تفريغ خطبة إِدْمَانُ الْأَلْعَابِ الْإِلِكْتُرُونِيَّةِ

إِدْمَانُ الْأَلْعَابِ الْإِلِكْتُرُونِيَّةِ

مَجْمُوعُ الْخُطَبِ الْمِنْبَرِيَّةِ

((إِدْمَانُ الْأَلْعَابِ الْإِلِكْتُرُونِيَّةِ))

الْجُمُعَةُ 6 مِنْ رَجَبٍ 1447هـ / 26-12-2025م

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّـه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا))

فَاللهُ -جَلَّ وَعَلَا- يُنَبِّهُ قَلْبَ الْإِنْسَانِ إِلَى ضَعْفِهِ، وَإِلَى الْأَثَرِ النَّافِذِ لِلزَّمَنِ فِي بُنْيَانِهِ، فَيَقُولُ -جَلَّ وَعَلَا-: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم: 54].

قَوْلُهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {مِنْ ضَعْفٍ}: بَيَانٌ وَتَأْكِيدٌ لِحَقِيقَةِ الضَّعْفِ الْإِنْسَانِيِّ؛ إِذْ يَجْعَلُ الضَّعْفَ -وَهُوَ نَقِيضُ الْقُوَّةِ- الْمَادَّةَ الَّتِي صُنِعَ مِنْهَا الْإِنْسَانُ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ ذَلِكَ التَّعْبِيرَ هُوَ الْأَبْلَغُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الضَّعْفَ طَبِيعَةٌ مُتَأَصِّلَةٌ مُلَازِمَةٌ لِلْإِنْسَانِ فِي جَمِيعِ أَطْوَارِهِ رَغْمَ الْقُوَّةِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي يَشْعُرُ بِهَا، بَلْ وَيُبَالِغُ فِي تَقْدِيرِهَا عِنْدَ بُلُوغِهِ مَرْحَلَةَ الشَّبَابِ وَالرُّجُولَةِ، لِذَلِكَ قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28].

وَالضَّعْفُ هُوَ الْفَجْوَةُ بَيْنَ الرَّغْبَةِ وَالْقُدْرَةِ، بَيْنَ الْهَدَفِ الَّذِي يَسْعَى الْإِنْسَانُ لِبُلُوغِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِ، بَيْنَ الرَّغْبَةِ الَّتِي يَشْتَهِي الْإِنْسَانُ تَحْقِيقَهَا وَوَسَائِلُهُ لَا تُدْرِكُهَا، وَلِذَلِكَ فَكُلَّمَا ارْتَفَعَتْ غَايَةُ الْإِنْسَانِ وَبَعُدَتْ أَهْدَافُهُ وَكَثُرَتْ شَهَوَاتُهُ اسْتَبَانَ ضَعْفُهُ.

وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى الْإِنْسَانِ فِي أَصْلِ تَكْوِينِهِ، حَيْثُ كَانَ نُطْفَةً تُقْذَفُ فِي الرَّحِمِ، نُطْفَةً مُتَنَاهِيَةَ الصِّغَرِ لَا تُرَى بِالْعَيْنِ الْمُجَرَّدَةِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ لَهَا، تَسْبَحُ مَعَ مَلَايِينَ مِنْ أَمْثَالِهَا فِي قَلِيلٍ مِنَ السَّائِلِ الْأَبْيَضِ اللَّزِجِ الَّذِي يُشْبِهُ الْبَصْقَةَ تَسْعَى إِلَى أَنْ تَصِيرَ إِنْسَانًا كَامِلًا يَحْمِلُ الْأَمَانَةَ فِي الْأَرْضِ.. إِذَا نَظَرْنَا إِلَى تِلْكَ الْبِدَايَةِ مُسْتَحْضِرِينَ فِي عُقُولِنَا الْغَايَةَ أَوِ النِّهَايَةَ الَّتِي يَسْعَى الْإِنْسَانُ لِبُلُوغِهَا أَدْرَكْنَا دِقَّةَ وَحِكْمَةَ الْبَيَانِ الْقُرْآنِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ} [الروم: 54].

وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى الطِّفْلِ يُولَدُ مِنْ رَحِمِ أُمِّهِ عُرْيَانًا صَارِخًا جَائِعًا، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُطْعِمَ نَفْسَهُ، وَلَا أَنْ يَسْتُرَ عُرْيَهُ، وَلَا أَنْ يَحْمِيَ نَفْسَهُ، أَوْ يُنَظِّفَ جَسَدَهُ؛ عَلِمْنَا كَمْ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى مُسَاعَدَةِ غَيْرِهِ كَيْ يَنْمُوَ وَيَصِلَ إِلَى غَايَةِ كَمَالِهِ الْمَنْشُودِ، وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّهُ فِي أَمَسِّ الْحَاجَةِ إِلَى الرَّحْمَةِ، لِذَلِكَ يُمْكِنُنَا اعْتِبَارُ مُعَامَلَةِ الْأَطْفَالِ مِعْيَارًا صَحِيحًا مَوْثُوقًا فِيهِ لِلْكَشْفِ عَنِ الرَّحْمَةِ الَّتِي أَوْدَعَهَا اللهُ -تَعَالَى- فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ.

((الطُّفُولَةُ أَمَانَةٌ مَصُونَةٌ وَنَفْحَةٌ رَبَّانِيَّةٌ))

وَاللهُ -جَلَّ وَعَلَا- جَعَلَ الطُّفُولَةَ أَمَانَةً مَصُونَةً، وَنَفْحَةً رَبَّانِيَّةً، وَغَرْسًا مُبَارَكًا، إِنْ صَلُحَتْ أَثْمَرَ، وَإِنْ أُهْمِلَ انْكَسَرَ.

وَجَعَلَ فِي رِعَايَةِ الصِّغَارِ قُرْبَةً، وَفِي الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ عِبَادَةً.

وَالطُّفُولَةُ صَفْحَةٌ بَيْضَاءُ وَقَلْبٌ غَضٌّ نَدِيٌّ، إِنْ كُتِبَ فِيهِ خَيْرٌ دَامَ، وَإِنْ زُرِعَ فِيهِ إِيمَانٌ قَامَ.

((عِنَايَةُ الْإِسْلَامِ بِالطِّفْلِ وَجُمْلَةٌ مِنْ حُقُوقِهِ))

وَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ بِمَنْهَجٍ رَبَّانِيٍّ يَرْعَى الطِّفْلَ رَحْمَةً وَتَرْبِيَةً، وَيَحْفَظُ لَهُ حَقَّهُ كَرَامَةً وَعِنَايَةً، فَبَنَى الْإِنْسَانَ مِنْ بِدَايَتِهِ، وَأَصْلَحَ الْمُجْتَمَعَ مِنْ جُذُورِهِ.

* وَاعْتَنَى الْإِسْلَامُ بِالطِّفْلِ قَبْلَ وِلَادَتِهِ:

فَجَعَلَ مِنْ حَقِّهِ عَلَى أَبِيهِ وَأُمِّهِ حُسْنَ اخْتِيَارِ شَرِيكِ الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّ الْأُسْرَةَ هِيَ الْبِيئَةُ الْأُولَى الَّتِي تَتَشَكَّلُ فِيهَا شَخْصِيَّةُ الطِّفْلِ نَفْسِيًّا وَأَخْلَاقِيًّا.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((‌تُنْكَحُ ‌الْمَرْأَةُ ‌لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا؛ فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

فَهَذَا التَّوْجِيهُ النَّبَوِيُّ لَا يَحْمِي الزَّوْجَ فَحَسْبُ، بَلْ يَحْمِي الْأَبْنَاءَ مِنْ بِيئَةٍ فَاسِدَةٍ أَوْ مُضْطَرِبَةٍ تُفْسِدُ نَشْأَتَهُمْ وَسُلُوكَهُمْ.

كَذَلِكَ يُرْشِدُ النَّبِيُّ ﷺ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ الِابْنِ مُسْتَقْبَلًا، وَتَحْصِينُهُ مِنَ الشَّيْطَانِ اللَّعِينِ، فَيَقُولُ لِلْمُسْلِمِينَ: ((لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللهِ، اللهم جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَيُولَدُ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، فَلَا يُصِيبُهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَفِي هَذَا تَوْجِيهٌ إِلَى أَنْ تَكُونَ الْبِدَايَةُ رَبَّانِيَّةً لَا شَيْطَانِيَّةً، فَإِذَا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ -تَعَالَى- فِي بِدَايَةِ الْجِمَاعِ أُسِّسَ مَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ عَلَى التَّقْوَى، فَلَا يَضُرُّهُ الشَّيْطَانُ -بِإِذْنِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا--.

وَلَقَدْ أَمَرَنَا اللهُ بِاخْتِيَارِ الصَّالِحِينَ وَالصَّالِحَاتِ عِنْدَ الزَّوَاجِ؛ لِيَكُونُوا قَادِرِينَ عَلَى تَنْشِئَةِ جِيلٍ صَالِحٍ؛ لِأَنَّ فَاقِدَ الشَّيْءِ لَا يُعْطِيهِ، فَقَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32].

وَقَالَ ﷺ فِي هَذَا الْمَعْنَى: ((تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ، وَانْكِحُوا الْأَكْفَاءَ، وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ)). أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه، وَالْحَاكِمُ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَلْيَكُنْ مَعْلُومًا أَنَّ مِنْ حَقِّ الْوَلَدِ عَلَى أَبِيهِ أَنْ يُحْسِنَ اخْتِيَارَ أُمِّهِ، وَأَنْ يَرْعَاهَا فِي حَمْلِهَا بِهِ، وَيُنْفِقَ عَلَيْهَا فِي أَيَّامِ الْحَمْلِ وَبَعْدَهُ، وَأَنْ يَكْسُوَهَا، وَأَنْ يَخْتَارَ لَهُ اسْمًا حَسَنًا، حَتَّى لَا يُعَيَّرَ بِذَلِكَ مُسْتَقْبَلًا، وَالْحَيَاةُ تُبَرْهِنُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يُعَيَّرَ الْوَلَدُ بِأَبِيهِ أَوْ بِأُمِّهِ إِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ عُنْصُرٍ خَبِيثٍ أَوْ أَصْلٍ رَدِيءٍ.

قَالَ رَجُلٌ لِلْحَسَنِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((مِمَّنْ أُزَوِّجُ ابْنَتِي؟)).

قَالَ: ((مِمَّنْ يَتَّقِي اللهَ، فَإِنْ أَحَبَّهَا أَكْرَمَهَا، وَإِنْ أَبْغَضَهَا لَمْ يَظْلِمْهَا)).

وَانْطِلَاقًا مِنْ هَذَا الْمَبْدَأِ أَجَابَ الْخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنْ سُؤَالٍ لِأَحَدِ الْأَبْنَاءِ لَمَّا سَأَلَهُ: ((مَا حَقُّ الْوَلَدِ عَلَى أَبِيهِ؟)).

قَالَ: ((أَنْ يَنْتَقِيَ أُمَّهُ، وَيُحْسِنَ اسْمَهُ، وَيُعَلِّمَهُ الْقُرْآنَ)).

وَإِذَا كَانَ الطِّفْلُ يَحْمِلُ خَصَائِصَ الْخُؤُولَةِ وَالْعُمُومَةِ وَعَنَاصِرَ الْأُبُوَّةِ وَالْأُمُومَةِ، وَيَمْتَصُّ بِجُذُورِهِ الْوِرَاثِيَّةِ مَا قَدْ عَلِقَ أَوْ تَرَسَّبَ فِي بُؤْرَةِ مَغْرِسِهِ وَغَارِسِهِ كَانَ لَا بُدَّ لِلْإِسْلَامِ مِنْ أَنْ يُنَظِّمَ هَذِهِ الْعَلَائِقَ؛ لِيَحْفَظَ عَلَى الطِّفْلِ جَلَالَهُ وَمَهَابَتَهُ، وَيُنَظِّفَ لَهُ أَخْلَاقَهُ وَوِرَاثَتَهُ، لِيَخْرُجَ إِلَى النَّاسِ وَالْمُجْتَمَعِ لَا تَشُوبُهُ شَائِبَةٌ، أَوْ يَشِينُهُ مَا يَشِينُ، أَوْ يَحُطُّ مِنْ قَدْرِهِ سُلُوكٌ، أَوْ يَلْحَقُ بِهِ سَوْءَاتُ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ وَذَوِيهِ مِنَ النَّاحِيَتَيْنِ نَاحِيَةِ الْأَبِ وَنَاحِيَةِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْعِرْقَ دَسَّاسٌ وَنَزَّاعٌ.

* كَمَا أَحَاطَتِ الشَّرِيعَةُ الطِّفْلَ بِأَحْكَامٍ دَقِيقَةٍ، وَقَرَّرَتْ لَهُ حُقُوقًا ثَابِتَةً، فِي مُقَدِّمَتِهَا: حَقُّهُ فِي الْحَيَاةِ وَالرِّعَايَةِ، وَحَرَّمَتْ الِاعْتِدَاءَ عَلَيْهِ بِأَيِّ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ الْأَذَى أَوِ الْإِجْهَاضِ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ صِيَانَةً لِلنَّفْسِ الَّتِي عَظَّمَ اللهُ شَأْنَهَا، فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الإسراء: 33].

وَبَيَّنَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ عِنَايَةَ اللهِ بِالْجَنِينِ، وَتَمَامَ عِلْمِهِ بِخَلْقِهِ فِي أَطْوَارِ تَكْوِينِهِ، فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ} [الزمر: ٦]؛ لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْجَنِينَ مَخْلُوقٌ مُكَرَّمٌ، مَعْلُومٌ عِنْدَ رَبِّهِ، مَحْفُوظٌ بِعِنَايَتِهِ.

* وَمِنْ حُقُوقِ الطِّفْلِ بَعْدَ وِلَادَتِهِ: الِاسْمُ الْحَسَنُ؛ وَذَلِكَ لِمَا لِلِاسْمِ مِنْ أَثَرٍ نَفْسِيٍّ بَالِغٍ فِي تَكْوِينِ شَخْصِيَّتِهِ وَثِقَتِهِ بِنَفْسِهِ.

وَكَانَ مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ اسْتِبْدَالُ الْأَسْمَاءِ الْقَبِيحَةِ أَوْ ذَاتِ الْمَعَانِي الْمُؤْذِيَةِ بِالْأَسْمَاءِ الْحَسَنَةِ الْجَمِيلَةِ.

((وَاللهُ -تَعَالَى- جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ))، وَمِنَ الْجَمَالِ تَحْسِينُ اسْمِ الصَّبِيِّ أَوِ الصَّبِيَّةِ، وَالْبَعْدُ بِهِمْ عَنِ الْأَسْمَاءِ الْقَبِيحَةِ.

وَالْإِسْلَامُ دِينُ يُسْرٍ، {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} [البقرة: 185]، لِذَلِكَ أَرَادَ الْيُسْرَ حَتَّى فِي الْأَسْمَاءِ، وَكَرِهَ الْعُسْرَ وَالْعُنْفَ حَتَّى فِي الْأَسْمَاءِ -أَيْضًا-.

يَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ اسْمِ (حَرْبٍ)، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللهِ: عَبْدُ اللهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا: حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا: حَرْبٌ وَمُرَّةُ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ)) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللهِ: عَبْدُ اللهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَمِنَ الْمُهِمِّ أَنْ نُنَبِّهَ هَاهُنَا إِلَى أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يُسَمُّونَ بَعْضَ أَبْنَائِهِمْ بِاسْمٍ قَبِيحٍ؛ لِيَمْنَعَ عَنْهُ الْحَسَدَ، أَوْ لِيَعِيشَ الْوَلَدُ، وَلَا يَمُوتَ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَهَذَا الصَّنِيعُ فِيهِ جَهْلٌ مُرَكَّبٌ؛ فَفَوْقَ قُبْحِ الِاسْمِ فَهِيَ عَقِيدَةٌ فَاسِدَةٌ لَا تُغْنِي عَنِ الْوَلَدِ شَيْئًا، إِضَافَةً إِلَى أَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ أَنْ يَأْخُذَ الْمُسَمَّى نَصِيبًا مِنَ اسْمِهِ، فَإِنْ كَانَ اسْمُهُ كَئِيبًا كَانَتِ الْكَآبَةُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ اسْمُهُ ذَمِيمًا رَأَيْتَ مِنْ ذَلِكَ فِيهِ.

وَقَلَّمَا أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ ذَا لَقَبٍ       =       إِلَّا وَمَعْنَاهُ إِنْ فَكَّرْتَ فِي لَقَبِهِ

وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ تَسْمِيَةِ الْأَبْنَاءِ بِأَسْمَاءٍ قَبِيحَةٍ أَوْ غَيْرِ جَائِزَةٍ، عَنْ سَمُرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَا تُسَمِيَنَّ غُلَامَكَ يَسَارًا، وَلَا رَبَاحًا، وَلَا نَجِيحًا، وَلَا أَفْلَحَ؛ فَإِنَّكَ تَقُولُ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَلَا يَكُونُ، فَيُقَالُ: لَا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَه بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، عَنْ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَأَنْهَيَنَّ أَنْ يُسَمَّى رَافِعًا، وَبَرَكَةً، وَيَسَارًا)).

وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنْ عِشْتُ زَجَرْتُ أَنْ يُسَمَّى بَرَكَةً وَيَسَارًا وَنَافِعًا)).

قَالَ جَابِرٌ: ((لَا أَدْرِي ذَكَرَ رَافِعًا أَمْ لَا، إِنَّهُ يُقَالُ: هَاهُنَا بَرَكَةٌ؟ فَيُقَالُ: لَا، وَيُقَالُ: هَاهُنَا يَسَارٌ؟ فَيُقَالُ: لَا، قَالَ: فَقُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَمْ يَزْجُرْ عَنْ ذَلِكَ، فَأَرَادَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنْ يَزْجُرَ عَنْهُ ثُمَّ تَرَكَهُ)). أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَابْنُ مَاجَه، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

* وَلَقَدْ نَظَّمَ الْإِسْلَامُ شَأْنَ الرَّضَاعِ تَنْظِيمًا بَالِغَ الدِّقَّةِ، يُرَاعَى فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةُ الطِّفْلِ الْجَسَدِيَّةُ وَالنَّفْسِيَّةُ مَعًا، فَجَعَلَ لَهُ أَحْكَامًا وَاضِحَةً تَحْفَظُ حَقَّهُ فِي التَّغْذِيَةِ وَالرِّعَايَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ مُنْذُ اللَّحَظَاتِ الْأُولَى مِنْ حَيَاتِهِ، قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: ٢٣٣].

فَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ مُدَّةَ الرَّضَاعِ الْكَامِلَةَ عَامَانِ، وَهِيَ الْمُدَّةُ الَّتِي تَكْتَمِلُ فِيهَا حَاجَةُ الطِّفْلِ إِلَى لَبَنِ الْأُمَّ، بِمَا يَحْمِلُهُ مِنْ غِذَاءٍ مُتَوَازِنٍ، وَحِمَايَةٍ مَنَاعِيَّةٍ، وَأَثَرٍ نَفْسِيٍّ عَمِيقٍ فِي بِنَاءِ شَخْصِيَّتِهِ وَاسْتِقْرَارِهِ الْعَاطِفِيِّ.

وَلَمْ يَقِفِ التَّوْجِيهُ الْقُرْآنِيُّ عِنْدَ حَدِّ التَّغْذِيَةِ، بَلْ شَمِلَ تَوْفِيرَ الْبِيئَةِ الْآمِنَةِ لِلرَّضِيعِ، فَقَالَ -سُبْحَانَهُ- فِي السِّيَاقِ نَفْسِهِ: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: ٢٣٣]؛ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ اسْتِقْرَارَ الْأُمِّ وَطُمَأْنِينَتَهَا وَنَفَقَتَهَا مِنْ مَسْؤُولِيَّةِ الْأَبِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْعَكِسُ مُبَاشَرَةً عَلَى صِحَّةِ الطِّفْلِ وَنُمُوِّهِ.

وَجَاءَتِ السُّنَّةُ الْمُشَرَّفَةُ مُؤَكِّدَةً لِهَذَا الْمَعْنَى؛ فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ)).  رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

وَفِيهِ: تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ مِنَ التَّفْرِيطِ فِي حُقُوقِ الصِّغَارِ، وَمِنْ أَعْظَمِهَا حَقُّهُمْ فِي الرِّعَايَةِ وَالرَّضَاعِ.

* وَلَمْ تَقِفْ عِنَايَةُ الْإِسْلَامِ عِنْدَ حِفْظِ حَيَاةِ الطِّفْلِ فَحَسْبُ، بَلْ أَثْبَتَتْ لَهُ حُقُوقًا مَالِيَّةً؛ فَقَرَّرَتْ لَهُ حَقَّهُ فِي الْمِيرَاثِ، فَيُحْفَظُ نَصِيبُهُ وَيُنْتَظَرُ أَمْرُهُ حَتَّى يُولَدَ؛ تَأْكِيدًا لِاعْتِبَارِ وُجُودِهِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ مَا يَزَالُ فِي رَحِمِ أُمِّهِ.

* وَالتَّعْلِيمُ مِنْ حُقُوقِ الطِّفْلِ الْأَسَاسِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ؛ فَقَدْ أَوْلَى اللهُ الْعِلْمَ مَنْزِلَةً عَظِيمَةً، فَقَالَ تَعَالَى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: ١].

وَهِيَ أَوَّلُ كَلِمَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ؛ تَأْكِيدًا عَلَى أَنَّ التَّعَلُّمَ حَقٌّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مُنْذُ الصِّغَرِ، وَالْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ وَفَضْلِ أَهْلِهِ كَثِيرَةٌ.

وَأَكَّدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى هَذَا الْحَقِّ فَقَالَ: ((طَلَبُ ‌الْعِلْمِ ‌فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

فَشَمِلَ ذَلِكَ الْأَطْفَالَ -أَيْضًا-، وَجَعَلَ وَاجِبًا عَلَى الْأَهْلِ تَوْفِيرَ الْبِيئَةِ الْمُنَاسِبَةِ لِلتَّعْلِيمِ.

وَالتَّعْلِيمُ فِي الْإِسْلَامِ يَشْمَلُ الْعُلُومَ الدِّينِيَّةَ وَالدُّنْيَوِيَّةَ، وَيَهْدِفُ إِلَى بِنَاءِ شَخْصِيَّةِ الطِّفْلِ، وَتَنْمِيَةِ عَقْلِهِ، وَتَمْكِينِهِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَالْوَاجِبِ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ وَسَائِلِ صَلَاحِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

وَمِنْ أَوْجَبِ الْوَاجِبَاتِ: تَشْجِيعُ الطِّفْلِ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَحِفْظِهِ، وَرَبْطِهِ بِمَعَانِي الْآيَاتِ الَّتِي تُنَظِّمُ حَيَاةَ الْمُسْلِمِ.

وَكَذَلِكَ -أَيْضًا-: تَعْزِيزُ حُبِّ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لَدَى الْأَطْفَالِ؛ فَالْقُرْآنُ الْمَجِيدُ هُوَ مَصْدَرُ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الْفُصْحَى وَأَسَاسُهَا وَحَامِيهَا، عِنْدَمَا يَتَعَلَّمُ الطِّفْلُ الْقُرْآنَ؛ يَزْدَادُ ارْتِبَاطُهُ بِلُغَتِهِ الْأُمِّ، وَيَكْتَسِبُ مَهَارَاتٍ لُغَوِيَّةً تُسَاعِدُهُ عَلَى التَّعْبِيرِ بِشَكْلٍ أَفْضَلَ فِي مُخْتَلَفِ مَجَالَاتِ الْحَيَاةِ.

* وَمِنْ حُقُوقِ الطِّفْلِ فِي الْإِسْلَامِ أَنْ يُرَبَّى مُنْذُ صِغَرِهِ عَلَى الْقِيَمِ الْفَاضِلَةِ وَالْعِبَادَاتِ؛ فَالتَّرْبِيَةُ عَلَى الصَّلَاةِ، وَحِفْظِ الْحُقُوقِ، وَغَرْسِ الْفَضَائِلِ فِي الْقَلْبِ مُنْذُ الصِّغَرِ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَضْمَنُ لَهُ سَعَادَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «‌مُرُوا ‌أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ».

فَالتَّعْوِيدُ عَلَى الطَّاعَاتِ يَبْدَأُ بِالْقُدْوَةِ وَاللِّينِ، وَيُكْمَلُ بِالتَّوْجِيهِ وَالْمِثَالِ الْحَسَنِ.

كَمَا يَجِبُ غَرْسُ الرَّحْمَةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَدْلِ فِي نَفْسِهِ؛ لِيَكْبُرَ طِفْلًا صَالِحًا، يَتَعَامَلُ مَعَ النَّاسِ بِالْحَقِّ، وَيَكُونَ عُضْوًا فَاعِلًا فِي مُجْتَمَعِهِ؛ لِأَنَّ الطِّفْلَ الَّذِي يُرْشَدُ مُنْذُ الصِّغَرِ إِلَى الْخَيْرِ يَكُونُ حِصْنًا مِنَ الْفَسَادِ، وَيَكُوِّنُ جِيلًا يَحْمِلُ نُورَ الْإِسْلَامِ فِي حَيَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ.

وَكَذَلِكَ تَحْصِينُ الْأَطْفَالِ مِنَ الْأَفْكَارِ الدَّخِيلَةِ؛ فَيُرَبَّى الطِّفْلُ عَلَى التَّفْكِيرِ السَّلِيمِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِي ظِلِّ وُجُودِ الْعَدِيدِ مِنَ الْأَفْكَارِ وَالْمُغْرِيَاتِ.

((نَصَائِحُ فِي تَرْبِيَةِ الْأَطْفَالِ))

وَاعْلَمْ أَنَّ الطَّرِيقَةَ فِي رِيَاضَةِ الصِّبْيَانِ مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ وَأَوْكَدِهَا.

وَالصَّبِيُّ أَمَانَةٌ عِنْدَ وَالِدَيْهِ، وَقَلْبُهُ الطَّاهِرُ جَوْهَرَةٌ نَفِيسَةٌ، فَإِنْ عُوِّدَ الْخَيْرَ وَعُلِّمَهُ نَشَأَ عَلَيْهِ، وَسَعِدَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ عُوِّدَ الشَّرَّ وَأُهْمِلَ إِهْمَالَ الْبَهَائِمِ شَقِيَ وَهَلَكَ.

وَصِيَانَتُهُ: بِأَنْ يُؤَدِّبَهُ أَبُوهُ، وَيُهَذِّبَهُ وَيُعَلِّمَهُ مَحَاسِنَ الْأَخْلَاقِ، وَيَحْفَظَهُ مِنْ قُرَنَاءِ السُّوءِ، وَمَهْمَا رَأَى فِيهِ مَخَايِلَ التَّمْيِيزِ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُحْسِنَ مُرَاقَبَتَهُ، وَأَوَّلُ ذَلِكَ: ظُهُورُ أَوَائِلِ الْحَيَاءِ؛ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ يَحْتَشِمُ وَيَسْتَحِي وَيَتْرُكُ بَعْضَ الْأَفْعَالِ فَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِإِشْرَاقِ نُورِ الْعَقْلِ عَلَيْهِ، حَتَّى يَرَى بَعْضَ الْأَشْيَاءِ قَبِيحًا وَمُخَالِفًا لِلْبَعْضِ، فَصَارَ يَسْتَحِي مِنْ شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ مِنَ اللهِ -تَعَالَى- إِلَيْهِ، وَبِشَارَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْأَخْلَاقِ وَصَفَاءِ الْقَلْبِ، وَهُوَ مُبَشر بِكَمَالِ الْعَقْلِ عِنْدَ الْبُلُوغِ، فَالطِّفْلُ الْمُسْتَحِيي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُهْمَلَ، بَلْ يُسْتَعَانُ عَلَى تَأْدِيبِهِ بِحَيَائِهِ وَتَمْيِيزِهِ.

وَإِنَّ الصَّبِيَّ إِذَا أُهْمِلَ فِي ابْتِدَاءِ نَشْأَتِهِ خَرَجَ فِي الْأَغْلَبِ رَدِيءَ الْأَخْلَاقِ؛ كَذَّابًا، حَسُودًا، سَرُوقًا، نَمَّامًا، لَحُوحًا، ذَا فَضُولٍ، وَضَحِكٍ، وَكَيْدٍ، وَمُجَانَةٍ.

وَإِنَّمَا يُحْفَظُ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ بِحُسْنِ التَّأْدِيبِ، ثُمَّ يُشْغَلُ فِي الْمَكْتَبِ فَيَتَعَلَّمُ الْقُرْآنَ، وَأَحَادِيثَ الْأَخْيَارِ، وَحِكَايَاتِ الْأَبْرَارِ وَأَحْوَالَهُمْ؛ لِيَنْغَرِسَ فِي نَفْسِهِ حُبُّ الصَّالِحِينَ.

 ثُمَّ مَهْمَا ظَهَرَ مِنَ الصَّبِيِّ خُلُقٌ جَمِيلٌ وَفِعْلٌ مَحْمُودٌ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُكْرَمَ عَلَيْهِ وَيُجَازَى عَلَيْهِ بِمَا يُفْرِحُهُ، وَأَنْ يُمْدَحَ بَيْنَ أَظْهُرِ النَّاسِ.

فَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ مَرَّةً وَاحِدَةً يَنْبَغِي أَنْ يَتَغَافَلَ عَنْهُ أَبُوهُ، وَلَا يَهْتِكَ سِتْرَهُ، وَلَا يُكَاشِفَهُ، لَا سِيَّمَا إِذَا سَتَرَهُ الصَّبِيُّ وَاجْتَهَدَ فِي إِخْفَائِهِ.

وَإِنْ عَادَ ثَانِيَةً يَنْبَغِي أَنْ يُعَاتَبَ سِرًّا، وَأَنْ يُقَالَ لَهُ: إِيَّاكَ أَنْ تَعُودَ بَعْدَ ذَلِكَ لِمِثْلِ هَذَا فَتُفْتَضَحَ بَيْنَ النَّاسِ.

وَلَا تُكْثِرِ الْقَوْلَ عَلَيْهِ بِالْعِتَابِ فِي كُلِّ حِينٍ؛ فَإِنَّهُ يُهَوِّنُ عَلَيْهِ سَمَاعَ الْمَلَامَةِ وَرُكُوبَ الْقَبَائِحِ، وَيُسْقِطُ وَقْعَ الْكَلَامِ مِنْ قَلْبِهِ، وَلْيَكُنْ حَافِظًا هَيْبَةَ الْكَلَامِ مَعَهُ، فَلَا يُوَبِّخُهُ إِلَّا أَحْيَانًا، وَالْأُمُّ تُخَوِّفُهُ بِالْأَبِ، وَتَزْجُرُهُ عَنِ الْقَبَائِحِ.

وَيُعَوَّدُ فِي بَعْضِ النَّهَارِ الْمَشْيَ وَالْحَرَكَةَ وَالرِّيَاضَةَ؛ حَتَّى لَا يَغْلِبَ عَلَيْهِ الْكَسَلُ.

وَيُمْنَعُ مِنْ أَنْ يَفْتَخِرَ عَلَى أَقْرَانِهِ بِشَيْءٍ مِمَّا يَمْلِكُهُ وَالِدُهُ، بَلْ يُعَوَّدُ التَّوَاضَعَ، وَإِكْرَامَ كُلِّ مَنْ عَاشَرَهُ، وَالتَّلَطُّفَ فِي الْكَلَامِ مَعَهُ.

وَيُعَلَّمُ أَنَّ الرِّفْعَةَ فِي الْإِعْطَاءِ لَا فِي الْأَخْذِ، وَأَنَّ الْأَخْذَ لُؤْمٌ وَخِسَّةٌ وَدَنَاءَةٌ.

وَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ الْفُقَرَاءِ يُعَلَّمُ أَنَّ الطَّمَعَ وَالْأَخْذَ مَهَانَةٌ وَذِلَّةٌ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ دَأْبِ الْكَلْبِ فَإِنَّهُ يُبَصْبِصُ بِذَنَبِهِ فِي انْتِظَارِ لُقْمَةٍ!

وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّدَ الطِّفْلُ أَلَّا يَبْصُقَ فِي مَجْلِسِهِ، وَلَا يَتَمَخَّضَ، وَأَلَّا يَتَثَاءَبَ بِحَضْرَةِ غَيْرِهِ، وَلَا يَسْتَدْبِرَ غَيْرَهُ، وَلَا يَضَعَ رِجْلًا عَلَى رِجْلٍ، وَلَا يَضَعَ كَفَّهُ تَحْتَ ذَقْنِهِ، وَأَلَّا يَعْمِدَ بِرَأْسِهِ عَلَى سَاعِدِهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ الْكَسَلِ.

وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَلَّمَ كَيْفِيَّةَ الْجُلُوسِ، وَأَنْ يُمْنَعَ كَثْرَةَ الْكَلَامِ، وَأَنْ يُبَيَّنَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْوَقَاحَةِ.

وَيُمْنَعُ مِنَ الْحَلَفِ رَأْسًا صَادِقًا كَانَ أَوْ كَاذِبًا؛ حَتَّى لَا يَعْتَادَ ذَلِكَ مِنَ الصِّغَرِ.

وَيُمْنَعُ أَنْ يَبْتَدِأَ بِالْكَلَامِ، وَيُعَوَّدُ أَلَّا يَتَكَلَّمَ إِلَّا جَوَابًا وَبِقَدْرِ السُّؤَالِ, وَأَنْ يُحْسِنَ الِاسْتِمَاعَ مَهْمَا تَكَلَّمَ غَيْرُهُ مِمَّنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا.

وَأَنْ يَقُومَ لِمَنْ فَوْقَهُ، وَيُوَسِّعَ لَهُ الْمَكَانَ، وَيَجْلِسَ بَيْنَ يَدَيْهِ.

وَأَنْ يُمْنَعَ مِنْ لَغْوِ الْكَلَامِ وَفُحْشِهِ، وَمِنَ اللَّعْنِ وَالسَّبِّ، وَمِنْ مُخَالَطَةِ مَنْ يَجْرِي عَلَى  لِسَانِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْرِي -لَا مَحَالَةَ- مِنْ قُرَنَاءِ السُّوءِ، وَأَصْلُ تَأْدِيبِ الصِّبْيَانِ الْحِفْظُ مِنْ قُرَنَاءِ السُّوءِ.

وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَلَّمَ طَاعَةَ وَالِدَيْهِ وَمُعَلِّمِهِ وَمُؤَدِّبِهِ وَكُلِّ مَنْ هُوَ أَكْبَرَ مِنْهُ سِنًّا مِنْ قَرِيبٍ أَوْ أَجْنَبِيٍّ.

وَمَهْمَا بَلَغَ سِنَّ التَّمْيِيزِ يَنْبَغِي أَلَّا يُسَامَحَ فِي تَرْكِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ، بَلْ يُؤْمَرُ بِالصَّوْمِ فِي بَعْضِ أَيَّامِ رَمَضَانَ، فَأَوَائِلُ الْأُمُورِ هِيَ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تُرَاعَى؛ فَإِنَّ الصَّبِيَّ بِجَوْهَرِهِ خُلِقَ قَابِلًا لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ جَمِيعًا، وَإِنَّمَا أَبَوَاهُ يَمِيلَانِ بِهِ إِلَى أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، قَالَ ﷺ: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَإِنَّمَا أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

 ((حُسْنُ مُعَامَلَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْأَطْفَالِ))

وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عَطُوفًا رَحِيمًا بِالْأَطْفَالِ، لِدَرَجَةٍ تَلْفِتُ النَّظَرَ فِي الْبِيئَةِ الْعَرَبِيَّةِ، يَصْحَبُ مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ، وَهِيَ ابْنَةُ ابْنِتِهِ زَيْنَبَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-، تُقَامُ الصَّلَاةُ، فَيَحْمِلُهَا وَيَقِفُ، وَيَقْرَأُ، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا عَلَى أَرْضِ الْمَسْجِدِ، يَخْشَى عَلَيْهَا أَنْ تَقَعَ مِنْهُ عِنْدَ الرُّكُوعِ، وَيَسْجُدُ بِجِوَارِهَا، فَإِذَا قَامَ لِلرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ حَمَلَهَا، وَهَكَذَا حَتَّى يُكْمِلَ صَلَاتَهُ، وَابْنَةُ ابْنَتِهِ عَلَى كَتِفِهِ وَصَدْرِهِ.

وَأَمَامَ الْوُفُودِ وَأَكَابِرِ الْقَوْمِ يُقَبِّلُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ -ابْنَيْ فَاطِمَةَ- -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، فَيَعْجَبُ الْكُبَرَاءُ وَيَقُولُونَ: ((أَهَكَذَا تُقَبِّلُونَ أَطْفَالَكُمْ؟!)).

فَيَقُولُ: ((نَعَمْ)).

فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: ((إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْأَبْنَاءِ مَا قَبَّلْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ)).

فَيَقُولُ ﷺ: ((وَمَاذَا أَفْعَلُ؟ وَمَا ذَنْبِي إِذَا كَانَ اللهُ قَدْ نَزَعَ مِنْ قُلُوبِكُمُ الرَّحْمَةَ؟ أَمَّا نَحْنُ فَقَدْ غَرَسَ اللهُ الرَّحْمَةَ فِي قُلُوبِنَا)) ﷺ.

أَمَّا حَفِيدَتُهُ أُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ؛ فَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهْوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلأَبِي الْعَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَأَمَّا الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ؛ فَعَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ قَالَ: ((خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ - الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ - وَهُوَ حَامِلُ الحَسَنِ أَوْ الْحُسَيْنِ، فَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فَوَضَعَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ فَصَلَّى، فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا، قَالَ: فرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَرَجَعْتُ فِي سُجُودِي، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الصَّلَاةَ، قَالَ النَّاسُ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَيِ الصَّلَاةِ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ، أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ؟)).

قَالَ: ((كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعْجِلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ.

 

وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سُوقٍ مِنْ أَسْوَاقِ الْمَدِينَةِ، فَانْصَرَفَ فَانْصَرَفْتُ فَقَالَ: «أَيْنَ لُكَعُ؟ -قَالَهَا ثَلاَثًا- ادْعُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِىٍّ».

((فَقَامَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ يَمْشِى وَفِى عُنُقِهِ السِّخَابُ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ بِيَدِهِ هَكَذَا، فَقَالَ الْحَسَنُ: بِيَدِهِ هَكَذَا، فَالْتَزَمَهُ -أَيْ: ضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ- فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ».

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ((فَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَىَّ مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِىٍّ بَعْدَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَ ((لُكَعُ)) مَعْنَاهُ: الصَّغِيرُ.

((السِّخَابُ)): الْقِلَادَةُ مِنْ طِيبٍ لَيْسَ فِيهَا ذَهَبٌ وَلَا فِضَّةٌ، أَوْ مِنْ خَرَزٍ أَوْ قُرُنْفُلٍ.

((فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ هَكَذَا)) أَيْ: بَسَطَهَا كَمَا هُوَ عَادَةُ مَنْ يُرِيدُ الْمُعَانَقَةَ.

((فَقَالَ الْحَسَنُ بِيَدِهِ هَكَذَا)): فَبَسَطَ يَدَهُ كَذَلِكَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

 كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عَظِيمِ قَدْرِهِ وَعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ عَلَى الْأَطْفَالِ؛ حُبًّا لَهُمْ، وَرِفْقًا بِهِمْ، وَتَلَطُّفًا مَعَهُمْ، وَلِإِشْعَارِهِمْ بِمَكَانَتِهِمْ، وَإِعْطَائِهِمُ الثِّقَةَ بِأَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ مَدَحَهُمْ وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ.

قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي صَغِيرٍ: ((يَا أَبَا عُمَيْرٍ! مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟!)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ، قَالَ: أَحْسِبُهُ فَطِيمًا، وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَالَ: ((يَا أَبَا عُمَيْرٍ! مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟!))، نُغَرٌ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ، فَرُبَّمَا حَضَرَ الصَّلَاةَ وَهُوَ فِي بَيْتِنَا، فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الَّذِي تَحْتَهُ فَيُكْنَسُ وَيُنْضَحُ، ثُمَّ يَقُومُ وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّي بِنَا)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَفِي رِوَايَةٍ: ((فَكَانَ إِذَا جَاءَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ يُمَازِحُهُ)).

وَ ((النُّغَيْرُ)) -مُصَغَّرٌ-: طَيْرٌ صَغِيرٌ مَعْرُوفٌ، يُشْبِهُ الْعُصْفُورَ، لَهُ مِنْقَارٌ أَحْمَرُ.

وَعَنْ سَيَّارٍ قَالَ: ((كُنْتُ أَمْشِي مَعَ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ فَمَرَّ بِصِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَحَدَّثَ أَنَسٌ: أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي مَعَ رسول الله ﷺ، فَمَرَّ بِصِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَحْمَدُ وَاللَّفْظُ لَهُ.

وَلَفْظُهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَالْبَغَوِيِّ: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَزُورُ الْأَنْصَارَ، وَيُسَلِّمُ عَلَى صِبْيَانِهِمْ، وَيَمْسَحُ بِرُؤُوسِهِمْ)).

وَكَانَ ﷺ لَا يَأْنَفُ مِنَ الْأَكْلِ مَعَ الصِّغَارِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ رَأَى مِنْهُمْ مُخَالَفَةً لِلْأَدَبِ كَانَ يَنْصَحُ لَهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ بِمَا يُصْلِحُهُمْ؛ فَقَدْ نَصَحَ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ بِآدَابِ الطَّعَامِ بِلِينٍ وَرِفْقٍ وَرَحْمَةٍ لَمَّا رَأَى مِنْهُ مُخَالَفَةَ الْأَدَبِ فِي الطَّعَامِ.

عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: ((كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((يَا غُلَامُ! سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَكَانَ مِنْ دَأْبِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا وُلِدَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَدٌ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَيَأْخُذُهُ النَّبِيُّ وَيُقَبِّلُهُ، وَيَضُمُّهُ إِلَيْهِ، وَيَدْعُو لَهُ بِالْبَرَكَةِ.

عَنْ أَبِي مُوسَى -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((وُلِدَ لِي غُلاَمٌ، فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ، فَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ، وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ، وَدَفَعَهُ إِلَيَّ، وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِ أَبِي مُوسَى)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ وَيُحَنِّكُهُمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ.

أَمَّا بَعْدُ:

((خُطُورَةُ الْأَلْعَابِ الْإِلِكْتُرُونِيَّةِ))

فَالْأَلْعَابُ الْإِلِكْتُرُونِيَّةُ لَمْ تَعُدْ مُجَرَّدَ وَسِيلَةِ تَرْفِيهٍ عَابِرَةٍ، بَلْ تَحَوَّلَتْ -خَاصَّةً عِنْدَ الْأَطْفَالِ- إِلَى إِدْمَانٍ حَقِيقِيٍّ يُهَدِّدُ التَّرْبِيَةَ، وَيُؤَثِّرُ فِي صِحَّةِ الْأَطْفَالِ وَسُلُوكِهِمْ وَتَعْلِيمِهِمْ، وَرُبَّمَا تُدَمِّرُ طَرِيقَةَ تَفْكِيرِهِمْ، وَتُصِيبُهُمْ بِسَطْحِيَّةِ الْفِكْرِ، وَتَغْرِسُ بُذُورَ الْعُنْفِ فِي نُفُوسِهِمْ.

((التَّفْصِيلُ فِي حُكْمِ الْأَلْعَابِ الْإِلِكْتُرُونِيَّةِ))

وَالْأَلْعَابُ الَّتِي يُبَاشِرُهَا الْأَطْفَالُ إِنْ كَانَتْ تُسَاعِدُهُ فِي تَنْمِيَةِ الْمَلَكَاتِ، أَوْ تَوْسِعَةِ الْقُدُرَاتِ الذِّهْنِيَّةِ، أَوْ فِي أَيِّ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ النَّفْعِ الْمُعْتَدِّ بِهَا شَرْعًا وَعُرْفًا، أَوْ كَانَتْ وَسِيلَةً لِلتَّرْوِيحِ عَنِ النَّفْسِ، شَرِيطَةَ أَلَّا يَحْتَوِيَ عَلَى مُحَرَّمٍ كَالْقِمَارِ، مَعَ ضَرُورَةِ مُرَاقَبَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ لَهُمْ عَنْ كَثَبٍ حَتَّى لَا تُؤَثِّرَ بِالسَّلْبِ عَلَى الطِّفْلِ نَفْسِيًّا أَوْ سُلُوكِيًّا، وَيَخْتَارُ لَهُ مِنَ الْأَلْعَابِ مَا يُنَاسِبُ عُمُرَهُ وَحَالَهُ، وَيُفِيدُ فِي تَرْبِيَتِهِ وَبِنَائِهِ عَقْلِيًّا وَذِهْنِيًّا وَأَخْلَاقِيًّا، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي أَوْقَاتٍ مُحَدَّدَةٍ؛ كَيْ لَا يَنْشَغِلَ الْأَطْفَالُ بِهَا عَنْ أَدَاءِ وَاجِبَاتِهِمُ الْمَنُوطَةِ بِهِمْ، أَوْ يُؤَثِّرَ عَلَى صِحَّتِهِمْ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ دِينٌ يُعْطِي كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ مِنَ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «...، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

فَقَدْ أَقَرَّ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْأَلْعَابِ، وَشَجَّعَ عَلَيْهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ عَلَيْنَا وَلِي أَخٌ صَغِيرٌ يُكْنَى أَبَا عُمَيْرٍ، وَكَانَ لَهُ نُغَرٌ يَلْعَبُ بِهِ، فَمَاتَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَرَآهُ حَزِينًا، فَقَالَ: «مَا شَأْنُهُ؟».

قَالُوا: ((مَاتَ نُغَرُهُ)).

فَقَالَ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ! مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

أَمَّا إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَلْعَابُ الَّتِي يَلْعَبُ بِهَا الْأَطْفَالُ فِيهَا ضَرَرٌ عَلَى عُقُولِهِمْ أَوْ أَبْدَانِهِمْ، أَوْ تَحْتَوِي عَلَى مَحْظُورَاتٍ وَمُخَالَفَاتٍ مَنْهِيٍّ عَنْهَا كَالْمُقَامَرَةِ، أَوْ تُشَجِّعُ عَلَى ارْتِكَابِ الرَّذِيلَةِ، أَوْ تَنْشُرُ الْإِبَاحِيَّةَ الْجِنْسِيَّةَ، أَوْ تُرَوِّجُ لِأُمُورٍ مُخِلَّةٍ بِالْقِيَمِ وَالْأَعْرَافِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، أَوْ تَهْدِمُ الْهُوِيَّةَ، وَتَمَسُّ الْمُقَدَّسَاتِ الدِّينِيَّةَ، أَوْ تَحُثُّ الْأَطْفَالَ عَلَى الْقَتْلِ وَالْعُنْفِ وَالْعُدْوَانِ، أَوِ انْتِهَاكِ خُصُوصِيَّاتِ الْآخَرِينَ، أَوْ تَنْشُرُ مَفَاهِيمَ مُخَالِفَةً لِلْإِسْلَامِ وَمَبَادِئِهِ؛ فَلَا خِلَافَ عَلَى حُرْمَتِهَا وَمَنْعِهَا -قَوْلًا وَاحِدًا-.

((الْمُخَالَفَاتُ الْغَالِبَةُ عَلَى الْأَلْعَابِ الْإِلِكْتُرُونِيَّةِ))

وَالسِّمَةُ الْعَامَّةُ لِلْأَلْعَابِ الْإِلِكْتُرُونِيَّةِ بِكَافَّةِ أَنْوَاعِهَا: امْتِلَاؤُهَا بِالْمُخَالَفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ؛ سَوَاءٌ الْعَقَدِيَّةُ، أَوِ الْأَخْلَاقِيَّةُ، أَوِ التَّشْرِيعِيَّةُ.

وَيُمْكِنُ تَقْسِيمُ الْمُخَالَفَاتِ الْوَارِدَةِ فِي هَذِهِ الْأَلْعَابِ كَالْآتِي:

* الْمُخَالَفَاتُ الْعَقَدِيَّةُ وَالْفِكْرِيَّةُ:

- حَيْثُ يُعْرَضُ فِي بَعْضِ الْأَلْعَابِ تَصْوِيرُ آلِهَةٍ بَاطِلَةٍ، كَأَنَّهُ نَازِلٌ مِنَ السَّمَاءِ ذُو جِسْمٍ كَبِيرٍ، وَقَامَةٍ عَالِيَةٍ، وَلِحْيَةٍ طَوِيلَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ -تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُونَ وَيَفْعَلُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا-.

- وَكَذَلِكَ: الْحَثُّ عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِينَ، فَتَجِدُ أَنَّ الْمُسْتَهْدَفَ بِالْقَتْلِ فِي اللُّعْبَةِ وَيُشَارُ إِلَيْهِ بِأَنَّهُ عَدُوٌّ وَيَجِبُ قَتْلُهُ.. تَجِدُهُ يُرَدِّدُ الْكَلِمَاتِ الْعَرَبِيَّةَ، وَيَهْتِفُ: اللهُ أَكْبَرُ، وَيَتَكَلَّمُ عَنِ الشَّهَادَةِ.

- كَذَلِكَ: إِطْلَاقُ الرَّصَاصِ وَالْقَذَائِفِ عَلَى الْمَسَاجِدِ، وَقَتْلُ مَنْ يَحْتَمِي بِهَا.

- وَفِي تِلْكَ الْأَلْعَابِ -أَيْضًا-: تَمْزِيقُ الْكُتُبِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي يَظْهَرُ عَلَى بَعْضِهَا جَلِيًّا اسْمُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، أَوْ رَمْيُ الْكُتُبِ وَالْمَخْطُوطَاتِ الْعِلْمِيَّةِ، وَالْمَشْيُ عَلَيْهَا وَوَطْأُهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ بِتَصْوِيرٍ دَقِيقٍ وَمُحَاكَاةٍ وَاضِحَةٍ!

- كَذَلِكَ: وُجُودُ الْأَصْنَامِ، كَصَنَمِ بُوذًا -مَثَلًا- فِي عَدَدٍ مِنَ الْأَشْرِطَةِ وَاللُّعْبَاتِ، سَوَاءٌ كَخَلْفِيَّةٍ لِلْعُبَةِ، أَوْ كَمَنْظَرٍ فِي الطَّرِيقِ، أَوْ تُحْفَةٍ فِي الْمَنْزِلِ.

* وَأَمَّا الْمُخَالَفَاتُ الْأَخْلَاقِيَّةُ:

- فَمِنْهَا: وُجُودُ الْعُرْيِ فِي أَكْثَرِ مَرَاحِلِ اللَّعِبِ وَفِي أَغْلَبِ الْأَشْرِطَةِ.

- انْتِشَارُ الْبَارَاتِ وَالْمَرَاقِصِ عَلَى جَنَبَاتِ الطَّرِيقِ؛ مِنْهَا مَا هُوَ مُغْلَقٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مَفْتُوحٌ يَسْتَطِيعُ اللَّاعِبُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا، وَأَنْ يُشَاهِدَ الْخُمُورَ وَالْعُرْيَ وَالرَّاقِصَاتِ، وَيَرْمِي عَلَيْهِنَّ الْمَالَ، بَلْ وَيُمَارِسُ مَعَهُنَّ الْفَاحِشَةَ بِشَكْلٍ وَاضِحٍ جِدًّا.

- وَكَذَلِكَ الدَّعْوَةُ لِتَعَاطِي الْمُخَدِّرَاتِ، وَالْإِيحَاءُ بِاكْتِسَابِ اللَّاعِبِ الْقُوَّةَ حِينَ يَتَعَاطَى هَذِهِ الْحُبُوبَ وَالْمُخَدِّرَاتِ.

- كَذَلِكَ فِي تِلْكَ الْأَلْعَابِ مِنَ السَّوْءَاتِ الْأَخْلَاقِيَّةِ: لَعِبُ الْقِمَارُ، وَإِلْزَامُ اللَّاعِبِ بِذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَلْعَابِ لِتَخَطِّي الْمَرَاحِلِ.

- وَفِيهَا: السِّبَابُ وَالشَّتَائِمُ السَّيِّئَةُ بَيْنَ الشَّخْصِيَّاتِ فِي اللُّعْبَةِ أَثْنَاءَ اللَّعِبِ، سَوَاءٌ بِالْكَلِمَاتِ الْمَعْرُوفَةِ بِاللُّغَةِ الْإِنْجِلِيزِيَّةِ أَوْ بِالْكَلِمَاتِ الْعَرَبِيَّةِ، وَظُهُورُ بَعْضِ الْحَرَكَاتِ الْجِنْسِيَّةِ السَّيِّئَةِ السُّوقِيَّةِ بِالْيَدِ وَالْجِسْمِ فِي أَثْنَاءِ اللَّعِبِ.

وَأَمَّا الْمُخَالَفَاتُ السُّلُوكِيَّةُ: فَهَذِهِ الْأَلْعَابُ تَتَضَمَّنُ عَدَدًا مِنَ الْآثَارِ السُّلُوكِيَّةِ السَّيِّئَةِ الَّتِي أَكَّدَتْهَا الدِّرَاسَاتُ الْمُتَخَصِّصَةُ:

- فَفِيهَا: تَنَامِي رُوحِ الْعُنْفِ وَالْعِدَاءِ، وَحُبُ الِانْتِقَامِ، وَالْمُشَاجَرَاتُ لَدَى اللَّاعِبِ فِي حَيَاتِهِ الْيَوْمِيَّةِ، حَيْثُ يَظْهَرُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَلْعَابِ الْقَتْلُ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ وَأَشْكَالِهِ، وَتَقْطِيعُ الْأَجْسَادِ بِشَكْلٍ وَاضِحٍ بِجَمِيعِ الْأَسْلِحَةِ.

- كَذَلِكَ: التَّهَوُّرُ فِي قِيَادَةِ السَّيَّارَاتِ، وَالْحَثُّ عَلَى التَّمَرُّدِ عَلَى الْأَنْظِمَةِ، وَقَطْعُ الْإِشَارَاتِ، وَالْهُرُوبُ مِنَ الشُّرْطَةِ، بَلْ وَإِطْلَاقُ النَّارِ عَلَيْهِمْ، وَكُلُّ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ فِي اللُّعْبَةِ مِنْ قُوَّةِ اللَّاعِبِ وَاحْتِرَافِهِ.

- كَذَلِكَ فِيهَا: الدَّعْوَةُ إِلَى السَّرِقَةِ، سَوَاءٌ سَرِقَةُ النُّقُودِ أَوْ سَرِقَةُ السَّيَّارَاتِ وَغَيْرِهَا.

- وَدَعْوَةٌ إِلَى جَمِيعِ الظَّوَاهِرِ السَّيِّئَةِ؛ كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْجُدْرَانِ، وَالتَّحَرُّشِ بِالنِّسَاءِ، وَتَدْمِيرِ الْمَحِلَّاتِ وَالزُّجَاجِ، وَالضَّرْبِ بِلَا سَبَبٍ.

- وَهِيَ تُنْمِي رُوحَ الْعُزْلَةِ لَدَى الطِّفْلِ، وَحُبَّ الِانْطِوَاءِ فِيهِ، حَيْثُ لَا يَحْتَاجُ الطِّفْلُ لِمَنْ يَلْعَبُ مَعَهُ فِي الْوَاقِعِ، يَجْلِسُ السَّاعَاتِ الطُّوَالَ أَمَامَ الشَّاشَةِ بِلَا مَلَلٍ وَلَا كَلَلٍ!

((عِلَاجُ إِدْمَانِ الْأَلْعَابِ الْإِلِكْتُرُونِيَّةِ))

وَلِمُوَاجَهَةِ هَذِهِ الْآثَارِ:

* يَجِبُ تَعْلِيمُ الْأَطْفَالِ الْفَرْقَ بَيْنَ الْأَلْعَابِ الْمُفِيدَةِ وَالْمُضِرَّةِ.

* وَأَنْ يُبَيَّنَ لَهُمْ أَثَرُ الْإِدْمَانِ عَلَى التَّحْصِيلِ الدِّرَاسِيِّ وَالصِّحَّةِ النَّفْسِيَّةِ.

* مَعَ رَصْدِ عَلَامَاتِ الْإِدْمَانِ أَوِ التَّشَتُّتِ النَّاتِجِ عَنِ الْأَلْعَابِ، وَمُتَابَعَتُهَا تَرْبَوِيًّا وَصِحِّيًّا.

* وَتَحْدِيدُ أَوْقَاتِ اسْتِخْدَامِ الْأَجْهِزَةِ الْإِلِكْتُرُونِيَّةِ؛ بِوَضْعِ جَدْوَلٍ زَمَنِيٍّ مَرِنٍ لَا يَتَجَاوَزُ سَاعَةً إِلَى سَاعَتَيْنِ يَوْمِيًّا، مَعَ إِشْرَافٍ مُبَاشِرٍ مِنَ الْأَهْلِ.

* وَالرَّقَابَةُ التِّقْنِيَّةُ؛ بِاسْتِخْدَامِ بَرَامِجِ التَّحَكُّمِ الْأَبَوِيِّ، بِتَقْيِيدِ الْأَلْعَابِ الضَّارَّةِ، وَمُرَاقَبَةِ الْوَقْتِ وَالْمُحْتَوَى، مَعَ إِجْرَاءِ الْفُحُوصَاتِ الدَّوْرِيَّةِ لِلْأَطْفَالِ الْمُدْمِنِينَ لِلْأَلْعَابِ؛ لِلْكَشْفِ الْمُبَكِّرِ عَنِ اضْطِرَابَاتِ النَّوْمِ وَالتَّرْكِيزِ وَالسُّلُوكِ الْعُدْوَانِيِّ.

أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَحْفَظَنَا، وَأَنْ يَحْفَظَ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يُحْسِنَ خِتَامَنَا أَجْمَعِينَ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

المصدر: إِدْمَانُ الْأَلْعَابِ الْإِلِكْتُرُونِيَّةِ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  ضَوَابِطُ الْأَسْوَاقِ وَآدَابُهَا
  وا خوفاه على مصر !!
  الْقُوَّةُ وَالثَّبَاتُ فِي مُوَاجَهَةِ التَّحَدِّيَاتِ
  حَقُّ الطِّفْلِ وَالنَّشْءِ وَرِعَايَتُهُ بَيْنَ الضَّرُورِيَّاتِ وَالْحَاجِيَّاتِ وَالتَّحْسِينِيَّاتِ
  أَدَبُ الْحِوَارِ وَالتَّعْبِيرِ عَنِ الرَّأْيِ
  فضل عشر ذي الحجة
  الرد على الملحدين:تحديد الصلة بين المدنية الحديثة والإسلام، وبيان أن العلم الحديث قرآني في موضوعه
  السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ وَمَكَانَتُهَا فِي التَّشْرِيعِ وَرَدُّ شُبُهَاتِ الطَّاعِنِينَ فِيهَا
  الْمِيثَاقُ الْغَلِيظُ وَضَرُورَةُ الْحِفَاظِ عَلَيْهِ
  الْإِسْرَاءُ وَالْمِعْرَاجُ وَآيَاتُ اللهِ الْكُبْرَى
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان