تفريغ خطبة عَلَى أَبْوَابِ رَمَضَانَ

عَلَى أَبْوَابِ رَمَضَانَ

((عَلَى أَبْوَابِ رَمَضَانَ))

الجمعة 25 من شعبان 1431هـ الموافق 6-8-2010م

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُه، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عليكمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:1].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:70].

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((التَّمَسُّكُ بِالدِّينِ فِي زَمَنِ الْفِتَنِ))

فَإِذَا رَأَيْتَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يُوَاتِرُ عَلَيْكَ نِعَمَهُ وَأَنْتُ مُقِيمٌ عَلَى مَعْصِيَتِهِ؛ فَاعْلَمْ أَنَّهُ اسْتِدْرَاجٌ ، فَاحْذَرْهُ؛ فَإِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- جَلَدَ الظَّهْرَ فِي كَلِمَةٍ فِي عِرْضِ مُسْلِمٍ مُحْصَنٍ, وَكَذَلِكَ فِي قَطْرَةٍ مِنَ الْخَمْرِ, وَقَطَعَ الْيَدَ فِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ , وَفَصَلَ الرَّأْسَ عَنِ الْجَسَدِ لِلرِّدَّةِ وَالْخُرُوجِ عَنْ دِينِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ فَاحْذَرْهُ؛ «فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَا يُنَالُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ, فَمَا اسْتُبْقِيَتْ نِعَمُهُ الْمَوْجُودَةُ وَلَا اسْتُجْلِبَتْ نِعَمُهُ الْمَفْقُودَةُ بِمِثْلِ طَاعَتِهِ» , وَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- جَعَلَ النَّاسَ كُلَّمَا ابْتَعَدُوا عَنْ عَصْرِ النُّبُوَّةِ فِي فِتَنٍ مُدْلَهِمَّةٍ, وَقَدْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ الرَّسُولُ ﷺ.

فَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) : عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَامَ عِنْدَهَا ثُمَّ اسْتَيْقَظَ مُحْمَرًّا وَجْهُهُ، يَقُولُ: «وَيْلٌ  لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ, فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ  كَمِثْلِ هَذِهِ؛ وَحَلَّقَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا».

قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَهْلِكُ  وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟

قَالَ: «نَعَمْ؛ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ».

وَالْخَبَثُ: الْفِسْقُ وَالْفُجُورُ وَأَوْلَادُ الزِّنَا .

فَإِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ أَهْلَكَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- النَّاسَ؛ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مِنَ الصَّالِحِينَ مَنْ فِيهِمْ.

أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟

قَالَ: ((نَعَمْ؛ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ)).

وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ مُعَلَّقًا وَوَصَلَهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «كَيْفَ أَنْتَ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو, إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مَرِجَتْ  عُهُودُهُمْ  وَأَمَانَتُهُمْ وَكَانُوا هَكَذَا -وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ﷺ-».

قَالَ: فَقُلْتُ: وَمَاذَا أَصْنَعُ إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ الزَّمَانُ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: «تَأْخُذُ مَا تَعْرِفُ, وَتَدَعُ مَا تُنْكِرُ, وَتَأْخُذُ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ, وَتَدَعُهُمْ وَعَوَامَّهُمْ».

وَفِي رِوَايَةٍ : «الْزَمْ بَيْتَكَ, وَامْلِكْ لِسَانَكَ, وَخُذْ مَا تَعْرِفُ, وَدَعْ مَا تُنْكِرُ, وَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ أَمْرِكَ, وَدَعْهُمْ وَعَوَامَّهُمْ».

فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ كَثْرَةَ الْخَبَثِ وَاقِعَةٌ لَا مَحَالَةَ, وَالْحُثَالَةُ: الرَّدِيءُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ , ((كَيْفَ بِكَ إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ, وَخَفَّتْ أَمَانَاتُهُمْ, وَكَانُوا هَكَذَا؟!!)).

فَاخْتَلَطَ عَلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ فَلَا يَسْتَبِينُ لَهُمْ صُبْحٌ، وَلَا يَتَبَيَّنُ لَهُمْ طَرِيقٌ, وَإِنَّمَا هُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ.

فَقَالَ: كَيْفَ أَصْنَعُ؟

((الْزَمْ بَيْتَكَ, وَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ, وَخُذْ مَا تَعْرِفُ, وَدَعْ مَا تُنْكِرُ, وَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ, وَدَعْهُمْ وَعَوَامَّهُمْ)).

عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: تَاللهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ, إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ, إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ, وَلَمَنْ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ فَوَاهًا» , وَهِيَ -أَيْ: وَاهًا-: كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ التَّأَسُّفِ وَالِانْزِعَاجِ مِنْ وُقُوعِ شَيْءٍ مُؤْلِمٍ مُزْعِجٍ.

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ -كَمَا أَخْرَجَ ذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ فِي ((سُنَنِهِ))  مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ--: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، أَفْلَحَ مَنْ كَفَّ يَدَهُ ».

فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ وُقُوعِ أُمُورٍ مُزْعِجَةٍ وَأَحْوَالٍ مُقْلِقَةٍ يُصْبِحُ فِيهَا الْمَرْءُ مُسْلِمًا وَيُمْسِي كَافِرًا, وَيُمْسِي مُسْلِمًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا, وَيَبِيعُ فِيهَا دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا .

وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ , مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ». وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ مُخْبَرٌ بِغُيُوبٍ، وَهُوَ مُخْبِرٌ بِهَا ﷺ، وَلَا بُدَّ أَنْ تَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ؛ فَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ, مَا كَذَبَ وَمَا كُذِبَ ﷺ.

وَعِشْ سَالمًا صَدْرًا وَعَنْ غِيبَةٍ فَغِبْ=تُحَضَّرْ حِظَارَ الْقُدْسِ أَنْقَى مُغَسَّلَا

وَهذَا زَمَانُ الصَّبْرِ مَنْ لَكَ بِالَّتِي=كَقَبْضٍ عَلَى جَمْرٍ فَتَنْجُو مِنَ الْبلَا

وَقَد قَالَهَا الشَّاطِبِيُّ الْإِمَامُ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي آخِرِ الْقَرْنِ السَّادِسِ, فَقَدْ تُوِفِّيَ -رَحِمَهُ اللهُ- سَنَةَ تِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ مِنْ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ, وَهُوَ يَشْكُو مِنْ وِجْدَانِ مَا أَخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ, «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ».

وَهذَا زَمَانُ الصَّبْرِ مَنْ لَكَ بِالَّتِي=كَقَبْضٍ عَلَى جَمْرٍ فَتَنْجُو مِنَ الْبَلَا

أَحَسَّهَا وَوَجَدَهَا وَهُوَ الْمُتَعَفِّفُ الزَّاهِدُ -رَحِمَهُ اللهُ-, وَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا أَخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ, وَلَكِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَمْ يُخْلِ زَمَانًا مِنْ رَحَمَاتٍ غَامِرَةٍ، وَفُيُوضَاتٍ شَامِلَةٍ.

((مَوْسِمُ الرَّحْمَةِ وَمَنْزِلَةُ الصِّيَامِ))

لَقَدْ جَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هَذِهِ الْأُمَّةَ أُمَّةً مَرْحُومَةً, وَهِيَ كَالْغَيْثِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ , وَهَذِهِ هِيَ أُمَّةُ خَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَسَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ ﷺ.

وَقَدْ عَلِمَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مَا يَكُونُ مِنْ قِصَرِ أَعْمَارِ أَبْنَائِهَا؛ فَجَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَهُمْ مِنْ مَوَاسِمِ الطَّاعَاتِ مَا يُحَصِّلُونَ بِهِ الْغَايَاتِ، بَلْ وَيُوفُونَ بِهِ عَلَى الْغَايَاتِ, وَيَسْتَشْرِفُونَ بِهِ عَلَى النِّهَايَاتِ, وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ إِكْرَامِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ.

جَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْ مَوَاسِمِ الرَّحْمَةِ شَهْرَ رَمَضَانَ, وَقَدْ جَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِلصِّيَامِ مِنَ الْفَضَائِلِ وَالْمَنَاقِبِ مَا اللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- بِهِ عَلِيمٌ, فَالصِّيَامُ بِإِطْلَاقٍ لَهُ مِنَ الْمَنَاقِبِ وَمِنَ الْفَضَائِلِ وَمِنَ الثَّوَابِ عِنْدَ رَبِّنَا الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا الدَّيَّانُ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِدْلًا؛ فَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ أَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ.

قَالَ: ((عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ)).

وَفِي رِوَايَةٍ: ((عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ)) .

وَ(عِدْل) وَ(مِثْل) بِمَعْنًى, فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ نَظِيرًا وَلَا مَثِيلًا وَلَا عِدْلًا.

وَأَخْبَرَ ﷺ: «أَنَّ مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ؛ بَاعَدَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ بِذَلِكَ الْيَوْمِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» .

وَفِي رِوَايَةٍ بِمَعْنَى هَذِهِ: «أَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ خَنْدَقًا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ تَحْصِيلٌ لِلتَّقْوَى, وَلِأَنَّ الصَّوْمَ لَا رِيَاءَ فِيهِ.

فَجَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِلصِّيَامِ مِنَ الْفَضَائِلِ, وَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ الثَّوَابِ مَا لَا يُقَادَرُ قَدْرُهُ؛ كَمَا بَيَّنَ لَنَا ذَلِكَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّنَا ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّ الْعِزَّةِ -جَلَّ وَعَلَا-: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ, الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، إِلَّا الصَّوْمَ؛ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» .

فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حَدًّا مَحْدُودًا فِي الثَّوَابِ, وَلَا مِقْدَارًا مَقْدُورًا فِي الْعَطَاءِ؛ بَلْ فَتَحَ الْبَابَ فِيهِ, وَيَكُونُ الْعَطَاءُ عَلَى قَدْرِ الْمُعْطِي, وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هُوَ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ.. «الصَّوْمُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ».

وَقَدْ جَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْأَمْرَ فِيهِ عَلَى غَيْرِ مَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ النَّاسُ, فَجَعَلَ خُلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبَ عِنْدَهُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، كَمَا أَخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ.

فَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ».

فَجَعَلَ الْأَمْرَ عَلَى مَا هُوَ مَعْكُوسٌ عِنْدَ الْخَلْقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَسْتَنْفِرُونَ أَنْفُسَهُمْ بِحَوَاسِّهِمْ مِنَ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ وَيَنْفِرُونَ مِنْهَا, وَلَكِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.

وَمَنْ مَنَعَ نَفْسَهُ وَحَجَزَهَا عَنِ الشَّهْوَةِ، عَنْ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ الرَّبِّ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ فَإِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَتَلَقَّاهُ بِعَطَاءٍ لَا يُقَادَرُ قَدْرُهُ، وَبِثَوَابٍ غَيْرِ مَحْدُودٍ؛ وَالرَّسُولُ ﷺ بَيَّنَ الْكَثِيرَ مِنْ فَضَائِلِ الصِّيَامِ.

وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَرَضَ عَلَى الْأُمَّةِ صِيَامَ رَمَضَانَ, وَقَدْ جَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ إِنْزَالِ الْقُرْآنِ فِيهِ؛ فَقَدْ قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185].

فَعَقَّبَ بِـ(الْفَاءِ): ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾؛ إِيمَاءً لِلْعِلَّةِ الَّتِي لِأَجْلِهَا فَرَضَ الصِّيَامَ فِي رَمَضَانَ؛ وَهُوَ إِنْزَالُ الْقُرْآنِ فِيهِ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.

وَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- كَتَبَ عَلَيْنَا الصِّيَامَ كَمَا كَتَبَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا, وَقَدْ كَتَبَ اللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- عَلَى مَنْ قَبْلَنَا فُرُوضًا كَالْفُرُوضِ الَّتِي فَرَضَ عَلَيْنَا, لَيْسَتْ فِي الصِّفَةِ وَإِنَّمَا فِي أَصْلِهَا, فَقَدْ كَتَبَ اللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- عَلَى مَنْ قَبْلَنَا الصَّلَاةَ؛ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مِنْ ذَلِكَ مُشَابَهَةً إِلَّا الصِّيَامَ؛ لِأَنَّ الصِّيَامَ رُبَّمَا وَقَعَ فِي أَيَّامِ الْحَرِّ مَعَ شِدَّةِ الظَّمَأِ وَكَثْرَةِ الْمُعَانَاةِ, وَالنَّاسُ إِذَا تَشَابَهُوا خَفَّتْ مَؤُونَةُ أَعْمَالِهِمُ الْمُتَشَابِهَةِ.

فَبَيَّنَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّا لَمْ نَكُنْ بِدَعًا فِي الْأُمَمِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183], فَذَكَرَ الصِّيَامَ الْمَفْرُوضَ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا؛ لِكَيْ لَا تَسْتَوْحِشَ النَّفْسُ مِنَ الِانْقِطَاعِ عَنْ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ, وَالْإِقْبَالِ عَلَى الْمُعَانَاةِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا.

وَاللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- جَعَلَ فِي هَذَا الشَّهْرِ مِنَ الْعَطَاءِ مَا أَخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ, «فَإِنَّ مَنْ صَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا؛ غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ, وَمَنْ قَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا؛ غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ, وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا؛ غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» , وَلَا تَجِدُ ذَلِكَ لِأُمَّةٍ سِوَى أُمَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

فَهَذَا مَوْسِمُ الطَّاعَةِ الْأَكْبَرُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ, وَالنَّبِيُّ ﷺ أَمَّنَ عَلَى دُعَاءِ جِبْرِيلَ عِنْدَمَا رَقِيَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: «آمِينَ», ثُمَّ قَالَ: «آمِينَ», ثُمَّ قَالَ: «آمِينَ» كُلَّمَا رَقِيَ دَرَجَةً ﷺ, ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ فَقَالَ: «جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! رَغِمَ أَنْفُ عَبْدٍ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ ﷺ, قُلْ: آمِينَ, فَقَالَ: آمِينَ, ثُمَّ جَاءَهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! رَغِمَ أَنْفُ عَبْدٍ بَلَغَ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا عِنْدَهُ الْكِبَرَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ, قُلْ: آمِينَ, فَقَالَ: آمِينَ, ثُمَّ جَاءَهَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! رَغِمَ أَنْفُ عَبْدٍ انْسَلَخَ عَنْهُ رَمَضَانُ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ, قُلْ: آمِينَ, فَقَالَ: آمِينَ ﷺ» .

فَهَذَا أَمِينُ وَحْيِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- إِلَى رُسُلِهِ -وَهُمْ أُمَنَاءُ الْوَحْيِ فِي الْأَرْضِ- يَدْعُو وَيُؤَمِّنُ عَلَى دُعَائِهِ بِأَمْرِهِ أَمِينُ الْوَحْيِ مُحَمَّدٌ ﷺ.

وَ((رَغِمَ أَنْفُهُ)): دُعَاءٌ عَلَيْهِ بِأَنْ يُصِيبَ أَنْفُهُ التُّرَابَ, وَأَنْ يُصِيبَ التُّرَابُ أَنْفَهُ؛ وَالْأَنْفُ هُوَ مَا يَشْمَخُ بِهِ الْإِنْسَانُ, فَإِذَا كَانَ مُمَرَّغًا فِي التُّرَابِ فَهَذِهِ نِهَايَةُ الْمَذَلَّةِ.

فَيَدْعُو جِبْرِيلُ وَيُؤَمِّنُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى مَنِ انْسَلَخَ عَنْهُ رَمَضَانُ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ؛ لِأَنَّ الْعَطَاءَ فِيهِ مَوْصُولٌ لَا يُقَادَرُ قَدْرُهُ, عَطَاءٌ لَا يُوصَفُ مِنَ الرَّبِّ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ.

((الِاسْتِعْدَادُ لِرَمَضَانَ))

عِبَادَ اللهِ! لَا بُدَّ مِنَ اسْتِعْدَادٍ لِدُخُولِ هَذَا الْمَوْسِمِ؛ بِتَطْلِيقِ عَادَاتٍ قَدْ تَجَذَّرَتْ فِي حَبَّةِ الْقَلْبِ, وَصَارَتْ نَمَطًا فِي الْحَيَاةِ لَا يُقْلَعُ عَنْهُ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ الْوَقْفَةِ الْمُتَأَنِّيَةِ مِنْ أَجْلِ اقْتِلَاعِ جُذُورِ تِلْكَ الْعَادَاتِ مِنَ الْقُلُوبِ, مِنْ أَجْلِ أَنْ يَتَخَفَّفَ الْمَرْءُ مِنْ ثِقْلٍ قَدْ أَضْنَى كَاهِلَيْهِ, وَقَدْ أَقَضَّ مَضْجَعَهُ, وَقَدْ أَحْنَى ظَهْرَهُ, مِنْ أَجْلِ أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا فِي مُنْطَلَقِهِ فِي سَبِيلِ رَبِّهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

فَلَا بُدَّ مِنْ وَقْفَةٍ مُتَأَنِّيَةٍ لِلنَّظَرِ فِي تِلْكَ الْعَادَاتِ الْمُتَجَذِّرَةِ الَّتِي صَارَتْ نَمَطًا فِي الْحَيَاةِ وَسُلُوكًا مَسْلُوكًا لَا يُقْلَعُ عَنْهُ, كَأَنَّهَا النَّفَسُ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ الْمَرْءُ.

لَا بُدَّ مِنْ تَقْلِيلِ الطَّعَامِ وَالْكَلَامِ وَالْمَنَامِ..

وَلَا بُدَّ مِنَ التَّوْبَةِ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَالْأَوْبَةِ, لَا بُدَّ مِنَ الْإِخْلَاصِ فِيهَا مِنْ أَجْلِ أَنْ تَكُونَ خَالِصَةً لِلهِ -جَلَّ وَعَلَا-, وَلَا بُدَّ مِنَ الْإِقْلَاعِ عَنِ الذُّنُوبِ عَلَى الْفَوْرِيَّةِ، وَالنَّدَمِ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهَا, مَعَ الْعَزْمِ عَلَى عَدَمِ الْمُعَاوَدَةِ, مَعَ رَدِّ الْمَظَالِمِ إِلَى أَرْبَابِهَا؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي التَّوْبَةِ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ أَنْ تُؤَدَّى الْمَظَالِمُ إِلَى أَرْبَابِهَا.

وَالنَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ الدِّينَ النَّصِيحَةَ؛ فَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» -رَحِمَهُ اللهُ-  مِنْ رِوَايَةِ أَبِي رُقَيَّةَ تَمِيمِ بْنِ أَوْسٍ الدَّارِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ».

قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: «لِلهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ».

وَالنَّصِيحَةُ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تُبْذَلَ لِطُلَّابِ الْعِلْمِ هِيَ: أَنْ يَكُفُّوا أَيْدَيَهُمْ، وَأَنْ يَكُفُّوا أَلْسِنَتَهُمْ, وَأَنْ يُقْبِلُوا فِي هَذَا الْمَوْسِمِ الْعَظِيمِ مِنْ مَوَاسِمِ تَحْصِيلِ الثَّوَابِ وَغُفْرَانِ السَّيِّئَاتِ وَالْقُرْبِ مِنَ الْكَرِيمِ الْوَهَّابِ؛ أَنْ يَكُفُّوا عَنْ كُلِّ مَا اجْتَرَحُوهُ بِأَيْدِيهِمْ وَبِأَلْسِنَتِهِمْ, وَأَنْ يُقْبِلُوا عَلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي الْمِحْضَنِ الطَّاهِرِ الَّذِي تَتَطَهَّرُ فِيهِ الْقُلُوبُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ تَتَطَهَّرِ الْقُلُوبُ فِي رَمَضَانَ، فَمَتَى تَتَطَهَّرُ الْقُلُوبُ؟!!

عَلَى طُلَّابِ الْعِلْمِ أَنْ يُمْسِكُوا أَلْسِنَتَهُمْ, وَأَنْ يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ, وَأَنْ يُقْبِلُوا عَلَى الْعِلْمِ تَطْبِيقًا وَعَمَلًا, لَا تَحْصِيلًا وَتَرَفًا وَمَتَاعًا فَقَطْ, وَإِنَّمَا يَنْبَغِي عَلَيْهِمْ أَنْ يُحَوِّلُوهَ إِلَى وَاقِعٍ عَمَلِيٍّ مَنْظُورٍ, عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُفُّوا أَيْدَيَهُمْ, وَأَنْ يَتَّقُوا اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- فِي أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ.

وَيَنْبَغِي عَلَيْهِمْ أَنْ يُهَذِّبُوا الْقُلُوبَ, وَأَنْ يُصَفُّوا الْأَفْئِدَةَ, وَأَنْ يُهَذِّبُوا الْأَرْوَاحَ, وَأَنْ يُقْبِلُوا عَلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِالذِّكْرِ, أَنْ يُقْبِلُوا عَلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِتِلَاوَةِ كِتَابَهِ الْعَظِيمِ، وَالتَّفَقُّهِ فِي مَرَامِيهِ, وَالنَّظَرِ فِي زَوَاجِرِهِ, وَالِاتِّعَاظِ بِمَوَاعِظِهِ, وَتَطْبِيقِ أَوَامِرِهِ, وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ, وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهِ, وَالْقِيَامِ عَلَيْهِ، مَعَ الصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى فِيهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّهْرَ هُوَ شَهْرُ الْقُرْآنِ, أَنْزَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِيهِ الْقُرْآنَ, فَهَذَا شَهْرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.

وَالرَّسُولُ ﷺ كَانَ يَأْتِيهِ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي رَمَضَانَ لِيُدَارِسَهُ الْقُرْآنَ -كَمَا أَخْبَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا--: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ, وَكَانَ أَجْوَدُ -وَفِي رِوَايَةٍ بِالنَّصْبِ: أَجْودَ - مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ؛ إِذْ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ, وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ؛ فَلَرَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ﷺ» .

وَالنَّبِيُّ ﷺ مَا كَانَ يَدَعُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنَ الِاعْتِكَافِ , فَكَانَ يَحْتَجِرُ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ حُجْرَةً يَخْلُو فِيهَا إِلَى رَبِّهِ مِنْ شَوَاغِلِ الْحَيَاةِ، وَمِنْ هُمُومِ النَّاسِ؛ مُقْبِلًا عَلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-, وَتَالِيًا لِكِتَابِهِ الْمَجِيدِ, وَمُدَارِسًا لِجِبْرِيلَ كِتَابَ اللهِ الْعَظِيمَ.

فَعَلَيْنَا أَنْ نَتَأَسَّى بِرَسُولِ اللهِ ﷺ, وَأَنْ نُقْلِعَ عَنِ الْوُلُوغِ فِي أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ كِتَابَةً وَلَفْظًا, وَأَنْ نَتَّقِيَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي إِخْوَانِنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ, وَعَلَيْنَا أَنْ نَرْفُقَ بِهِمْ, وَأَنْ نَدْعُوَ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى بَصِيرَةٍ مُتَرَفِّقِينَ, وَمَهْمَا كَانَ مِنْ خُشُونَةِ لَفْظٍ فَلَمْ تَكُنْ مَقْصُودَةً لِذَاتِهَا, وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ كَمَا تَكُونُ إِحْدَى الْيَدَيْنِ قَدْ أَصَابَهَا وَسَخٌ؛ فَتَحْنُو عَلَيْهَا الْأُخْرَى بِنَوْعِ تَخْشِينٍ؛ لِأَنَّ الْوَسَخَ لَا يُقْلَعُ إِلَّا بِهَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّخْشِينِ, فَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ فَذَلِكَ مَقْصُودُهُ, وَإِنَّمَا يَكُونُ الْكَلَامُ بِعِلْمٍ وَحِلْمٍ وَعَدْلٍ, فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ كَانَ غِيبةً مُحَرَّمَةً.

وَالنَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّ الْغِيبَةَ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ, وَأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَصِحَّ لَهُ دِينٌ طَالَمَا كَانَ عَاكِفًا عَلَى ذَلِكَ، طَالَمَا كَانَ وَالِغًا فِي أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ, وَتَعْلَمُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا اغْتَابَ مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا فَهُوَ فَاسِقٌ سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ, فَلَا يَكُونُ فِي الْأَصْلِ وَلِيًّا عَلَى ابْنَتِهِ, وَلَا مَنْ هُوَ وَلِيٌّ عَلَيْهَا فِي نِكَاحٍ وَلَا غَيْرِهِ, وَلَا تُقْبَلُ لَهُ شَهَادَةٌ عِنْدَ قَاضٍ يَشْهَدُ لَدَيْهِ.

هَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي دِينِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَلَمَّا عَمَّتِ الْبَلْوَى تَسَامَحَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ, وَلَكِنْ مَنِ اغْتَابَ مَرَّةً وَاحِدَةً ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا؛ فَهُوَ فَاسِقٌ، وَقَدْ سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ, وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا -أَيْ: عَلَى سُقُوطِ الْعَدَالَةِ- مَا يَتَرَتَّبُ بَعْدُ.

فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ مُتَكَلِّمًا بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ, وَلَوْ كَانَ مُتَكَلِّمًا بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ مَعَ الْهَوَى وَقَصْدِ السُّوءِ -مَعَ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ- فَلَا يَتَجَاوَزُ وَلَا يَجْهَلُ؛ وَلَكِنَّهُ لَا يَكُونُ مُحْسِنًا, وَلَا يُقْبَلُ عَمَلُهُ عِنْدَ اللهِ, وَإِنَّمَا يَكُونُ الْكَلَامُ بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ مَعَ الْإِخْلَاصِ وَقَصْدِ وَجْهِ اللهِ الْكَرِيمِ؛ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الْمَسْأَلَةِ.

وَهَذَا هُوَ الْمِحْضَنُ قَدْ جَاءَ, فَاللَّهُمَّ سَلِّمْنَا رَمَضَانَ, وَسَلِّمْنَا إِلَى رَمَضَانَ, وَاللَّهُمَّ سَلِّمْ لَنَا رَمَضَانَ, وَتَسَلَّمْ مِنَّا رَمَضَانَ يَا كَرِيمُ يَا رَحْمَنُ.

فَعَلَيْنَا -عِبَادَ اللهِ- أَنْ نَلْتَفِتَ لِفَضَائِلِ هَذَا الشَّهْرِ الَّذِي أَكْرَمَنَا اللهُ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ, وَلَا يَعْلَمُ إِلَّا اللهُ مَنْ يَبْلُغُهُ.

فَاللَّهُمَّ بَلِّغْنَا رَمَضَانَ, وَاجْعَلْنَا فِيهِ مِنَ الْمُحْسِنِينَ الْمَقْبُولِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَيَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ.

وَقَدْ كَانَ نَبِيُّكُمْ ﷺ يُوصِيكُمْ فِيهِ بِأُمُورٍ, بَلْ فِي جَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِفَرْضِهِ مِمَّا يَكُونُ نَظِيرًا لَهُ وَيُشَابِهُهُ مِنَ الْإِمْسَاكِ نَفْلًا, فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَخْبَرَنَا: «أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، وَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي صَائِمٌ، أَوْ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ, إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ, إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» .

يَقُولُهَا وَيُسْمِعُهُ, وَلَا يَرْفُثْ: وَلَا يَتَكَلَّمْ بِالْخَنَا , وَلَا يَصْخَبْ: وَلَا يَرْفَعْ صَوْتَهُ إِذَا كَانَ صَائِمًا؛ لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- جَعَلَ الصَّوْمَ تَحْصِيلًا لِلتَّقْوَى, وَهَذَا مِنْ أَجْلِ الْحُكْمِ فِي فَرْضِيَّتِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]؛ لِأَجْلِ أَنْ تُحَصِّلُوا تَقْوَى اللهِ, فَهَذَا الصِّيَامُ لِتَحْصِيلِ التَّقْوَى, فَإِذَا لَمْ يُحَصِّلِ الْمَرْءُ مِنَ الصِّيَامِ التَّقْوَى فَمَا صَامَ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ؛ إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ» .

وَيَقُولُ ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ؛ فَلَيْسَ لِلهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ -أَيْ: يَتْرُكَ- طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((الصَّحِيحِ)) .

وَقَالَ ﷺ: «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ, وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ» .

تَحْصِيلُ الْمَقَاصِدِ مِنَ الْعِبَادَاتِ هُوَ أَجَلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِبَادَاتِ, وَالصِّيَامُ لِتَحْصِيلِ تَقْوَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-؛ فَتَفْعَلُ الْخَيْرَ وَلَا تُؤْذِي الذَّرَّ, وَتَتَّقِي اللهَ بِجَعْلِ وِقَايَةٍ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَذَابِهِ وَعِقَابِهِ, وَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَالْهَوَى, وَأَقْبِلْ عَلَى رَبِّكَ -جَلَّ وَعَلَا- بِمَجْمُوعِ قَلْبِكَ، وَجِمَاعِ رُوحِكَ؛ بِنِيَّةٍ خَالِصَةٍ صَالِحَةٍ، وَقَلْبٍ مُوقِنٍ مُؤْمِنٍ مُحْتَسِبٍ، عَسَى اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَنْ يُغَيِّرَ مَا بِنَا؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11], فَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ يُغَيِّرَ اللهُ مَا بِنَا عَلَى الْمُسْتَوَى الْفَرْدِيِّ وَعَلَى الْمُسْتَوَى الْمَجْمُوعِيِّ؛ فَعَلَيْنَا أَنْ نُغَيِّرَ مَا بِأَنْفُسِنَا.

يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نُبَدِّلَ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ مِنَ الْإِقْبَالِ عَلَى الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي بِالْإِقْبَالِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَالْأَخْذِ بِمَرَاضِيهِ؛ مِنْ أَكْلِ الْحَرَامِ إِلَى أَكْلِ الْحَلَالِ الصِّرْفِ, مِنْ إِطْلَاقِ اللِّسَانِ فِي أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ خَبْطًا بِغَيْرِ وَعْيٍ إِلَى إِمْسَاكِ اللِّسَانِ عَلَى الذِّكْرِ -ذِكْرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ-, وَقَوْلِ الْخَيْرِ وَالْبُعْدِ عَنْ قَوْلِ الزُّورِ وَفِعْلِهِ.

عَلَيْنَا أَنْ نُغَيِّرَ مَا بِنَا حَتَّى يُغَيِّرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَحْوَالَنَا, وَحَتَّى يُبَدِّلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مَذَلَّتَنَا إِلَى عِزٍّ سَابِغٍ؛ حَتَّى يُخْرِجَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْ ذُلِّ الْمَعْصِيَةِ إِلَى عِزِّ الطَّاعَةِ, لَا يَقْوَى عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللهُ.

لَا يُخْرِجُنَا مِنْ ذُلِّ الْمَعْصِيَةِ إِلَى عِزِّ الطَّاعَةِ إِلَّا اللهُ, وَإِنَّ فِي الطَّاعَةِ لَعِزًّا, وَمَنْ أَقْبَلَ عَلَى الْمَعَاصِي؛ نَزَعَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مَهَابَتَهُ مِنْ قُلُوبِ الْخَلْقِ, بَلْ مِنْ قُلُوبِ الْحَيَوانَاتِ؛ كَمَا قَالَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ: «إِنِّي لِأَعْصِي اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- فَأَجِدُ ذَلِكَ فِي خُلُقِ دَابَّتِي وَامْرَأَتِي» .

عَلَيْنَا أَنْ نَتُوبَ إِلَى اللهِ, وَأَنْ نَرْجِعَ إِلَيْهِ, وَأَنْ نَدْخُلَ رَمَضَانَ وَنَحْنُ عَلَى شَفَا التَّطْهِيرِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُتِمَّ اللهُ لَنَا الْخَيْرَ كُلَّهُ, وَأَنْ يُسْبِغَ عَلَيْنَا النِّعَمَ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً, وَمِنْ أَجْلِ أَنْ يُطَهِّرَ اللهُ قُلُوبَنَا وَيُصْلِحَ أَحْوَالَنَا, وَمِنْ أَجْلِ أَنْ يُبَدِّلَ مَا بِنَا مِنَ الْمَذَلَّةِ وَالضَّعْفِ وَالْفَقْرِ وَالْهَوَانِ, مِنَ الْهَوَانِ عَلَى النَّاسِ إِلَى الْعِزَّةِ السَّابِغَةِ وَالرِّفْعَةِ السَّامِقَةِ الَّتِي تَلِيقُ بِالْمُسْلِمِ الْحَقِّ.

فَنَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُبَصِّرَنَا حَقِيقَةَ الدِّينِ, وَأَنْ يَرْزُقَنَا عِزَّ الْيَقِينِ, وَأَنْ يُحْسِنَ خِتَامَنَا أَجْمَعِينَ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ، صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((خُطُوَاتٌ مُهِمَّةٌ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضَانَ))

فَيَنْبَغِي أَنْ نُحَصِّلَ -عِبَادَ اللهِ- أُمُورًا قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْسِمِ الْأَعْظَمِ مِنْ مَوَاسِمِ الطَّاعَةِ لِلْأُمَّةِ؛ وَمِنْهَا:

* أَنْ نَتُوبَ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- تَوْبَةً نَصُوحًا, وَالتَّوْبَةُ النَّصُوحُ: أَلَّا تَعُودَ حَتَّى يَرْجِعَ اللَّبَنُ إِلَى الضَّرْعِ, التَّوْبَةُ النَّصُوحُ عَزْمٌ وَنَدَمٌ، وَإِقْبَالٌ عَلَى مَرَاضِي اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَبُعْدٌ عَنْ مَسَاخِطِهِ, عَزْمٌ عَلَى أَلَّا تَعُودَ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ إِلَى الضَّرْعُ!!

فَهَذَا أَوَّلُ شَيْءٍ، بِتَصْحِيحِ الِاعْتِقَادِ, وَالتَّوْبَةِ مِنْ كُلِّ مَا يُخَالِطُهُ مِنْ شِرْكٍ وَبِدْعَةٍ، وَمِنْ تَخْلِيطٍ وَتَهْوِيشٍ؛ بِتَحْرِيرِهِ عَلَى الْقَصْدِ الْأَسْنَى، وَالْمِحَكِّ الْأَعْلَى، كَمَا جَاءَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

* وَبِسَلَامَةِ الصَّدْرِ لِلْمُسْلِمِينَ..

وَعِشْ سَالمًا صَدْرًا وَعَنْ غِيبَةٍ فَغِبْ=تُحَضَّرْ حِظَارَ الْقُدْسِ أَنْقَى مُغَسَّلَا

فَيَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نُفَتِّشَ فِي قُلُوبِنَا, وَأَنْ نُخَلِّصَهَا مِنْ شَوَائِبِهَا وَآفَاتِهَا.

يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ تَسْلَمَ صُدُورُنَا لِإِخْوَانِنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ, وَأَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ نَفْعَهُمْ, وَأَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ الْأَخْذَ بِأَيْدِيهِمْ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ؛ لَا التَّشَفِّيَ فِيهِمْ, وَلَا إِرَادَةَ إِهْلَاكِهِمْ, وَلَا قَصْدَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ وَحْدَهَا عَلَيْهِمْ؛ وَإِنَّمَا هُوَ الْبَيَانُ بِالرِّفْقِ وَالنُّصْحِ وَالْإِخْلَاصِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ.. فَيَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نُسَلِّمَ صُدُورَنَا لِإِخْوَانِنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ.

* وَيَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَعْلَمَ أَنَّنَا جَمِيعًا كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ؛ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» .

فَالْمُسْلِمُونَ جَسَدٌ وَاحِدٌ, وَالْمُؤْمِنُونَ كَالْبُنْيَانِ الْمَرْصُوصِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا .

الْمَحَبَّةُ حَقٌّ لِأَخِيكِ عَلَيْكَ؛ أَنْ تُحِبَّهُ فِي اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَأَنْ تَبْذُلَ لَهُ النُّصْحَ خَالِصًا, وَأَنْ تُقَدِّمَ لَهُ النَّفْعَ مُخْلَصًا مُرِيدًا بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ؛ لِأَنَّهُ يَنْبَغِي عَلَيْكَ أَنْ تُحِبَّ لِأَخِيكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ, فَهَذِهِ مِنَ الْمَعَانِي الْأَصْلِيَّةِ فِي دِينِ رَبِّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بَارِي الْبَرِيَّةِ كَمَا جَاءَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ, وَهِيَ مِنَ الْأُصُولِ الَّتِي صَارَتْ نَسْيًا مَنْسِيًّا!!

* يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نُرَاقِبَ قُلُوبَنَا وَضَمَائِرَنَا وَأَنْفُسَنَا وَأَرْوَاحَنَا وَأَلْسِنَتَنَا وَجَوَارِحَنَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَذَّرَنَا فَقَالَ: ((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ...)), وَالزُّورُ فِي الْأَصْلِ: مِنَ الِانْحِرَافِ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الِازْوِرَارِ, وَالِازْوِرَارُ: الِانْحِرَافُ عَنِ الْقَصْدِ, فَالزُّورُ مِنَ الِازْوِرَارِ، فَهُوَ انْحِرَافٌ, فَكُلُّ انْحِرَافٍ فِي الْقَوْلِ مِنْ كَذِبٍ وَنَمِيمَةٍ وَشَتْمٍ وَسَبٍّ، وَمَا أَشْبَهَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِاللِّسَانِ؛ فَهُوَ زُورٌ, مَنْ لَمْ يَدَعْهُ فَلَا حَاجَةَ لِلهِ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ.

((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ...))، وَالْعَمَلُ بِالزُّورِ: هُوَ الْوُقُوعُ فِي كُلِّ مَا يَنْحَرِفُ بِهِ الْعَبْدُ عَنِ الْقَصْدِ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ, فَكُلُّ انْحِرَافٍ بِعَمَلٍ؛ كَأَخْذِ رِشْوَةٍ أَوْ غَصْبِ غَيْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْمَرْءُ أَوْ بَطْشٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ, كُلُّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ عَمَلِ الزُّورِ, وَالرَّسُولُ ﷺ قَرَنَ الْعَمَلَ بِالْقَوْلِ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزَّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ».

«مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ», وَالْجَهْلُ: السَّفَهُ, وَهُوَ الْكَلِمَةُ الْمَعِيبَةُ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ حَرَامًا, فَإِنَّ مِنَ الْكَلَامِ مَا هُوَ خَشِنٌ.

جِرَاحَاتُ السِّنَانِ لَهَا الْتِئَامُ=وَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ

«مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ؛ فَلَا حَاجَةَ لِلهِ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» .

((وَلَا حَاجَةَ لِلهِ))؛ بِمَعْنَى: الْإِرَادَةِ؛ لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَمْ يُرِدْ مِنَ الْعَبْدِ أَنْ يَكُفَّ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مَعَ قَوْلِ الزُّورِ وَالْعَمَلِ بِهِ وَالْجَهْلِ, وَإِنَّمَا أَرَادَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْهُ أَنْ يَكُفَّ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالشَّهْوَةِ؛ لِتَنْضَبِطَ أَحْوَالُهُ مُحَصِّلًا التَّقْوَى.

لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ فِي الصِّيَامِ عِفَّةً؛ عِفَّةَ فَرْجٍ وَعِفَّةَ نَظَرٍ وَعِفَّةَ لِسَانٍ, بَلْ جَعَلَهُ عِفَّةً لِسَائِرِ الْجَوَارِحِ وَالْأَرْكَانِ.

«يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ! مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ, وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ» , فَجَعَلَهُ عِدْلًا لِلزَّوَاجِ الَّذِي يَكُفُّ الْمَرْءَ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْحَرَامِ, وَعَنْ مَدِّ الْيَدِ إِلَى الْحَرَامِ, وَعَنِ السَّعْيِ إِلَى الْحَرَامِ, وَعَنِ اشْتِهَاءِ الْحَرَامِ بِالنَّفْسِ وَالْقَلْبِ بَاطِنًا, وَعَنْ حَلِّ الْإِزَارِ عَلَى الْحَرَامِ.

جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الصِّيَامَ عِدْلًا لِهَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ؛ «فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ أَحْصَنُ لِلْفَرْجِ, وَأَغَضُّ لِلْبَصَرِ»، تَمَامًا كَالزَّوَاجِ, فَكَمَا أَنَّ الزَّوَاجَ أَحْصَنُ لِلْفَرْجِ, وَأَغَضُّ لِلْبَصَرِ، فَكَذَلِكَ الصِّيَامُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ.

فَالنَّبِيُّ ﷺ جَعَلَهُ قَطْعًا وَحَسْمًا لِمَادَّة ِالشَّرِّ فِي الْقَلْبِ وَالْبَدَنِ, فَإِذَا لَمْ يُحَصِّلِ الْمَرْءُ ذَلِكَ بِصِيَامِهِ فَمَا صَامَ!! وَإِذَا لَمْ يُحَصِّلْهُ بِقِيَامِهِ فَمَا قَامَ!!

وَالْعَجَبُ أَنْ يُجْعَلَ هَذَا الشَّهْرُ الَّذِي هُوَ لِتَحْصِيلِ الطَّاعَةِ، مِنْ أَجْلِ تَحْصِيلِ الرِّضْوَانِ.. مِنَ الْعَجَبِ أَنْ يُجْعَلَ تَحْصِيلًا لِلسَّيِّئَاتِ, وَتَكْثِيرًا لِلْآثَامِ وَالْأَوْزَارِ؛ بِإِطْلَاقِ الْبَصَرِ إِلَى الْمُحَرَّمَاتِ, وَبِالْعُكُوفِ عَلَيْهَا فِي الْأَمْسَاءِ وَالْأَصْبَاحِ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ!!

مِنَ الْعَجَبِ أَنْ يُجْعَلَ الشَّهْرُ الَّذِي تُفْطَمُ فِيهِ النَّفْسُ عَنْ شَهَوَاتِهَا مُسْتَرَاحًا لِلرَّتْعِ فِي لَذِيذِ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَحُلْوِ الْمَنَامِ, كُلُّ ذَلِكَ مِمَّا أَبَاحَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مَقْصِدًا فِي شَهْرِ الصِّيَامِ.

النَّبِيُّ ﷺ دَلَّنَا عَلَى أُمُورٍ:

* يَنْبَغِي عَلَيْنَا فِي صَوْمِ الْفَرْضِ أَنْ نُبَيِّتَ النِّيَّةَ, «فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يُجْمِعِ النِّيَّةَ -مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ- قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ» .

فَلَا بُدَّ فِي هَذَا الصَّوْمِ -الَّذِي هُوَ مَفْرُوضٌ عَلَى الْمُسْلِمِ- مِنْ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ.

فَعَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي هَذَا الْأَمْرِ, وَالْقَوْلُ الرَّاجِحُ: أَنَّ الشَّهْرَ مَا دَامَ مُتَّصِلًا فَنِيَّةٌ فِي أَوَّلِهِ تَكْفِي طَالَمَا لَمْ يُقْطَعْ, فَإِذَا قُطِعَ بِعُذْرِ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ، أَوْ بِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ سِوَى هَذَيْنِ؛ فَإِنَّهُ يَسْتَأْنِفُ النِّيَّةَ إِذَا اسْتَأْنَفَ الصِّيَامَ.

* عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِيهِ مِنْ مُدَارَسَةِ الْقُرْآنِ، وَالْعُكُوفِ عَلَى آيَاتِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ, وَالنَّبِيُّ ﷺ -كَمَا فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) -: «كَانَ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ لَمْ يَقُمْ مِنْ مُصَلَّاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» هَكَذَا.

وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ  بِإِسْنَادٍ صَحَّحَهُ الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ فِي ((صَحِيحِ سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ)), وَكَذَلِكَ فِي ((صَحِيحِ الْجَامِعِ)), وَفِي ((السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ)): أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ؛ يَذْكُرُ اللهَ -تَعَالَى- حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ, ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ؛ كَانَ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ».

وَدَعْكَ مِمَّنْ يُنَازِعُ فِي تَصْحِيحِهِ, فَهَذَا ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَا تُفَوِّتْ عَلَى نَفْسِكَ هَذَا الْخَيْرَ, وَأَقْبِلْ عَلَيْهِ حَتَّى تَسْتَجْلِبَ رَحْمَةَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

* عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَقْدِيمِ الطَّعَامِ لِلْمُحْتَاجِينَ وَغَيْرِ الْمُحْتَاجِينَ؛ لِأَنَّ «مَنَّ فَطَّرَ فِي هَذَا الشَّهْرِ صَائِمًا، كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ» ؛ حَتَّى وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مُحْتَاجٍ, وَلَكِنَّهُ يَتَقَرَّبُ بِذَلِكَ إِلَى اللهِ.

وَبَيَّنَ لَنَا نَبِيُّنَا ﷺ: «أَنَّ النَّاسَ لَا يَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ وَأَخَّرُوا السُّحُورَ» , وَهُوَ مِنْ شَعَائِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَمِنْ شِعَارَاتِهَا، وَمِنْ عَلَامَاتِهَا, وَفَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّنَا نُعَجِّلُ الْفِطْرَ وَنُؤَخِّرَ السُّحُورَ, فَهَذَا مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي فَرَّطَ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ!! مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ: «أَنَّ الْأُمَّةَ مَا تَزَالُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» , فَهَذَا يَنْسَرِحُ عَلَى مَجْمُوعِ الْأُمَّةِ.

يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَفْعَلَ الخَيْرَ، وَلَا نَجْعَلَ الصَّوْمَ تُكَأَةً مِنْ أَجْلِ إِخْرَاجِ خَبَائِثِ النَّفْسِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فِي رَمَضَانَ -إِذَا صَادَفَ بِقَدَرِ الرَّحِيمِ الرَّحمَنِ أَيَّامَ حَرٍّ وَقَيْظٍ-؛ يُطْلِقُونَ النَّفْسَ مَعَ رُعُونَاتِهَا, وَيُخَلُّونَ بَيْنَ النُّفُوسِ وَطَبْعِهَا، فَإِذَا رُوجِعَ قَالَ: إِنَّهُ صَائِمٌ!!

وَلَمْ يَعْلَمِ الْمِسْكِينُ أَنَّهُ يُقِيمُ بِهَذَا الْكَلَامِ الْحُجَّةَ عَلَيْهِ، وَأَنَّ الصَّوْمَ كَانَ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهِ؛ أَنْ يَكُفَّهُ عَن رُعُونَاتِ النَّفْسِ, وَعَنْ طُغْيَانِهَا, وَأَنْ يُمْسِكَ لِسَانَهُ حَتَّى لَا يُفْلِتَ بِالْجَهْلِ وَالسَّبِّ وَالشَّتْمِ وَاللَّعْنِ وَالصَّخَبِ وَالرَّفَثِ، لِأَنَّ الصِّيَامَ إِنَّمَا جُعِلَ لِإِمْسَاكِ اللِّسَانِ وَالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ عَنْ كُلِّ مَا يُغْضِبُ اللَّهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.

فَتَجِدُ النَّاسَ يَتَشَاجَرُونَ أَكْثَرَ مَا يَتَشَاجَرُونَ فِي رَمَضَانَ!! لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ صَائِمِينَ الصِّيَامَ الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ وَأَتَى بِهِ نَبِيُّهُ الأَمِينُ ﷺ؛ فَالصَّائِمُ مُنْكَسِرٌ لِلهِ, خَاضِعٌ بِتَقْوَاهُ لِسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ؛ الَّذِي أَمَرَهُ بِأَنْ يَكُونَ فِي سَكِينَةٍ وَدَعَةٍ، وَأَنْ يُقَدِّمَ الْمَعْرُوفَ, وَأَنْ يَبْتَعِدَ عَنْ جَمِيعِ الْمُنْكَرَاتِ.

النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّهُ: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ؛ فُتِّحَتْ  أَبْوَابُ الْجَنَّةِ, وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ, وَصُفِّدَتِ  الشَّيَاطِينُ» ، وَلَكِنَّ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ فِي الْكَوْنِ يَرْتَعُونَ، وَهُمْ أَعْتَى وَأَقْذَرُ مَوْقِعًا مِنْ شَيَاطِينِ الْجِنِّ؛ لِأَنَّ شَيْطَانَ الْجِنِّ إِذَا اسْتَعَاذَ الْإِنْسَانُ مِنْهُ خَنَسَ، وَنَجَّى اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْهُ الْعَبْدَ، وأَمَّا شَيْطَانَ الْإِنْسِ فَلَوْ قَرَأْتَ عَلَيْهِ الْخَتْمَةَ كُلَّهَا لَا يَزْدَادُ إِلَّا عُتُوًّا!!

أَمَّا شَيْطَانُ الإِنْسِ فَلَا يَزْدَادُ عَلَى التَّذْكِيرِ إِلَّا عُتُوًّا وَطُغْيَانًا؛ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ!

فَيَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَتَأَمَّلَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي هَذَا الْمُوْسِمِ الْعَظِيمِ فِي أَحْوَالِنَا, وَأَنْ نَقِفَ عَلَى رَأْسِ طَرِيقِنَا؛ لِكَيْ نُرَاجِعَ مَا مَرَّ مِنْ أَعْمَارِنَا، لِكَيْ نَنْظُرَ فِيمَا مَرَّ -مُنْذُ الِاحْتِلَامِ إِلَى هَذَا الْوَقْتِ- نَظْرَةً فَاحِصَةً مُتَأَمِّلَةً وَاعِيَةً ثَاقِبَةً، وَأَنْ يَجْتَهِدَ الْإِنْسَانُ فِي بَيَانِ مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ, وَفِي النَّظَرِ فِي تَقْوِيمِ وَتَثْمِينِ نَفْسِهِ.

أَيْنَ أَنْتَ مِنْ أَخْلَاقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟!!

وَأَيْنَ أَنْتَ مِنَ الْخُضُوعِ لِدِينِ رَبِّكَ بِأَحْكَامِهِ وَشَرِيعَتِهِ؟!!

وَأَيْنَ أَنْتَ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ الَّتِي تَوَاضَعَتْ عَلَيْهَا الْأُمَمُّ حَتَّى وَلَوْ مِنْ غَيْرِ إِرْشَادٍ بِدِينٍ؟!!

فَإِنَّ النَّاسَ -كُمَا هُوَ مَعْلُومٌ- يَسْتَقْبِحُونَ أُمُورًا تُخِلُّ بِالْمُرُوءَةِ وَتَضَعُ مِنَ الْقَدْرِ، وَأَصْحَابُ الْمُرُوءَةِ مِنْهُم؛ يَقُولُ -قَائِلُهُمْ وَالْإِمَامُ فِيهِم- الشَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: «لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ شُرْبَ الْمَاءِ الْبَارِدِ يَثْلُمُ مُرُوءَتِي مَا شَرِبْتُهُ» .

لَا يَضَعُ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ فِي مَوَاضِعِ الذِّلَّةِ وَالْهَوَانِ، وَإِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ، كُنْ رَجُلًا مُسْلِمًا؛ رَجُلًا فِيكَ صِفَاتُ الرُّجُولَةِ، مُسْلِمًا صُبِغَتْ رُجُولَتُكَ بِإِسْلَامِكَ فَازْدَادَتْ كَمَالًا إِلَى كَمَالِهَا, وَحُسْنًا إِلَى حُسْنِهَا، وَمَا تُعْلَمُ أَخْلَاقُ الرِّجَالُ إِلَّا مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ.

دَعْكَ مِنَ السَّفَاسِفِ وَارْتَفِع فَوْقَهَا، وَتَأَمَّلْ فِي الْمَعَالِي -مَعَالِي الْأُمُورِ-, وَإِيَّاكَ وَالدُّونَ, وَلَا تَكُنْ آخِذًا بِمَا يَثْلُمُ مُرُوءَتَكَ، وَإِيَّاكَ وَمَوَاطِنَ الْهَوَانِ وَمَوَاضِعَ الذِّلَّةِ.

كُنْ رَجُلًا مُسْلِمًا؛ فَإِنَّ الْأُمَّةَ فِي حَاجَةٍ إِلَيْكَ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ وَحْدَهُ؛ أَنْ تَكُونَ مُسْلِمًا حَقَّقَتْ فِيكَ رُجُولَةَ الْمُسْلِمِ الْحَقِّ، الْأُمَّةُ تَحْتَاجُ هَؤُلَاءِ..

هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ خَرَجَ أَسْلَافُهُمُ الْأَوَّلُونَ لمَّا حَقَّقُوا الدِّينَ الْمَتِينَ؛ أَطَاحُوا بِالتِّيجَانِ, وَثَلُّوا الْعُرُوشَ, وَنَشَرُوا الْهُدَى وَالْخَيْرَ، أَصْلَحُوا فَسَادَ الْحَيَاةِ فِي جَوَانِبِهَا الدِّينِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِيَّةِ، وَفِي جَوَانِبِهَا التَّعَامُلِيَّةِ، وَفِي كُلِّ جَوَانِبِ الْحَيَاةِ مِنْ ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ، فَحَمَلُوا الدِّينَ وَحَقَّقُوهُ فِي أَنْفُسِهِمْ.

لَمْ يَحْمِلُوا تَعَالِيمَ فَارِغَةً؛ وَإِنَّمَا حَقَّقُوا التَّعَالِيمَ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَمَا كَانَتْ يَوْمًا فَارِغَةً، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَيَحْمِلُ شَقْشَقَاتِ اللِّسَانِ, وَيَرْسُبُ فِي أَوَّلِ مَا يَعْرِضُ لَهُ مِنَ امْتِحَانٍ، وَمَا كَذَلِكَ الرَّجُلُ الْمُحَقِّقُ الْحَقُّ؛ إِذَا حَقَّقَ إِسْلَامَهُ وَصَدَقَ فِي إِيمَانِهِ.

عَلَيْكَ أَنْ تَتَغَيَّرَ، غَيِّرْ مِنْ نَفْسِكَ، وَتَأَمَّل فِي طَوِيَّتِكَ، وَفَتِّشْ فِي قَلْبِكَ، وَتَأَمَّلْ فِي جَوَانِحِكَ, وَرَاجِعْ حَيَاتَكَ، مَاذَا صَنَعْتَ؟ فَإِنَّكَ نَسِيتَ؛ وَقَدْ أُحْصِيَ عَلَيْكَ، وَإِنَّكَ قَدْ أَلْقَيْتَ وَرَاءَ ظَهْرِكَ؛ وَسَتَجِدُ أَمَامَكَ!!

اتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، وَفِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ رَبِّكَ، وَأَخْلِصْ، وَصَفِّ حَتَّى يُصَفَّى لَكَ، وَلَا تُخَلِّطْ حَتَّى لَا يُخْلَّطَ عَلَيْكَ .

وَاللهُ يَرْعَاكَ، وَبِكَلَاءَتِهِ يَتَوَلَّاكَ, وَهُوَ مِنْ وَرَاءِ الْقَصْدِ, وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٌ قَدِيرٌ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  خُطُورَةُ الشَّائِعَاتِ
  الإسلام رحمة في السلم والحرب
  جريمة تكفير المجتمعات الإسلامية
  زكاة الحبوب والثمار
  فضائل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
  مَخَاطِرُ الْإِدْمَانِ وَالْمُخَدِّرَاتِ
  الْمَالُ الْحَرَامُ، وَأَثَرُهُ الْمُدَمِّرُ عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ
  عاشوراء والإخوان
  الْإِدْمَانُ وَأَثَرُهُ الْمُدَمِّرُ عَلَى الْفَرْدِ وَالمُجْتَمَعِ وَسُبُلُ مُوَاجَهَتِهِ
  مَعَالِمُ الرَّحْمَةِ فِي خُطْبَةِ الْوَدَاعِ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان