مِنْ دُرُوسِ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ: بِنَاءُ الدَّوْلَةِ

مِنْ دُرُوسِ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ: بِنَاءُ الدَّوْلَةِ

((مِنْ دُرُوسِ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ: بِنَاءُ الدَّوْلَةِ))

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((الْهِجْرَةُ حَدَثُ الْأَحْدَاثِ فِي التَّارِيخِ الْإِسْلَامِيِّ))

فَإِنَّ هِجْرَةَ النَّبِيِّ ﷺ حَدَثٌ فَذٌّ مُتَفَرِّدٌ فِي تَارِيخِ الْبَشَرِيَّةِ؛ إِذْ فَرَقَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهَا بَيْنَ عَهْدَيْنِ؛ بَيْنَ عَهْدٍ كَانَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ وَالْمُسْتَضْعَفُونَ مَعَهُ فِي حَالِ اسْتِضْعَافٍ وَخَوْفٍ وَفِي حَالِ مُطَارَدَةٍ وَإِيذَاءٍ إِلَى حَالِ عِزٍّ وَمَنَعَةٍ، وَأَخَذَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَصَافٍّ لَا تَرْقَى إِلَيْهَا النُّجُومُ، وَرَفَعَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ذِكْرَ نَبِيِّهِ ﷺ وَأَعَزَّهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، وَرَفَعَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ كَلِمَةَ الدِّينِ حَتَّى أَصْبَحَتْ كَلِمَةُ الْكُفْرِ صَاغِرَةً كَمَا هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ وَعَلَى الدَّوَامِ.

وَإِنَّ هِجْرَةَ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي بَدَأَهَا الرَّسُولُ ﷺ فِي السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ صَفَرٍ مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ مِنَ النُّبُوَّةِ -مِنَ الْبَعْثَةِ- بِتَحَرُّكِهِ ﷺ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى بَيْتِ صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، هَذِهِ الْهِجْرَةُ الْفَذَّةُ الْعَظِيمَةُ مَا زَالَتْ مُمْتَدَّةً فِي الْأُمَّةِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، يَقُولُ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ: «وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَنْهُ»، وَلِذَلِكَ كَانَ السَّابِقُونَ الصَّالِحُونَ السَّالِفُونَ -عَلَيْهِمْ رَحْمَةُ اللَّهِ أَجْمَعِينَ-، كَانَ هَؤُلَاءِ بِالْهِجْرَةِ الْعَظِيمَةِ إِلَى اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنَ الذُّنُوبِ إِلَى الطَّاعَةِ وَمِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الْإِنَابَةِ.. كَانُوا مُوَفَّقِينَ حَقًّا.

 ((لَمَّا سَمِعَ الْأَنْصَارُ بِخُرُوجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ مُهَاجِرًا كَانُوا يَخْرُجُونَ كُلَّ يَوْمٍ إِذَا صَلَّوُا الصُّبْحَ إِلَى ظَاهِرِ الْمَدِينَةِ يَنْتَظِرُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَمَا يَبْرَحُونَ حَتَّى تَغْلِبَهُمُ الشَّمْسُ عَلَى الظِّلَالِ فَيَدْخُلُونَ بُيُوتَهُمْ، وَكَانَ الزَّمَنُ زَمَنَ صَيْفٍ وَحَرٍّ وَقَيْظٍ.

وَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ دَخَلَ النَّاسُ الْبُيُوتَ، وَكَانَ الْيَهُودُ يَرَوْنَ مَا يَصْنَعُ الْأَنْصَارُ, وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ رَآهُ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ وَأَخْبَرَ الْأَنْصَارَ بِقُدُومِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

فَخَرَجُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي ظِلِّ نَخْلَةٍ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-, وَأَكْثَرُهُمْ لَمْ يَكُنْ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ، وَازْدَحَمَ النَّاسُ، مَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَهُ ﷺ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَفَطَنَ لِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ فَقَامَ يُظِلُّهُ بِرِدَائِهِ فَانْكَشَفَ لِلنَّاسِ الْأَمْرُ!

وَاسْتَقْبَلَهُمَا زُهَاءُ خَمْسِمِائَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَيْهِمَا، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: ((انْطَلِقَا آمِنَيْنِ مُطَاعَيْنِ))، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَصَاحِبُهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَخَرَجَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ حَتَّى إِنَّ الْعَوَاتِقَ فَوْقَ الْبُيُوتِ لِيَتَرَاءَيْنَهُ يَقُلْنَ: أَيُّهُمْ هُوَ؟ أَيُّهُمْ هُوَ؟

يَقُولُ أَنَسٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((فَمَا رَأَيْنَا مَنْظَرًا شَبِيهًا بِهِ!!)) .

وَخَرَجَ النَّاسُ حِينَ قَدِمَا الْمَدِينَةَ فِي الطُّرُقِ وَعَلَى الْبُيُوتِ، وَالْغِلْمَانُ وَالْخَدَمُ يَقُولُونَ: ((اللهُ أَكْبَرُ جَاءَ رَسُولُ اللهِ, اللهُ أَكْبَرُ جَاءَ مُحَمَّدٌ, اللهُ أَكْبَرُ جَاءَ مُحَمَّدٌ, اللهُ أَكْبَرُ جَاءَ مُحَمَّدٌ)). كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) .

قَالَ الْبَرَاءُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -وَكَانَ حَدِيثَ السِّنِّ-: ((قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، حَتَّى جَعَلَ الْإِمَاءُ يَقُلْنَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

كَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ فَرَحًا بِمَقْدَمِهِ، وَمَا فَرِحُوا بِشَيْءٍ فِي حَيَاتِهِمْ كَفَرَحِهِمْ بِقُدُومِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ بِاسِمَةَ الثَّغْرِ تَرْفُلُ فِي حُلَلِ الْفَرَحِ وَالْفَخْرِ.

عَنِ الْبَرَاءِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ قَالَ: ((فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ لَيْلًا، فَتَنَازَعُوا أَيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: ((أَنْزِلُ عَلَى بَنِي النَّجَّارِ أَخْوَالِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أُكْرِمُهُمْ بِذَلِكَ)).

فَصَعِدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَوْقَ الْبُيُوتِ، وَتَفَرَّقَ الْغِلْمَانُ وَالْخَدَمُ فِي الطُّرُقِ يُنَادُونَ: ((يَا مُحَمَّدُ! يَا رَسُولَ اللهِ، يَا مُحَمَّدُ! يَا رَسُولَ اللهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَأَضَاءَتِ الْمَدِينَةُ لِمَقْدَمِهِ ﷺ كَمَا أَظْلَمَتْ لِوَفَاتِهِ.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((فَمَا رَأَيْتُ يَوْمًا قَطُّ أَنْوَرَ وَلَا أَحْسَنَ مِنْ يَوْم دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ الْمَدِينَةَ، وَشَهِدْتُ وَفَاتَهُ فَمَا رَأَيْتُ يَوْمًا قَطُّ أَظْلَمَ وَلَا أَقْبَحَ مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي تُوِفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهِ)) . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ فِي ((الْمُقَدِّمَةِ)) وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ)).

وَلَعِبَتِ الْحَبَشَةُ بِحِرَابِهَا فَرَحًا بِالرَّسُولِ ﷺ، عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَعِبَتِ الْحَبَشَةُ بِحِرَابِهِمْ؛ فَرَحًا لِقُدُومِهِ ﷺ)) . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

((الْهِجْرَةُ وَبِنَاءُ الدَّوْلَةِ وَمُؤَسَّسَاتِهَا))

لَمَّا اسْتَقَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ شَرَعَ فِي تَنْظِيمِ أُمُورِ الْمُجْتَمَعِ وَبِنَاءِ مُؤَسَّسَاتِهِ الْإِدَارِيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي تَضْمَنُ لَهُ الْأَمْنَ وَالِاسْتِقْرَارَ دَاخِلِيًّا وَخَارِجِيًّا.

وَشَرَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُنْذُ دُخُولِهِ الْمَدِينَةَ فِي تَثْبِيتِ دَعَائِمِ الدَّوْلَةِ الْجَدِيدَةِ عَلَى قَوَاعِدَ مَتِينَةٍ وَأُسُسٍ رَاسِخَةٍ؛ فَكَانَتْ أُولَى خُطُوَاتِهِ الْمُبَارَكَةِ الِاهْتِمَامَ بِبِنَاءِ دَعَائِمِ الْأُمَّةِ كَبِنَاءِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ بِالْمَدِينَةِ، وَالْمُؤَاخَاةِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ عَلَى الْحُبِّ فِي اللهِ، وَإِصْدَارِ الْوَثِيقَةِ الَّتِي يُنَظِّمُ بِهَا الْعَلَاقَاتِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَمُشْرِكِي الْمَدِينَةِ، وَإِعْدَادِ جَيْشٍ لِحِمَايَةِ الدَّوْلَةِ وَالسَّعْيِ لِتَحْقِيقِ أَهْدَافِهَا، وَالْعَمَلِ عَلَى حَلِّ مَشَاكِلِ الْمُجْتَمَعِ الْجَدِيدِ، وَتَرْبِيَتِهِ عَلَى الْمَنْهَجِ الرَّبَّانِيِّ فِي شُئُونِ الْحَيَاةِ كَافَّةً.

فَقَدِ اسْتَمَرَّ الْبِنَاءُ التَّرْبَوِيُّ وَالتَّعْلِيمِيُّ، وَاسْتَمَرَّ الْقُرْآنُ الْمَجِيدُ يَتَحَدَّثُ فِي الْمَدِينَةِ عَنْ عَظَمَةِ اللهِ، وَحَقِيقَةِ الْكَوْنِ، وَالتَّرْغِيبِ فِي الْجَنَّةِ وَالتَّرْهِيبِ مِنَ النَّارِ، وَيُشَرِّعُ الْأَحْكَامَ لِتَرْبِيَةِ الْأُمَّةِ، وَدَعْمِ مُقَوِّمَاتِ الدَّوْلَةِ الَّتِي سَتَحْمِلُ نَشْرَ دَعْوَةِ اللهِ -تَعَالَى- بَيْنَ النَّاسِ قَاطِبَةً، وَتُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ -تَعَالَى-.

وَكَانَتْ مَسِيرَةُ الْأُمَّةِ الْعِلْمِيَّةُ وَالتَّرْبَوِيَّةُ تَتَطَوَّرُ مَعَ تَطَوُّرِ مَرَاحِلِ الدَّعْوَةِ وَبِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ وَتَأْسِيسِ الدَّوْلَةِ، وَعَالَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْأَزْمَةَ الِاقْتِصَادِيَّةَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ خِلَالِ الْمَنْهَجِ الرَّبَّانِيِّ، وَاسْتَمَرَّ الْبِنَاءُ التَّرْبَوِيُّ؛ فَفُرِضَ الصِّيَامُ، وَفُرِضَتِ الزَّكَاةُ، وَأَخَذَ الْمُجْتَمَعُ يَزْدَهِرُ وَالدَّوْلَةُ تَتَقَوَّى عَلَى أُسُسٍ ثَابِتَةٍ وَقَوِيَّةٍ.

((أَوَّلُ دَعَائِمِ بِنَاءِ الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ:

بِنَاءُ الْمَسْجِدِ))

لَقَدْ كَانَ أَوَّلَ مَا قَامَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ بِالْمَدِينَةِ بِنَاءُ الْمَسْجِدِ؛ وَذَلِكَ لِتَظْهَرَ فِيهِ شَعَائِرُ الْإِسْلَامِ الَّتِي طَالَمَا حُورِبَتْ، وَلِتُقَامَ فِيهِ الصَّلَوَاتُ الَّتِي تَرْبِطُ الْمَرْءَ بِرَبِّهِ -تَعَالَى-، وَتُنَقِّي الْقَلْبَ مِنْ أَدْرَانِ الْأَرْضِ وَأَدْنَاسِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.

أَوَّلُ عَمَلٍ قَامَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ بَعْدَ نُزُولِهِ فِي بَيْتِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- هُوَ بِنَاءُ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ.

((إِنَّ نَاقَةَ الرَّسُولِ ﷺ بَرَكَتْ فِي مِرْبَدٍ لِلتَّمْرِ لِسَهْلٍ وَسُهَيْلٍ غُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، وَكَانَ الَّذِي يَكْفُلُهُمَا أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الْغُلَامَيْنِ فَسَاوَمَهُمَا بِالْمِرْبَدِ لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا، فَقَالَا: ((لَا، بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ))؛ وَالْهِبَةُ: هِيَ الْعَطِيَّةُ الْخَالِيَةُ عَنِ الْأَعْوَاضِ وَالْأَغْرَاضِ.

فَأَبَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا حَتَّى ابْتَاعَهُ -أَيِ: اشْتَرَاهُ- مِنْهُمَا، ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا، كَمَا وَرَدَ فِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)) .

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي قَبْلَ بِنَاءِ مَسْجِدِهِ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ، وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) .

وَمَرَابِضُ الْغَنَمِ: هِيَ مَبَارِكُهَا وَمَوَاضِعُ مَبِيتِهَا وَوَضْعِهَا أَجْسَادَهَا عَلَى الْأَرْضِ لِلِاسْتِرَاحَةِ.

وَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْقُلُ مَعَهُمُ اللَّبِنَ فِي بُنْيَانِهِ، وَيَقُولُ وَهُوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ: ((هَذَا الْحِمَالُ لَا حِمَالَ خَيْبَرْ = هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرْ))

وَالْحِمَالُ: يُرِيدُونَ بِهِ الْمَحْمُولَ مِنَ اللَّبِنِ.

((هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرُ))؛ أَيْ: أَبْقَى ذُخْرًا، وَأَكْثَرُ ثَوَابًا، وَأَدْوَمُ مَنْفَعَةً، وَأَشَدُّ طَهَارَةً مِنْ حِمَالِ خَيْبَرَ الَّتِي يُحْمَلُ مِنْهَا التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ.

وَيَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنَّ الْأَجْرَ أَجْرُ الْآخِرَة = فَارْحَمِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَة)) ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((الصَّحِيحِ)).

شَرَعَ الرَّسُولُ ﷺ فِي الْعَمَلِ مَعَ أَصْحَابِهِ، وَضَرَبَ أَوَّلَ مِعْوَلٍ فِي حَفْرِ الْأَسَاسِ الَّذِي كَانَ عُمْقُهُ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ، ثُمَّ انْدَفَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي بِنَاءِ هَذَا الْأَسَاسِ بِالْحِجَارَةِ وَالْجُدْرَانِ الَّتِي لَمْ تَزِدْ عَلَى قَامَةِ الرَّجُلِ إِلَّا قَلِيلًا بِاللَّبِنِ الَّذِي يُعْجَنُ بِالتُّرَابِ، وَيُسَوَّى عَلَى شَكْلِ أَحْجَارٍ صَالِحَةٍ لِلْبِنَاءِ.

((إِنَّ الْأُمَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ لَيْسَتْ جَمَاعَةً مِنَ النَّاسِ هَمُّهَا أَنْ تَعِيشَ بِأَيِّ أُسْلُوبٍ أَوْ تَخُطَّ طَرِيقَهَا فِي الْحَيَاةِ إِلَى أَيِّ جِهَةٍ، وَمَا دَامَتْ تَجِدُ الْقُوتَ وَاللَّذَّةَ فَقَدْ أَرَاحَتْ وَاسْتَرَاحَتْ؛ كَلَّا، فَالْمُسْلِمُونَ أَصْحَابُ عَقِيدَةٍ تُحَدِّدُ صِلَتَهُمْ بِاللهِ، وَتُوَضِّحُ نَظْرَتَهُمْ إِلَى الْحَيَاةِ، وَتُنَظِّمُ شُئُونَهُمْ فِي الدَّاخِلِ عَلَى أَسَالِيبَ خَاصَّةٍ، وَتَسُوقُ صِلَاتِهِمْ بِالْخَارِجِ إِلَى غَايَاتٍ مُعَيَّنَةٍ.

وَفَرْقٌ بَيْنَ امْرِئٍ يَقُولُ لَكَ: هَمِّي فِي الدُّنْيَا أَنْ أَحْيَا فَحَسْبُ، وَآخَرَ يَقُولُ لَكَ: إِذَا لَمْ أَحْرُسِ الشَّرَفَ، وَأَصُنِ الْحُقُوقَ، وَأُرْضِ اللهَ، وَأَغْضَبْ مِنْ أَجْلِهِ؛ فَلَا سَعَتْ بِي قَدَمٌ، وَلَا طَرَفَتْ لِي عَيْنٌ.

وَالْمُهَاجِرُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ لَمْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ بَلَدِهِمُ ابْتِغَاءَ ثَرَاءٍ أَوِ اسْتِعْلَاءٍ، وَالْأَنْصَارُ الَّذِينَ اسْتَقْبَلُوهُمْ، وَنَاصَبُوا قَوْمَهُمُ الْعَدَاءَ، وَأَهْدَفُوا أَعْنَاقَهُمْ لِلْقَاصِي وَالدَّانِي.. لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ لِيَعِيشُوا كَيْفَمَا اتَّفَقَ!

إِنَّهُمْ جَمِيعًا يُرِيدُونَ أَنْ يَسْتَضِيئُوا بِالْوَحْيِ، وَأَنْ يَحْصُلُوا عَلَى رِضْوَانِ اللهِ، وَأَنْ يُحَقِّقُوا الْحِكْمَةَ الْعُلْيَا الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا خُلِقَ النَّاسُ وَقَامَتِ الْحَيَاةُ.

مِنْ هُنَا شُغِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَوَّلَ مُسْتَقَرِّهِ بِالْمَدِينَةِ بِوَضْعِ الدَّعَائِمِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا لِقِيَامِ رِسَالَتِهِ، وَتَبْيِينِ مَعَالِمِهَا كَمَا اتَّضَحَ ذَلِكَ فِي صِلَةِ الْأُمَّةِ بِاللهِ، وَصِلَّةِ الْأُمَّةِ بَعْضِهَا بِالْبَعْضِ الْآخَرِ، وَصِلَةِ الْأُمَّةِ بِالْأَجَانِبِ عَنْهَا مِمَّنْ لَا يَدِينُونَ دِينَهَا.

فِي الْأَمْرِ الْأَوَّلِ بَادَرَ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى بِنَاءِ الْمَسْجِدِ؛ لِتَظْهَرَ فِيهِ شَعَائِرُ الْإِسْلَامِ الَّتِي طَالَمَا حُورِبَتْ، وَلِتُقَامَ فِيهِ الصَّلَوَاتُ الَّتِي تَرْبِطُ الْمَرْءَ بِرَبِّهِ، وَتُنَقِّي الْقَلْبَ مِنْ أَدْرَانِ الْأَرْضِ وَدَسَائِسِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا».

أَمَّا عَنِ الْأَمْرِ الثَّانِي: فَهُوَ صِلَةُ الْأُمَّةِ بَعْضِهَا بِبَعْضِهَا الْآخَرِ؛ فَقَدْ أَقَامَهَا الرَّسُولُ ﷺ عَلَى الْإِخَاءِ الْكَامِلِ.. الْإِخَاءِ الَّذِي تُمْحَى فِيهِ كَلِمَةُ (أَنَا)، وَيَتَحَرَّكُ الْفَرْدُ فِيهِ بِرُوحِ الْجَمَاعَةِ وَمَصْلَحَتِهَا وَآمَالِهَا، فَلَا يَرَى لِنَفْسِهِ كِيَانًا دُونَهَا، وَلَا امْتِدَادًا إِلَّا فِيهَا.

وَمَعْنَى هَذَا الْإِخَاءِ: أَنْ تَذُوبَ عَصَبِيَّاتُ الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَا حَمِيَّةَ إِلَّا لِلْإِسْلَامِ، وَأَنْ تَسْقُطَ فَوَارِقُ النَّسَبِ وَاللَّوْنِ وَالْوَطَنِ، فَلَا يَتَأَخَّرُ أَحَدٌ أَوْ يَتَقَدَّمُ إِلَّا بِمُرُوءَتِهِ وَتَقْوَاهُ.

وَقَدْ جَعَلَ الرَّسُولُ ﷺ هَذِهِ الْأُخُوَّةَ عَقْدًا نَافِذًا لَا لَفْظًا فَارِغًا، وَعَمَلًا يَرْتَبِطُ بِالدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ، لَا تَحِيَّةً تُثَرْثِرُ بِهَا الْأَلْسِنَةُ وَلَا يَقُومُ لَهَا أَثَرٌ.

وَكَانَتْ عَوَاطِفُ الْإِيثَارِ وَالْمُوَاسَاةِ وَالْمُؤَانَسَةِ تَمْتَزِجُ فِي هَذِهِ الْأُخُوَّةِ، وَتَمْلَأُ الْمُجْتَمَعَ الْجَدِيدَ بِأَرْوَعِ الْأَمْثَالِ!!)) .

((أَمَّا الْأَمْرُ الثَّالِثُ: وَهُوَ صِلَةُ الْأُمَّةِ بِالْأَجَانِبِ عَنْهَا، الَّذِينَ لَا يَدِينُونَ بِدِينِهَا؛ فَإِنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَدْ سَنَّ فِي ذَلِكَ قَوَانِينَ السَّمَاحِ وَالتَّجَاوُزِ، الَّتِي لَمْ تُعْهَدْ فِي عَالَمٍ مَلِيءٍ بِالتَّعَصُّبِ وَالتَّعَالِي)) .

لَقَدْ بَلَغَ مِنَ اهْتِمَامِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَسْجِدِ أَنَّهُ بَنَى مَسْجِدَيْنِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي بِضْعَةِ أَيَّامٍ، وَسَاهَمَ فِي بِنَاءِ كِلَا الْمَسْجِدَيْنِ، وَارْتَجَزَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ هَذَا الْبَيْتَ وَهُوَ يَحْمِلُ الْحِجَارَةَ، أَوْ يُرْسِي الْقَوَاعِدَ، أَوْ يَرْفَعُ الْجُدُرَ:

لَئِنْ قَعَدْنَا وَالرَّسُولُ يَعْمَلُ = فَذَاكَ مِنَّا الْعَمَلُ الْمُضَلَّلُ

وَرُبَّمَا أَنْشَدُوا يُرَوِّحُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ:

لَاهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَة = فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَة

وَهَذَا يُشِيرُ إِلَى مَبْلَغِ عِنَايَةِ الْإِسْلَامِ بِالْمَسْجِدِ، وَبَالِغِ مَكَانَتِهِ فِيهِ؛ حَتَّى كَانَ أَوَّلَ أَعْمَالِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ، فَالْمَسْجِدُ بُؤْرَةُ التَّوْحِيدِ، وَمَرْكَزُ الْإِشْعَاعِ الرُّوحِيِّ، وَمُنْطَلَقُ التَّوْجِيهِ الدِّينِيِّ، فَهُوَ الْمُجْتَمَعُ لِأَدَاءِ فَرِيضَةِ الْإِسْلَامِ الْكُبْرَى وَشَعِيرَتِهِ الْأُولَى، وَهُوَ الْمَدْرَسَةُ الَّتِي تُتَلَقَّى فِيهَا التَّعَالِيمُ الْإِسْلَامِيَّةُ.

وَهُوَ الْمَصْنَعُ الَّذِي تُصَاغُ فِيهِ الْأَمْثِلَةُ التَّطْبِيقِيَّةُ الصَّحِيحَةُ النَّمُوذَجِيَّةُ لِلْإِسْلَامِ، وَهُوَ الْمِصْفَاةُ تَجْلُو صَدَأَ الْقُلُوبِ، وَتَنْفِي عَنْهَا أَدْرَانَ الدُّنْيَا وَخَبَثَ الْمَادَّةِ، وَهُوَ مَرَاحُ الْأَرْوَاحِ، فِيهِ غِذَاءُ الْعُقُولِ وَجِلَاءُ الْأَفْهَامِ، وَمَنَارُ الْحَقِّ وَالْحَقِيقَةِ، ثُمَّ هُوَ بَعْدَ ذَلِكَ الْمِعْرَاجُ لِمَنْ يَشَاءُ الصِّلَةَ بِعَلَّامِ الْغُيُوبِ.

إِنَّ الْمَسْجِدَ مَهْوَى أَفْئِدَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمُتَرَدَّدُ الْمُصَلِّينَ، وَمَعْلَمَةُ هَذَا الدِّينِ، يَتَلَقَّى فِيهِ الْمُسْلِمُونَ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ دُرُوسًا عَمَلِيَّةً فِي الْمُسَاوَاةِ الرَّفِيعَةِ، وَالطَّاعَةِ الْمُثْلَى، وَالِانْقِيَادِ الْخَاضِعِ الْخَاشِعِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَفِيهِ تَشِيعُ الْمَحَبَّةُ الْمُخْلِصَةُ الْمُتَرَفِّعَةُ عَنِ الْأَغْرَاضِ وَالْحُطَامِ، وَتَنْعَقِدُ أَوَاصِرُ الْأُخُوَّةِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي تُفَجِّرُ فِي الْمُسْلِمِينَ الْمُصَلِّينَ التَّرَاحُمَ، وَتُدَفِّقُ فِيهِمْ مَعَانِيَ الْإِيثَارِ، وَتُوَطِّدُ عُرَى التَّنَاصُرِ وَالتَّآلُفِ، فَيَعْرِفُ الْمُسْلِمُ لِأَخِيهِ حَقَّهُ، وَيَهْتَمُّ بِأَمْرِهِ، وَيُوَاسِيهِ فِي مِحْنَتِهِ، وَيَمْنَحُهُ بِرَّهُ، وَيَبْذُلُ لَهُ الْكَثِيرَ مِنْ مَالِهِ وَوَلَائِهِ وَمَوَدَّتِهِ.

مِنْ أَجْلِ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْحَيَوِيَّةِ النَّبِيلَةِ حَرَصَ الْإِسْلَامُ عَلَى إِقَامَةِ الْمَسَاجِدِ، وَبَثَّهَا الْخُلَفَاءُ وَالْحُكَّامُ فِي كُلِّ مَصْرٍ إِسْلَامِيٍّ؛ حَتَّى كَانَتْ رَمْزَ الْإِسْلَامِ وَعَلَامَةَ التَّوْحِيدِ فِي كُلِّ بَلَدٍ إِسْلَامِيٍّ فِي الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ.

((وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْقُلُ مَعَهُمُ اللَّبِنَ -وَاللَّبِنُ: هُوَ الطُّوبُ الْمَعْمُولُ مِنَ الطِّينِ-، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْقُلُ مَعَهُمُ اللَّبِنَ وَالْحِجَارَةَ فِي بُنْيَانِ الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَقُولُ ﷺ: ((هَذَا الْحِمَالُ لَا حِمَالَ خَيْبَر = هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَر)).

وَيَقُولُ ﷺ أَيْضًا: ((اللَّهُمَّ إِنَّ الْأَجْرَ أَجْرُ الْآخِرَة = فَارْحَمِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَة)).

فَلَمَّا رَأَى الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- الرَّسُولَ ﷺ يَعْمَلُ مَعَهُمْ قَالَ قَائِلُهُمْ:

لَئِنْ قَعَدْنَا وَالنَّبِيُّ يَعْمَلُ = لَذَاكَ مِنَّا الْعَمَلُ الْمُضَلَّلُ

وَكَانُوا يُنْشِدُونَ وَهُمْ يَعْمَلُونَ:

اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَة = فَانْصُرِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَة

فَيُجِيبُهُمُ الرَّسُولُ ﷺ: ((اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَة = فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَة)) ».

((وَبَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ؛ بُنِيَتِ الْحُجُرَاتُ لِأَزْوَاجِ الرَّسُولِ ﷺ حَوْلَ مَسْجِدِهِ الشَّرِيفِ، وَسُقِّفَتْ بِالْجَرِيدِ وَجُذُوعِ النَّخْلِ؛ لِتَكُونَ مَسَاكِنَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَهْلِهِ)) .

((وَلَمْ يَكُنِ الْمَسْجِدُ مَوْضِعًا لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ جَامِعَةً يَتَلَقَّى فِيهَا الْمُسْلِمُونَ تَعَالِيمَ الْإِسْلَامِ وَتَوْجِيهَاتِهِ، وَمُنْتَدًى تَلْتَقِي فِيهِ الْعَنَاصِرُ الْقَبَلِيَّةُ الْمُخْتَلِفَةُ الَّتِي طَالَمَا نَافَرَتْ بَيْنَهَا النَّزْعَاتُ الْجَاهِلِيَّةُ وَحُرُوبُهَا، وَقَاعِدَةً لِإِدَارَةِ جَمِيعِ الشُّئُونِ، وَبَثِّ الِانْطِلَاقَاتِ، وَبَرْلَمَانًا لِعَقْدِ الْمَجَالِسِ الِاسْتِشَارِيَّةِ وَالتَّنْفِيذِيَّةِ)) ؛ كَمَا فِي لِسَانِ أَهْلِ الْعَصْرِ.

((وَأَصْبَحَ الْمَسْجِدُ مُنْذُ بِنَائِهِ مَكَانًا لِلْعِبَادَةِ فِي الْمَقَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ مَكَانًا لِكُلِّ أَمْرٍ يُهِمُّ الْمُسْلِمِينَ؛ مِنْ إِيوَاءِ ضُعَفَاءِ وَفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ.. الرِّجَالِ الْعُزَّابِ الَّذِينَ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الْحُصُولِ عَلَى مَنَازِلَ خَاصَّةٍ بِهِمْ، وَعُرِفُوا بِأَهْلِ الصُّفَّةِ كَمَا فِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)))) .

وَفِيهِ أَيْضًا: مَا كَانَ مِنْ إِيوَاءِ ضُعَفَاءِ النِّسَاءِ اللَّائِي أَسْلَمْنَ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَجِدْنَ مَأْوًى سِوَى الْمَسْجِدِ حِينَ قُدُومِهِنَّ الْمَدِينَةَ؛ كَالْوَلِيدَةِ السَّوْدَاءِ الَّتِي اتَّخَذَتْ خِبَاءً أَوْ حِفْشًا -وَهُوَ الْبَيْتُ الْقَرِيبُ السَّقْفِ مِنَ الْأَرْضِ-؛ اتَّخَذَتْهُ فِي الْمَسْجِدِ، كَمَا فِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)) .

كَانَ الْمَسْجِدُ مَكَانًا لِتَعْلِيمِ الْمُسْلِمِينَ أُمُورَ دِينِهِمْ، وَكَان مَكَانًا لِإِنْشَادِ الشِّعْرِ ذَبًّا عَنِ الدَّعْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَنَبِيِّهَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَصْحَابِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، فَقَدِ اتَّخَذَ حَسَّانُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْبَرًا كَانَ يَقِفُ عَلَيْهِ وَيُنْشِدُ شِعْرَهُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ حَتَّى فِي عَهْدِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَخِلَافَتِهِ، فَلَمَّا مَرَّ بِهِ نَظَرَ إِلَيْهِ شَزْرًا، فَقَالَ: ((إِلَيْكَ عَنِّي يَا عُمَرُ؛ فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أُنْشِدُ فِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ!!)).

فَقَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((صَدَقْتَ!!))، وَتَوَلَّى عَنْهُ.

كَانَ الْمَسْجِدُ مَكَانًا لِاعْتِقَالِ أَسِيرِ الْحَرْبِ الْمُشْرِكِ إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ عِظَةٌ لِمَنْ يَرَاهُ مِنَ النَّاسِ، وَعِظَةٌ لَهُ عِنْدَمَا يَرَى الصَّلَاةَ وَيَسْمَعُ الْقُرْآنَ وَأَحَادِيثَ الرَّسُولِ ﷺ، كَمَا فِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ بْنِ أَثَالٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَالْحَدِيثُ فِي الْبُخَارِيِّ.

وَقَدْ تُنْصَبُ فِيهِ الْخَيْمَةُ لِعِلَاجِ جَرْحَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْحَرْبِ، كَمَا فِي قِصَّةِ خَيْمَةِ رُفَيْدَةَ أَيَّامَ غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ، كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ.

وَكَانَ مَكَانًا لِاسْتِقْبَالِ الرُّسُلِ -أَيِ: السُّفَرَاءِ- الَّذِينَ يَفِدُونَ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ.

وَكَانَ مَكَانًا لِعَقْدِ أَلْوِيَةِ جُيُوشِ وَسَرَايَا الْمُجَاهِدِينَ.

وَكَانَ مَكَانًا لِاجْتِمَاعِ الْمُسْلِمِينَ بِقَائِدِهِمْ، وَفِي هَذَا فَائِدَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:

الْأَوَّلُ: احْتِكَاكُ الْقَائِدِ بِالرَّعِيَّةِ عَنْ قُرْبٍ، وَدِرَاسَةُ أَحْوَالِهِمْ، وَبَثُّ الرَّعِيَّةِ شُجُونَهُمْ لِقَائِدِهِمْ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: احْتِكَاكُ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَتَآلُفُ قُلُوبِهِمْ، وَقَدْ غَابَ هَذَا الْفَهْمُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي زَمَانِنَا هَذَا!!

((كَانَ الْمَسْجِدُ دَارًا يَسْكُنُ فِيهَا عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ اللَّاجِئِينَ، الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ هُنَاكَ دَارٌ، وَلَا مَالٌ، وَلَا أَهْلٌ، وَلَا بَنُونَ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُجَالِسُهُمْ وَيَأْنَسُ بِهِمْ، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ أَهْلَ الصُّفَّةِ، وَالصُّفَّةُ: مَوْضِعٌ مُظَلَّلٌ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، كَانَ يَأْوِي إِلَيْهِ الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ.

قَالَ الْحَافِظُ: ((كَانَتِ الصُّفَّةُ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ مُعَدَّةً لِفُقَرَاءِ أَصْحَابِهِ ﷺ غَيْرِ الْمُتَأَهِّلِينَ، وَكَانُوا يَكْثُرُونَ تَارَةً حَتَّى يَبْلُغُوا الْمِائَتَيْنِ، وَيَقِلُّونَ أُخْرَى لِإِرْسَالِهِمْ فِي الْجِهَادِ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ)) .

تَمَّ بِنَاءُ الْمَسْجِدِ فِي حُدُودِ التَّقَلُّلِ، فِرَاشُهُ الرِّمَالُ وَالْحَصْبَاءُ -وَالْحَصْبَاءُ: الْحَصَى الصِّغَارُ-، وَسَقْفُهُ الْجَرِيدُ، وَأَعْمِدَتُهُ الْجُذُوعُ، وَرُبَّمَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ فَأَوْحَلَتْ أَرْضُهُ.

أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ)) مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ -هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ-: ((سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ وَكَانَ لِي صَدِيقًا، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا -أَوْ نُسِّيتُهَا-؛ فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي الْوِتْرِ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلْيَرْجِعْ))، فَرَجَعْنَا وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً -أي: قِطْعَةً مِنْ سَحَابٍ رَقِيقَةً-، فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ؛ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ)) .

هَذَا الْبِنَاءُ الْمُتَوَاضِعُ هُوَ الَّذِي رَبَّى مَلَائِكَةَ الْبَشَرِ، وَمُؤَدِّبِي الْجَبَابِرَةِ، وَرَبَّى مُلُوكَ الدَّارِ الْآخِرَةِ.

إِنَّ مَكَانَةَ الْمَسْجِدِ فِي الْمُجْتَمَعِ الْإِسْلَامِيِّ، تَجْعَلُهُ مَصْدَرَ التَّوْجِيهِ الرُّوحِيِّ وَالْمَادِّيِّ، فَهُوَ سَاحَةٌ لِلْعِبَادَةِ، وَمَدْرَسَةٌ لِلْعِلْمِ، وَنَدْوَةٌ لِلْآدَابِ، وَقَدِ ارْتَبَطَتْ بِفَرِيضَةِ الصَّلَاةِ وَصُفُوفِهَا أَخْلَاقٌ وَتَقَالِيدُ هِيَ لُبَابُ دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ».

((أَعْقَبَ هِجْرَةَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ ظُهُورُ مُشْكِلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِمَعِيشَةِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ تَرَكُوا بُيُوتَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَمَتَاعَهُمْ بِمَكَّةَ فِرَارًا بِدِينِهِمْ مِنْ طُغْيَانِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ بَعْضَ الْمُهَاجِرِينَ لَمْ يَسْتَطِيعُوا الْعَمَلَ حَالَ قُدُومِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ الطَّابَعَ الزِّرَاعِيِّ يَغْلِبُ عَلَى اقْتِصَادِ الْمَدِينَةِ، وَلَيْسَتْ لِلْمُهَاجِرِينَ خِبْرَةٌ زِرَاعِيَّةٌ، فَمُجْتَمَعُ مَكَّةَ تِجَارِيٌّ، كَمَا أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ أَرْضًا زِرَاعِيَّةً فِي الْمَدِينَةِ، وَلَيْسَتْ لَدَيْهِمْ رُءُوسُ أَمْوَالٍ، فَقَدْ تَرَكُوا أَمْوَالَهُمْ بِمَكَّةَ، وَقَدْ وَضَعَ الْأَنْصَارُ إِمْكَانَاتِهِمْ فِي خِدْمَةِ الْمُهَاجِرِينَ، لَكِنَّ بَعْضَ الْمُهَاجِرِينَ بَقِيَ مُحْتَاجًا إِلَى الْمَأْوَى.. إِلَى السَّكَنِ.

اسْتَمَرَّ تَدَفُّقُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ خَاصَّةً قَبْلَ مَوْقِعَةِ الْخَنْدَقِ، حَيْثُ كَانَ الْكَثِيرُ مِنْهُمْ يَسْتَقِرُّونَ فِي الْمَدِينَةِ، كَمَا طَرَقَتِ الْوُفُودُ الْكَثِيرَةُ الْمَدِينَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَعْرِفَةٍ بِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ هَؤُلَاءِ الْغُرَبَاءُ بِحَاجَةٍ إِلَى مَأْوًى دَائِمٍ أَوْ إِلَى مَأْوًى مُدَّةَ إِقَامَتِهِمْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَكَّرَ فِي إِيجَادِ الْمَأْوَى لِلْفُقَرَاءِ الْمُقِيمِينَ وَالْوُفُودِ الطَّارِقِينَ، فَكَانَ أَنِ اتُّخِذَتِ الصُّفَّةُ)).

فَلْنَتَأَمَّلْ فِي مُعَانَاةِ الْمُهَاجِرِينَ؛ لِيَخِفَّ عَلَى كُلِّ مَنْ هَاجَرَ بِدِينِهِ مَا يَجِدُهُ مِنَ الْعَنَاءِ وَالْمَشَقَّةِ، وَأَنَّهُ مَهْمَا وَجَدَ فَلَا يَبْلُغُ مَا يُعَانِيهِ شَيْئًا مِمَّا عَانَاهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

هَذَا مَا كَانَ مِنْ بِنَاءِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ.

وَلِلْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ فَضَائِلُ كَثِيرَةٌ، مِنْ ذَلِكَ: ((مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ)) .

وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي ((صَحِيحِهِ)) وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي ((مُسْنَدِهِ)) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ خَيْرَ مَا رُكِبَتْ إِلَيْهِ الرَّوَاحِلُ مَسْجِدِي هَذَا وَالْبَيْتُ الْعَتِيقُ)) .

وَالرَّوَاحِلُ: جَمْعُ رَاحِلَةٍ، وَالرَّاحِلَةُ مِنَ الْإِبِلِ: الْبَعِيرُ الْقَوِيُّ فِي الْأَسْفَارِ وَالْأَحْمَالِ، وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ.

وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((فَإِنِّي آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ مَسْجِدِي آخِرُ الْمَسَاجِدِ)) .

قَالَ السِّنْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي ((حَاشِيَتِهِ عَلَى النَّسَائِيِّ)) : ((أَيْ: هُوَ آخِرُ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ الْمَشْهُودِ لَهَا بِالْفَضْلِ، أَوْ آخِرُ مَسَاجِدِ الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ أَنَّهُ يَبْقَى آخِرَ الْمَسَاجِدِ، وَيَتَأَخَّرُ عَنِ الْمَسَاجِدِ الْأُخَرِ فِي الْفَنَاءِ)).

وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى)) )).

((مِنْ أَعْظَمِ دَعَائِمِ بِنَاءِ الدَّوْلَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ:

الْمُؤَاخَاةُ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ))

لَقَدْ كَانَ لَا بُدَّ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ أَنْ أَرْسَى الْمَسْجِدَ مَجْمَعَ الْمُسْلِمِينَ الرُّوحِيَّ أَنْ يُطِلَّ عَلَى الْمُجْتَمَعِ الْجَدِيدِ الَّذِي تَكَوَّنَ فِي الْمَدِينَةِ بِفَضْلِ هِجْرَتِهِ إِلَيْهَا، فَيُقِيمَهُ عَلَى قَاعِدَةٍ صُلْبَةٍ رَاسِخَةٍ لَا تَعْصِفُ بِهَا الْأَهْوَاءُ وَالْمُنَازَعَاتُ، وَلَا تُؤَثِّرُ فِيهَا الْعَصَبِيَّاتُ وَالْمُنَافَسَاتُ الْقَبَلِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَمَعَ هُوَ دِعَامَةُ الدَّوْلَةِ الْمُسْلِمَةِ الَّتِي كَانَ بِصَدَدِ تَكْوِينِهَا.

كَانَ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي الْمَدِينَةِ خِلَافَاتٌ وَاصْطِدَامَاتٌ مُسَلَّحَةٌ أَرْهَقَتْهُمْ قَدِيمًا، وَكَانَ آخِرُهَا (يَوْمَ بُعَاثَ) الْمَشْهُورَ الَّذِي الْتَهَمَ كَثِيرًا مِنْ سَادَاتِهِمْ وَنُبَلَائِهِمْ، وَأَلْحَقَ بِالطَّرَفَيْنِ الْمُتَنَازِعَيْنِ خَسَائِرَ مَادِّيَّةً لَا تُقَدَّرُ.

وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ فِي فَاقَةٍ ظَاهِرَةٍ؛ إِذْ تَرَكُوا دُورَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فِي مَكَّةَ، وَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ثَرْوَاتِهِمْ، وَجَرَّدُوهُمْ مِنْ كُلِّ مَا يَمْلِكُونَ عَلَى مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} [الحشر: 8].

وَكَانَ فِي الْأَنْصَارِ فَضْلُ ثَرَاءٍ مِنْ زَرْعٍ وَضَرْعٍ وَصَامِتٍ وَنَاطِقٍ يُمْكِنُ أَنْ يَسُدَّ مِنْ عَوَزِ الْمُهَاجِرِينَ وَيُقِيمَ فِي أَوْدِهِمْ، فَرَأَى النَّبِيُّ ﷺ انْطِلَاقًا مِنْ رُوحِ التَّرَاحُمِ وَالتَّعَاوُنِ وَالتَّضَامُنِ فِي الْإِسْلَامِ، وَلِيَضَعَ الَّذِينَ رَحَّبُوا بِمَقْدَمِهِ وَاحْتَفَوْا بِهِجْرَتِهِ أَمَامَ مَسْئُولِيَّاتِهِمُ الدِّينِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ؛ رَأَى ﷺ أَنْ يَسْتَأْصِلَ شَأْفَةَ الْأَحْقَادِ الْمَوْرُوثَةِ فِيهِمْ، وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْفَقْرِ الْمُهَاجِمِ الْجَاثِمِ عَلَى صُدُورِ أَكْثَرِ الْمُهَاجِرِينَ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَعْقِدَ الْأُخُوَّةَ الدِّينِيَّةَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؛ فَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يَتَآخُوْا فِي اللهِ أَخَوَيْنِ أَخَوَيْنِ؛ أُخُوَّةٌ عَمَلِيَّةٌ جَامِعَةٌ مُوَحِّدَةٌ تَمْسَحُ الْأَنَانِيَّةَ الْمُسْتَأْثِرَةَ الْبَغِيضَةَ، وَتَبْذُلُ الْمَالَ وَالدَّمَ، وَتَقْبُرُ الْعَصَبِيَّاتِ الذَّمِيمَةَ الْفَارِغَةَ، وَتَحْيَا بِالْإِسْلَامِ وَلِلْإِسْلَامِ.

فَتَآخَى أَبُو بَكْرٍ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعُمَرُ وَعِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ، وَعُثْمَانُ وَابْنُ النَّجَّارِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَتَقُولُ الرِّوَايَاتُ: إِنَّهُ مَا نَزَلَ مُهَاجِرِيٌّ عَلَى أَنْصَارِيٍّ إِلَّا بِقُرْعَةٍ، وَهَذِهِ صُورَةٌ مُعَبِّرَةٌ عَنْ مَبْلَغِ الْإِيثَارِ الَّذِي تَحَلَّى بِهِ الْأَنْصَارُ، وَعُلُوِّ الْهِمَّةِ وَالنُّبْلِ اللَّذَيْنِ كَانَا يَتَخَلَّقُ بِهِمُ الْمُهَاجِرُونَ، فَقَدْ رَوَى الشَّيْخَانِ أَنَّهُ لَمَّا آخَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الْمُهَاجِرِ، وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ سَعْدٌ لِأَخِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ((إِنِّي أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ مَالًا، فَأَقْسِمُ مَالِي نِصْفَيْنِ، وَلِيَ امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ، فَسَمِّهَا لِي أُطَلِّقْهَا! فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَزَوَّجْهَا)).

فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: ((بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، أَيْنَ سُوقُكُمْ؟!!))، فَدَلُّوهُ عَلَى سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَمَا انْقَلَبَ إِلَّا وَمَعَهُ فَضْلٌ مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ، ثُمَّ جَاءَ يَوْمًا وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ -أَيْ: زِينَةٍ-، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ((مَهْيَمْ؟))؛ يَسْأَلُهُ عَنْ حَالِهِ.

فَقَالَ: ((تَزَوَّجْتُ)).

قَالَ: ((كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا؟))؛ يَعْنِي: مِنَ الْمَهْرِ.

قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ.

وَعَمِلَ غَيْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ الْمَاهِرِينَ فِي التِّجَارَةِ، وَعَمِلَ آخَرُونَ مِنْهُمْ فِي الْحُقُولِ وَالزُّرُوعِ، وَكَانَتِ الْمُؤَاخَاةُ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ عَطَاءً وَتَكَافُلًا، وَلَمْ تَكُنْ قُعُودًا وَتَوَاكُلًا عَنْ طَلَبِ الرِّزْقِ وَالسَّعْيِ فِي تَحْصِيلِهِ كَمَا تُمَثِّلُهُ قِصَّةُ سَعْدٍ هَذِهِ.

وَكَانَتْ دَرْسًا عَمَلِيًّا خُلُقِيًّا فِي الْحَيَاةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ النَّظِيفَةِ الشَّرِيفَةِ الْهَادِفَةِ الْهَادِئَةِ، لَمْ يَتَخَلَّلْهُ اسْتِغْلَالٌ وَاسْتِنْزَافٌ، وَلَمْ يَتَسَرَّبْ إِلَيْهِ طَمَعٌ أَوْ جَشَعٌ فَيَفْسُدُ، وَلَا يَبْلُغُ قَلَمٌ وَصْفَ الشَّأْوِ الَّذِي بَلَغَتْهُ هَذِهِ الْأُخُوَّةُ وَسَجَّلَتْهُ فَرِيدًا فِي سَمْعِ التَّارِيخِ وَبَصَرِهِ، ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ فَيْضًا مِنَ النُّبُوَّةِ وَنَبْعًا مِنْ خَيْرِ الْهَدْيِ الْمُحَمَّدِيِّ، كَانَتْ قُوَّةً وَوِحْدَةً أَحْكَمَهَا دِينُ التَّوْحِيدِ.

وَهَكَذَا اسْتَطَاعَ الرَّسُولُ ﷺ أَنْ يَقْلِبَ الْعَدَاءَ إِخَاءً، وَالْحِقْدَ حُبًّا، وَيُحَوِّلَ الْأَثَرَةَ إِلَى إِيثَارٍ جَمِيلٍ حَمِيدٍ فَرِيدٍ، فَأَشَاعَ فِي مَدِينَتِهِ الْمُثْلَى لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي دُنْيَا النَّاسِ التَّكَافُلَ الِاجْتِمَاعِيَّ التِّلْقَائِيَّ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ الْوَاجِدِينَ وَالْفُقَرَاءِ الْفَاقِدِينَ.

وَبِذَلِكَ أَثْبَتَ أَمَامَ الْعَالَمِ كُلِّهِ أَوَّلَ تَجْرِبَةٍ مُتَكَافِلَةٍ مُتَضَامِنَةٍ مُتَحَابَّةٍ فِي الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ، وَأَرْسَى بِهَا الْقَاعِدَةَ الْكُبْرَى فِي بِنَاءِ الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، لَمْ تَنْبَعِثْ مِنَ الْفَلْسَفَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةِ وَلَا الْأَفْكَارِ وَالْمَذَاهِبِ الْمَادِّيَّةِ بَلِ انْبَثَقَتْ مِنْ صَمِيمِ الْإِسْلَامِ وَمِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ كَمَا نَطَقَتْ بِذَلِكَ نُصُوصُهُ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، وَ {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2].

وَكَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)) ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَّتْ هَذِهِ الْأُخُوَّةُ -كَمَا تَقُولُ الرِّوَايَاتُ- مُقَدَّمَةً فِي التَّوَارُثِ عَلَى الْقَرَابَةِ الرَّحِمِيَّةِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- قَوْلَهُ: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال: 75]، فَأُلْغِيَ التَّوَارُثُ بِالْأُخُوَّةِ، وَأَصْبَحَ التَّوَارُثُ بِالْقَرَابَةِ بَعْدَ أَنِ انْسَدَّتِ الْحَاجَةُ وَاسْتَغْنَى النَّاسُ.

إِنَّ مَا يَتَّصِلُ بِعَقْدِ الْأُخُوَّةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ تَعَاوُنٌ وَإِيثَارٌ وَتَضْحِيَةٌ وَبَذْلٌ وَسَدُّ جَوْعَةٍ وَحِفْظُ ضَيْعَةٍ فَهَذَا وَاجِبُ دِينِيٌّ اجْتِمَاعِيٌّ، وَهُوَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْآدَابِ وَالسُّلُوكِ فِي الْإِسْلَامِ، بَلْ هُوَ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمُحْكَمَةِ الَّتِي لَا يَعْرُوهَا نَسْخٌ وَلَا يَنَالُهَا تَغْيِيرٌ أَبَدًا، وَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: ((مَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ ثَوْبٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ثَوْبَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ)) .

قَالَ رَاوِي الْحَدِيثِ: ((فَعَدَّدَ أَصْنَافًا مِنَ الْفَضْلِ -أَيْ: مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْحَاجَةِ الَّتِي يَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ إِلَيْهَا- حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ لَا حَقٌّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي الْفَضْلِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَجَاءَ -أَيْضًا- كَمَا عَنِ الْبَزَّارِ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: ((مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ)) .

لَقَدْ آخَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ عَلَى الْمُوَاسَاةِ، وَكَانَ الْأَنْصَارُ يَتَسَابَقُونَ فِي مُؤَاخَاةِ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى يَئُولَ الْأَمْرُ إِلَى الِاقْتِرَاعِ.

وَكَانُوا يُحَكِّمُونَهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ وَأَثَاثِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَرْضِهِمْ وَكُرَاعِهِمْ، وَيُؤْثِرُونَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ يَقُولُ الْأَنْصَارِيُّ لِلْمُهَاجِرِيِّ: انْظُرْ شَطْرَ مَالِي فَخُذْهُ، وَتَحْتِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَيَّهُمَا أَعْجَبُ إِلَيْكَ حَتَّى أُطَلِّقَهَا! وَيَقُولُ الْمُهَاجِرُ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، وَدُلَّنِي عَلَى السُّوقِ.

فَكَانَ مِنَ الْأَنْصَارِيِّ الْإِيثَارُ، وَكَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِيِّ التَّعَفُّفُ وَعِزَّةُ النَّفْسِ.

وَكَانَ هَذَا الْإِخَاءُ أَسَاسًا لِإِخَاءٍ إِسْلَامِيٍّ عَالَمِيٍّ فَرِيدٍ مِنْ نَوْعِهِ، وَمُقَدِّمَةً لِنَهْضَةِ أُمَّةٍ ذَاتِ دَعْوَةٍ وَرِسَالَةٍ تَنْطَلِقُ لِصِيَاغَةِ عَالَمٍ جَدِيدٍ قَائِمٍ عَلَى عَقَائِدَ صَحِيحَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَأَهْدَافٍ صَالِحَةٍ مُنْقِذَةٍ لِلْعَالَمِ مِنَ الشَّقَاءِ وَالتَّنَاحُرِ وَالِانْتِحَارِ، وَعَلَى عَلَاقَاتٍ جَدِيدَةٍ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْإِخَاءِ الْمَعْنَوِيِّ وَالْعَمَلِ الْمُشْتَرَكِ.

وَكَانَ هَذَا الْإِخَاءُ الْمَحْدُودُ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ طَلِيعَةً لِاسْتِئْنَافِ حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ لِلْعَالَمِ وَالْإِنْسَانِيَّةِ، لِذَلِكَ خَاطَبَ اللهُ -تَعَالَى- تِلْكَ الثُّلَّةَ الْبَشَرِيَّةَ فِي مَدِينَةٍ صَغِيرَةٍ بِقَوْلِهِ: {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73])) .

((وَلَا شَكَّ أَنَّ الرَّوَابِطَ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ النَّاسِ مُخْتَلِفَةٌ، وَهُمْ يَجْتَمِعُونَ بِشَكْلِ قَبَائِلَ وَشُعُوبٍ وَأَوْطَانٍ وَقَوْمِيَّاتٍ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ أَبْنَاءُ الْقَوْمِيَّاتِ الْمُخْتَلِفَةِ تَحْتَ لِوَاءٍ وَاحِدٍ بِسَبَبِ الدِّينِ أَوِ الْمَصَالِحِ الْمُشْتَرَكَةِ.

وَتُعْتَبَرُ آصِرَةُ الْقُرْبَى أَوِ الدَّمِ وَالِانْتِمَاءِ إِلَى أَصْلٍ عِرْقِيٍّ مِنْ أَقْدَمِ الرَّوَابِطِ الَّتِي كَوَّنَتِ الْمُجْتَمَعَاتِ الْبَشَرِيَّةَ.

وَيَوْمَ أَنْ ظَهَرَ الْإِسْلَامُ كَانَتْ تَجَمُّعَاتُ النَّاسِ تَظْهَرُ بِشَكْلِ قَبَائِلَ كَمَا فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَأَمَاكِنَ أُخْرَى، وَقَوْمِيَّاتٍ كَمَا فِي بِلَادِ فَارِسَ، وَمُجْتَمَعَاتٍ دِينِيَّةٍ كَمَا فِي الْإِمْبَرَاطُورِيَّةِ الْبِيزَنْطِيَّةِ.

وَقَدْ جَعَلَ الْإِسْلَامُ رَابِطَةَ الْعَقِيدَةِ الْأَسَاسَ الْأَوَّلَ فِي ارْتِبَاطِ النَّاسِ وَتَآلُفِهِمْ وَإِنْ أَقَرَّ بَعضَ الْأَوَاصِرِ الْأُخْرَى إِذَا انْضَوَتْ تَحْتَ هَذَا الْأَصْلِ؛ كَالْأَرْحَامِ الَّتِي حَثَّ الْإِسْلَامُ عَلَى وَصْلِهَا، وَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ الْأَحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالتَّكَافُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَالْإِرْثِ، وَكَصِلَةِ الْجِوَارِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ حُقُوقِ الْجَارِ، وَكَالصِّلَةِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْعَشِيرَةِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ تَضَامُنٍ فِي الدِّيَاتِ، وَكَالصِّلَةِ بَيْنَ أَبْنَاءِ الْمَدِينَةِ وَجَعْلِهِمْ أَوْلَى مِنْ سِوَاهُمْ بِزَكَاةِ أَغْنِيَائِهِمْ.

لَكِنَّ هَذِهِ الصِّلَاتِ يَنْبَغِي أَنْ تَنْضَوِيَ تَحْتَ آصِرَةِ الْعَقِيدَةِ، فَإِذَا خَالَفَتْهَا وَأَضَرَّتْ بِهَا لَمْ يَبْقَ لَهَا أَيُّ اعْتِبَارٍ؛ فَأَسَاسُ الِارْتِبَاطِ فِي الْإِسْلَامِ هُوَ الْعَقِيدَةُ الَّتِي قَدْ تَقْتَضِي مَصْلَحَتُهَا التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَأَبِيهِ أَوِ ابْنِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ أَوْ عَشِيرَتِهِ».

((وَقَدْ حَصَرَ الْإِسْلَامُ الْأُخُوَّةَ وَالْمُوَالَاةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَطْ؛ فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، وَقَطَعَ الْوَلَايَةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَغَيْرِهِمْ حَتَّى لَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ، وَوَصَفَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِالظُّلْمِ؛ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُوَالَاةَ الْمُؤْمِنِينَ لِلْكَافِرِينَ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ، قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِنكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [التوبة: 23]

وَقَدْ وَضَعَ الْقُرْآنُ الْمَجِيدُ مَصَالِحَ الْمُسْلِمِ وَعَلَاقَاتِهِ الدُّنْيَوِيَّةَ كُلَّهَا فِي كِفَّةٍ، وَوَضَعَ حُبَّ اللهِ وَرَسُولِهِ وَالْجِهَادَ فِي سَبِيلِ الْعَقِيدَةِ فِي كِفَّةٍ أُخْرَى، وَحَذَّرَ الْمُؤْمِنِينَ وَتَوَعَّدَهُمْ إِنْ هُمْ غَلَّبُوا مَصَالِحَهُمْ وَعَلَاقَاتِهِمْ الِاجْتِمَاعِيَّةَ عَلَى مَصْلَحَةِ الْعَقِيدَةِ، قَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24]

وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ فِي الْحَضِّ عَلَى الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ لِلدِّفَاعِ عَنِ الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الَّتِي نَشَأَتْ فِيهَا.

وَقَدْ نَجَحَ الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ فِي امْتِحَانِ الْعَقِيدَةِ؛ فَفَارَقُوا الْأَهْلَ وَالْأَمْوَالَ وَالْمَسَاكِنَ الَّتِي يُحِبُّونَهَا وَهَاجَرُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ.

فَخُلَاصَةُ الْقَوْلِ أَنَّ الْمُجْتَمَعَ الْمَدَنِيَّ الَّذِي أَقَامَهُ الْإِسْلَامُ كَانَ مُجْتَمَعًا عَقِيدِيًّا يَرْتَبِطُ بِالْإِسْلَامِ، وَلَا يَعْرِفُ الْمُوَالَاةَ إِلَّا لِلهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ أَعْلَى أَنْوَاعِ الِارْتِبَاطِ وَأَرْقَاهَا؛ إِذْ يَتَّصِلُ بِوِحْدَةِ الْعَقِيدَةِ وَالرُّوحِ وَالْأَفْئِدَةِ، فَالْمُؤْمِنُونَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ.

وَهَذَا الْمُجْتَمَعُ مَفْتُوحٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْتَمِيَ إِلَيْهِ مَهْمَا كَانَ لَوْنُهُ أَوْ جِنْسُهُ؛ عَلَى أَنْ يَنْخَلِعَ مِنْ صِفَاتِهِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَيَكْتَسِبَ الشَّخْصِيَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ لِيَتَمَتَّعَ بِسَائِرِ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ».

((لَقَدِ اعْتَبَرَ الْإِسْلَامُ الْمُؤْمِنِينَ كُلَّهُمْ إِخْوَةً؛ فَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِمُ الْمُوَالَاةَ لِبَعْضِهِمْ وَالتَّنَاصُرَ فِي الْحَقِّ بَيْنَهُمْ، لَكِنَّ الْبَحْثَ هُنَا هُوَ فِي الْمُؤَاخَاةِ الْخَاصَّةِ الَّتِي شُرِعَتْ وَتَرَتَّبَتْ عَلَيْهَا حُقُوقٌ وَوَاجِبَاتٌ أَخَصَّ مِنَ الْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ الْعَامَّةِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ كَافَّةً.

وَقَدْ وَاجَهَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَشَاكِلَ مُتَنَوِّعَةً؛ اقْتِصَادِيَّةً، وَاجْتِمَاعِيَّةً، وَصِحِّيَّةً، فَمِنَ الْمَعْرُوفِ أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ تَرَكُوا أَهْلِيهِمْ وَمُعْظَمَ ثَرْوَاتِهِمْ بِمَكَّةَ، كَمَا أَنَّ مَهَارَتَهُمْ كَانَتْ فِي التِّجَارَةِ الَّتِي تَمَرَّسَتْ بِهَا قُرَيْشٌ، وَلَمْ تَكُنِ الزِّرَاعَةُ وَالصِّنَاعَةُ -وَهُمَا يُشَكِّلَانِ أَسَاسَيْنِ مُهِمَّيْنِ فِي اقْتِصَادِيَّاتِ الْمَدِينَةِ- لَمْ تَكُنْ مِمَّا يَحْتَرِفُهُ الْمُهَاجِرُونَ.

وَبِمَا أَنَّ التِّجَارَةَ تَحْتَاجُ إِلَى رَأْسِ الْمَالِ، فَإِنَّ الْمُهَاجِرِينَ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ شَقِّ طَرِيقِهِمْ فِي الْمُجْتَمَعِ الْجَدِيدِ بِسُهُولَةٍ، وَكَانَتْ مُشْكِلَةُ مَعِيشَتِهِمْ وَسُكْنَاهُمْ تُوَاجِهُ الدَّوْلَةَ النَّاشِئَةَ.

كَمَا أَنَّ عَلَائِقَ الْمُهَاجِرِينَ بِالْمُجْتَمَعِ الْجَدِيدِ كَانَتْ حَدِيثَةً، فَقَدْ تَرَكَ الْمُهَاجِرُونَ أَهْلِيهِمْ وَمَعَارِفَهُمْ بِمَكَّةَ، وَانْبَتَّتْ صِلَتُهُمْ بِهِمْ، مِمَّا وَلَّدَ إِحْسَاسًا بِالْوَحْشَةِ وَالْحَنِينِ إِلَى بَلْدَتِهِمْ مَكَّةَ.

إِضَافَةً إِلَى اخْتِلَافِ مَنَاخِ مَكَّةَ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَإِصَابَةِ الْمُهَاجِرِينَ بِالْحُمَّى، وَهَكَذَا كَانَ وَضْعُ الْمُهَاجِرِينَ بِحَاجَةٍ إِلَى عِلَاجٍ سَرِيعٍ وَحَلٍّ اسْتِثْنَائِيٍّ، وَلَمْ يَبْخَلِ الْأَنْصَارُ بِشَيْءٍ مِنَ الْعَوْنِ، بَلْ أَبْدَوْا مِنَ التَّضْحِيَةِ وَضُرُوبِ الْإِيثَارِ مَا اسْتَحَقَّ التَّخْلِيدَ فِي كِتَابِ اللهِ الْعَزِيزِ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}.

وَقَدْ بَلَغَ كَرَمُ الْأَنْصَارِ حَدًّا عَالِيًا عِنْدَمَا اقْتَرَحُوا عَلَى الرَّسُولِ ﷺ أَنْ يَقْسِمَ نَخْلَهُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ؛ لِأَنَّ النَّخْلَ مَصْدَرُ مَعِيشَةِ الْكَثِيرِينَ مِنْهُمْ، عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ طَلَبَ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَقُومُوا بِإِدَارَةِ بَسَاتِينِ النَّخِيلِ، وَيَحْتَفِظُوا بِهَا لِأَنْفُسِهِمْ عَلَى أَنْ يُشْرِكُوا الْمُهَاجِرِينَ فِي التَّمْرِ.

وَلَا يُعْرَفُ إِذَا كَانَتِ الشَّرِكَةُ فِي التَّمْرِ مُحَدَّدَةً بِنِظَامٍ كَالْمُنَاصَفَةِ، أَمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ قِيَامُ الْأَنْصَارِ بِإِعَالَةِ الْمُهَاجِرِينَ فِي تِلْكَ الْمَرْحَلَةِ؟!!

وَيَبْدُو أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمْ يَشَأْ أَنْ يَشْغَلَ الْمُهَاجِرِينَ بِالزِّرَاعَةِ، فَهُوَ يَحْتَاجُهُمْ لِمَهَامِّ الدَّعْوَةِ وَالْجِهَادِ، كَمَا أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ لَا يَعْرِفُونَ الْعَمَلَ كَمَا عَبَّرَ الرَّسُولُ ﷺ، مِمَّا يُؤَدِّي لَوِ اشْتَغَلُوا بِالزِّرَاعَةِ إِلَى خَفْضِ الْإِنْتَاجِ الزِّرَاعِيِّ الَّذِي تَحْتَاجُهُ الْمَدِينَةُ.

كَمَا وَهَبَتِ الْأَنْصَارُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ كُلَّ فَضْلٍ فِي خُطَطِهَا، وَقَالُوا لَهُ: إِنْ شِئْتَ فَخُذْ مِنَّا مَنَازِلَنَا! فَقَالَ لَهُمْ خَيْرًا، وَابْتَنَى لِأَصْحَابِهِ فِي أَرَاضٍ وَهَبَتْهَا لَهُمُ الْأَنْصَارُ، وَأَرَاضٍ لَيْسَتْ مِلْكًا لِأَحَدٍ.

وَقَدْ أَثَّرَتْ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ الْكَرِيمَةُ فِي نُفُوسِ الْمُهَاجِرِينَ، فَلَهَجَتْ أَلْسِنَتُهُمْ بِكَرَمِ الْأَنْصَارِ، عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ الْمُهَاجِرُونَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! مَا رَأَيْنَا مِثْلَ قَوْمٍ قَدِمْنَا عَلَيْهِمْ أَحْسَنَ مُوَاسَاةً فِي قَلِيلٍ وَلَا أَحْسَنَ بَذْلًا مِنْ كَثيرٍ، لَقَدْ كَفَوْنَا الْمَئُونَةَ وَأَشْرَكُونَا فِي الْمَهْنَأِ، حَتَّى لَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالْأَجْرِ كُلِّهِ!!)).

فَقَالَ ﷺ: ((لَا، مَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ وَدَعَوْتُمُ اللهَ لَهُمْ)) .

وَرَغْمَ بَذْلِ الْأَنْصَارِ وَكَرَمِهِمْ فَإِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى إِيجَادِ نِظَامٍ يَكْفُلُ لِلْمُهَاجِرِينَ الْمَعِيشَةَ الْكَرِيمَةَ بِقُانُونٍ ظَلَّتْ قَائِمَةً خَاصَّةً وَأَنَّ أَنَفَةَ الْمُهَاجِرِينَ وَمَكَانَتَهُمْ تَقْتَضِي مُعَالَجَةَ أَحْوَالِهِمْ بِتَشْرِيعٍ يُبْعِدُ عَنْهُمْ أَيَّ شُعُورٍ بِأَنَّهُمْ عَالَةٌ عَلَى الْأَنْصَارِ؛ فَكَانَ أَنْ شُرِعَ نِظَامُ الْمُؤَاخَاةِ.

وَلَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَاتُ فِي تَارِيخِ تَشْرِيعِهِ إِلَّا اخْتِلَافًا يَسِيرًا، فَالرِّوَايَاتُ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُؤَاخَاةَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَقَعَتْ فِي السَّنَةِ الْأُولَى الْهِجْرِيَّةِ، وَتَخْتَلِفُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ فِي الْمَدِينَةِ أَوْ فِي أَثْنَاءِ بِنَائِهِ.

وَيُحَدِّدُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ تَارِيخَ تَشْرِيعِهِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ.

أَمَّا ابْنُ سَعْدٍ فَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ الْمُؤَاخَاةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَقَبْلَ غَزْوَةِ بَدْرٍ الْكُبْرَى، دُونَ تَحْدِيدٍ دَقِيقٍ لِتَارِيخِ تَشْرِيعِهَا.

وَكَانَ إِعْلَانُ هَذَا التَّشْرِيعِ فِي دَارِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كَمَا صَرَّحَتِ الرِّوَايَاتُ.

وَوَقَعَتِ الْمُؤَاخَاةُ بَيْنَ طَرَفَيْنِ هُمَا: الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، فَآخَى الرَّسُولُ ﷺ بَيْنَ كُلِّ مُهَاجِرِيٍّ وَأَنْصَارِيٍّ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ.

وَقَدْ تَرَتَّبَ عَلَى تَشْرِيعِ نِظَامِ الْمُؤَاخَاةِ حُقُوقٌ خَاصَّةٌ بَيْنَ الْمُتَآخِيَيْنِ كَالْمُوَاسَاةِ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ، وَالْمُوَاسَاةُ لَيْسَتْ مُحَدَّدَةٍ بِأُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ، بَلْ مُطْلَقَةٌ لِتَعْنِيَ كُلَّ أَوْجُهِ الْعَوْنِ عَلَى مُوَاجَهَةِ أَعْبَاءِ الْحَيَاةِ؛ سَوَاءٌ كَانَ عَوْنًا مَادِّيًّا، أَوْ رِعَايَةً وَنَصِيحَةً وَتَزَاوُرًا وَمَحَبَّةً.

كَمَا تَرَتَّبَ عَلَى الْمُؤَاخَاةِ أَنْ يَتَوَارَثَ الْمُتَآخِينَ دُونَ ذَوِي أَرْحَامِهِمْ، مِمَّا يَرْقَى بِالْعَلَاقَاتِ بَيْنَ الْمُتَآخِينَ إِلَى مُسْتَوًى أَبْعَدَ وَأَعْلَى مِنْ أُخُوَّةِ الدَّمِ.

وَقَدْ طَابَتْ نُفُوسُ الْأَنْصَارِ بِمَا سَيَبْذُلُونَهُ لِإِخْوَانِهِمُ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ عَوْنٍ.

وَتُصَوِّرُ بَعْضُ الرِّوَايَاتُ عُمْقَ الْتِزَامِهِمْ بِنِظَامِ الْمُؤَاخَاةِ وَتَفَانِيهِمْ فِي تَنْفِيذِهِ، كَمَا حَدَثَ بَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الْمُهَاجِرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-.

وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَرْءَ يَقِفُ مَبْهُورًا أَمَامَ هَذِهِ الصُّورَةِ الرَّائِعَةِ مِنَ الْأُخُوَّةِ الْمَتِينَةِ وَالْإِيثَارِ الْمُتَبَادَلِ الَّذِي لَا نَشْهَدُ لَهُ مَثِيلًا فِي تَوَارِيخِ الْأُمَمِ الْأُخْرَى كُلِّهَا.

وَلَيْسَ مَوْقِفُ ابْنِ عَوْفٍ فِي أَنَفَتِهِ وَكَرَمِ خُلُقِهِ وَعَدَمِ اسْتِغْلَالِهِ لِأَخِيهِ بِأَقَلَّ رَوْعَةً مِنْ إِيثَارِ ابْنِ الرَّبِيعِ؛ فَقَدْ تَمَكَّنَ ابْنُ عَوْفٍ -وَهُوَ التَّاجِرُ الْمَاهِرُ- مِنْ شَقِّ طَرِيقِهِ فِي الْحَيَاةِ الْجَدِيدَةِ، وَبَعْدَ مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ تَمَكَّنَ مِنَ الزَّوَاجِ، وَبَذَلَ الْمَهْرَ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ.

ثُمَّ بُورِكَ لَهُ فِي عَمَلِهِ، وَنَمَتْ ثَرْوَتُهُ لِيُصْبِحَ مِنْ كِبَارِ أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ أَبَى إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ الْيَدِ الْعُلْيَا الَّتِي تُعْطِي وَلَا تَأْخُذُ)) .

عِبَادَ اللهِ! ((الْعَمَلُ الثَّانِي الَّذِي قَامَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ بَعْدَ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ هُوَ عَقْدُ الْمُؤَاخَاةِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، ذَلِكَ أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ لَمْ يَكُنْ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا أَمْوَالَهُمْ خَلْفَهُمْ، فَأَرَادَ الرَّسُولُ ﷺ حَلَّ هَذِهِ الْأَزْمَةِ الْمَادِّيَّةِ الَّتِي اجْتَاحَتِ الْمُهَاجِرِينَ، وَعُقِدَتِ الْمُؤَاخَاةُ -كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ))- فِي دَارِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ الْمُؤَاخَاةَ عُقِدَتْ فِي الْمَسْجِدِ)).

لَقَدْ آخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ﷺ بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ، وَذَلِكَ بَعْدَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ.

((وَكَانَتْ عَوَاطِفُ الْإِيثَارِ وَالْمُوَاسَاةِ وَالْمُؤَانَسَةِ تَمْتَزِجُ فِي هَذِهِ الْأُخُوَّةِ، وَتَمْلَأُ الْمُجْتَمَعَ الْجَدِيدَ بِأَرْوَعِ الْأَمْثِلَةِ!!

حَرَصَ الْأَنْصَارُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- عَلَى الْحَفَاوَةِ بِإِخْوَانِهِمُ الْمُهَاجِرِينَ، فَمَا نَزَلَ مُهَاجِرِيٌّ عَلَى أَنْصَارِيٍّ إِلَّا بِقُرْعَةٍ.

أَخَرْجَ الْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ)) عَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ الْأَنْصَارِيَّةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: ((لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ اقْتَرَعَتِ الْأَنْصَارُ عَلَى سَكَنِهِمْ)).

وَلَقَدْ ضَرَبَ الْأَنْصَارُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي الْإِيثَارِ لِإِخْوَانِهِمُ الْمُهَاجِرِينَ.

قَالَ -تَعَالَى- فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ}؛ {وَلَا يَجِدُونَ}؛ أَيِ الْأَنْصَارُ فِي أَنْفُسِهِمْ حَسَدًا لِلْمُهَاجِرِينَ فِيمَا فَضَّلَهُمُ اللهُ بِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ وَالشَّرَفِ وَالتَّقْدِيمِ فِي الذِّكْرِ وَالرُّتْبَةِ، {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}؛ وَالْخَصَاصَةُ: الْجُوعُ وَالضَّعْفُ، وَأَصْلُهَا الْفَقْرُ وَالْحَاجَةُ إِلَى الشَّيْءِ، {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].

قَالَ الْحَافِظُ: ((فَحَصَلُوا فِي الْفَضْلِ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبٍ: إِيثَارُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، مُوَاسَاتُهُمْ لِغَيْرِهِمْ، الِاسْتِئْثَارُ عَلَيْهِمْ)) .

وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَاتِ: ((قَالَ -تَعَالَى- مَادِحًا الْأَنْصَارَ، وَمُبَيِّنًا فَضْلَهُمْ وَشَرَفَهُمْ وَكَرَمَهُمْ، وَعَدَمَ حَسَدِهِمْ، وَإِيثَارَهُمْ مَعَ الْحَاجَةِ».

السَّبَبُ الَّذِي أَدَّى إِلَى تَقْوِيَةِ الْأُخُوَّةِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ هُوَ أَنَّ أَهْلَ ذَلِكَ الْمُجْتَمَعِ مِمَّنِ الْتَقُوْا عَلَى دِينِ اللهِ وَحْدَهُ؛ نَشَّأَهُمْ دِينُهُمُ الَّذِي اعْتَنَقُوهُ عَلَى أَنْ يَقُولُوا وَيَفْعَلُوا، وَعَلَّمَهُمُ الْإِيمَانَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا، فَهُمْ أَبْعَدُ مَا يَكُونُونَ عَنِ الشِّعَارَاتِ الَّتِي لَا تَتَجَاوَزُ أَطْرَافَ الْأَلْسِنَةِ، وَكَانُوا عَلَى النَّحْوِ الَّذِي حَكَاهُ اللهُ -تَعَالَى- عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51].

وَبِذَلِكَ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ كُفِلَ الْبَقَاءُ وَالِاسْتِمْرَارُ لِهَذِهِ الْأُخُوَّةِ الَّتِي شَدَّ اللهُ بِهَا أَزْرَ دِينِهِ وَرَسُولِهِ حَتَّى آتَتَ ثِمَارَهَا فِي كُلِّ أَطْوَارِ الدَّعْوَةِ طَوَالَ حَيَاتِهِ ﷺ، وَامْتَدَّ أَثَرُهَا فَجَمَعَ كَلِمَةَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ عِنْدَ اسْتِخْلَافِ الصِّدِّيقِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- دُونَ أَنْ تُطَوِّعَ لِلْأَنْصَارِ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يُحْدِثُوا صَدْعًا فِي شَمْلِ الْأُمَّةِ؛ مُسْتَجِيبِينَ فِي ذَلِكَ لِشَهَوَاتِ السُّلْطَةِ وَغَرِيزَةِ السَّيْطَرَةِ، لِذَلِكَ فَإِنَّ سِيَاسَةَ الْمُؤَاخَاةِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ نَوْعٌ مِنَ الْإِعْجَازِ السِّيَاسِيِّ الَّذِي اتَّبَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي تَأْصِيلِ الْمَوَدَّةِ وَتَمْكِينِهَا فِي مَشَاعِرِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ سَهِرُوا جَمِيعًا عَلَى رِعَايَةِ هَذِهِ الْمَوَدَّةِ وَذَلِكَ الْإِخَاءِ؛ بَلْ وَكَانُوا يَتَسَابَقُونَ فِي تَنْفِيذِ بُنُودِهِ، لَا سِيَّمَا الْأَنْصَارُ الَّذِينَ لَا يَجِدُ الْكُتَّابُ وَالْبَاحِثُونَ -مَهْمَا تَسَامَوْا إِلَى ذِرْوَةِ الْبَيَانِ- لَا يَجِدُونَ خَيْرًا مِنْ حَدِيثِ اللهِ -تَعَالَى- عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].

وَمِنْ خِلَالِ الرَّوَابِطِ الْوَثِيقَةِ الَّتِي أَلَّفَتْ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أُرْسِيَتْ قِيَمٌ إِنْسَانِيَّةٌ وَاجْتِمَاعِيَّةٌ وَمَبَادِئُ مِثَالِيَّةٌ لَا عَهْدَ لِلْمُجْتَمَعِ الْقَبَلِيِّ بِهَا، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ شَأْنِ الْمُجْتَمَعَاتِ الْمُتَحَضِّرَةِ الْفَاضِلَةِ.

إِنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْفَوَارِقِ الْإِقْلِيمِيَّةِ وَالْقَبَلِيَّةِ لَيْسَتْ بِالْأَمْرِ الْهَيِّنِ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ؛ حَيْثُ الْعَصَبِيَّةُ هِيَ الدِّينُ عِنْدَهُمْ، وَالْمُؤَاخَاةُ تَهْدِفُ إِلَى إِذَابَةِ هَذِهِ الْفَوَارِقِ بِصُورَةٍ وَاقِعِيَّةٍ مُنْطَلِقَةٍ مِنْ قَلْبِ الْبِيئَةِ الْجَاهِلِيَّةِ.

إِنَّ مِنَ الْأَمْرَاضِ فِي بَعْضِ جَوَانِبِ الصَّفِّ الْإِسْلَامِيِّ الْمُعَاصِرِ سَيْطَرَةَ الرُّوحِ الْإِقْلِيمِيَّةِ وَالْعَصَبِيَّةِ فِي نُفُوسِ بَعْضِ الدُّعَاةِ، وَهَذِهِ الْأَمْرَاضُ تَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ التَّمْكِينِ، وَتُضْعِفُ الصُّفُوفَ بَلْ تُشَتِّتُهَا، وَيَنْشَغِلُ الصَّفُّ بِنَفْسِهِ عَنْ أَهْدَافِهِ الْكِبَارِ.

لَقَدْ سَاهَمَ نِظَامُ الْمُؤَاخَاةِ فِي رَبْطِ الْأُمَّةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، فَقَدْ أَقَامَ الرَّسُولُ ﷺ هَذِهِ الصِّلَةَ عَلَى أَسَاسِ الْإِخَاءِ الْكَامِلِ بَيْنَهُمْ.

((هَذَا الْإِخَاءُ الَّذِي تَذُوبُ فِيهِ عَصَبِيَّاتُ الْجَاهِلِيَّةِ؛ فَلَا حَمِيَّةَ إِلَّا لِلْإِسْلَامِ، وَتَسْقُطُ بِهِ فَوَارِقُ النَّسَبِ وَاللَّوْنِ وَالْوَطَنِ؛ فَلَا يَتَأَخَّرُ أَحَدٌ أَوْ يَتَقَدَّمُ إِلَّا بِمُرُوءَتِهِ وَتَقْوَاهُ.

وَقَدْ جَعَلَ الرَّسُولُ ﷺ هَذِهِ الْأُخُوَّةَ عَقْدًا نَافِذًا لَا لَفْظًا فَارِغًا، وَعَمَلًا يَرْتَبِطُ بِالدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ، لَا تَحِيَّةً تُثَرْثِرُ بِهَا الْأَلْسِنَةُ وَلَا يَقُومُ لَهَا أَثَرٌ.

وَكانَتْ عَوَاطِفُ الْإِيثَارِ وَالْمُوَاسَاةِ وَالْمُؤَانَسَةِ تَمْتَزِجُ فِي هَذِهِ الْأُخُوَّةِ، وَتَمْلَأُ الْمُجْتَمَعَ الْجَدِيدَ بِأَرْوَعِ الْأَمْثَالِ)).

((ثُمَّ كَانَ إِلْغَاءُ التَّوَارُثِ بَيْنَ الْمُتَآخِينَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّوَارُثَ بَيْنَ الْمُتَآخِينَ كَانَ لِمُعَالَجَةِ ظُرُوفٍ اسْتِثْنَائِيَّةٍ مَرَّتْ بِهَا الدَّوْلَةُ النَّاشِئَةُ، فَلَمَّا أَلِفَ الْمُهَاجِرُونَ جَوَّ الْمَدِينَةِ، وَعَرَفُوا مَسَالِكَ الرِّزْقِ فِيهَا، وَأَصَابُوا مِنْ غَنَائِمِ بَدْرٍ الْكُبْرَى مَا كَفَاهُمْ، رَجَعَ التَّوَارُثُ إِلَى وَضْعِهِ الطَّبِيعِيِّ الْمُنْسَجِمِ مَعَ الْفِطْرَةِ الْبَشَرِيَّةِ عَلَى أَسَاسِ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَأُبْطِلَ التَّوَارُثُ بَيْنَ الْمُتَآخِينَ، وَذَلِكَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنفال: 75].

فَهَذِهِ الْآيَةُ نَسَخَتِ التَّوَارُثَ بِمُوجَبِ نِظَامِ الْمُؤَاخَاةِ، وَيَرَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ آيَةَ: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} وَ{وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} نَسَخَتِ التَّوَارُثَ بِالْمُؤَاخَاةِ، فَالْمُوَالِي فِي رَأْيِهِ: هُمُ الْوَرَثَةُ بِالرَّحِمِ، {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ}: هُمُ الْمُهَاجِرُونَ الَّذِينَ كَانُوا يَرِثُونَ بِالْمُؤَاخَاةِ.

لَوْ أَنَّ الْإِنْسَانَ تَأَمَّلَ مَلِيًّا فِي حَالِ الْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَكَيْفَ كَانَتْ أَحْوَالُ الْمُهَاجِرِينَ مِنَ الصُّعُوبَةِ وَالشِّدَّةِ فِيمَا يُعَانُونَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْكَنِ وَالْمَطْعَمِ وَالْمَلْبَسِ، فِي مُجْتَمَعٍ جَدِيدٍ عَلَيْهِمْ لَمْ يَأْلَفُوهُ، وَلَا يَعْرِفُونَ طُرُقَ الْكَسْبِ فِيهِ.. لَوْ أَنَّ الْإِنْسَانَ تَأَمَّلَ مَلِيًّا، بَلْ تَأَمَّلَ يَسِيرًا؛ لَعَلِمَ كَيْفَ كَانَتِ الْمَحَبَّةُ قَائِمَةً بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَأَنَّ الْمُجْتَمَعَ الْمَدَنِيَّ إِنَّمَا بُنِيَ عَلَى الْحُبِّ.

الْيَوْمَ تَجِدُ الْمُهَاجِرِيَّ -يَعْنِي: الَّذِي يَهْجُرُ دَارَ الْكُفْرِ وَيُهَاجِرُ مِنْهَا إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَيَكُونُ بَيْنَ إِخْوَانِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ- تَجِدُهُ مُضَيَّعًا الْحَقَّ مَغْمُوطَ الْجَانِبِ، بَلْ رُبَّمَا اعْتُدِيَ عَلَيْهِ، فَلَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَنصُرُوا فَهِمُوا، وَلَا الَّذِينَ هَاجَرُوا سَلِمُوا، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ!!

إِنَّ هَذَا الْمُجْتَمَعَ الَّذِي تَكَوَّنَ فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ مِنْ هَذَيْنِ الْعُنْصُرَيْنِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، كَانَ أَسَاسُ بِنْيَتِهِ الْحُبَّ، فَلَقَدْ أَقَامَ الْإِسْلَامُ الْمُجْتَمَعَ الْمَدَنِيَّ عَلَى أَسَاسِ الْحُبِّ وَالتَّكَافُلِ؛ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَوَاصُلِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)) .

فَالتَّوَادُّ وَالرَّحْمَةُ وَالتَّوَاصُلُ وَالْمَرْحَمَةُ أَسَاسُ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ؛ كَبِيرِهِمْ وَصَغِيرِهِمْ، غَنِيِّهِمْ وَفَقِيرِهِمْ، حَاكِمِهِمْ وَمَحْكُومِهِمْ.

وَقَدْ تَكَفَّلَتْ تَعَالِيمُ الْإِسْلَامِ بِتَدْعِيمِ الْحُبِّ وَإِشَاعَتِهِ فِي الْمُجْتَمَعِ، فَفِي الْحَدِيثِ: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)) .

فَيَعِيشُ الْمُؤْمِنُونَ بَعِيدًا عَنِ الْأَثَرَةِ وَالِاسْتِغْلَالِ، وَهُمْ يَتَعَاوَنُونَ فِي مُوَاجَهَةِ أَعْبَاءِ الْحَيَاةِ، ((فَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ)) ؛ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.

((وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ)) . كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

عَلَاقَاتُ الْمُؤْمِنِينَ قَائِمَةٌ عَلَى الِاحْتِرَامِ الْمُتَبَادَلِ، لَا يَسْتَعْلِي غَنِيٌّ عَلَى فَقِيرٍ، وَلَا حَاكِمٌ عَلَى مَحْكُومٍ، وَلَا قَوِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ، ((بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ)). كَمَا رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ.

قَدْ تَفْتُرُ الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَأَخِيهِ، وَقَدْ تَنْقَطِعُ سَاعَةَ غَضَبٍ، لَكِنَّ انْقِطَاعَهَا لَا يَسْتَمِرُّ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ: ((لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ)) كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) .

وَتُدْعَمُ أُسُسُ الْحُبِّ بِالصِّلَةِ وَالصَّدَاقَةِ: ((تَهَادُوا تَحَابُّوا)) .

وَيَضَعُ الْغَنِيُّ أَمْوَالَهُ فِي خِدْمَةِ الْمُجْتَمَعِ وَسَدِّ الثَّغْرَاتِ الَّتِي تَظْهَرُ فِي بِنَائِهِ الِاقْتِصَادِيِّ بِسَبَبِ التَّفَاوُتِ فِي تَوْزِيعِ الثَّرْوَةِ، فَيُخْرِجُ زَكَاةَ أَمْوَالِهِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ، وَيُوَاسِي الْمُحَتَاجِينَ بِأَمْوَالِهِ، حَتَّى إِنَّهُمْ لَيَفْرَحُونَ إِذَا كَثُرَتْ ثَرْوَتُهُ؛ إِذْ تَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالْخَيْرِ وَالْمُوَاسَاةِ.

أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ نَخْلًا، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَقَامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ اللهَ يَقُولُ: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}، وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءُ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ!!)).

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ -أَيْ: أَنَّ أَجْرَهَا يَرُوحُ وَيَغْدُو عَلَيْكَ- وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ)).

فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: ((أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ!!)).

فَقَسَّمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ.

كَانَ أَغْنِيَاءُ الصَّحَابَةِ يَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ مُسْتَخْلَفُونَ عَلَى الْمَالِ الَّذِي اكْتَسَبُوهُ، فَإِذَا وَجَدُوا ثُغْرَةً تَعْجِزُ الدَّوْلَةُ عَنْ سَدِّهَا أَوْ لَا تَنْتَبِهُ لَهَا بَذَلُوا أَمْوَالَهُمْ فِي سَدِّهَا.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي التَّارِيخِ أَنَّ عُثْمَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- تَصَدَّقَ بِقَافِلَةٍ ضَخْمَةٍ بِأَلْفِ بَعِيرٍ تَحْمِلُ الْبُرَّ وَالزَّيْتَ وَالزَّبِيبَ.. تَصَدَّقَ بِهَا جَمِيعِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ عِنْدَمَا حَلَّتِ الضَّائِقَةُ الِاقْتِصَادِيَّةُ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَقَدْ عَرَضَ عَلَيْهِ التُّجَّارُ خَمْسَةَ أَضْعَافِ ثَمَنِهَا رِبْحًا، فَقَالَ: ((أُعْطِيتُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ!!)).

فَقَالَ التُّجَّارُ: ((مَنِ الَّذِي أَعْطَاكَ وَمَا سَبَقَنَا إِلَيْكَ أَحَدٌ، وَنَحْنُ تُجَّارُ الْمَدِينَةِ؟!!)).

قَالَ: ((إِنَّ اللهَ أَعْطَانِي عَشْرَةَ أَمْثَالِهَا)).

ثُمَّ قَسَّمَهَا بَيْنَ الْفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ!!

وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي سِيَرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ سَلَفِنَا الصَّالِحِينَ، لِذَلِكَ لَمْ تَظْهَرِ الرُّوحُ الطَّبَقِيَّةُ، وَلَمْ يَحْدُثِ الصِّرَاعُ الطَّبَقِيُّ، وَلَمْ يَتَكَتَّلِ النَّاسُ وَفْقَ مَصَالِحِهِمْ الِاقْتِصَادِيَّةِ لِحَرْبِ مَنْ فَوْقَهُمْ أَوْ تَحْتَهُمْ.

إِنَّ الْمُجْتَمَعَ الْإِسْلَامِيَّ لَمْ يَشْهَدْ صِرَاعَ الطَّبَقَاتِ، وَلَا يَعْرِفُ اسْتِعْلَاءَ غَنِيٍّ عَلَى فَقِيرٍ وَلَا حَاكِمٍ عَلَى مَحْكُومٍ، وَلَمْ يَعْتَرِفَ ابْتِدَاءً بِاخْتِلَافِ الْبَشَرِ تَبَعًا لِأَلْوَانِهِمْ وَأَعْرَاقِهِمْ أَوْ دِمَائِهِمْ، فَالْمُسْلِمُونَ سَوَاسِيَةٌ كَأَسْنَانِ الْمُشْطِ، لَا فَضْلَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا بِالتَّقْوَى.

وَالْمُجْتَمَعُ الْمُسْلِمُ مَفْتُوحٌ أَمَامَ الْجَمِيعِ، فَفُرَصُ الِارْتِقَاءِ وَالْكَسْبِ مُتَكَافِئَةٌ أَمَامَ أَفْرَادِهِ، وَالْعَلَاقَاتُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ مُتَكَافِئَةٌ -أَيْضًا-، فَلَمْ يَحْدُثْ أَنْ مُنِعَ فَقِيرٌ مِنَ الزَّوَاجِ بِغَنِيَّةٍ أَوْ حُجِبَ ضَعِيفٌ عَنِ التَّرَقِّي إِلَى أَرْفَعِ مَنَاصِبِ الدَّوْلَةِ وَأَعْلَى مَرَاكِزِ الْقِيَادَةِ وَالتَّوْجِيهِ فِي الْمُجْتَمَعِ، فَلَيْسَتْ هُنَاكَ طَبَقِيَّةٌ يَصْطَدِمُ رُقِيُّ الْفَرْدِ بِسُقُوفِهَا، وَلَوْ قُدِّرَ لِلْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتَمِرَّ فِي تَقَدُّمِهِ الْعِلْمِيِّ وَالْحَضَارِيِّ، وَيُمْسِكَ بِزِمَامِ الْبَشَرِيَّةِ الْيَوْمَ؛ لَظَهَرَتْ مَزَايَا الْإِسْلَامِ فِي بِنَاءِ مُجْتَمَعٍ مُتَرَاصٍّ عَلَى أَسَاسِ الْحُبِّ وَالتَّكَافُلِ، لَيْسَ عَلَى الْحِقْدِ وَالصِّرَاعِ الَّذِي لَيْسَ وَرَاءَهُ سِوَى الدَّمَارِ!!)) .

فَبُنِيَ الْمُجْتَمَعُ الْمُسْلِمُ عَلَى الْحُبِّ، الْحُبِّ فِي اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- وَالْبَذْلِ وَالْمُسَاوَاةِ.

كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَحْيَوْنَ حَيَاتَهُمْ وَلَا يَعْرِفُونَ مَعْنَى الْحُبِّ، قَدْ يَخْدَعُ أَحَدُهُمْ نَفْسَهُ أَنَّهُ يُحِبُّ أَخَاهُ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ الْحُبَّ أَصْلًا وَلَا يُحِبُّ أَخَاهُ! وَإِنَّمَا هِيَ دَعْوَى فَارِغَةٌ!!

وَلَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا أَحَبَّهُ انْسَلَخُ لَهُ مِنْ جَمِيعِ مَا يَمْلِكُ، لَيْسَ هَذَا بِدَلِيلٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا الْأَمْرُ فَوْقَ ذَلِكَ، كَمَا كَانَ الشَّأْنُ بَيْنَ الْأَخْيَارِ الْأَطْهَارِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.

فَتَأَمَّلْ كَثِيرًا فِي هَذَا الْأَمْرِ الثَّانِي الَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَهُوَ مَا كَانَ مِنَ الْمُؤَاخَاةِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَصَارَ الْمُجْتَمَعُ لُحْمَةً وَاحِدَةً، حَتَّى صَارَ الْمُجْتَمَعُ رُوحًا وَاحِدَةً فِي جَسَدٍ، وَقَلْبًا وَاحِدًا نَابِضًا فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ أَنَّهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-.

((مِنْ دَعَائِمِ بِنَاءِ الدَّوْلَةِ الْمُسْلِمَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ:

كِتَابَةُ صَحِيفَةِ التَّعَايُشِ فِي الْمَدِينَةِ))

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! إِنَّ أَوَّلَ عَمَلٍ عَمِلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ الْهِجْرَةِ هُوَ بِنَاءُ الْمَسْجِدِ، وَالْعَمَلُ الثَّانِي هُوَ الْمُؤَاخَاةُ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.

((الْعَمَلُ الثَّالِثُ الَّذِي قَامَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ هُوَ ((كِتَابَةُ الصَّحِيفَةِ)).

أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ))  بِسَنَدِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: ((كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى كُلِّ بَطْنٍ عُقُولَهُ)).

(الْبَطْنُ): هُوَ مَا دُونَ الْقَبِيلَةِ وَفَوْقَ الْفَخِذِ، أَيْ كَتَبَ عَلَيْهِمْ مَا تَغْرَمُهُ الْعَاقِلَةُ مِنَ الدِّيَاتِ، فَبَيَّنَ مَا عَلَى كُلِّ قَوْمٍ مِنْهَا، وَيُجْمَعُ عَلَى أَبْطُنٍ وَبُطُونٍ.

(الْعُقُولُ): هِيَ الدِّيَاتُ وَاحِدُهَا عَقْلٌ، وَأَصْلُهُ أَنَّ الْقَاتِلَ كَانَ إِذَا قَتَلَ قَتِيلًا جَمَعَ الدِّيَةَ مِنَ الْإِبِلِ فَعَقَلَهَا بِفِنَاءِ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ؛ أَيْ شَدَّهَا فِي عُقُلِهَا؛ لِيُسْلِمَهَا إِلَيْهِمْ وَيَقْبِضُوهَا مِنْهُ؛ فَسُمِّيَتِ الدِّيَةُ عَقْلًا بِالْمَصْدَرِ.

الصَّحِيفَةُ كَانَ فِيهَا بُنُودٌ مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْلِمِينَ، فَبُنُودُ الصَّحِيفَةِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمُسْلِمِينَ: ((بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْمَدِينَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ فَلَحِقَ بِهِمْ وَجَاهَدَ مَعَهُمْ:

1- أَنَّهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ النَّاسِ.

2- الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى رِبَاعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ بَيْنَهُمْ -عَلَى رِبَاعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ بَيْنَهُمْ: أَيْ: عَلَى شَأْنِهِمْ وَعَادَاتِهِمْ مِنْ أَحْكَامِ الدِّيَاتِ وَالدِّمَاءِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، يُؤَدُّونَهَا كَمَا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ- وَهُمْ يَفْدُونَ عَانِيَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَكُلُّ طَائِفَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ -أَيْ كُلُّ فَخِذٍ مِنَ الْأَنْصَارِ- عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمُ الْأُولَى.

3- أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَتْرُكُونَ مُفْرَحًا بَيْنَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي فِدَاءٍ أَوْ عَقْلٍ.

(الْمُفْرَحُ): الْمُثْقَلُ بِالدَّيْنِ وَالْكَثِيرُ الْعِيَالِ، فَمِنَ الْبُنُودِ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَتْرُكُونَ مُفْرَحًا بَيْنَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي فِدَاءٍ أَوْ عَقْلٍ.

4- وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ عَلَى مَنْ بَغَى مِنْهُمْ أَوِ ابْتَغَى دَسِيعَةَ ظُلْمٍ.

(الدَّسْعُ): هُوَ الدَّفْعُ، وَالدَّسِيعَةُ: الْعَطِيَّةُ، وَمَعْنَى ابْتَغَى دَسِيعَةَ ظُلْمٍ؛ أَيْ: طَلَبَ دَفْعًا عَلَى سَبِيلِ الظُّلْمِ فَأَضَافَهُ إِلَيْهِ، وَهِيَ إِضَافَةٌ بِمَعْنَى مِنْ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالدَّسِيعَةِ الْعَطِيَّةُ؛ أَيِ ابْتَغَى مِنْهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا إِلَيْهِ عَطِيَّةً عَلَى وَجْهِ ظُلْمِهِمْ؛ أَيْ كَوْنِهِمْ ظَالِمِينَ، أَوْ أَضَافَهَا إِلَى ظُلْمِهِ لِأَنَّهُ سَبَبُ دَفْعِهِمْ لَهَا.

أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ عَلَى مَنْ بَغَى مِنْهُمْ أَوِ ابْتَغَى دَسِيعَةَ ظُلْمٍ أَوْ إِثْمٍ أَوْ عُدْوَانٍ أَوْ فَسَادٍ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإَنَّ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِ جَمِيعًا وَلَوْ كَانَ وَلَدَ أَحَدِهِمْ.

5- أَنَّ ذِمَّةَ اللهِ وَاحِدَةٌ يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ..

يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ: أَيْ إِذَا أَجَارَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ وَاحِدًا مِنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْكُفَّارِ وَخَفَرَهُمْ وَأَمَّنَهُمْ، جَازَ ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، لَا يُنْتَقَضُ عَلَيْهِ جِوَارُهُ وَأَمَانُهُ.

أَنَّ ذِمَّةَ اللهِ وَاحِدَةٌ يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ. وَهَذَا قَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي ((الْمُسْنَدِ))  بِسَنَدٍ حَسَنٍ.

6- الْمُؤْمِنُونَ بَعْضُهُمْ مَوَالِي بَعْضٍ دُونَ النَّاسِ.

7- وَمَنْ تَبِعَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ يَهُودَ فَإِنَّهُ لَهُ النُّصْرَةُ وَالْأُسْوَةُ غَيْرَ مَظْلُومِينَ وَلَا مُتَنَاصِرِينَ عَلَيْهِمْ.

8- وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُبِيءُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِمَا نَالَ دِمَاءَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ.

(يُبِيءُ)؛ الْبَوَاءُ: السَّوَاءُ، وَفُلَانٌ بَوَاءُ فُلَانٍ؛ أَيْ: كُفْؤُهُ إِنْ قُتِلَ بِهِ.

فَالْمُؤْمِنُونَ يُبِيءُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِمَا نَالَ دِمَاءَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَنِ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلًا عَنْ بَيِّنَةٍ فَإِنَّهُ قَوَدٌ بِهِ إِلَّا أَنْ يَرْضَى وَلِيُّ الْمَقْتُولِ.

9- مَنِ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلًا فَإِنَّهُ قَوَدٌ بِهِ -أَيْ: قَتَلَهُ بِلَا جِنَايَةٍ كَانَتْ مِنْهُ وَلَا جَرِيرَةٍ تُوجِبُ قَتْلَهُ، فَإِنَّ الْقَاتِلَ يُقَادُ بِهِ وَيُقْتَلُ، وَالْقَوَدُ: الْقِصَاصُ-.

10- وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ كَافَّةً، وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ إِلَّا قِيَامٌ عَلَيْهِ.

فَهَذِهِ الْبُنُودُ مِنَ الصَّحِيفَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمُسْلِمِينَ.

وَأَمَّا بُنُودُ الصَّحِيفَةِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمُشْرِكِينَ:

1- فَلَا يُجِيرُ مُشْرِكٌ مَالًا لِقُرَيْشٍ وَلَا نَفْسًا، وَلَا يَحُولُ دُونَهُ عَلَى مُؤْمِنٍ.

2- وَلَا تُجَارُ قُرَيْشٌ وَلَا مَنْ نَصَرَهَا.

3- وَلِقُرَيْشٍ وَحُلَفَائِهَا حَقُّ الصُّلْحِ إِذَا طَلَبُوهُ إِلَّا مَنْ حَارَبَ مِنْهُمُ الْإِسْلَامَ.

((وَيُلَاحَظُ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ فِي هَذِهِ الْمُعَاهَدَةِ أَشَارَ إِلَى الْعَدَاوَةِ الْقَائِمَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَمُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وَأَعْلَنَ رَفْضَهُ الْحَاسِمَ لِمُوَالَاتِهِمْ وَحَرَّمَ إِسْدَاءَ أَيِّ عَوْنٍ لَهُمْ، وَهَلْ يُنْتَظَرُ إِلَّا هَذَا الْمَوْقِفُ مِنْ قَوْمٍ لَا تَزَالُ جُرُوحُهُمْ تَقْطُرُ دَمًا لِبَغْيِ قُرَيْشٍ وَأَحْلَافِهَا عَلَيْهِمْ؟!!)).

وَأَمَّا بُنُودُ الصَّحِيفَةِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْيَهُودِ:

1- فَيُنْفِقُ الْيَهُودُ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارِبِينَ.

2- وَيَهُودُ بَنِي عَوْفٍ أُمَّةٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ وَلِلْمُسْلِمِينَ دِينُهُمْ مَوَالِيهِمْ وَأَنْفُسُهُمْ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ فَإِنَّهُ لَا يُهْلِكُ إِلَّا مِنْ نَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ.

وَكَانَ فِي الصَّحِيفَةِ بُنُودٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ:

1- الْمَدِينَةُ حَرَامٌ جَوْفُهَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وَإِنَّ الْجَارَ كَالنَّفْسِ غَيْرَ مُضَارٍّ وَلَا آثِمٍ، وَإِنَّهُ لَا تُجَارُ حُرْمَةٌ إِلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهَا.

2- مَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ مِنْ حَدَثٍ -وَهُوَ الْأَمْرُ الْحَادِثُ الْمُنْكَرُ الَّذِي لَيْسَ بِمُعْتَادٍ وَلَا مَعْرُوفٍ- مَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ مِنْ حَدَثٍ أَوِ اشْتِجَارٍ -أَيِ اخْتِلَافٍ- يُخَافُ فَسَادُهُ فَإِنَّ مَرَدَّهُ إِلَى اللهِ -تَعَالَى- وَإِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

3- وَأَنَّ بَيْنَهُمْ -أَيْ: أَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ- النَّصْرَ عَلَى مَنْ دَهِمَ الْمَدِينَةَ -أَيْ غَشِيَهَا-.

4- وَمَنْ خَرَجَ آمِنٌ، وَمَنْ قَعَدَ آمِنٌ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ، وَإِنَّ اللهَ جَارٌ لِمَنْ بَرَّ وَاتَّقَى، وَمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ)) .

بِهَذِهِ الْحِكْمَةِ أَرْسَى رَسُولُ اللهِ ﷺ قَوَاعِدَ مُجْتَمَعٍ جَدِيدٍ، وَكَانَتْ هَذِهِ الظَّاهِرَةُ أَثَرًا لِلْمَعَانِي الَّتِي كَانَ يَتَمَتَّعُ بِهَا أُولَئِكَ الْأَمْجَادُ بِفَضْلِ صُحْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ.

وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَهَّدُهُمْ بِالتَّعْلِيمِ وَالتَّرْبِيَةِ وَتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ وَالْحَثِّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَيُؤَدِّبُهُمْ بِآدَابِ الْوُدِّ وَالْإِخَاءِ وَالْمَجْدِ وَالشَّرَفِ وَالْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ.

وَبِجَانِبِ هَذَا كَانَ ﷺ يَحُثُّ حَثًّا شَدِيدًا عَلَى الِاسْتِعْفَافِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ وَيَذْكُرُ فَضَائِلَ الصَّبْرِ وَالْقَنَاعَةِ.

وَكَانَ يَعُدُّ الْمَسْأَلَةَ كُدُوحًا أَوْ خُدُوشًا أَوْ خُمُوشًا فِي وَجْهِ السَّائِلِ، اللَّهُمَّ إِلَّا إِذَا كَانَ مُضْطَرًّا.

(الْكُدُوحُ): الْخُدُوشُ، وَكُلُّ أَثَرٍ مِنْ خَدْشٍ أَوْ عَضٍّ فَهُوَ كَدْحٌ.

أَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي ((الْمُسْنَدِ))  بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((الْمَسْأَلَةُ كُدُوحٌ فِي وَجْهِ صَاحِبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ))، وَالْمُزْعَةُ -بِضَمِّ الْمِيمِ-: أَيِ الْقِطْعَةُ.

فَكَانَ يَعُدُّ الْمَسْأَلَةَ كُدُوحًا أَوْ خُدُوشًا أَوْ خُمُوشًا فِي وَجْهِ السَّائِلِ، اللَّهُمَّ إِلَّا إِذَا كَانَ مُضْطَرًّا، اللَّهُمَّ إِلَّا إِذَا كَانَ مُضْطَرًّا، كَمَا كَانَ ﷺ يُحَدِّثُهُمْ بِمَا فِي الْعِبَادَاتِ مِنَ الْفَضَائِلِ وَالْأَجْرِ وَالثَّوَابِ عِنْدَ اللهِ.

وَكَانَ ﷺ يَرْبِطُهُمْ بِالْوَحْيِ النَّازِلِ عَلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ رَبْطًا مُوثَقًا يَقْرَأُهُ عَلَيْهِمْ، وَيَقْرَأُونَهُ، لِتَكُونَ هَذِهِ الدِّرَاسَةُ إِشْعَارًا بِمَا عَلَيْهِمْ مِنْ حُقُوقِ الدَّعْوَةِ وَتَبِعَاتِ الرِّسَالَةِ، فَضْلًا عَنْ ضَرُورَةِ الْفَهْمِ وَالتَّدَبُّرِ.

وَهَكَذَا رَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعْنَوِيَّاتِ وَمَوَاهِبَ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، وَزَوَّدَهُمْ بِأَعْلَى الْقِيَمِ وَالْمُثُلِ، حَتَّى صَارُوا صُورَةً لِأَعْلَى قِمَّةٍ مِنَ الْكَمَالِ عُرِفَتْ فِي تَارِيخِ الْبَشَرِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ.

ثُمَّ إِنَّ هَذَا الرَّسُولَ الْقَائِدَ الْأَعْظَمَ ﷺ كَانَ يَتَمَتَّعُ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَالظَّاهِرَةِ، وَمِنَ الْكَمَالَاتِ وَالْمَوَاهِبِ وَالْأَمْجَادِ وَالْفَضَائِلِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ، كَانَ يَتَمَتَّعُ ﷺ مِنْ ذَلِكَ بِمَا جَعَلَهُ مَهْوَى الْأَفْئِدَةِ، وَجَعَلَهُ تَتَفَانَى عَلَيْهِ النُّفُوسُ، فَمَا يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ إِلَّا وَيُبَادِرُ أَصْحَابُهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- إِلَى امْتِثَالِهِ، وَمَا يَأْتِي بِرُشْدٍ وَتَوْجِيهٍ إِلَّا وَيَتَسَابَقُونَ إِلَى التَّحَلِّي بِهِ.

وَبِمِثْلِ هَذَا اسْتَطَاعَ الرَّسُولُ ﷺ أَنْ يَبْنِيَ فِي الْمَدِينَةِ مُجْتَمَعًا جَدِيدًا، أَرْوَعَ وَأَشْرَفَ مُجْتَمَعٍ عَرَفَهُ التَّارِيخُ، وَأَنْ يَضَعَ لِمَشَاكِلِ هَذَا الْمُجْتَمَعِ حَلًّا تَتَنَفَّسُ لَهُ الْإِنْسَانِيَّةُ الصُّعَدَاءَ -تَنَفُّسُ الصُّعَدَاءِ: هُوَ النَّفَسُ إِلَى فَوْقَ مَمْدُودًا، وَقِيلَ: هُوَ النَّفَسُ بِتَوَجُّعٍ- تَتَنَفَّسُ لَهُ الْإِنْسَانِيَّةُ الصُّعَدَاءَ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ تَعِبَتْ فِي غَيَاهِبِ الزَّمَانِ وَدَيَاجِيرِ الظُّلُمَاتِ» .

((لَقَدْ نَظَّمَ النَّبِيُّ ﷺ الْعَلَاقَاتِ بَيْنَ سُكَّانِ الْمَدِينَةِ، وَكَتَبَ فِي ذَلِكَ كِتَابًا أَوْرَدَتْهُ الْمَصَادِرُ التَّارِيخِيَّةُ، وَاسْتَهْدَفَ الْكِتَابُ أَوِ الصَّحِيفَةُ تَوْضِيحَ الْتِزَامَاتِ جَمِيعِ الْأَطْرَافِ دَاخِلَ الْمَدِينَةِ وَتَحْدِيدَ الْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ، وَقَدْ سُمِّيَتْ فِي الْمَصَادِرِ الْقَدِيمَةِ بِـ(الْكِتَابِ أَوِ الصَّحِيفَةِ)، وَأَطْلَقَتِ الْأَبْحَاثُ الْحَدِيثَةُ عَلَيْهَا لَفْظَةَ الدُّسْتُورِ أَوِ الْوَثِيقَةِ.

لَقَدِ احْتَجَّ بِالْوَثِيقَةِ الْفُقَهَاءُ وَبَنَوْا عَلَيْهَا أَحْكَامَهُمْ، كَمَا أَنَّ بَعْضَهَا وَرَدَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَابْنِ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيِّ.

ثُمَّ إِنَّ التَّشَابُهَ الْكَبِيرَ بَيْنَ أُسْلُوبِ الْوَثِيقَةِ وَأَسَالِيبِ كُتُبِ النَّبِيِّ ﷺ الْأُخْرَى يُعْطِيهَا تَوْثِيقًا آخَرَ)) .

بِمَا أَنَّ هَذِهِ الْأَسَانِيدَ كُلَّهَا صَالِحَةٌ لِلِاعْتِبَارِ بِانْفِرَادِهَا، وَبِمَا أَنَّ كُلَّهَا تُعَاضِدُ بَعْضُهَا بَعْضًا، لِذَلِكَ جَازَ الْقَوْلُ إِنَّ رِوَايَةَ صَحِيفَةِ الْمَدِينَةِ وَصَلَتْ إِلَى دَرَجَةِ الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ.

وَالْخُلَاصَةُ أَنَّ جَمِيعَ فِقْرَاتِ الصَّحِيفَةِ لَهَا شَوَاهِدُ مِنْ صَحِيحِ السُّنَّةِ وَمِنَ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ.

أَمَّا مَا جَاءَ مِنَ الصَّحِيفَةِ عَنِ الصُّلْحِ مَعَ الْيَهُودِ وَالْمُشْرِكِينَ بِغَيْرِ الْجِزْيَةِ فَهُوَ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ الْجِزْيَةِ: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]، وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، وَمِنَ الْمَعْرُوفِ أَنَّ سُورَةَ التَّوْبَةِ مِنْ أَوَاخِرِ مَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ.

تَضَمَّنَتِ الصَّحِيفَةُ مَبَادِئَ عَامَّةً دَرَجَتْ دَسَاتِيرُ الدُّوَلِ الْحَدِيثَةِ عَلَى وَضْعِهَا فِيهَا، وَفِي طَلِيعَةِ هَذِهِ الْمَبَادِئِ تَحْدِيدُ مَفْهُومِ الْأُمَّةِ، فَالْأُمَّةُ فِي الصَّحِيفَةِ تَضُمُّ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا مُهَاجِرِيهِمْ وَأَنْصَارَهُمْ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِمَّنْ لَحِقَ بِهِمْ وَجَاهَدَ مَعَهُمْ، أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ النَّاسِ، وَهَذَا شَيْءٌ جَدِيدٌ كُلَّ الْجِدَّةِ فِي تَارِيخِ الْحَيَاةِ السِّيَاسِيَّةِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ؛ إِذْ نَقَلَ الرَّسُولُ ﷺ قَوْمَهُ مِنْ شِعَارِ الْقَبِيلَةِ وَالتَّبَعِيَّةِ لَهَا إِلَى شِعَارِ الْأُمَّةِ الَّتِي تَضُمُّ كُلَّ مَنِ اعْتَنَقَ الْإِسْلَامَ، فَلَقَدْ قَالَتِ الصَّحِيفَةُ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ.

وَقَدْ جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ؛ فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92].

وَبَيَّنَ اللهُ تَعَالَى وَسَطِيَّةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 143].

وَوَضَّحَ -تَعَالَى- أَنَّهَا بِكَوْنِهَا أُمَّةً إِيجَابِيَّةً فَهِيَ لَا تَقِفُ مَوْقِفَ الْمُتَفَرِّجِ مِنْ قَضَايَا عَصْرِهَا، بَلْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَتَدْعُو إِلَى الْفَضَائِلِ وَتُحَذِّرُ مِنَ الرَّذَائِلِ: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110].

وَبِهَذَا الِاسْمِ الَّذِي أُطْلِقَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ انْدَمَجَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى اخْتِلَافِ قَبَائِلِهِمْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي تَرْتَبِطُ بَيْنَهَا بِرَابِطَةِ الْإِسْلَامِ، فَهُمْ يَتَكَافَلُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَيَنْصُرُونَ الْمَظْلُومَ عَلَى الظَّالِمِ، وَهُمْ يَرْعَوْنَ حُقُوقَ الْقَرَابَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْجِوَارِ.

انْصَهَرَتْ طَائِفَتَا الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ فِي جَمَاعَةِ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ انْصَهَرَ الْأَنْصَارُ وَالْمُهَاجِرُونَ حَتَّى أَصْبَحُوا أُمَّةً وَاحِدَةً، تَرْبِطُ أَفْرَادَهَا رَابِطَةُ الْعَقِيدَةِ وَلَيْسَ الدَّمُ، فَيَتَّحِدُ شُعُورُهُمْ، وَتَتَّحِدُ أَفْكَارُهُمْ، وَتَتَّحِدُ قِبْلَتُهُمْ وَوِجْهَتُهُمْ وَوَلَاؤُهُمْ لِلَّهِ وَلَيْسَ لِلْقَبِيلَةِ، وَاحْتِكَامُهُمْ لِلشَّرْعِ وَلَيْسَ لِلْعُرْفِ، وَهُمْ يَتَمَايَزُونَ بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى بَقِيَّةِ النَّاسِ مِنْ دُونِ النَّاسِ، فَهَذِهِ الرَّوَابِطُ تَقْتَصِرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَشْمَلُ غَيْرَهُمْ مِنَ الْيَهُودِ وَالْحُلَفَاءِ.

وَلَا شَكَّ أَنَّ تَمْيِيزَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى هَذَا النَّحْوِ كَانَ أَمْرًا مَقْصُودًا يَسْتَهْدِفُ زِيَادَةَ تَمَاسُكِ الْمُسْلِمِينَ وَزِيَادَةَ اعْتِزَازِهِمْ بِذَاتِهِمْ، يَتَّضِحُ ذَلِكَ فِي تَمْيِيزِ الْأُمَّةِ بِالْقِبْلَةِ وَفِي اتِّجَاهِهَا إِلَى الْكَعْبَةِ بَعْدَ أَنِ اتَّجَهَتْ سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ.

وَقَدْ مَضَى النَّبِيُّ ﷺ يُمَيِّزُ أَتْبَاعَهُ عَمَّنْ سِوَاهُمْ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَيُوَضِّحُ لَهُمْ أَنَّهُ يَقْصِدُ بِذَلِكَ مُخَالَفَةَ الْيَهُودِ؛ مِنْ ذَلِكَ: أَنَّ الْيَهُودَ لَا يُصَلُّونَ بِالْخِفَافِ، فَأَذِنَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ أَنْ يُصَلُّوا بِالْخُفِّ.

الْيَهُودُ لَا تَصْبُغُ الشَّيْبَ، فَصَبَغَ الْمُسْلِمُونَ شَيْبَ رَؤُوسِهِمْ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ.

الْيَهُودُ تَصُومُ عَاشُورَاءَ، النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُهُ -أَيْضًا-، ثُمَّ اعْتَزَمَ أَوَاخِرَ حَيَاتِهِ أَنْ يَصُومَ تَاسُوعَاءَ مَعَ عَاشُورَاءَ مُخَالَفَةً لِلْيَهُودِ.

ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَضَعَ لِلْمُسْلِمِينَ مَبْدَأَ مُخَالَفَةِ غَيْرِهِمْ وَالتَّمَيُّزِ عَلَيْهِمْ؛ فَقَالَ: ((مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ)) ، وَقَالَ: ((لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ)) ، وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.

اعْتَبَرَتِ الصَّحِيفَةُ -صَحِيفَةُ الْمَدِينَةِ- الْيَهُودَ جُزْءًا مِنْ مُوَاطِنِي الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَعُنْصُرًا مِنْ عَنَاصِرِهَا؛ لِذَلِكَ قِيلَ فِي الصَّحِيفَةِ: مَنْ تَبِعَنَا مِنْ يَهُودَ فَإِنَّ لَهُ النَّصْرَ وَالْأُسْوَةَ غَيْرَ مَظْلُومِينَ وَلَا مُتَنَاصَرٍ عَلَيْهِمْ.. كَمَا فِي الْمَادَّةِ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ.

ثُمَّ زَادَ هَذَا الْحُكْمَ إِيضَاحًا كَمَا فِي الْمَادَّةِ الْخَامِسَةِ وَالْعِشْرِينَ وَمَا يَلِيهَا؛ حَيْثُ نَصَّ فِيهَا صَرَاحَةً عَلَى أَنَّ يَهُودَ بَنِي عَوْفٍ أُمَّةٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ.

فَبِهَذَا نَرَى أَنَّ الْإِسْلَامَ اعْتَبَرَ أَهْلَ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَعِيشُونَ فِي أَرْجَائِهِ مُوَاطِنِينَ، وَأَنَّهُمْ أُمَّةٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا قَائِمِينَ بِالْوَاجِبَاتِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِمْ.

وَجَعَلَتِ الصَّحِيفَةُ الْفَصْلَ فِي كُلِّ الْأُمُورِ بِالْمَدِينَةِ عَائِدًا إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ؛ فَقَدْ نَصَّتْ عَلَى مَرْجِعِ فَضِّ الْخِلَافِ كَمَا فِي الْمَادَّةِ الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ، فِيهَا: وَأَنَّكُمْ مَهْمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ مَرَدَّهُ إِلَى اللهِ وَإِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ.. وَالْمَغْزَى مِنْ ذَلِكَ وَاضِحٌ، وَهُوَ تَأْكِيدُ سُلْطَةٍ عُلْيَا دِينِيَّةٍ تُهَيْمِنُ عَلَى الْمَدِينَةِ وَتَفْصِلُ فِي الْخِلَافَاتِ مَنْعًا لِقِيَامِ اضْطِرَابَاتٍ فِي الدَّاخِلِ مِنْ جَرَّاءِ تَعَدُّدِ السُّلُطَاتِ، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ تَأْكِيدٌ ضِمْنِيٌّ بِرِئَاسَةِ الرَّسُولِ ﷺ وَبِكَوْنِهِ عَلَى رَأْسِ الدَّوْلَةِ ﷺ.

بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، وَعَقْدِ الْمُؤَاخَاةِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَبِكِتَابَةِ الْوَثِيقَةِ مَعَ الْيَهُودِ.. يَكُونُ الرَّسُولُ ﷺ قَدْ أَرْسَى قَوَاعِدَ الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ عَلَى أُسُسٍ مَتِينَةٍ.

((مِنْ أُسُسِ بِنَاءِ الدَّوْلَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ:

الِاقْتِصَادُ الْقَوِيُّ))

إِنَّ الِاقْتِصَادَ الْقَوِيَّ مِنْ أَهَمِّ دَعَائِمِ الدَّوْلَةِ وَرَكَائِزِهَا الْأَسَاسِيَّةِ الَّتِي لَا تَقُومُ وَلَا تُبْنَى إِلَّا بِهَا.

إِنَّ الِاقْتِصَادَ الْقَوِيَّ يُمَكِّنُ الدُّوَلَ مِنَ الْوَفَاءِ بِالْتِزَامَاتِهَا الْمَحَلِّيَّةِ وَالدَّوْلِيَّةِ، وَتَوْفِيرِ حَيَاةٍ كَرِيمَةٍ لِمُوَاطِنِيهَا.

لَقَدْ حَرَصَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُجْتَمَعُ الْمَدِينَةِ مُجْتَمَعًا ذَا قُوَّةٍ اقْتِصَادِيَّةٍ تُمَكِّنُهُ مِنَ الْوَفَاءِ بِاحْتِيَاجَاتِ أَبْنَائِهِ وَالدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِهِ.

إِنَّ الْعَمَلَ سُنَّةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَهُوَ سُنَّةُ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ-، فَالِاحْتِرَافُ وَالتَّكَسُّبُ قَامَ بِهِ خَيْرُ الْخَلْقِ وَهُمْ أَنْبِيَاءُ اللهِ -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ-، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ أَصْحَابُ نَبِيِّنَا ﷺ وَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-.

وَقَدْ تَكَاثَرَتِ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ فِي بَيَانِ ذَلِكَ؛ قَالَ -تَعَالَى- عَنْ دَاوُدَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ} [الأنبياء: 80].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} [سبأ: 10].

وَعَنِ الْمِقْدَامِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -كَمَا أَخْرَجَ ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ فِي ((الصَّحِيحِ)) - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ)).

إِنَّ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ، وَإِنَّ الْأَنْصَارَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلٌ فِي أَمْوَالِهِمْ، فِي زُرُوعِهِمْ وَفِي بَسَاتِينِهِمْ.

أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي ((صَحِيحَيْهِمَا))  عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: ((لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ -يَعْنِي الْمُهَاجِرِينَ- آخَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ سَعْدٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: ((إِنِّي أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ مَالًا، فَاقْسِمْ مَالِي نِصْفَيْنِ، وَلِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَسَمِّهَا لِي أُطَلِّقْهَا، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَزَوَّجْهَا)).

فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: ((بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، أَيْنَ سُوقُكُمْ؟!!)).

فَدَلُّوهُ عَلَى سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ..

قَالَ الْحَافِظُ: ((بَنُو قَيْنُقَاعَ -بِفَتْحِ الْقَافِ- هِيَ قَبِيلَةٌ مِنَ الْيَهُودِ نُسِبَ السُّوقُ إِلَيْهِمْ)) .

فَدَلُّوهُ عَلَى سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَمَا انْقَلَبَ -أَيْ: مَا رَجَعَ- إِلَّا وَمَعَهُ فَضْلٌ مِنْ أَقِطٍ -وَهُوَ اللَّبَنُ الْمُجَفَّفُ الْيَابِسُ- إِلَّا وَمَعَهُ فَضْلٌ مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ، ثُمَّ جَاءَ يَوْمًا وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ -الْمُرَادُ بِالصُّفْرَةِ: صُفْرَةُ الْخَلُوقِ، وَالْخَلُوقُ: طِيبٌ يُصْنَعُ مِنْ زَعْفَرَانٍ وَغَيْرِهِ-، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ((مَهْيَمْ؟))؛ وَهِيَ كَلِمَةُ اسْتِفْهَامٍ، وَمَعْنَاهَا: مَا شَأْنُكَ؟ أَوْ: مَا هَذَا؟

قَالَ: ((تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ)).

فَقَالَ ﷺ: ((مَا سُقْتَ فِيهَا؟)).

قَالَ: ((وَزْنَ نَوَاةٍ -وَالنَّوَاةُ: اسْمٌ لِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ- وَزْنُ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ)). فَقَالَ لَهُ ﷺ: ((أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ)).

فِي هَذَا الْحَدِيثِ: اسْتِحْبَابُ التَّكَسُّبِ، وَأَنَّ الْعَيْشَ مِنْ عَمَلِ الْمَرْءِ بِتِجَارَةٍ أَوْ حِرْفَةٍ أَوْلَى لِنَزَاهَةِ الْأَخْلَاقِ مِنَ الْعَيْشِ بِالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا.

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ)) بِسَنَدِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ مِنْ مَكَّةَ وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ -يَعْنِي: شَيْئًا-، وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ أَهْلَ الْأَرْضِ وَالْعَقَارِ، فَقَاسَمَهُمُ الْأَنْصَارُ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ ثِمَارَ أَمْوَالِهِمْ كُلَّ عَامٍ، وَيَكْفُوهُمُ الْعَمَلَ وَالْمَئُونَةَ.

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((قَالَتْ الْأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ((اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ)).

قَالَ: ((لَا)).

فَقَالُوا: ((تَكْفُونَا الْمَئُونَةَ، وَنَشْرَكُكُمْ فِي الثَّمَرَةِ)).

قَالُوا: ((سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا)) .

وَقَدْ عَمِلَ غَيْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ الْمَاهِرِينَ فِي التِّجَارَةِ، وَعَمِلَ آخَرُونَ مِنْهُمْ فِي الْحُقُولِ وَالزُّرُوعِ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ وَضَعَ الضَّوَابِطَ الْمُنَظِّمَةَ لِهَذِهِ التَّعَامُلَاتِ؛ وَمِنْ ذَلِكَ: السَّمَاحَةُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ فَعَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((رَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ, وَإِذَا اشْتَرَى, وَإِذَا اقْتَضَى)). وَهَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي ((الصَّحِيحِ)).

وَرَغَّبَ النَّبِيُّ ﷺ التُّجَّارَ فِي الصِّدْقِ، وَرَهَّبَهُمْ مِنَ الْكَذِبِ وَمِنَ الْحَلِفِ وَإِنْ كَانُوا صَادِقِينَ؛ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: «حَدِيثٌ حَسَنٌ»، وَقَالَ الْأَلْبَانيُّ: «صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ».

وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَفْظُهُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «التَّاجِرُ الْأَمِينُ الصَّدُوقُ الْمُسْلِمُ مَعَ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وَهُوَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا الْبَيِّعَانِ وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا فَعَسَى أَنْ يَرْبَحَا رِبْحًا وَيُمْحَقَا بَرَكَةَ بَيْعِهِمَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَرَهَّبَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الِاحْتِكَارِ؛ فَعَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-, عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) .

وَحَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْغِشِّ وَالتَّدْلِيسِ عِنْدَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ -مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى كَوْمَةٍ مِنْ طَعَامٍ-، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا, فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟!»

قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.

قَالَ ﷺ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟! مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي». وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) .

قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يَبِيعُ سِلْعَةً يَعْلَمُ أَنَّ بِهَا دَاءً إِلَّا أَخْبَرَهُ)) ؛ أَيْ: إِلَّا أَخْبَرَ الْمُشْتَرِيَ.

هَذِهِ آدَابُ الْإِسْلَامِ، وَهَذِهِ قَوَاعِدُهُ: لَا غِشَّ، وَلَا خِدَاعَ، وَلَا تَدْلِيسَ، وَلَا تَزْيِيفَ.

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ الْإِسْلَامَ يَدْعُو الْمُؤْمِنِينَ بِهِ إِلَى الْعَمَلِ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى السَّعْيِ وَالتَّكَسُّبِ، فَهُوَ دِينٌ يُؤَكِّدُ عَلَى الْحَرَكَةِ وَالْحَيَوِيَّةِ، وَيَذُمُّ الْكَسَلَ وَالْخُمُولَ وَالِاتِّكَالِيَّةَ؛ إِذْ لَا مَكَانَ فِيهِ لِلِاسْتِرْخَاءِ وَالْبَطَالَةِ، وَالِاعْتِمَادِ عَلَى الْآخَرِينَ وَاسْتِجْدَائِهِمْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُمْ.

فَالْإِسْلَامُ دِينُ عِبَادَةٍ وَعَمَلٍ، يَحُثُّ الْجَمِيعَ عَلَى الْإِنْتَاجِ وَالْإِبْدَاعِ، وَيَهِيبُ بِفِئَاتِ الْمُجْتَمَعِ كَافَّةً أَنْ تَنْهَضَ وَتَعْمَلَ بِإِتْقَانٍ، وَيَقُومَ كُلٌّ بِدَوْرِهِ الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ فِيهِ لِنَفْعِ الْأُمَّةِ وَإِفَادَتِهَا.

((مَعَانِي الْوَطَنِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ))

إِنَّ (الْوَطَنَ) كَلِمَةٌ صَغِيرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكِنَّ مَعْنَاهَا عَظِيمٌ جَلِيلٌ، فَهُوَ التُّرْبَةُ الَّتِي مِنْهَا خَرَجْنَا، وَعَلَيْهَا دَرَجْنَا، وَفِيهَا حَيَاتُنَا، وَإِلَيْهَا مَرْجِعُنَا وَمَآبُنَا.

وَهَلْ كَانَ الْوَطَنُ إِلَّا أَنْتَ، وَتِلْكَ الْعِظَامَ الَّتِي اخْتَلَطَتْ بِأَرْضِهِ مِنْ عِظَامِ آبَائِكَ وَأَجْدَادِكَ مِنَ الْقِدَمِ؟!!

فَأَنْتَ بَعْضُ الْوَطَنِ، وَالْوَطَنُ كُلُّكَ؛ فِي حِيَاتِهِ حَيَاتُكَ وَلَوْ مُتَّ، وَفِي مَوْتِهِ مَوْتُكَ وَلَوْ حَيِيتَ.

وَلَا تَحْسَبَنَّ حَيَاتَكَ هِيَ تِلْكَ الْأَيَّامُ الْقَصِيرَةُ الَّتِي تَقْضِيهَا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ، وَتَلْهُو وَتَلْعَبُ؛ إِنَّمَا حَيَاتُكَ أَجَلُّ مِنْ ذَلِكَ وَأَعْظَمُ، هِيَ ذِكْرَى الْمَاضِي، وَعِظَةُ الْحَاضِرِ، وَأَمَلُ الْمُسْتَقْبَلِ، هِيَ كُلُّ هَذَا، وَكُلُّ هَذَا هُوَ الْوَطَنُ.

الْوَطَنُ هُوَّ الْأَرْضُ الَّتِي طَوَيْنَا فِيهَا ثَوْبَ طُفُولَتِنَا الْمَرِحَةِ، وَلَا نَزَالُ نَطْوِي فِيهَا رِدَاءَ شَبَابِنَا وَشَيْخُوخَتِنَا، وَالَّتِي نَشَأْنَا فِيهَا وَأَحْبَبْنَاهَا وَفَضَّلْنَاهَا -بِحُكْمِ الطَّبْعِ وَاللُّغَةِ وَالنَّشْأَةِ- عَلَى كُلِّ بَلَدٍ سِوَاهَا.

هَذِهِ هِيَ فِطْرَةُ الْإِنْسَانِ، وَتِلْكَ هِيَ سُنَّةُ اللهِ فِي خَلْقِهِ.

وَكُلُّ فَرِيقٍ مِنَ النَّاسِ يَنْشَأُ فِي بَلَدٍ؛ يُصْبِحُ جُزْءًا مِنْ أُمَّةٍ لَهَا أَخْلَاقُهَا وَعَادَاتُهَا وَلُغَتُهَا، وَيُدَافِعُ عَنْ مَصَالِحِ هَذَا الْبَلَدِ وَمَنَافِعِهِ الْعَامَّةِ، وَيَسْعَى فِي رُقِيِّهِ، يَخْتَلِطُ بِأَهْلِهِ وَبَنِي وَطَنِهِ، وَيَتَبَادَلُ وَإِيَّاهُمُ الْمَنَافِعَ بِحُبٍّ وَإِخَاءٍ، وَمُسَاوَاةٍ وَسَلَامٍ.

فَمَحَبَّةُ الْوَطَنِ غَرِيزَةٌ فِي الْإِنْسَانِ، وَتَكُونُ عَلَى أَكْمَلِهَا بِالتَّعْلِيمِ وَالتَّثْقِيفِ؛ حَيْثُ يَعْرِفُ الْفَرْدُ وَاجِبَ الْوَطَنِ عَلَيْهِ، وَالسَّبِيلَ الصَّالِحَ لِأَدَاءِ كُلِّ حُقُوقِهِ إِلَيْهِ؛ حَتَّى يَعْلُوَ شَأْنُهُ.

وَلَا عِبْرَةَ بِأَقْوَالِ بَعْضِ الِاشْتِرَاكِيِّينَ وَغَيْرِهِمُ الَّتِي تُنْكِرُ الْوَطَنَ، وَتَجْحَدُ الْوَطَنِيَّةَ؛ إِذْ لَا إِخَاءَ فِي الْعَالَمِ إِلَّا بَعْدَ سَلَامَةِ الْأَوْطَانِ، وَهَنَاءَةِ كُلِّ قَوْمٍ فِي عَصَبِيَّتِهِمْ، وَأَمْنِهِمْ عَلَى حُرِّيَّتِهِمْ وَاسْتِقْلَالِهِمْ، وَهَذَا أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ لَيْسَ إِلَّا تَوَسُّعًا لِمَا لَا يُمْكِنُ تَحْقِيقُهُ.

الْإِنْسَانُ فِي الْوَطَنِ مُرْغَمٌ عَلَى مُسَاعَدَةِ الْجَمَاعَةِ، وَتَدْبِيرِ مَصَالِحِ أَفْرَادِهَا؛ لِتَضَمُّنِهَا مَصَالِحَهُ الشَّخْصِيَّةَ، وَهُوَ مُرْغَمٌ عَلَى الْعَمَلِ مَعَهُمْ؛ لِتَحْقِيقِ غَرَضٍ وَاحِدٍ، وَالِاطْمِئْنَانِ إِلَى سَلَامَةِ النَّفْسِ، وَصِيَانَةِ الْعِرْضِ بِسَبَبِ الِاجْتِمَاعِ، وَمَا وَضَعُوهُ مِنَ النُّظُمِ.

فَلَيْسَ عَجِيبًا أَنْ يَشْعُرَ الْإِنْسَانُ أَنَّ الْعَيْشَ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ أَكْثَرُ سُرُورًا وَهَنَاءَةً مِنْهُ فِي حَالِ الِانْفِرَادِ، وَأَنْ يُحِسَّ بِأَنَّ مَحَبَّتَهَ لِوَطَنِهِ وَاجِبَةٌ، وَيَرْبَحُ الْإِنْسَانُ مِنْ هَذَا التَّوَافُقِ الشَّيْءَ الْكَثِيرَ، وَهُوَ يَخْدُمُ ذَاتَهُ تَبَعًا لِخِدْمَتِهِ لِوَطَنِهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ مِنْ عَظَمَةِ وَطَنِهِ الْمَادِّيَّةِ وَالْأَدَبِيَّةِ، وَمِنْ قُوَّتِهِ، وَاسْتِتْبَابِ الْأَمْرِ فِيهِ، وَمِنْ آرَاءِ بَنِي وَطَنِهِ.

فَإِذَا خَطَرَ لِلْإِنْسَانِ إِمْكَانُ التَّجَاوُزِ عَنْ هَذِهِ الضُّرُورِيَّاتِ؛ فَإِنَّهُ يَعْجِزُ حَتْمًا عَنْ مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ، فَاللُّغَةُ لِلْوَطَنِ، وَلِلْأُمَّةِ، لَا لِلْإِنْسَانِ، وَقَدْ خُلِقَ لَا يَعْرِفُهَا، فَتَعَلَّمَهَا فِي وَطَنِهِ وَمِنْ بَنِي وَطَنِهِ.

((إِنَّ الْمَدْرَسَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لِلْإِنْسَانِيَّةِ هِيَ الْوَطَنِيَّةُ، وَمَدْرَسَةُ الْوَطَنِيَّةِ هِيَ فِكْرَةُ الْأُسْرَةِ، إِنَّمَا نَتَعَلَّمُ حُبَّ النَّاسِ وَالْوَطَنِ بِجَانِبِ مَهْدِ أَطْفَالِنَا.

كُلُّ الْمَشَاعِرِ الطَّيِّبَةِ تَنْشَأُ مِنْ هَذَا الْيَنْبُوعِ كَأَنَّهَا نَتِيجَةُ عَدْوَى صَالِحَةٍ رَاضِيَةٍ، فَكَمَا أَنَّ عَقْلِي يَسْلُكُ طَرِيقَةَ التَّحْلِيلِ وَلَا يَشْمَلُ الْعَالَمَ بِنَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ؛ فَقَلْبِي يُحِبُّ أَوَّلًا مَنْ يُجَاوِرُنِي، ثُمَّ يَقْوَى فَيَمْتَدُّ حَنَانُهُ إِلَى الْإِنْسَانِيَّةِ)).

وَصَفْوَةُ الْقَوْلِ أَنَّ الْوَطَنِيَّةَ تُوجِبُ: ((أَنْ يَبْذُلَ الْمَرْءُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِمَّا أَعْطَاهُ اللهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْمَالِ وَالْخِبْرَةِ وَالنُّصْحِ فِي عَامَّةِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ لِمَنْفَعَةِ بَنِي وَطَنِهِ؛ فَيَسْتَقِيمُ فِي وَظِيفَتِهِ، وَيَنْصَحُ فِي تِجَارَتِهِ، وَلَا يَغُشُّ فِي حِرْفَتِهِ، وَيَبْذُلُ جُهْدَهُ فِي تَحْسِينِ حَالِتِهِ وَلَوْ بِالسَّفَرِ إِلَى الْمَمَالِكِ الْبَعِيدَةِ لِتَحْصِيلِ عِلْمٍ يُفِيدُ بِهِ قَوْمَهُ، أَوْ صَنْعَةٍ يَنْتَفِعُ بِهَا فِي وَطَنِهِ، أَوْ تِجَارَةٍ يَجْلِبُ مِنْهَا لِبِلَادِهِ مَا تَمَسُّ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الصَّحِيحَةِ» .

((وَحُبُّ الْوَطَنِ مِمَّا أَقَرَّهُ الْإِسْلَامُ وَاعْتَمَدَهُ.

عَنْ الزُّهْرِيِّ قال: أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ الزُّهْرِيَّ أخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْحَزْوَرَةِ فِي سُوقِ مَكَّةَ: ((وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ)). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

عِبَادَ اللهِ! لَقَدْ أُرْسِيَتْ قَوَاعِدَ الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ عَلَى أُسُسٍ مَتِينَةٍ؛ فَالْمَسْجِدُ فِيهِ تَرْبِيَةُ الْمُسْلِمِينَ وَفِيهِ تَنْظِيمُ سُلُوكِهِمْ.

وَالْأُخُوَّةُ تُرْفِدُ الْحَيَاةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ بِالْحُبِّ وَالْوَفَاءِ وَالْإِيثَارِ.

وَالْوَثِيقَةُ تَضْبِطُ سُلُوكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَا يَنْتَمُونَ لِلدِّينِ الْإِسْلَامِيِّ.

أَسْأَلُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَنْ يُوَحِّدَ صَفَّ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يَجْمَعَ شَمْلَهُمْ، وَأَنْ يَقِيَهُمُ الْفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.

((مُنَاسَبَةُ صِيَامِ عَاشُورَاءَ وَفَضْلُهُ))

وَبَعْدُ:

عِبَادَ اللَّهِ؛ إِنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمَّا نَزَلَ الْمَدِينَةَ وَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟».

قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَكَانَ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يَصُومُهُ شُكْرًا لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَنَحْنُ نَصُومُهُ.

فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ: «نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنُكُمْ»، فَصَامَهُ ﷺ .

فِي «الصَّحِيحَيْنِ» أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَرْسَلَ مُنَادِيًا فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ فِي غَدَاتِهِ -أَيْ: مُبَكِّرًا- يُنَادِي فِي قُرَى الْأَنْصَارِ بِجِوَارِ الْمَدِينَةِ -أَيْ: فِي مَنَازِلِهِمْ-: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ قَدْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ قَدْ أَفْطَرَ فَلْيُتِمَّ الصَّوْمَ إِلَى الْمَسَاءِ».

وَعَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: ((أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَكُنَّا نَصُومُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَكُنَّا نَأْخُذُ الصِّبْيَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ؛ نَصْنعُ لَهُمُ اللُّعَبَ مِنَ الْعِهْنِ -أَيْ مِنَ الصُّوفِ-، فَإِذَا بَكَوْا عَلَى الطَّعَامِ لَهَّيْنَاهُمْ بِذَلِكَ الْعِهْنِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمَغْرِبُ فَنُفْطِرَ أَجْمَعُونَ».

فَالرَّسُولُ ﷺ أَمَرَ بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَكَانَ الْأَمْرُ فِي بَدْئِهِ عَلَى الْفَرْضِيَّةِ، فَفُرِضَ صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ سَنَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْمَدِينَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَفُرِضَ الصِّيَامُ فِي رَمَضَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَلَمْ يَمْضِ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ غَيْرُ مُحَرَّمٍ وَاحِدٍ -شَهْرِ اللَّهِ الْحَرَامِ الْمُحَرَّمِ-، فَصَامَ النَّبِيُّ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِأَنْ يَصُومُوا جَمِيعًا لَا يَتَخَلَّفُ مِنْهُمْ عَنِ الصِّيَامِ أَحَدٌ، فَلَمَّا أَنْ فَرَضَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ صَوْمَ رَمَضَانَ جَاءَ الْأَمْرُ عَلَى النَّسْخِ، فَأَصْبَحَ صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ نَفْلًا سُنَّةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَصُمْ، غَيْرَ أَنَّ الَّذِي يَشَاءُ الصِّيَامَ فَبِتَوْفِيقٍ مِنَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَتْبَعُ قَدَمَ النَّبِيِّ ﷺ.

وَأَمَّا الْفَضْلُ الَّذِي فِيهِ:

فَيَقُولُ النَّبِيُّ : «أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ ذُنُوبَ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ».

وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ -أَيْ: لِغَيْرِ الْوَاقِفِ بِعَرَفَةَ-، فَقَالَ: «يُكَفِّرُ سَنَةً مَاضِيَةً وَسَنَةً بَاقِيَةً»، وَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: «يُكَفِّرُ سَنَةً مَاضِيَةً»؛ لِأَنَّ عَاشُورَاءَ مُخْتَصٌّ بِمُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، وَأَمَّا عَرَفَةُ فَمُخْتَصٌّ بِمُحَمَّدٍ ؛ لِذَلِكَ كَانَ مَا خَصَّ مُحَمَّدًا أَشْرَفَ مِمَّا خَصَّ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فَعَرَفَةُ صِيَامُهُ يُكَفِّرُ عَامَيْنِ، وَأَمَّا عَاشُورَاءُ الَّذِي خَصَّ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فَيُكَفِّرُ عَامًا وَاحِدًا، وَنَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنَ الْيَهُودِ -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ أَجْمَعِينَ-.

النَّبِيُّ ﷺ صَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يُفَرِّطْ فِيهِ أَبَدًا، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ أَرَادَ أَنْ يُخَالِفَ الْيَهُودَ؛ فَقَالَ: «لَئِنْ عِشْتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ»، فَلَمْ يَدُرْ عَلَيْهِ الْحَوْلُ ﷺ.

أَمَّا أَكْمَلُ الصَّوْمِ فِي عَاشُورَاءَ: فَأَنْ تَصُومَ التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ وَالْحَادِيَ عَشَرَ.

وَأَمَّا الْمَرْتَبَةُ الْوُسْطَى: فَأَنْ تَصُومَ التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ.

وَأَمَّا أَدْوَنُ الْمَنَازِلِ: فَأَنْ تَصُومَ الْعَاشِرَ وَحْدَهُ.

وَبَيْنَ الْعُلَمَاءِ خِلَافٌ: هَلْ عَاشُورَاءُ هَذِهِ هِيَ الْعَاشِرُ مِنَ الْمُحَرَّمِ أَمْ هِيَ التَّاسِعُ مِنْهُ؟

فَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَا هُوَ عَنْهُ صَحِيحٌ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»: أَنَّ عَاشُورَاءَ هِيَ التَّاسِعُ مِنَ الْمُحَرَّمِ؛ كَمَا وَرَدَ عَنْهُ صَحِيحًا عِنْدَمَا سُئِلَ عَنْ هَذَا الْيَوْمِ، فَقَالَ: «عُدَّ إِذَا مَا رَأَيْتَ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ، فَإِذَا مَا كَانَ التَّاسِعُ فَصُمْ».

قِيلَ: كَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ رَسُولُ اللَّهِ؟

قَالَ: «نَعَمْ» .

وَهَذَا غَيْرُ مُتَّجِهٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ فِقْهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ دَلَّ الرَّجُلَ عَلَى مَا فِيهِ إِشْكَالٌ وَتَرَكَ مَا هُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ مُقَرَّرٌ عِنْدَ السَّائِلِ أَنَّ عَاشُورَاءَ هِيَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ بِلَا خِلَافٍ، وَلَكِنْ لَمَّا غَمُضَ عَلَى هَذَا السَّائِلِ أَنْ يَصُومَ التَّاسِعَ وَكَانَ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- مِنْهُ عِلْمٌ؛ دَلَّهُ عَلَى التَّاسِعِ وَتَرَكَ مَا هُوَ بِهِ عَالِمٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، هُوَ حَبْرُ الْأُمَّةِ وَتَرْجُمَانُ الْقُرْآنِ كَمَا دَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ .

فَعَلَيْنَا -عِبَادَ اللَّهِ- أَنْ نَتَذَكَّرَ مِنَّةَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى نَبِيِّهِ وَكَلِيمِهِ مُوسَى فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ لَمَّا نَجَّاهُ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ مَعَهُ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، وَكَانَ مِنْ جَمِيلِ صُنْعِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لِمُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَنَّ فِرْعَوْنَ -عَلَيْهِ لَعَائِنُ اللَّهِ- لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ مُوسَى وَهُوَ فِي الْمَهْدِ صَبِيٌّ، مَا كَانَ مِنْهُ إِلَّا أَنْ تَتَبَّعَ الْغِلْمَانَ وَالْوَلَائِدَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَتِّلُهُمْ وَيُذَبِّحُهُمْ تَذْبِيحًا.

فَأَبَى رَبُّكَ وَهُوَ الْقَادِرُ الْمُقْتَدِرُ إِلَّا أَنْ يُرَبَّى مَنْ يَبْحَثُ عَنْهُ فِرْعَوْنُ -عَلَيْهِ لَعَائِنُ اللَّهِ-؛ أَنْ يُرَبَّى مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي بَيْتِ فِرْعَوْنَ وَفِي حِجْرِ امْرَأَتِهِ وَكَانَ أَمْرُ رَبِّكَ قَدَرًا مَقْدُورًا، ثُمَّ كَانَ مِنْ جَمِيلِ صُنْعِ اللَّهِ لِمُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَنْ جَعَلَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْبَحْرَ فِرْقَيْنِ؛ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّودِ الْعَظِيمِ، وَجَعَلَ قَاعَ الْبَحْرِ يَبَسًا: {طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ} [طه: 77].

فَلَا يَخْشَى دَرَكًا مِنْ فِرْعَوْنَ وَجُنْدِهِ، وَلَا يَخْشَى أَنْ يَلْتَئِمَ عَلَيْهِ الْبَحْرُ، نَجَّاهُ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَنَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنَ الْيَهُودِ، فَعَلَيْنَا أَنْ نَصُومَ هَذَا الْيَوْمَ الْعَظِيمَ، وَأَنْ نَصُومَ الْيَوْمَ التَّاسِعَ فَهِيَ سُنَّةُ النَّبِيِّ الْأَمِينِ، وَأَنْ نَصُومَ الْيَوْمَ الْحَادِيَ عَشَرَ وَهُوَ أَحْوَطُ لِاخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ، حَتَّى نَكُونَ آخِذِينَ لِلْفَضْلِ بِجِمَاعِ الْيَدَيْنِ.

نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَنَا وَإِيَّاكُمْ سَوَاءَ الصِّرَاطِ.

وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ الْأَمِينِ مُحَمَّدٍ، صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا.

وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ.

 

المصدر:مِنْ دُرُوسِ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ: بِنَاءُ الدَّوْلَةِ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  مفتاح دعوة المرسلين
  تحقيق التوحيد في الكسوف والخسوف
  مصر بين حاضر الكفايات وماضي المجاعات
  فضل عشر ذي الحجة
  تَفْرِيغُ مُحَاضَرَاتِ سِلْسِلَة: «الرَّدُّ عَلَى الْمُلْحِدِينَ»
  أَهَمِّيَّةُ الْعَمَلِ وَالتَّخْطِيطِ فِي الْإِسْلَامِ وَسُبُلُ التَّغْيِيرِ
  الرد على الملحدين:الدليل الخُلُقي ودلالته على وجود الخالق
  الْوَفَاءُ بِالْعُقُودِ وَالْعُهُودِ
  دُرُوسٌ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ
  فَضْلُ يَوْمِ عَرَفَةَ،وَالدُّرُوسُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ خُطْبَةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان