُمُومِ الْأَمْصَارِ, يَتَقَرَّبُونَ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِالْقُرْبَانِ.

فَهَذَا يَوْمُ النَّحْرِ, هَذَا يَوْمُ الْأَضْحَى, وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ أَعْمَالِ الْحَجِّ تَقَعُ فِيهِ.

فَفِي هَذَا الْيَوْمِ يَقُومُ إِخْوَانُكُمْ مِنَ الْحَجِيجِ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ الْكُبْرَى, ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْحَرُونَ هَدْيَهُمْ أَوْ يَذْبَحُونَهُ, وَيَحْلِقُونَ رُؤُوسَهُمْ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَالْحَلْقُ عِبَادَةٌ لَا يَكُونُ إِلَّا للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَحْدَهُ, ثُمَّ يَقُومُونَ بِطَوَافِ الزِّيَارَةِ -زِيَارَةِ الْكَرِيمِ فِي بَيْتِهِ- يَقُومُونَ بِزِيَارَةِ الْفَرْضِ, بِزِيَارَةِ الْإِفَاضَةِ.

فِي هَذَا الْيَوْمِ تَقَعُ هَذِهِ الْأَعْمَالُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ.

وَأَمَّا هَذَا الرُّكْنُ -وَهُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ- فَهُوَ رُكْنُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ, سَبَقَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ؛ لِغُفْرَانِ الذُّنُوبِ, لِلتَّطَهُّرِ مِنَ الْمَآثِمِ وَالْعُيُوبِ, مِنْ أَجْلِ التَّأَهُّلِ لِزِيَارَةِ الْكَرِيمِ فِي بَيْتِهِ.

فَإِنَّ الْحَجِيجَ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ؛ لِيَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ, وَلِيُطَهِّرَهُمْ مِنْ عُيُوبِهِمْ, ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْفِرُونَ إِلَى الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ يَبِيتُونَ لَيْلَتَهُمْ, ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْفِرُونَ إِلَى مِنًى؛ لِرَجْمِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ الْكُبْرَى, ثُمَّ لِتَقْدِيمِ الْهَدْيِ وَالْقُرْبَانِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, وَحَلْقِ الرُّؤُوسِ.

ثُمَّ يَذْهَبُونَ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَطُوفُوا بِهِ, وَلِلسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ -فِي طَوَافِ زِيَارَةِ الْكَرِيمِ فِي بَيْتِهِ- وَحُقَّ لَهُمْ بَعْدَ أَنْ طَهَّرَهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ أَنْ يَكُونُوا مُسْتَأْهلِينَ مُؤَهَّلِينَ لِزِيَارَةِ بَيْتِ اللهِ الْعَظِيمِ, وَلِلطَّوَافِ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ, وَلِلسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.

فَهَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ, وَهُوَ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ؛ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أَفْضَلُ الْأَيَّامِ يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمُ الْقَرِّ)) ؛ وَهُوَ الْحَادِي عَشَرَ, وَفِيهِ يَقَرُّ الْحَجِيجُ, يَسْكُنُونَ بِمِنًى بَعْدَ أَنْ أَدَّوْا مَا عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْلِ رَمْيِ الْجَمَرَاتِ فِي الْحَادِي عَشَرَ وَالثَّانِي عَشَرَ لِمَنْ تَعَجَّلَ, وَالثَّالِثَ عَشَرَ لِمَنْ تَأَخَّرَ, وَهِيَ ((أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ للهِ -جَلَّ وَعَلَا-)) ؛ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

 ((دُرُوسٌ مِنْ قِصَّةِ الْخَلِيلِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-))

((إِنَّ الْمَشَاعِرَ وَمَوَاضِعَ الْأَنْسَاكِ -فِي الْحَجِّ- مِنْ جُمْلَةِ الْحِكَمِ فِيهَا؛ أَنَّ فِيهَا تَذْكِيرَاتٍ بِمَقَامَاتِ الْخَلِيلِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فِي عِبَادَاتِ رَبِّهِمْ، وَإِيمَانًا بِاللهِ وَرُسُلِهِ، وَحَثًّا عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِمُ الدِّينِيَّةِ، وَكُلُّ أَحْوَالِ الرُّسُلِ دِينِيَّةٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125]» .

وَمِنْ ذَلِكَ؛ أَنَّهُ لَمَّا تَمَكَّنَ حُبُّ إِسْمَاعِيلَ مِنْ قَلْبِهِ، وَأَرَادَ اللهُ أَنْ يَمْتَحِنَ خَلِيلَهُ إِبْرَاهِيمَ لِتَقْدِيمِ مَحَبَّةِ رَبِّهِ وَخُلَّتِهِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الْمُشَارَكَةَ وَالْمُزَاحَمَةَ، فَأَمَرَهُ فِي الْمَنَامِ أَنْ يَذْبَحَ إِسْمَاعِيلَ، وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ مِنَ اللهِ، فَقَالَ لِإِسْمَاعِيلَ: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}.

{فَلَمَّا أَسْلَمَا}؛ أَيْ: خَضَعَا لِأَمْرِ اللهِ، وَانْقَادَا لِأَمْرِهِ تَعَالَى، وَوَطَّنَا أَنْفُسَهُمَا عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الْمُزْعِجِ الَّذِي لَا تَكَادُ النُّفُوسُ تَصْبِرُ عَلَى عُشْرِ مِعْشَارِهِ.

{وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}، نَزَلَ الْفَرَجُ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} [الصافات: 102 -105].

فَحَصَلَ تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلَى هَذِهِ الْمِحْنَةِ وَالْبَلْوَى الشَّاقَّةِ الْمُزْعِجَةِ، وَحَصَلَتِ الْمُقَدِّمَاتُ وَالْجَزْمُ الْمُصَمِّمُ، وَتَمَّ لَهُمَا الْأَجْرُ وَالثَّوَابُ، وَحَصَلَ لَهُمَا الشَّرَفُ وَالْقُرْبُ وَالزُّلْفَى مِنَ اللهِ، وَمَا ذَلِكَ مِنْ أَلْطَافِ الرَّبِ بِعَزِيزٍ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 105-107].

وَأيُّ ذِبْحٍ أَعْظَمُ مِنْ كَوْنِهِ حَصَلَ بِهِ مَقْصُودُ هَذِهِ الْعِبَادَةِ الَّتِي لَا يُشْبِهُهَا عِبَادَة، وَصَارَ سُنَّةً فِي عَقِبِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ، وَيُدْرَكُ بِهِ ثَوَابُهُ وَرِضَاهُ: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الصافات: 108-109].

ثُمَّ إِنَّ اللهَ أَتَمَّ النِّعْمَةَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَرَحِمَ زَوْجْتَهُ سَارَّةَ عَلَى الْكِبَرِ وَالْعُقْمِ وَالْيَأْسِ بِالبِشَارَةِ بِالِابْنِ الْجَلِيلِ وَهُوَ إِسْحَاقُ، وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ.

((مِنْ دُرُوسِ قِصَّةِ الْخَلِيلِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَنَّ: الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ وَالْمِحْنَةَ يَتْبَعُهَا مِنْحَةٌ))

لَمَّا ذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بِهَاجَرَ وَبِابْنِها إِسْمَاعِيلَ إِلَى مَكَّةَ، وَهِيَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَيْسَ فِيهَا سَكَنٌ وَلَا مَسْكَنٌ وَلَا مَاءٌ وَلَا زَرْعٌ وَلَا غَيْرُهُ، وَزَوَّدَهُمَا بِسِقَاءٍ فِيهِ مَاءٌ، وَجِرَابٍ فِيهِ تَمْرٌ، وَوَضَعَهُمَا عِنْدَ دَوْحَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ مَحِلِّ بِئْرِ زَمْزَم، ثُمَّ قَفَّى عَنْهُمَا.

فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّنِيَّةِ بِحَيْثَ يُشْرِفُ عَلَيْهِمَا دَعَا اللهَ تَعَالَى، فَقَالَ: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37] إِلَى آخِرِ الدُّعَاءِ.

ثُمَّ اسْتَسْلَمَتْ لِأَمْرِ اللهِ، وَجَعَلَتْ تَأْكُلُ مِنْ ذَلِكَ التَّمْرِ، وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ حَتَّى نَفِدَا، فَعَطِشَتْ ثُمَّ عَطِشَ وَلَدُهَا، فَجَعَلَ يَتَلَوَّى مِنَ الْعَطَشِ، ثُمَّ ذَهَبَتْ فِي تِلْكَ الْحَالِ لَعَلَّهَا تَرَى أَحَدًا أَوْ تَجِدُ مُغِيثًا، فَصَعِدَتْ أَدْنَى جَبَلٍ مِنْهَا وَهُوَ الصَّفَا، وَتَطَلَّعَتْ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، ثُمَّ ذَهَبَتْ إِلَى الْمَرْوَةِ فَصَعِدَتْ عَلَيْهِ فَتَطَلَّعَتْ، فَلَمْ تَرَ أحدًا.

ثُمَّ جَعَلَتْ تَتَرَدَّدُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَهِيَ مَكْرُوبَةٌ مُضْطَرَّةٌ مُسْتَغِيثَةٌ بِاللهِ لَهَا وَلِابْنِها، وَهِيَ تَمْشِي وَتَلْتَفِتُ إِلَيْهِ خَشْيَةَ السِّبَاعِ عَلَيْهِ، فَإِذَا هَبَطَتِ الْوَادِي سَعَتْ حَتَّى تَصْعَدَ مِنْ جَانِبِهِ الْآخَرِ؛ لِئَلَّا يَخْفَى عَلَى بَصَرِهَا ابْنُهَا.

وَالْفَرَجُ مَعَ الْكَرْبِ، وَالْعُسْرُ يَتْبَعُهُ الْيُسْرُ، فَلَمَّا تَمَّتْ سَبَعَ مَرَّاتٍ تَسَمَّعَتْ حِسَّ الْمَلَكِ، فَبَحَثَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ زَمْزَمُ فَنَبَعَ الْمَاءُ، فَاشْتَدَّ فَرَحُ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ بِهِ.

فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، وَحَمِدَتِ اللهَ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ الْكُبْرَى، وَحَوَّطَتْ عَلَى الْمَاءِ لِئَلَّا يَسِيحَ.

وَنَرَى الْمِنْحَةَ خَارِجَةً مِنْ جَوْفِ الْمِحْنَةِ فِي قِصَّةِ الذَّبِيحِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-؛ فَقَدْ قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ} [الصافات: 107-108].

{وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}: وَاسْتَنْقَذْنَا إِسْمَاعِيلَ، فَجَعَلْنَا بَدِيلًا عَنْهُ كَبْشًا ضَخْمَ الْجُثَّةِ سَمِينًا.

{وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ}: وَتَرَكْنَا لِإِبْرَاهِيمَ ذِكْرًا جَمِيلًا، وَثَنَاءً حَسَنًا، وَتَحِيَّةً طَيِّبَةً يَدْعُو بِهَا الْمُرْسَلُونَ وَأَتْبَاعُهُمْ.

 ((مِنْ دُرُوسِ وَفَوَائِدِ قِصَّةِ الْخَلِيلِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: الِامْتِثَالُ وَالِاسْتِسْلَامُ لِأَمْرِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-))

قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 103-107].

{فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}: فَلَمَّا أَسْلَمَ الْأَبُ وَالِابْنُ أَمْرَهُمَا للهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ طَاعَةً لَهُ، وَامْتِثَالًا لِأَمْرِهِ، وَأَلْقَى إِبْرَاهِيمُ ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ عَلَى عُنُقِهِ وَخَدِّهِ، وَجَعَلَ أَحَدَ جَانِبَيْ جَبْهَتِهِ عَلَى الْأَرْضِ لِيَذْبَحَهُ، وَقَبَضَ عَلَى مِقْبَضِ سِكِّينِهِ لِيُنَفِّذَ الْأَمْرَ الرَّبَّانِيَّ؛ تَمَّ ابْتِلَاؤُهُمَا، وَاجْتَازَاهُ بِنَجَاحٍ عَظِيمٍ.

{وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا}: وَنَادَيْنَا إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ! قَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنْ تِلْكَ الرُّؤْيَا، حَيْثُ ظَهَرَ مِنْكَ كُلُّ الطَّاعَةِ وَالِانْقِيَادِ لِأَمْرِ اللهِ.

{إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}: إِنَّا كَمَا عَفَوْنَا عَنْ ذَبْحِ وَلَدِهِ كَذَلِكَ نَجْزِي سَائِرَ الْمُحْسِنِينَ فِي طَاعَتِنَا، فَنُخَلِّصُهُمْ مِنَ الشَّدَائِدِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

{إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ}: إِنَّ هَذَا الِامْتِحَانَ الَّذِي امْتَحَنَّا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ لَهُوَ الِاخْتِبَارُ الظَّاهِرُ الْجَلِيُّ الَّذِي أَبَانَ عَنْ صِدْقِ إِيمَانِهِمْ وَاسْتِسْلَامِهِمَا للهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}.

 ((مِنْ دُرُوسِ وَفَوَائِدِ قِصَّةِ الْخَلِيلِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: طَاعَةُ الْوَلَدِ لِأَبِيهِ فِي أَمْرِ اللهِ تَعَالَى))

قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)} [الصافات: 101-102].

فَلَمَّا بَلَغَ إِسْمَاعِيلُ السِّنَّ الَّتِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْعَى فِيهَا مَعَ أَبِيهِ فِي أَعْمَالِهِ وَحَاجَاتِهِ، وَيُعِينَهُ فِي دَعْوَتِهِ وَجِهَادِهِ، قَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ! إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ رُؤْيَا تَتَكَرَّرُ عَلَيَّ وَحْيًا مِنَ اللهِ أَنِّي أَذْبَحُكَ، فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى أَنْتَ لِنَفْسِكَ؟

فَقَالَ إِسٍمَاعِيلُ لِأَبِيهِ: افْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ، سَتَجِدُنِي -إِنْ شَاءَ اللهُ- مِنَ الصَّابِرِينَ، فَلَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى إِلَّا بِعِصْمَتِهِ، وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَتِهِ إِلَّا بِتَوْفِيقِهِ.

إِنَّ حَقَّ الْأَبَوَيْنِ يَلِي حَقَّ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَحَقَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْفَرْضِيَّةِ وَالْوُجُوبِ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخَلْقِ لَيُفَرِّطُونَ فِي هَذَا الْحَقِّ، وَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَيْهِ، وَلَا يُلْقُونَ لَهُ بَالًا؛ بَلْ يَعْتَدِي الْوَاحِدُ مِنْهُمْ عَلَى هَذَا الْحَقِّ الْمَكِينِ الَّذِي ذَكَرَهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بَعْدَ الْأَمْرِ بِعِبَادَتِهِ، فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}.

{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)} [الإسراء: 23-24].

فَأَمَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بَعْدَ الْأَمْرِ بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَبِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا، فَهَذَا مِنْ آكَدِ الْحُقُوقِ وَمِنْ أَجَلِّهَا.

وَقَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان: 15].

وَإِنِ اشْتَدَّا عَلَيْكَ بِالطَّلَبِ -أَيُّهَا الِابْنُ الْمُؤْمِنُ- مُكْرِهَيْنِ لَكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي شِرْكًا مَا، لَا تَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ؛ فَلَا تَسْتَجِبْ لَهُمَا فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ.

وَوَافِقْهُمَا فِي أُمُورِ الدُّنْيَا مُصَاحَبَةً حَسَنَةً، وَقَدِّمْ لَهُمَا مَعْرُوفًا؛ كَمَالٍ، وَتَكْرِيمٍ، وَخِدْمَةٍ.

وَاتَّبِعْ فِي مَسِيرَتِكَ فِي حَيَاتِكَ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ رَجَعُوا إِلَيَّ بِالْإِيمَانِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالتَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ، ثُمَّ إِلَيَّ -بَعْدَ رِحْلَةِ الِامْتِحَانِ فِي الدُّنْيَا، وَبَعْدَ مَوْتِكُمْ- رُجُوعُكُمْ، وَمَكَانُ رُجُوعِكُمْ، وَزَمَانُهُ، فَأُخْبِرُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ؛ لِأُجَازِيَكُمْ عَلَيْهِ.

 ((مِنْ دُرُوسِ قِصَّةِ الْخَلِيلِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: ثَنَاءُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَيْهِ))

مِنَ الْفَوَائِدِ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: ثَنَاءُ اللهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَتَى رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وَقَدْ قَالَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88 -89].

وَالْجَامِعُ لِمَعْنَاهُ أَنَّهُ سَلِيمٌ مِنَ الشُّرُورِ كُلِّهَا وَمِنْ أَسْبَابِهَا، مَلَآنُ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ وَالْكَرَمِ، سَلِيمٌ مِنَ الشُّبُهَاتِ الْقَادِحَةِ فِي الْعِلْمِ وَالْيَقِينِ، وَمِنَ الشَّهَوَاتِ الْحَائِلَةِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ كَمَالِهِ، سَلِيمٌ مِنَ الْكِبْرِ وَمِنَ الرِّيَاءِ وَالشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ وَسُوءِ الْأَخْلَاقِ.

وَسَلِيمٌ مِنَ الْغِلِّ وَالْحِقْدِ، مَلَآنُ بِالتَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ، وَالتَّوَاضُعِ لِلْحَقِّ وَلِلْخَلْقِ، وَالنَّصِيحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالرَّغْبَةِ فِي عُبُودِيَّةِ اللهِ، وَفِي نَفْعِ عِبَادِ اللهِ.

وَوَصَفَهُ رَبُّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِالْإِحْسَانِ؛ فَقَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 109-110].

وَعَدَ الْبَارِي أَنَّ كُلَّ مُحْسِنٍ فِي عِبَادَتِهِ، مُحْسِنٍ إِلَى عِبَادِهِ، أَنَّ اللهَ يَجْزِيَهُ الثَّنَاءَ الْحَسَنَ وَالدُّعَاءَ مِنَ الْعَالَمِينَ بِحَسَبِ إِحْسَانِهِ، وَهَذَا ثَوَابٌ عَاجِلٌ وَآجِلٌ، وَهُوَ مِنَ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَمِنْ عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ.

{سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ}: سَلَامٌ وَتَحِيَّةٌ، وَعَافِيَةٌ وَأَمْنٌ، وَبَرَاءَةٌ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وَنَقْصٍ عَلَى إِبْرَاهِيمَ.

وَهَذَا السَّلَامُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ -وَمِنْ قَبْلِهِ نُوحٌ وَمِنْ بَعْدِهِ مُوسَى وَهَارُونَ وَإِلْيَاسَ- هُوَ ثَوَابٌ تَكْرِيمِيٌّ مُعَجَّلٌ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا؛ إِذْ شَرَعَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُحَيُّوهُمْ بِالسَّلَامِ كُلَّمَا ذَكَرُوا أَسْمَاءَهُمْ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ أَجْمَعِينَ-.

 ((الْأُضْحِيَّةُ سُنَّةُ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ وَسُنَّةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ))

عِيدُ الْأَضْحَى يَوْمُ الْبَذْلِ وَالْعَطَاءِ؛ فَإِنَّ نَبِيَّكُمْ ﷺ أَخْبَرَكُمْ -مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ- أَنَّنَا يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَضَعَ فِي يَدِ رَبِّنَا مِنْ صَدَقَاتِنَا وَزَكَوَاتِنَا مَا هُوَ حَبِيبٌ إِلَى قُلُوبِنَا؛ لِنَنَالَ الْبِرَّ عِنْدَهُ: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92].

نَبِيُّكُمْ ﷺ أَمَرَكُمْ -كَمَا وَرَدَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَتَقْرِيرِهِ بِجَمِيعِ أَلْوَانِ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ- بِالتَّضْحِيَةِ, حَتَّى قَالَ الْعُلَمَاءُ: ((إِنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْقَادِرِ عَلَيْهَا, فَإِذَا تَرَكَهَا فَلَا يَقَرَبَنَّ مُصَلَّانَا, وَلَا يَشْهَدَنَّ جَمْعَنَا)).

فَلْيَكُنْ ذَبْحُكُمْ لِلَّهِ، مَلْعُونٌ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ؛ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ -لِوَلِيٍّ، أَوْ لِقَبْرٍ، أَوْ لِشَمْسٍ، أَوْ لِقَمَرٍ، أَوْ لِكَنِيسَةٍ، أَوْ لِعَذْرَاءَ، أَوْ لِنَبِيٍّ- فَهُوَ مُشْرِكٌ شِرْكًا أَكْبَرَ.

((مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ؛ فَهُوَ مَلْعُونٌ))؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ .

لَا تَذْبَحُوا إِلَّا لِلَّهِ؛ ((بِاسْمِ اللهِ, وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَإِلَيْكَ؛ عَنْ فُلَانٍ وَآلِ بَيْتِهِ))؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ .

قَالَ تَعَالَى: {لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ} [الحَجّ: 37].

لَنْ تُرْفَعَ إِلَى اللهِ لُحُومُ هَذِهِ الذَّبَائِحِ وَلَا دِمَاؤُهَا، فَهُوَ سُبْحَانَهُ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَعَنْ عِبَادَتِكُمْ، وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ أَنْ تَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِذَبْحِهَا لِحَاجَتِهِ إِلَى لُحُومِهَا وَدِمَائِهَا، وَلَكِنْ تُرْفَعُ إِلَيْهِ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ، وَمَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِأَنْ نَسْتَحْسِنَ وَأَنْ نَسْتَسْمِنَ؛ لِأَنَّهَا قُرْبَانٌ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, فَذَكَرَ لَنَا الشُّرُوطَ الَّتِي تَمْنَعُ, وَهِيَ عُيُوبٌ تَمْنَعُ مِنَ الْإِجْزَاءِ:

- الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا.

- وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا.

- وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا.

- وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي؛ أَيْ: لَا نَقيَّ -وَهُوَ مُخُّ الْعِظَامِ- فِي عِظَامِهَا؛ دَلَالَةً عَلَى شِدَّةِ هُزَالِهَا.

إِذَا ضَحَّى بِوَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ وَهِيَ بِهَذَا الْعَيْبِ فَإِنَّهَا لَا تُجْزِئُهُ أُضْحِيَّةً.

- بَدَاهَةً: مَا فَوْقَ هَذِهِ مِنَ الْعُيُوبِ؛ كَالْكُسَاحِ, وَالْعَمَى, وَمَا أَشْبَهَ تَكُونُ مَانِعَةً مِنَ الْإِجْزَاءِ.

وَمَا دُونَهَا مِمَّا لَيْسَ بِمِثْلِهَا؛ فَالتَّضْحِيَةُ بِهِ مَكْرُوهَةٌ وَإِنْ كَانَ مُجْزِئًا.

بَيَّنَ لَنَا نَبِيُّنَا ﷺ وَقْتَ التَّضْحِيَةِ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا نُصَلِّي، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَنْحَرُ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ، فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ»؛ أَصَابَ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

فَبَيَّنَ لَنَا وَقْتَ الذَّبْحِ؛ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِيدِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ رَابِعِ أَيَّامِ الْعِيدِ, وَهُوَ ثَالِثُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ, فَكُلُّهَا ذَبْحٌ؛ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

وَبَيَّنَ لَنَا رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّهَا لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ؛ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ مِنَ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ.

وَبَيَّنَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ سِنَّهَا الْمُجْزِئَةَ, بِحَيْثُ إِذَا نَقَصَتْ لَا تَكُونُ مُجْزِئَةً:

- فَأَمَّا الْإِبِلُ، فَالثَّنِيُّ مِنَ الْإِبِلِ: وَهُوَ مَا جَاوَزَ الْخَمْسَ سِنِينَ.

- وَأَمَّا مِنَ الْبَقَرِ، فَالثَّنِيُّ مِنَ الْبَقَرِ: وَهُوَ مَا جَاوَزَ سَنَتَيْنِ.

- وَأَمَّا مِنَ الْمَعْزِ، فَمَا جَاوَزَ سَنَةً.

- وَأَمَّا مِنَ الضَّأْنِ، فَالْجَذَعَةُ, وَمَا لَهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ.

فَإِذَا قَلَّ الْعُمُرُ عَنْ هَذَا لَا تَكُونُ أُضْحِيَّةً, وَلَا تُجْزِئُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ بِهَا.

رَسُولُكُمْ ﷺ كَانَ يَعلم وَيُعَلِّمُ, يُعَلِّمُهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَيُعَلِّمُنَا أَنَّ مَا ذَهَبَ هُوَ الَّذِي يَبْقَى, وَأَنَّ مَا يَبْقَى هُوَ الَّذِي يَذْهَبُ, وَقَدْ ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ وَخَرَجَ، ثُمَّ عَادَ فَقَالَ: ((مَا فَعَلَتِ الشَّاةُ يَا عَائِشَةُ؟)).

قَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: ذَهَبَتْ كُلُّهَا إِلَّا الذِّرَاعَ.

وَكَانَ يُحِبُّ الذِّرَاعَ الْيُمْنَى الْأَمَامِيَّةَ فَاسْتَبْقَتْهَا لَهُ ﷺ, وَتَصَدَّقَتْ بِسَائِرِهَا.

قَالَتْ: ذَهَبَتْ كُلُّهَا إِلَّا الذِّرَاعَ يَا رَسُولَ اللهِ.

قَالَ: ((بَلْ بَقِيَتْ كُلُّهَا إِلَّا الذِّرَاعَ يَا عَائِشَةُ)) .

مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ, عَامَلُوا اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ بِمَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَامَلَ بِهِ, إِنَّهُ أَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ, وَأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ, وَهُوَ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينِ, إِذَا أَرَادَ شَيْئًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ, عَطَاؤُهُ كَلَامٌ, وَنَعِيمُهُ كَلَامٌ, وَعَذَابُهُ وَعِقَابُهُ كَلَامٌ؛ يَعْنِي يَقُولُ لِلشَّيْءِ: كُنْ فَيَكُونُ, وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

وَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَأْمُرُ الْحَجِيجَ إِذَا ذَبَحُوا الْهَدْيَ أَنْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عِنْدَ ذَبْحِهَا، وَأَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا، وَأَنْ يُطْعِمُوا مِنْهَا شَدِيدَ الْفَقْرِ؛ قَالَ تَعَالَى: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحَجّ: 27-28].

يَأْتِي الْحَجِيجُ مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ بَعِيدٍ إِلَى الْبَلَدِ الْحَرَامِ؛ {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحَجّ: 28]: لِيَشْهَدَ الْحُجَّاجُ مَنَافِعَ لَهُمْ كَثِيرَةً دِينِيَّةً وَدُنْيَوِيَّةً؛ مِنْ ثَوَابِ أَدَاءِ نُسُكِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ، وَمَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِمْ، وَوَحْدَةِ كَلِمَتِهِمْ، وَالتَّشَاوُرِ فِي أُمُورِهِمْ، وَتَكَسُّبِهِمْ فِي تِجَارَاتِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَنَافِعِ.

وَلِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ بِالْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ وَالتَّكْبِيرِ عَلَى مَا ذَبَحُوا مِمَّا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ؛ وَهِيَ: ((يَوْمُ النَّحْرِ عَاشِرُ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةُ بَعْدَهُ))؛ شُكْرًا للهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالضَّأْنِ وَالْمَعْزِ.

فَكُلُوا مِنْ لُحُومِ الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا، وَأَطْعِمُوا الْبَائِسِينَ الَّذِينَ أَصَابَهُمْ بُؤْسٌ وَشِدَّةٌ، الْمَسْتُورِينَ الَّذِينَ لَا شَيْءَ لَهُمْ، وَلَا يَتَعَرَّضُونَ لِلصَّدَقَاتِ.

عِبَادَ اللهِ! مِمَّا عَلَّمَنَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِيَّاهُ مِنَ الْحَجِّ؛ مِنْ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ الْعَظِيمَةِ: أَنْ نَتَذَكَّرَ سُنَّةَ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ, فَإِنَّ سُنَّةَ إِبْرَاهِيمَ كَانَتْ بِالذَّبْحِ, بِالْقُرْبَانِ تَقَرُّبًا إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

وَهِيَ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ, فَهِيَ سُنَّةُ خَلِيلَيِ الرَّحْمَنِ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ -عَلَيْهِمَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ-.

وَالذَّبْحُ مِنْ أَكْبَرِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-, وَلَا يَكُونُ إِلَّا للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ عِبَادَةً وَتَقَرُّبًا, وَمَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ خَرَجَ مِنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ سَلَفًا وَخَلَفًا، {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 161-162].

قَالَ تَعَالَى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2].

فَأَمَّا إِخْوَانُكُمْ مِمَّنْ أَذِنَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِأَنْ يَشْهَدُوا الْمَوْسِمَ, فَإِنَّهُمُ الْيَوْمَ يَتَقَرَّبُونَ إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- بِذَبْحِ الْهَدَايَا؛ قُرْبَانًا إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

وَأَمَّا النَّاسُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ فَإِنَّهُمْ يَتَقَرَّبُونَ إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- بِذَبْحِ الْأَضَاحِيِّ, فَبَيْنَ نَحْرٍ وَذَبْحٍ.

فَأَمَّا النَّحْرُ فَلِلْإِبِلِ, وَأَمَّا الذَّبْحُ.. فَمَا سِوَاهَا يُذْبَحُ لَا يُنْحَرُ.

فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُ الْأُمَّةَ ذَلِكَ, وَقَدْ سَاقَ الْهَدْيَ فِي حَجَّتِهِ -وَلَمْ يَحُجَّ سِوَاهَا- مِائَةَ بَدَنَةً, وَنَحَرَ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ مِنَ الْبُدْنِ.

قَالَ الْعُلَمَاءُ: ((كَأَنَّمَا دَلَّ بِذَلِكَ ﷺ عَلَى مَجْمُوعِ عُمُرِهِ)).

فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَنْزَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَيْهِ بِعَرَفَةَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

فَأَكْمَلَ اللهُ لَنَا الدِّينَ, وَأَتَمَّ اللهُ عَلَيْنَا النِّعْمَةَ, وَرَضِيَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَنَا الْإِسْلَامَ دِينًا, فَدِينُنَا كَامِلٌ تَامٌّ شَامِلٌ لَا يُزَادُ فِيهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ, وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ, وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قُبِضَ بَعْدَ ذَلِكَ بِوَاحِدٍ وَثَمَانِينَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ اللهَ أَكْمَلَ الدِّينَ, وَانْتَهَتْ وَظِيفَةُ النَّبِيِّ الْأَمِينِ؛ لِأَنَّهُ بَلَّغَ الْبَلَاغَ الْمُبِينَ.

وَفِي ((الصَّحيِحَيْنِ)) - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ, ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا)).

وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((مَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

فَقَدْ ضَحَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَضَحَّى أَصْحَابُهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ سُنَّةُ الْمُسْلِمِينَ؛ يَعْنِي: طَرِيقَتَهُمْ.

 ((الْفَرَحُ الشَّرْعِيُّ فِي الْعِيدَيْنِ))

عِبَادَ اللهِ! لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: «مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟».

قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ» .

فَهَذَانِ هُمَا عِيدَا الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ، وَمِنْ شَعَائِرِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْفَرَحُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- جَعَلَ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ، وَجَعَلَ هَذَيْنِ الْعِيدَيْنِ بِعَقِبِ عِبَادَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ، وَفَرْضَيْنِ جَلِيلَيْنِ مِنْ فُرُوضِ الْإِسْلَامِ الْكَرِيمِ؛ لِأَنَّ عِيدَ الْفِطْرِ هُوَ مِنْ أَجْلِ الْفِطْرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، يَفْرَحُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ بِأَدَاءِ هَذَا النُّسُكِ الْعَظِيمِ للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ مِنْ ذَبْحِ مَطَامِعِ النَّفْسِ وَشَهَواتِهَا؛ قُرْبَانًا للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

فَبَعْدَ هَذِهِ الْعِبَادَةِ الْعَظِيمَةِ شَرَعَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْفَرَحَ فِي يَومِ الْفِطْرِ: {وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: ١٨٥].

وَشَرَعَ اللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- أَيْضًا الْفَرَحَ فِي أَيَّامٍ هِيَ مِن أَعْيَادِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ يَومَ النَّحْرِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيِقِ أَعْيَادُنَا أَهْلَ الإسْلَامِ، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَ الْإِنْسَانُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ وَهِيَ: الْحَادِي عَشَرَ، وَالثَّانِي عَشَرَ، وَالثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ.

وَأَمَّا يَوْمُ النَّحْرِ فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ عِيدُ الْمُسْلِمِينَ الْأَكْبَرُ، وَهُوَ بِعَقِبِ أَدَاءِ النُّسُكِ الجَلِيلِ الَّذِي يُيَسِّرُهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لِمَنْ شَاءَ مِن عِبَادِهِ؛ مِنَّةً مِنْهُ، وَعَطَاءً.

هَذِهِ الْأَعْيَادُ إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُعَظِّمَ شَعَائِرَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِيهَا، فَعَلَيْنَا أَنْ نَفْرَحَ فِيهَا، الْفَرَحُ يَوْمَ الْعِيدِ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تُعَظَّمَ.

وَهَذَا الْفَرَحُ كَالحُزْنِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوَاعِدَ، وَلَيْسَ مُرْسَلًا مُطْلَقًا، فَالحُزْنُ الهَادِفُ وَالفَرَحُ الهَادِفُ؛ كُلُّ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ دِينُ الإِسْلَامِ.

فَلَا شَيْءَ مُنْفَلِتُ الزِّمَامِ فِي دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، سَواءٌ تَعَلَّقَ بِالْمَشَاعِرِ أَمْ تَعَلَّقَ بالْعَوَاطِفِ، أَمْ تَعَلَّقَ بالْعَقْلِ أَمْ تَعَلَّقَ بِالجَوَارِحِ، بَلْ كُلُّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَضْبُوطَةٌ بِضَابِطِ الشَّرْعِ، وَمَحْكُومَةٌ بِقَيْدِ الشَّرِيعَةِ المُطَهَّرَةِ.

فَفِي الْفَرَحِ: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: ٥٨].

فَإِذَنْ؛ الْفَرَحُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِفَضْلِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَبِرَحْمَتِهِ، وَتَعَلَمُ أَنَّهُ لَنْ يَشْبَعَ مُؤمِنٌ مِنْ خَيْرٍ حَتَّى يَكُونَ مُنْتَهَاهُ الجَنَّةَ.

 ((حِكَمٌ عَظِيمَةٌ وَأَهْدَافٌ سَامِيَةٌ لِلْأَعْيَادِ فِي الْإِسْلَامِ))

عِبَادَ اللهِ! النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُ الْمُسْلِمِينَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ كُلِّهَا -مِمَّا لَمْ يُقَدِّرْ لَهُ رَبُّهُ -جَلَّ وَعَلَا- أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا الْمَوْسِمَ- أَنْ يَخْرُجَ، وَلَوْ كَانَتِ امْرَأَةٌ ذَاتُ عُذْرٍ فَعَلَيْهَا أَنْ تَخْرُجَ -وَلَوْ لَمْ تُصَلِّ-.

يَخْرُجُ الْمُسْلِمُونَ فِي الْمَحِلَّاتِ إِلَى الصُّعُدَاتِ، إِلَى تِلْكَ الْمُصَلَّيَاتِ، لَا بِتَفْرِيقٍ لِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا هِيَ سَاعَةٌ مِنْ زَمَانٍ يَجْتَمِعُ فِيهَا الشَّمْلُ، وَتَذُوبُ فِيهَا الْأَحْقَادُ، وَتَطْلُعُ فِيهَا الشَّمْسُ -شَمْسُ الْمَوَدَّةِ، شَمْسُ الْمَحَبَّةِ، شَمْسُ الْيَقِينِ بِالْإِيمَانِ بِالْمَعْرِفَةِ بِالدِّينِ-؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ تُذِيبَ جِبَالَ الثُّلُوجِ الَّتِي قَدْ قَامَتْ بَيْنَ أَفْئِدَةٍ مُؤْمِنَةٍ، غَيْرَ أَنَّ الشَّيْطَانَ اسْتَفَزَّهَا، لَا لِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا لِاتِّبَاعِ الْهَوَى حِينًا، وَلِلْجَهْلِ أَحْيَانًا، وَلِعَصَبِيَّاتٍ مَرِيضَةٍ فِي أَكْثَرِ الْأَحَايِينِ.

* صِلُوا أَرْحَامَكُمْ -عِبَادَ اللهِ-؛ فَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا عَرَضَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي مَسِيرِهِ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَا يُقَرِّبُنِي مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ؟

قَالَ: «تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ». وَالْحَدِيثُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ».

وَ«تَصِلُ الرَّحِمَ»؛ أَيْ: تُحْسِنُ إِلَى أَقَارِبِكَ، وَتُوَاسِي ذَوِي الْقَرَابَةِ فِي الْخَيْرَاتِ.

عِبَادَ اللهِ! النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُ بِتَمَاسُكِ الصُّفُوفِ.

الرَّسُولُ ﷺ يُحَرِّمُ التَّدَابُرَ، وَيُحَرِّمُ التَّقَاطُعَ، وَيُحَرِّمُ التَّشَاجُرَ.

النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُنَا بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ.

وَيَأْمُرُنَا النَّبِيُّ ﷺ بِصِلَةِ الرَّحِمِ الْأَمَسِّ الْأَقْرَبِ، فَيَأْمُرُ النَّبِيُّ ﷺ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَيَنْهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْعُقُوقِ.

عِبَادَ اللهِ! بِصِلَةِ الرَّحِمِ تَصْلُحُ الْمُجْتَمَعَاتُ، وَيَحْصُلُ التَّآلُفُ بَيْنَ الْأَقَارِبِ فِي النَّسَبِ، وَكَذَلِكَ الْأَقَارِبُ بِالْجِوَارِ وَالْأَصْحَابُ، فَالْمُجْتَمَعُ لَا يَكُونُ سَعِيدًا إِلَّا إِذَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِهِ التَّوَاصُلُ وَالتَّوَادُّ وَالتَّرَاحُمُ وَالْمَحَبَّةُ الشَّرْعِيَّةُ.

وَأَمَّا الْقَطِيعَةُ فَكُلُّهَا شَرٌّ، وَالِانْتِقَامُ لِلنَّفْسِ كَذَلِكَ يَجُرُّ إِلَى شَرٍّ كَبِيرٍ، وَالصَّبْرُ وَالتَّرَاضِي ثَمَرَاتُهُ طَيِّبَةٌ، وَعَوَاقِبُهُ حَمِيدَةٌ.

وَقَدْ قِيلَ: اصْبِرْ وَصَابِرْ تُدْرِكِ الْمَكَارِمَ.

* أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ فِي الْأَعْيَادِ وَفِي غَيْرِهَا؛ فَإِنَّ السَّلَامَ مِنْ أَسْبَابِ تَآلُفِ الْمُسْلِمِينَ وَتَوَادِّهِمْ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ، وَكَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: ((وَاللهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَينَكُمْ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)).

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَبْدَأُ مَنْ لَقِيَهُ بِالسَّلَامِ، وَيُسَلِّمُ عَلَى الصِّبْيَانِ إِذَا مَرَّ بِهِمْ، كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)).

* صِلُوا جِيرَانَكُمْ، وَرَاعُوا حُقُوقَهُمْ فِي الْأَعْيَادِ وَغَيْرِهَا؛ فَإِنَّ الْجَارَ لَهُ حَقٌّ بِإِطْلَاقٍ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَمْ كَانَ كَافِرًا، سَوَاءٌ كَانَ طَائِعًا أَمْ كَانَ عَاصِيًا، سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا أَمْ كَانَ جَاهِلًا، سَوَاءٌ كَانَ مُصَالِحًا أَمْ كَانَ مُخَاصِمًا.

الْجَارُ -مُطْلَقُ الْجَارِ- لَهُ حَقٌّ؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ وَرَدَتْ مُطْلَقَةً مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ، وَهَذَا نَبِّيُّكُمْ ﷺ يَقُولُ قَوْلًا مُرْسَلًا عَامًّا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ: ((مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ)).

* وَاسُوا إِخْوَانَكُمْ، وَاسْعَوْا فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ؛ فَالرَّسُولُ ﷺ يُرَغِّبُ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي إِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ، وَيُبيِّنُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أَحْسَنَ إِلَى أَخِيهِ أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْهِ، وَإِذَا مَا سَعَى فِي حَاجَةِ أَخِيهِ فَإِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَقْضِي حَوَائِجَهُ.

عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً؛ فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ.

 ((التَّكْبِيرُ فِي عِيدِ الْأَضْحَى))

عَلَيْنَا -عِبَادَ اللهِ- أَنْ نَجْتَهِدَ فِي ذِكْرِ رَبِّنَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ؛ فَقَدْ صَحَّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- التَّكْبِيرُ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.

* وَمِنْ صِيَغِ التَّكْبِيرِ الثَّابِتَةِ: «اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ»؛ فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: «أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ صَلَاةَ الْغَدَاةِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ, يَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ» .

وَمِنْ صِيَغِ التَّكْبِيرِ أَيْضًا: «اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ، اللهُ أَكْبَرُ وَأَجَلُّ، اللهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا».

فَالتَّكْبِيرُ يَكُونُ بِأَيِّ صِيغَةٍ مِنْ صِيَغِ التَّكْبِيرِ الْوَارِدَةِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

فَيُكَبِّرُ التَّكْبِيرَ الْمُطْلَقَ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ إِلَى عَصْرِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالصِّغَارُ وَالْكِبَارُ فِي الْبُيُوتِ وَالْأَسْوَاقِ وَالْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا إِلَّا فِي الْأَمَاكِنِ الَّتِي لَيْسَتْ مَحَلًّا لِذِكْرِ اللهِ تَعَالَى.

وَيُكَبَّرُ تَكْبِيرٌ مُقَيَّدٌ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ مِنْ فَجْرِ عَرَفَةَ إِلَى عَصْرِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ مِنْ غَيْرِ مَا تَوَاطُئٍ وَلَا اجْتِمَاعٍ مُتَعَمَّدٍ عَلَى التَّكْبِيرِ.

 ((نَصَائِحُ لِلنِّسَاءِ يَوْمَ الْعِيدِ))

كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا فَرَغَ مِنْ مَوْعِظَةِ الرِّجَالِ ذَهَبَ إِلَى النِّسَاءِ، فَيَقُولُ لَهُنَّ: «أُرِيتُ النَّارَ، فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ؛ يَكْفُرْنَ».

قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟

قَالَ: «يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ» .

أَيُّتُهَا النِّسْوَةُ! اتَّقِينَ اللهَ، تَمَسَّكْنَ بِدِينِهِ، دَعْنَ التَّبَرُّجَ، احْتَشِمْنَ بِدِينِ رَبِّكُنَّ، وَارْجِعْنَ إِلَيْهِ، وَعَلِّمُوا أَبْنَاءَكُمْ وَبَنَاتِكُمُ الْفَضِيلَةَ؛ فَإِنَّكُنَّ مَصْنَعُ الرِّجَالِ، وَالْأُمُّ مَدْرَسَةٌ؛ فَيَا أَيَّتُهَا الْمَدْرَسَةُ! لَا تَكُونِي مَكَانًا لِتَعْلِيمِ الْجَهْلِ وَالرَّذِيلَةِ وَالِاجْتِرَاءِ عَلَى حُرُمَاتِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.

احْمِلْنَ أَيُّهَا النِّسَاءُ -مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ- مَسْؤُولِيَّتَكُنَّ، احْمِلْنَهَا حَمْلًا صَحِيحًا، وَانْظُرْنَ إِلَى حَالِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالتَّابِعِيَّاتِ بَعْدَهُنَّ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالْعَفَافِ، مِنْ أَهْلِ الْحِشْمَةِ وَالْإِخْلَاصِ، مِنْ أَهْلِ الْوَفَاءِ، انْظُرْنَ إِلَيْهِنَّ، وَاقْتَدِينَ بِهِنَّ -وَاللهُ يَرْعَاكُنَّ-.

مِنَ السُّنَّةِ فِي هَذَا الْعِيدِ أَنْ يُعَجَّلَ بِالصَّلَاةِ، وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَشْهَدَ الْخُطْبَةَ فَلَهُ الْخِيَارُ فِي ذَلِكَ؛ إِنْ شَاءَ شَهِدَهَا وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَشْهَدْهَا، لِمَاذَا؟

لِكَيْ يَتَعَجَّلُوا وَيُعَجِّلُوا إِلَى نَحْرِ الْأَضَاحِي: ((اللهم مِنْكَ وَإِلَيْكَ، بِاسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ)) .

((اللهم مِنْكُ وَإِلَيْكِ))؛ مِنْكَ تَفَضُّلًا وُجُودًا، مِنْكَ كَرَمًا وَإِكْرَامًا، وَإِلَيْكَ إِخْلَاصًا وَإِخْبَاتًا.

((اللهم مِنْكَ وَإِلَيْكَ، اللهم هَذَا عَنْ فُلَانٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ)).

فَسَارِعُوا إِلَى ذَبْحِ الْأَضَاحِيِّ، وَأَقْبِلُوا عَلَى رَبِّكُمْ، وَأَخْلِصُوا لَهُ، وَأَنِيبُوا إِلَيْهِ.

 ((دَعْوَةٌ إِلَى التَّوْبَةِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ فِي الْعِيدِ))

عِبَادَ اللهِ! عُودُوا إِلَى اللهِ عَوْدًا حَمِيدًا!

تُوبُوا إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ!

وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ، وَبِرُّوا آبَاءَكُمْ، وَبِرُّوا أُمَّهَاتِكُمْ!

وَدَعُوا الشِّجَارَ وَالْخِصَامَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِكُمْ!

آتُوا أَصْحَابَ الْحُقُوقِ حُقُوقَهُمْ، وَرُدُّوا إِلَى مَنْ ظَلَمْتُمُوهُمْ مَا ظَلَمْتُمُوهُمْ إِيَّاهُ!

تُوبُوا إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَاسْتَغْفِرُوهُ، وَعُودُوا إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَنِيبُوا إِلَيْهِ!

تُوبُوا إِلَى اللهِ -عِبَادَ اللهِ- وَاسْتَغْفِرُوهُ، وَارْجِعُوا إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَنِيبُوا إِلَيْهِ؛ عَسَى اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَنْ يَنْصُرَنَا نَصْرًا مُؤَزَّرًا، وَأَنْ يَكْبِتَ أَعْدَاءَنَا بِقُدْرَتِهِ وَحَوْلِهِ وَطَوْلِهِ؛ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

أَسْأَلُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنَّا وَمِنْ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا, وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الْهُدَاةِ الْمُهْتَدِينَ, وَأَنْ يُحْسِنَ خِتَامَنَا أَجْمَعِينَ.

وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

 

المصدر:أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ وَدُرُوسٌ مِنْ قِصَّةِ الْخَلِيلِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  فروضُ الكِفَايَات ودَوْرُهَا في تحقيقِ التَّوَازُنِ المُجْتَمَعِيِّ
  ثورة الحرائر وإهانة المصاحف !!
  الرد على الملحدين:تتمة أسباب انتشار الإلحاد في العصر الحديث، وبيان شرك الملحدين
  الْحَجُّ بَيْنَ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَفِقْهِ الْمَنَاسِكِ
  قَضَاءُ حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ مِنْ نَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ
  مَسْئُولِيَّةُ الْمُسْلِمِ الْمُجْتَمَعِيَّةُ وَالْإِنْسَانِيَّةُ وَوَاجِبُنَا تِجَاهَ الْأَقْصَى
  حُقُوقُ الطِّفْلِ قَبْلَ وِلَادَتِهِ
  مَعَالِمُ الرَّحْمَةِ فِي خُطْبَةِ الْوَدَاعِ
  الرد على الملحدين:الأدلة على وجود الله عز وجل 2
  قُوا أنفسَكم وأهليكم نارًا
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان