السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ وَمَكَانَتُهَا فِي التَّشْرِيعِ وَرَدُّ شُبُهَاتِ الطَّاعِنِينَ فِيهَا

السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ وَمَكَانَتُهَا فِي التَّشْرِيعِ وَرَدُّ شُبُهَاتِ الطَّاعِنِينَ فِيهَا

السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ وَمَكَانَتُهَا فِي التَّشْرِيعِ

وَرَدُّ شُبُهَاتِ الطَّاعِنِينَ فِيهَا

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّه نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:


السُّنَّةُ الْمَصْدَرُ الثَّانِي فِي التَّشْرِيعِ الْإِسْلَامِيِّ

فَإِنَّ اللهَ -تَعَالَى- أَرْسَلَ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ؛ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَقَدْ بَلَّغَ النَّبِيُّ ﷺ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، وَجَاهَدَ فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ.

وَقَدْ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْوَحْيَيْنِ -بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ-، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيْهِ ﷺ الْحَوْضَ.

أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي ((الْمُسْتَدْرَكِ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللهِ، وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ)). وَالْحَدِيثُ صَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ)) وَفِي ((صَحِيحِ الْجَامِعِ)).

إِنَّ السُّنَّةَ هِيَ الْمَصْدَرُ الثَّانِي مِنْ مَصَادِرِ التَّشْرِيعِ فِي الْإِسْلَامِ، تَأْتِي بَعْدَ الْقُرْآنِ؛ مُفَصِّلَةً لِمُجْمَلِهِ، وَمُخَصِّصَةً لِعَامِّهِ، وَمُقَيِّدَةً لِمُطْلَقِهِ، وَمُبَيِّنَةً لِمُشْكَلِهِ، وَمُفَرِّعَةً عَلَى أُصُولِهِ.

وَالسُّنَّةُ رَكِيزَةٌ رَئِيسَةٌ مِنْ رَكَائِزِ التَّشْرِيعِ، وَمَصْدَرٌ أَصِيلٌ مِنْ مَصَادِرِ الْأَحْكَامِ، وَمَنْهَلٌ عَذْبٌ صَافٍ لِلْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ.


لَمْحَةٌ عَنْ جُهُودِ حِفْظِ السُّنَّةِ مُنْذُ فَجْرِ الرِّسَالَةِ

لَقَدْ حَاوَلَ أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ مُنْذُ أَشْرَقَ فَجْرُ الرِّسَالَةِ أَنْ يَطْمِسُوا نُورَهُ، وَيَحْجُبُوا عَنْ سَمْعِ الزَّمَانِ صَوْتَهُ، وَأَبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ، وَيُظْهِرَ أَمْرَهُ، {وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21].

وَكَانَتْ سُنَّةُ اللهِ فِيمَنْ قَبْلَنَا: أَنْ يَسْتَحْفِظَ أَهْلَ كُلِّ كِتَابٍ عَلَى كِتَابِهِمْ، فَمَا كَانَ مِنْ أُولَئِكَ إِلَّا أَنْ نَسُوا مِنْهُ حَظًّا، وَكَتَمُوا مِنْهُ بَعْضًا، وَمَا نَجَا بَعْدُ مِنَ النِّسْيَانِ وَالْكِتْمَانِ تَنَاوَلُوهُ بِالتَّحْرِيفِ وَالْبُهْتَانِ.

وَأَمَّا الْقُرْآنُ؛ فَلِأَنَّهُ مَنْهَجُ الْبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا حَتَّى يَرِثَ اللهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا.. تَكَفَّلَ اللهُ -تَعَالَى- بِحِفْظِهِ، وَلَمْ يَسْتَحْفِظْ عَلَيْهِ خَلْقَهُ، وَعَصَمَهُ اللهُ أَنْ يَأْتِيَهُ تَغْيِيرٌ أَوْ تَبْدِيلٌ، أَوْ يُدْرِكَهُ تَحْرِيفٌ أَوْ تَصْحِيفٌ، أَوْ يَلْحَقَهُ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41-42].

وَقَالَ -تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ-: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].

عَلَى أَنَّ الذِّكْرَ الْوَارِدَ فِي الْآيَةِ حِفْظُهُ يَشْمَلُ الشَّرْعَ كُلَّهُ: قُرْآنًا وَسُنَّةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: 32].

وَنُورُهُ: شَرْعُهُ وَوَحْيُهُ وَدِينُهُ الَّذِي رَضِيَهُ لِعِبَادِهِ، وَأَوْحَاهُ إِلَى رَسُولِهِ ﷺ؛ لِيَهْدِيَهُمْ سُبُلَ السَّلَامِ، وَيُبَصِّرَهُمْ بِهِ طَرِيقَ السَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

وَلَمَّا كَانَ الْقُرْآنُ مُسْتَعْصِيًا عَلَى التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ وَالدَّسِّ؛ فَقَدْ يَمَّمَ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ وُجُوهَهُمْ شَطْرَ السُّنَّةِ؛ يُحَاوِلُونَ مَا وَسِعَهُمُ الْمَكْرُ وَوَسِعَتْهُمُ الْحِيلَةُ أَنْ يَدُسُّوا فِي الْحَدِيثِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَأَنْ يَشُوبُوهُ بِالزَّيْفِ الَّذِي تَنْضَحُ بِهِ قُلُوبُهُمْ وَعُقُولُهُمْ؛ لِيُقَوِّلُوا الرَّسُولَ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْهُ، وَلِيَخْلِطُوا حَقَّهُ بِبَاطِلِهِمْ، وَصِدْقَهُ بِكَذِبِهِمْ، وَبُرْهَانَهُ بِمُفْتَرَيَاتِهِمْ، وَهَيْهَاتَ! {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} [الرعد: 17].

وَالْإِجْرَاءَاتُ الْوِقَائِيَّةُ الَّتِي تَحْمِي النَّقْلَ وَتَصُونُ الرِّوَايَةَ قَدْ بَدَأَتْ مُبَكِّرَةً مَعَ فَجْرِ الرِّسَالَةِ وَبِدَايَاتِ الْبَلَاغِ؛ فَتَحْرِيرُ النَّقْلِ، وَضَبْطُ الْأَدَاءِ، مَعَ التَّحْذِيرِ مِنَ الْكَذِبِ، وَالتَّرْهِيبِ مِنَ الدَّعْوَى بِغَيْرِ بُرْهَانٍ؛ كُلُّ ذَلِكَ وَغَيْرُهُ مِنْ ضَوَابِطِ الرِّوَايَةِ، مَنْهَجٌ قُرْآنِيٌّ مِنَ الْقُرْآنِ يَنْبُعُ وَإِلَيْهِ يَعُودُ.

فَاللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- يَأْمُرُ بِالتَّبَيُّنِ وَالتَّثَبُّتِ فِي نَقْلِ الْأَخْبَارِ، وَتَحَرِّي الصِّدْقِ فِيهَا وَالصَّوَابِ، وَيُحَذِّرُ مِنْ قَبُولِ خَبَرِ الْفَاسِقِ وَرِوَايَتِهِ، فَيَقُولُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6].

وَيَضْبِطُ الْقُرْآنُ التَّحَمُّلَ كَمَا يَضْبِطُ الْأَدَاءَ، فَيَقُولُ تَعَالَى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37].

وَطَالَبَ بِإِقَامَةِ الْبُرْهَانِ، وَإِثْبَاتِ الْمُدَّعَى بِالْبَيِّنَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: {ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الأحقاف: 4].

وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111].

وَكَانَتْ قَوَاعِدُ الضَّبْطِ فِي السُّنَّةِ تَطْبِيقًا وَامْتِدَادًا لِمَنْهَجِ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ، فَقَدْ وَرَدَ مُتَوَاتِرًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلُهُ: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)).

وَقَالَ ﷺ: ((نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا، فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ؛ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ))، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ الْمُطَهَّرَةِ الَّتِي تَقُومُ شَوَاهِدَ وَدَلَائِلَ عَلَى مُعْظَمِ قَوَاعِدِ وَأُصُولِ مَنْهَجِ ضَبْطِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ.

وَكَانَ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أَقَرَّ النَّاسِ بِالنَّبِيِّ ﷺ عَيْنًا، وَأَشْرَحَهُمْ بِهِ صَدْرًا، وَأَشَدَّهُمْ لَهُ اتِّبَاعًا، وَأَكْثَرَهُمْ لِكَلَامِهِ فَهْمًا وَحِفْظًا، وَظَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى صَفْحَاتِ قُلُوبِهِمْ -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ- صَافِيَةَ النَّبْعِ مِنْ غَيْرِ تَكْدِيرٍ.

وَبَدَأَ الْكَذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْخَفَاءِ عَلَى اسْتِحْيَاءٍ؛ فَكَانَ سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ الْفِتْنَةِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ، وَظَهَرَ الْكَذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ قَيَّضَ اللهُ لِلْحَدِيثِ رِجَالًا كَأَنَّمَا خَلَقَهُمْ لِهَذَا الشَّأْنِ وَحْدَهُ، وَرَزَقَهُمْ قُلُوبًا مُخْبِتَةً، وَآذَانًا وَاعِيَةً، وَجَلَدًا عَلَى الْمَشَاقِّ عَجِيبًا، وَصَبْرًا عَلَى طَلَبِ الْحَدِيثِ وَالرِّحْلَةِ إِلَيْهِ فَرِيدًا.

لَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ، وَظَهَرَ الْكَذِبُ فِي الرِّوَايَةِ؛ بَدَأَتِ الْإِجْرَاءَاتُ الْعِلَاجِيَّةُ لِضَبْطِ الْخَلَلِ الْوَاقِعِ، وَالْخَلَلِ الْمُحْتَمِلِ الْوُقُوعِ، وَبَدَأَتْ ضَوَابِطُ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ فِي شَكْلِ قَوَاعِدَ كُلِّيَّةٍ عَامَّةٍ، وَأُصُولٍ شَامِلَةٍ، مَا لَبِثَتْ مَعَ الْأَيَّامِ تَتَّضِحُ مَلَامِحُهَا؛ حَتَّى اسْتَقَرَّ مَنْهَجُ الضَّبْطِ أَرْوَعَ مَا يَكُونُ، وَأَجْلَى مَا يَكُونُ.

أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي ((مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ)) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: ((إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعْنَا رَجُلًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؛ ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا، وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ؛ لَمْ نَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَا نَعْرِفُ)).

وَكَانَ الصَّحَابَةُ -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ- لِمَكَانِهِمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، وَمَعْرِفَتِهِمْ بِكَلَامِهِ لَا يَأْخُذُونَ مِنَ النَّاسِ -كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ- إِلَّا مَا يَعْرِفُونَ.

وَجَاءَ مَنْ بَعْدَهُمْ، فَسَارُوا عَلَى نَهْجِهِمْ، فَكَانُوا لَا يَأْخُذُونَ إِلَّا مِمَّنْ يَعْرِفُونَ، وَقَعَّدُوا قَاعِدَةَ أَنَّ الْإِسْنَادَ مِنَ الدِّينِ.

فَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: ((إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ؛ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ)).

وَقَالَ: ((لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الْإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ؛ قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ، فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ، فَلَا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ)).

وَمَا زَالَتْ قَوَاعِدُ مَنْهَجِ الضَّبْطِ تَتَّضِحُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ؛ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ عَلَى قَرَارِهَا، وَاسْتَوَتْ عَلَى سُوقِهَا بِمَنْهَجٍ مُتَكَامِلٍ، وَاضِحِ الْقَسَمَاتِ، عَمَلِيِّ السِّمَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عِنْدَ حُدُودِ الِافْتِرَاضَاتِ الْعَقْلِيَّةِ، وَلَا التَّصَوُّرَاتِ الْخَيَالِيَّةِ، وَإِنَّمَا يَنْبُعُ مِنْ أُصُولٍ ثَابِتَةٍ، وَيَتَعَامَلُ مَعَ وَقَائِعَ كَائِنَةٍ، وَيَضْبِطُ نَصًّا حَيًّا شَرِيفًا يَنْفِي عَنْهُ مَوَاتَ الْكَذِبِ وَزَيْفَ الظُّنُونِ.

مَعْنَى السُّنَّةِ لُغَةً وَشَرْعًا

ذَكَرَ صَاحِبُ ((الْقَامُوسِ)) لِلسُّنَّةِ الْمَعَانِيَ الْآتِيَةَ:

الْوَجْهُ، أَوْ حُرُّهُ، أَوْ دَائِرَتُهُ، أَوِ الصُّورَةُ، أَوِ الْجَبْهَةُ وَالْجَبِينَانِ، وَالسِّيرَةُ، وَالطَّرِيقَةُ، وَتَمْرٌ بِالْمَدِينَةِ.

وَتَعْرِيفُ السُّنَّةِ بِالسِّيرَةِ وَالطَّرِيقَةِ هُوَ مَا يَعْنِينَا مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ، وَذَلِكَ لِلْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَعْنَى السُّنَّةِ الشَّرْعِيِّ، فَالسِّيرَةُ كَمَا فِي ((الْقَامُوسِ الْمُحِيطِ)): ((السُّنَّةُ وَالطَّرِيقَةُ)).

وَسُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا فِي ((مُفْرَدَاتِ الرَّاغِبِ)) هِيَ: طَرِيقَتُهُ الَّتِي يَتَحَرَّاهَا.

قَالَ ابْنُ مَنْظُورٍ: السُّنَّةُ: السِّيرَةُ؛ حَسَنَةً كَانَتْ، أَوْ قَبِيحَةً.

وَفِي الْحَدِيثِ: ((مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً؛ فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً؛ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ))؛ يُرِيدُ مَنْ عَمِلَهَا لِيُقْتَدَى بِهِ فِيهَا.

وَكُلُّ مَنِ ابْتَدَأَ أَمْرًا عَمِلَ بِهِ قَوْمٌ بَعْدَهُ؛ قِيلَ: هُوَ الَّذِي سَنَّهُ.

قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: ((قَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ (السُّنَّةِ)، وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهَا، وَالْأَصْلُ فِيهَا: الطَّرِيقَةُ وَالسِّيرَةُ، وَإِذَا أُطْلِقَتْ فِي الشَّرْعِ؛ فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهَا: مَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ، وَنَهَى عَنْهُ، وَنَدَبَ إِلَيْهِ؛ قَوْلًا وَفِعْلًا، مِمَّا لَمْ يَنْطِقْ بِهِ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ؛ وَلِهَذَا يُقَالُ فِي أَدِلَّةِ الشَّرْعِ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ؛ أَيْ: الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ)).

مَعْنَى السُّنَّةِ فِي لِسَانِ أَهْلِ الشَّرْعِ:

اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي بَيَانِ مَعْنَى السُّنَّةِ فِي الِاصْطِلَاحِ، وَلَا ضَيْرَ مِنْ هَذَا الِاخْتِلَافِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ مَرَدَّهُ إِلَى اخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ الَّتِي يُعْنَى بِهَا كُلُّ فِئَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.

فَعُلَمَاءُ الْحَدِيثِ إِنَّمَا بَحَثُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْإِمَامِ الْهَادِي، الَّذِي أَخْبَرَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ أُسْوَةٌ لَنَا وَقُدْوَةٌ، فَنَقَلُوا كُلَّ مَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ سِيرَةٍ، وَخُلُقٍ، وَشَمَائِلَ، وَأَخْبَارٍ، وَأَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ؛ سَوَاءٌ أَثْبَتَ ذَلِكَ حُكْمًا شَرْعِيًّا أَمْ لَا.

وَعُلَمَاءُ الْأُصُولِ إِنَّمَا بَحَثُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمُشَرِّعِ الَّذِي يَضَعُ الْقَوَاعِدَ لِلْمُجْتَهِدِينَ مِنْ بَعْدِهِ، وَيُبَيِّنُ لِلنَّاسِ دُسْتُورَ الْحَيَاةِ، فَعُنُوا بِأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَتَقْرِيرَاتِهِ الَّتِي تُثْبِتُ الْأَحْكَامَ وَتُقَرِّرُهَا.

وَعُلَمَاءُ الْفِقْهِ إِنَّمَا بَحَثُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي لَا تَخْرُجُ أَفْعَالُهُ عَنِ الدَّلَالَةِ عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَهُمْ يَبْحَثُونَ عَنْ حُكْمِ الشَّرْعِ عَلَى أَفْعَالِ الْعِبَادِ؛ وُجُوبًا، أَوْ حُرْمَةً، أَوْ إِبَاحَةً، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.

السُّنَّةُ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ:

قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: ((السُّنَّةُ فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الشَّرْعِ: هِيَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ، وَفِعْلُهُ، وَتَقْرِيرُهُ)).

وَجُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى هَذَا، وَهُوَ أَنَّ السُّنَّةَ: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ، وَفِعْلُهُ، وَتَقْرِيرُهُ؛ مِمَّا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ.

وَأَدْخَلَ الشَّاطِبِيُّ فِي مَدْلُولِ السُّنَّةِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ مَا عَمِلَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ -عَلَيْهِمُ الرِّضْوَانُ- فَقَالَ: ((وَيُطْلَقُ أَيْضًا لَفْظُ السُّنَّةِ عَلَى مَا عَمِلَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ؛ وُجِدَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ، أَوْ لَمْ يُوجَدْ؛ لِكَوْنِهِ اتِّبَاعًا لِسُنَّةٍ ثَبَتَتْ عِنْدَهُمْ لَمْ تُنْقَلْ إِلَيْنَا، أَوِ اجْتِهَادًا مُجْتَمَعًا عَلَيْهِ مِنْهُمْ، أَوْ مِنْ خُلَفَائِهِمْ، فَإِنَّ إِجْمَاعَهُمْ إِجْمَاعٌ، وَعَمَلُ خُلَفَائِهِمْ رَاجِعٌ أَيْضًا إِلَى حَقِيقَةِ الْإِجْمَاعِ مِنْ جِهَةِ حَمْلِ النَّاسِ عَلَيْهِ حَسْبَمَا اقْتَضَاهُ النَّظَرُ الْمَصْلَحِيُّ عِنْدَهُمْ)).

السُّنَّةُ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ:

قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: ((أَمَّا فِي عُرْفِ أَهْلِ الْفِقْهِ؛ فَإِنَّمَا يُطْلِقُونَهَا عَلَى مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَتُطْلَقُ عَلَى مَا يُقَابِلُ الْبِدْعَةَ؛ كَقَوْلِهِمْ: فُلَانٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ)).

وَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّد أَبُو زَهْوٍ: ((عُلَمَاءُ الْفِقْهِ يُرِيدُونَ بِالسُّنَّةِ: الطَّرِيقَةَ الْمَسْلُوكَةَ فِي الدِّينِ مِنْ غَيْرِ افْتِرَاضٍ وَلَا وُجُوبٍ)).

فَالسُّنَّةُ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ: هِيَ مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِ افْتِرَاضٍ وَلَا وُجُوبٍ، وَتُقَابِلُ الْوَاجِبَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ، وَقَدْ تُطْلَقُ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا يُقَابِلُ الْبِدْعَةَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: طَلَاقُ السُّنَّةِ كَذَا، وَطَلَاقُ الْبِدْعَةِ كَذَا.

السُّنَّةُ فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ:

السُّنَّةُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ أَعَمُّ مِنْهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ؛ حَيْثُ يَدْخُلُ فِيهَا عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ مَا يَصْلُحُ دَلِيلًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ -وَهُوَ مَا يَتَوَقَّفُ عِنْدَهُ الْأُصُولِيُّ- وَمَا لَا يَصْلُحُ، وَيَدْخُلُ فِيهَا مَا يُقَابِلُ الْوَاجِبَ -وَهُوَ مَا يَعْنِي الْفَقِيهَ-، وَيَدْخُلُ فِيهَا الْوَاجِبُ نَفْسُه.

وَخُلَاصَةُ تَعْرِيفِ السُّنَّةِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ؛ أَنَّهَا: كُلُّ مَا أُثِرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قَوْلٍ، أَوْ فِعْلٍ، أَوْ تَقْرِيرٍ، أَوْ صِفَةٍ خَلْقِيَّةٍ أَوْ خُلُقِيَّةٍ، أَوْ سِيرَةٍ؛ سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ -كَتَحَنُّثِهِ فِي غَارِ حِرَاءٍ- أَمْ بَعْدَهَا، وَالسُّنَّةُ بِهَذَا الْمَعْنَى مُرَادِفَةٌ لِلْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ.

وَقَدْ جَمَعَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى الْيَمَانِيُّ تَعْرِيفَ السُّنَّةِ اللُّغَوِيَّ وَالشَّرْعِيَّ فِي خُلَاصَةٍ مُوجَزَةٍ؛ حَيْثُ رَدَّ عَلَى أَبِي رَيَّةَ تَوَهُّمَهُ أَنَّهُ لَا عَلَاقَةَ لِلْأَحَادِيثِ بِالسُّنَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ، فَقَالَ الْيَمَانِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((تُطْلَقُ السُّنَّةُ لُغَةً وَشَرْعًا عَلَى وَجْهَيْنِ:

الْأَوَّلُ: الْأَمْرُ يَبْتَدِئُهُ الرَّجُلُ، فَيَتْبَعُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَمِنْهُ مَا فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) فِي قِصَّةِ الَّذِي تَصَدَّقَ بِصُرَّةٍ، فَتَبِعَهُ النَّاسُ فَتَصَدَّقُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ؛ كُتِبَ لَهُ أَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا)).

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: السِّيرَةُ الْعَامَّةُ، وَسُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْمَعْنَى هِيَ الَّتِي تُقَابِلُ الْكِتَابَ، وَتُسَمَّى (الْهُدَى).

وَفِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: ((أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ)).

هَذَا وَكُلُّ شَأْنٍ مِنْ شُئُونِ النَّبِيِّ ﷺ الْجُزْئِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالدِّينِ -مِنْ قَوْلٍ، أَوْ فِعْلٍ، أَوْ كَفٍّ، أَوْ تَقْرِيرٍ- سُنَّةٌ بِالْمَعْنَى الثَّانِي.

وَمَدْلُولَاتُ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ هُوَ السُّنَّةُ، أَوْ مِنَ السُّنَّةِ حَقِيقَةً، فَإِنْ أُطْلِقَتِ السُّنَّةُ عَلَى أَلْفَاظِهَا؛ فَمَجَازٌ أَوِ اصْطِلَاحٌ)).


مَكَانَةُ السُّنَّةِ وَدَلَائِلُ حِفْظِهَا وَحُجِّيَّتِهَا

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ الدِّينَ لَمْ يُعْرَفْ إِلَّا مِنْ قِبَلِ الرَّسُولِ ﷺ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، وَتَصْدِيقِهِ فِيمَا أَخْبَرَ، وَامْتِثَالِ أَمْرِهِ فِيمَا أَمَرَ، وَاجْتِنَابِ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ، وَتَحْكِيمُ شَرِيعَتِهِ، وَالرِّضَا بِحُكْمِهِ ﷺ.

وَقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ مُجْمَلَ الْقُرْآنِ، وَفَسَّرَتْ مُشْكِلَهُ، وَقَيَّدَتْ مُطْلَقَهُ، وَخَصَّصَتْ عَامَّهُ، وَشَرَحَتْ مَقَاصِدَهُ.

وَلَا غِنَى عَنِ السُّنَّةِ فِي مَعْرِفَةِ دِينِ اللهِ -تَعَالَى-، وَطَاعَتِهِ، وَمَعْرِفَةِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَالْعِبَادَةِ بِسَبَبِهَا وَجِنْسِهَا، وَكَمِّهَا وَكَيْفِهَا، وَزَمَانِهَا وَمَكَانِهَا.

قَالَ السُّيُوطِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: «قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي «الرِّسَالَةِ»، وَنَقَلَهُ عَنهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي «الْمَدْخَل»: «قَدْ وَضَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ مِنْ دِينِهِ وَفَرْضِهِ وَكِتَابِهِ الْمَوضِعَ الَّذِي أَبَانَ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ- أَنَّهُ جَعَلَهُ عَلَمًا لِدِينِهِ بِمَا افْتَرَضَ مِنْ طَاعَتِهِ، وَحَرَّمَ مِنْ مَعْصِيَتِهِ، وَأَبَانَ مِنْ فَضِيلَتِهِ بِمَا قَرَنَ بَينَ الْإِيمَانِ بِرَسُولِهِ مَعَ الْإِيمَانِ بِهِ، فَقَالَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} [النساء: 171].

وَقَالَ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [النور: 62].

فَجَعَلَ كَمَالَ ابْتِدَاءِ الْإِيمَانِ الَّذِي مَا سِوَاهُ تَبَعٌ لَهُ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ، ثمَّ بِرَسُولِهِ مَعَهُ.

قَالَ الشَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: وَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى النَّاسِ اتِّبَاعَ وَحْيِهِ، وَاتِّبَاعَ سُنَنِ رَسُولِهِ، فَقَالَ فِي كِتَابِهِ: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [آل عمران: 164]، مَعَ آيٍ سِوَاهَا ذَكَرَ فِيهِنَّ الْكِتَابَ وَالْحِكمَةَ.

قَالَ الشَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: فَذَكَرَ اللَّهُ الْكِتَابَ، وَهُوَ الْقُرْآنُ، وَذَكَرَ الْحِكْمَةَ، فَسَمِعْتُ مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ يَقُولُ: الْحِكْمَةُ: سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ».

{يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ}: وَهُوَ الْوَحْيُ الْمُنَزَّلُ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ -جَلَّ وَعَلَا- وَحْيًا أَوَّلًا، وَيُعَلِّمُهُمُ {الحِكْمَةَ} وَهِيَ السُّنَّةُ، وَهِيَ الْوَحْيُ الثَّانِي الَّذِي أُوحِيَ إِلَيْهِ ﷺ.

«قَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59].

فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أُولُوا الْأَمْرِ: أُمَرَاءُ سَرَايَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، {فَإِنْ تَنَازَعْتُم}: أَيْ: فَإِنِ اخْتَلَفْتُم فِي شَيْءٍ -وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ-: هُمْ وَأُمَرَاؤُهُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِطَاعَتِهِمْ، {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}: يَعْنِي -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-: إِلَى مَا قَالَ اللَّهُ وَالرَّسُولُ.

ثمَّ سَاقَ الْكَلَامَ إِلَى أَنْ قَالَ: فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ طَاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَاعَتُهُ، فَقَالَ: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].

وَاحْتَجَّ -أَيْضًا- فِي فَرْضِ اتِّبَاعِ أَمْرِهِ بِقَولِهِ تَعَالَى: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].

وَبِقَولِهِ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7]، إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي دَلَّتَ عَلَى اتِّبَاعِ أَمْرِهِ، وَلُزُومِ طَاعَتِهِ، فَلَا يَسَعُ أَحَدًا رَدُّ أَمْرِهِ؛ لِفَرْضِ اللَّهِ طَاعَةَ نَبِيِّهِ ﷺ ».

* لَقَد أَمَرَ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عِبَادَهُ بِاتِّبَاعِ نَبِيِّهِ ﷺ وَطَاعَتِهِ، وَالْقَصِّ عَلَى أَثَرِهِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا:

قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 131-132].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: 23].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].

«وَالآيَاتُ فِي هَذَا الْمَعنَى كَثِيرَةٌ؛ وَكُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ طَاعَتِهِ ﷺ، وَاتِّبَاعِ مَا جَاءَ بِهِ، وَهِيَ كَالْأَدِلَّةِ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ كِتَابِ اللَّهِ -تَعَالَى-، وَالتَّمَسُّكِ بِهِ، وَطَاعَةِ أَوَامِرِهِ وَنَواهِيهِ.

وَهُمَا أَصْلَانِ مُتَلَازِمَانِ، مَنْ جَحَدَ وَاحِدًا مِنهُمَا؛ فَقَدْ جَحَدَ الآخَرَ وَكَذَّبَ بِهِ؛ وَذَلِكَ كُفْرٌ وَضَلَالٌ، وَخُرُوجٌ عَنْ دَائرَةِ الْإِسلَامِ بإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلمِ وَالْإِيمَانِ».

وَلَا شَكَّ أَنَّ السُّنَّةَ دَاخِلَةٌ فِي الْحِفظِ الَّذِي تَكَفَّلَ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِهِ لِشَرِيعَتِهِ وَدِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الثَّابِتِ المَقْطُوعِ بِهِ الَّذِي لَا يَسَعُ المُؤْمِنَ بِحَالٍ إِنكَارُهُ، وَلَا التَّرَدُّدُ فِي ثُبُوتِهِ: أَنَّ كُلًّا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَحْيٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَدَلِيلٌ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ؛ بَلْ مَا مِنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ عُرِفَ أَوْ يُعرَفُ إِلَّا عَنْ طَرِيقِهِمَا، أَوْ عَنْ طَرِيقِ الْأَدِلَّةِ الَّتِي ثَبَتَتْ حُجِّيَّتُهَا بِهِمَا.

فَلَيْسَ بِعَجِيبٍ إِذَا كُنَّا قَدْ وَجَدْنَا اللَّهَ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ- قَدْ تَكَفَّلَ بِحِفْظِ الشَّرِيعَةِ كُلِّهَا -كِتَابِهَا وَسُنَّتِهَا- كَمَا يَدُلُّ عَلَيهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: 32].

فَنُورُ اللهِ: شَرْعُهُ وَدِينُهُ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِلْعِبَادِ وكَلَّفَهُمْ بِهِ، وَضَمَّنَهُ مَصَالِحَهُمْ، وَالَّذِي أَوْحَاهُ إِلَى رَسُولِهِ؛ مِنْ قُرْآنٍ، أَوْ غَيْرِهِ؛ لِيَهْتَدُوا بِهِ إِلَى مَا فِيهِ خَيْرُهُمْ وَسَعَادَتُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ».

وَلَقَدْ حَفِظَهَا اللَّهُ -تَعَالَى- كَمَا حَفِظَ الْقُرْآنَ، فَلَمْ يَذْهَبْ مِنْهَا -وَللَّهِ الْحَمْدُ وَمِنْهُ الْفَضْلُ- شَيْءٌ عَلَى الْأُمَّةِ؛ وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْعِبْهَا كُلُّ فَرْدٍ عَلَى حِدَةٍ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ -تَعَالَى- لَوْ تَكَفَّلَ بِحِفْظِ الْمُبَيَّنِ الْمَشْرُوحِ، وَلَمْ يَتَكَفَّلْ بِحِفْظِ الشَّارِحِ الْمُبَيِّنِ؛ لَأَحَالَنَا عَلَى التَّعَبُّدِ بِشَيْءٍ مَعْدُومٍ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْوَاقِع، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ بِشَيْءٍ لَمْ يَصِلْنَا مِنْ طَرِيقٍ مَوْثُوقٍ بِهِ، وَلَمْ نَعْرِفْ صَحِيحَهُ مِنْ سَقِيمِهِ، وَلَا الْمَقْبُولَ مِنْهُ مِنَ الْمَردُودِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ التَّكْلِيفَاتِ فِي الْجُمْلَةِ وَرَدَتْ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ مُجْمَلَةً؛ ثُمَّ تَأْتِي السُّنَّةُ بِتَفَاصِيلِهَا، وَبِبَيَانِ مُجْمَلِهَا، وَبِتَفْسِيرِ وَشَرْحِ مَا أُجْمِلَ فِيهَا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عَلَاقَةِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ.

فَلَوْ أَنَّ اللَّهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حَفِظَ هَذَا الْمُبَيَّنَ -وَهُوَ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ-، وَلَمْ يَحْفَظِ الْمُبَيِّنَ -وَهُوَ السُّنَّةُ الشَّرِيفَةُ-؛ لَأَحَالَنَا عِنْدَمَا يَأْمُرُنَا فِي الْمُبَيَّنِ -وَهُوَ الْقُرْآنُ- عَلَى مَا لَا يُوثَقُ بِهِ، أَوْ عَلَى مَا هُوَ مَعْدُومٌ إِنْ لَمْ يَحْفَظِ السُّنَّةَ كَمَا حَفِظَ الْقُرْآنَ.

وَهَذَا يَسْتَحِيلُ شَرْعًا وَعَقْلًا؛ إِذْ كَيْفَ نَتَعَبَّدُ بِشَيْءٍ وَقَدْ أُزِيلَ مِنَ الْوُجُودِ تَمَامًا، أَوْ إِذَا كَانَ وُجُودُهُ وُجُودًا شَكْلِيًّا فَاقِدًا لِلْقِيمَةِ؟!!

إِنَّ فِقْدَانَ الشَّارِحِ الْمُبَيِّنِ بِكَامِلِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فِقْدَانُ أَكْثَرِ الْمُبَيَّنِ الْمَشْرُوحِ؛ لِأَنَّ بَيَانَهُ وَشَرْحَهُ يَكُونُ مُتَوَقِّفًا غَالِبًا عَلَى الشَّارِحِ الْمُبَيِّنِ.

«وَمِنَ الْمَعلُومِ: أَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُ قَد جَاءَ فِي الْكِتَابِ آيَاتٌ تَدُلُّ عَلَى حُجِّيَّةِ السُّنَّةِ، فَهِيَ -بِهَذَا المَعْنَى- فَرْعٌ عَنْهُ فَرْعِيَّةَ الْمَدْلُولِ عَلَى الدَّالِّ؛ وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ تَأَخُّرَهَا عَنْهُ فِي الِاعْتِبَارِ وَالِاحْتِجَاجِ بِهِ، بَلْ يُوجِبُ المُسَاوَاةَ».

وَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ قَاطِبَةً فِي حُجِّيَّـةِ السُّنَّةِ،    بَلْ كُلُّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ ضَرُورَةٌ دِينِيَّةٌ، لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ عَلَى حُجِّيَّتِهَا.

وَمَعْنَى حُجِّيَّةِ السُّنَّةِ: وُجُوبُ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهَا؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ لِلْحُجِّيَّةِ هُوَ: الْإِظْهَارُ وَالْكَشْفُ وَالدَّلَالَةُ، وَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا وُجُوبُ الْعَمَلِ بِالْمَدْلُولِ؛ حَيْثُ إِنَّهُ حُكْمُ اللهِ.

لَا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى السُّنَّةِ؛ لِفَهْمِ عَدِيدٍ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَكُلُّ دَارِسٍ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ -وَلَا سِيَّمَا آيَاتُ الْأَحكَامِ وَأَحَادِيثُ الأَحكَامِ- يُدْرِكُ تَمَامَ الْإِدْرَاكِ أَنَّ لِلسُّنَّةِ دَوْرًا هَامًّا لَا يُسْتَهَانُ بِهِ فِي بَيَانِ الْأَحكَامِ الْمُجْمَلَةِ فِي الْقُرآنِ الْكَرِيمِ.

هِيَ -أَيِ: السُّنَّةُ- الَّتِي تُقَيِّدُ الْمُطْلَقَ، وَتُخَصِّصُ الْعَامَّ، وَتُبَيِّنُ الْمُجْمَلَ، وَتُوَضِّحُ الْمُشْكِلَ.

وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ -تَعَالَى- بإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَهِيَ الرُّكْنُ الثَّانِي مِنْ أَركَانِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 43]؛ فَكَيْفَ إِقَامَتُهَا؟

السُّنَّةُ وَحْدَهَا هِيَ الَّتِي تُجِيبُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ.

وَكَذَلِكَ وَرَدَ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ الْأَمْرُ بِالزَّكَاةِ إِجمَالًا دُونَ تَفْصِيلٍ وَبَيَانٍ؛ فَقَالَ تَعَالَى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141].

وَتَوَلَّتِ السُّنَّةُ بَيَانَ الْأَمْوَالِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَبَيَانَ الأَنْصِبَةِ، وَالْمِقدَارِ المَأخُوذِ مِنْ كُلِّ نِصَابٍ، إِلَى آخِرِ الْبَيَانِ الشَّامِلِ لهَذَا الرُّكْنِ الْعَظِيمِ.

كَمَا بَيَّنَتِ السُّنَّةُ مِقْدَارَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَمُسْتَحِقِّيهَا، وَبَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَحْكَامَ الصِّيَامِ، وَسُنَنَهُ، وَمَكْرُوهَاتِهِ، وَمُبْطِلَاتِهِ، وَالْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ، وَالرُّخَصَ وَأَهْلَهَا، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ هَذَا الرُّكْنِ الْعَظِيمِ، وَبَيَّنَتِ السُّنَّةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَنَاسِكِ، وَالْبُيُوعِ، وَالْحُدُودِ، وَغَيْرِهَا.

* وَأَمَّا بَيَانُ السُّنَّةِ لِلْقُرْآنِ: فَيَأْتِي عَلَى وُجُوهٍ مُختَلِفَةٍ وَطُرُقٍ مُتَنَوِّعَةٍ؛ فَمِنْ ذَلِكَ: بَيَانُ مُجْمَلِهِ، فَالصَّلَاةُ فِي قَولِهِ تَعَالَى {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} لَفْظٌ مُجْمَلٌ، لَا يُفْهَمُ مِنْهُ مَا كَيْفِيَّةُ الصَّلَاةِ؟ وَمَا أَوْقَاتُهَا؟ وَمَا عَدَدُ رَكْعَاتِهَا؟ وَمَا شُرُوطُهَا؟ وَمَا أَرْكَانُهَا؟

وَقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ كُلَّ هَذَا بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِقَوْلِهِ، فَالْكِتَابُ مُجْمَلٌ، وَالسُّنَّةُ مُفَصِّلَةٌ لَهُ؛ كَالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي بَيَانِ مَا أُجْمِلَ ذِكْرُهُ مِنَ الْأَحْكَامِ؛ إِمَّا بِحَسَبِ كَيْفِيَّاتِ الْعَمَلِ، أَوْ أَسْبَابِهِ، أَوْ شُرُوطِهِ، أَوْ مَوَانِعِهِ، أَوْ لَوَاحِقِهِ، أَوْ مَا أَشْبَه ذَلِكَ.

فَبَيَانُهَا لِلصَّلَوَاتِ عَلَى اخْتِلَافِهَا؛ فِي مَوَاقِيتِهَا، وَرُكُوعِهَا، وَسُجُودِهَا، وَسَائرِ أَحْكَامِهَا، وَبَيَانُهَا لِلزَّكَاةِ فِي مَقَادِيرِهَا، وَأَوْقَاتِهَا، وَنُصُبِ الْأَموَالِ المُزَكَّاةِ.

وَبَيَانُ أَحْكَامِ الصَّوْمِ مِمَّا لَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ، وَكَذَلِكَ أَحْكَامُ الْحَجِّ وَالذَّبَائِحِ، وَالْأَنْكِحَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، وَالْبُيُوعِ وَأَحْكَامِهَا، وَالْجِنَايَاتِ؛ مِنَ الْقَصَاصِ وَغَيرِهِ مِمَّا وَقَعَ بَيَانًا لِمَا أُجْمِلَ فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ دُخُولُهُ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44].

فَالَّذِي نُزِّلَ إِلَيْهِمْ؛ إِنَّمَا يَذْهَبُ إِلَى الْكِتَابِ الْعَزِيزِ الْمُنَزَّلِ عَلَى قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُنَاكَ مَا يُبَيِّنُهُ، وَهُوَ سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ، وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الذِّكْرِ {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}.

فَالسُّنَّةُ تُبَيِّنُ هَذَا الْمُجْمَلَ وَتُوَضِّحُهُ، وَتُخَصِّصُ الْعَامَّ، وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ أَنْ يَرِثَ الْأَوْلَادُ الْآبَاءَ أَوِ الْأُمَّهَاتِ عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ} [النساء:11].

فَكَانَ هَذَا الْحُكْمُ عَامًّا فِي كُلِّ أَصْلٍ مَوْرُوثٍ، وَكُلِّ وَالِدٍ وَارِثٍ، فَقَصَرَتِ السُّنَّةُ الْأَصْلَ الْمَوْرُوثَ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ بِقَوْلِهِ ﷺ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ». وَقَدْ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.

وَكَذَلِكَ قَصَرَتِ السُّنَّةُ التَّوَارُثَ عَلَى الْمُسْلِمِ دُونَ الْكَافِرِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ». وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

* وَالسُّنَّةُ أَيْضًا تُقَيِّدُ مُطْلَقَ الْقُرْآنِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة 28]، فَإِنَّ قَطْعَ الْيَدِ لَمْ يُقَيَّدْ فِي الْآيَةِ لِمَوْضِعٍ خَاصٍّ؛ وَلَكِنَّ السُّنَّةَ قَيَّدَتْهُ بِكَوْنِهِ مِنَ الرُّسْغِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29] يُوجِبُ الطَّوَافَ مُطْلَقًا؛ وَلَكِنَّ السُّنَّةَ الْفِعْليَّةَ قَيَّدَتْهُ بِالطَّهَارَةِ.

* وَكَذَلِكَ السُّنَّةُ تُبَيِّنُ الْمُشْكِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ»؛ أَشْكَلَ عَلَيْهَا قَوْلُ اللَّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق: 8].

وَنَصُّ الْحَدِيثِ -كَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ-، أَنَّ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعْرِفُهُ إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ».

قَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: «فَقُلْتُ: أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق: 8]؟!

قَالَتْ: فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكَ: الْعَرْضُ؛ وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ».

فَهَذَا الَّذِي أَشْكَلَ عَلَيْهَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ -جَلَّ وَعَلَا- في هَذِهِ الآيَةِ تُبَيِّنُهُ سُنَّةُ رَسُولِ الله ﷺ.

«وَالْأُمَّةُ مَا زَالَتْ -وَلَنْ تَزَالَ- مُتَّفِقَةً عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَهَا مَقَامٌ مَعْلُومٌ في بَيَانِ الْأَحْكَامِ، وَأَنَّهَا حُجَّةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا، وَأَنَّهُ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهَا إِذَا ثَبَتَتْ، وَلَا يَجُوزُ الحُكْمُ بِالِاجْتِهَادِ وَالرَّأْيِ مَعَ ثُبُوتِهَا، وَأَنَّهَا قَدْ ثَبَتَتْ بِهَا الْأَحْكَامُ؛ وَلَوْ لَمْ يَرِدْ بِالْأَحْكَامِ كِتَابٌ -يَعْنِي: الْكِتَابَ الْعَزِيزَ-.

وَهِيَ بَيَانٌ لِلْقُرْآنِ وَتَفْسِيرٌ لَهُ، وَهِيَ مُفَصِّلَةٌ لِمَا أُجمِلَ فِيهِ.

وَهَذِهِ الْمَعَانِي كُلُّهَا مَحَلُّ إِجْمَاعٍ عِنْدَ مَنْ يُعْتَدُّ بِأَقْوَالِهِم، وَلَا يُعْلَمُ أَحَدٌ شَذَّ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ إِلَّا الزَّنَادِقَةَ وَغُلَاةَ الرَّافِضَةِ الَّذِينَ لَا عِبْرَةَ بِخِلَافِهِمْ، وَلَا يَتَأَثَّرُ الْإِجْمَاعُ بِمُخَالَفَتِهِمْ».

واللهُ رَبُّ العَالَمِينَ تَكَفَّلَ بحِفْظِ القُرْآنِ المَجِيدِ، وَكَذَا تَكَفَّلَ بحِفْظِ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

وَلِأنَّ اللهَ -تَعَالَى- قَدْ حَفِظَ سُنَّةَ رَسُولِهِ كَمَا حَفِظَ القُرْآنَ، وَجَعَلَهَا حِصْنَهُ وَدِرْعَهُ، وَحَارِسَهُ وَشَارِحَهُ؛ كَانَتِ الشَّجَى فِي حُلُوقِ المُلْحِدِينَ، وَالقَذَى في عُيونِ المُتَزَنْدِقينَ، وَالسَّيْفَ القَاطِعَ لِشُبَهِ المُنَافِقِينَ، وَتَشْكِيكَاتِ الكَائِدِينَ.

فَلَا غَرْوَ إِذَ لَمْ يَأَلُوا جَهْدًا، وَلَم يَدَّخِرُوا وُسْعًا في الطَّعْنِ في حُجِّيَّتِهَا، والتَّهْوِينِ مِن أَمْرِهَا، والتَّنْفِيرِ مِنَ التَّمَسُّكِ بِهَا، والِاهْتَدَاءِ بِهَدْيِهَا؛ لِيَنَالُوا مِنَ القُرْآنِ مَا يُرِيدُونَ، وَمِن هَدْمِ الدِّينِ مَا يَنْشُدُونَ، {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: 32]».

قالَ البَيْهَقِيُّ: «وَلَوْ لَا ثُبُوتُ الحُجَّةِ بِالسُّنَّةِ؛ لَمَا قَالَ ﷺ في خُطْبَتِهِ بَعْدَ تَعْلِيمِ مَنْ شَهِدَهُ أَمْرَ دِينِهِمْ: «أَلَا فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ؛ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ثُمَّ أَوْرَدَ البَيْهَقِيُّ حَدِيثَ: «نَضَّرَ اللهُ امْرأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَأَدَّاهُ كَمَا سَمِعَهُ؛ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ».

قَالَ السُّيُوطِيُّ: «وَهَذا الحَدِيثُ مُتَوَاتِرٌ ».

قَالَ الشَّافِعيُّ: «فَلَمَّا نَدَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى اسْتِمَاعِ مَقَالَتِهِ، وَحِفْظِهَا، وَأَدَائِهَا؛ نَدَبَ إِلَى ذَلِكَ امْرأً يُؤَدِّيهَا، وَقَالَ ﷺ: «فَأَدَّاهُ كَمَا سَمِعَهُ»؛ فَقَد أَقَامَ بِذَلِكَ الحُجَّةَ عَلَى مَنْ أُدِّيَ إِلَيْهِ؛ لأنهُ إِنَّمَا يُؤَدَّى عَنْهُ حَلَالٌ يُؤْتَى وَحَرَامٌ يُجْتَنَبُ، وَحَدٌّ يُقَامُ، وَمَالٌ يُؤْخَذُ وَيُعْطَى، وَنَصِيحَةٌ فِي دِينٍ وَدُنْيَا».

ثُمَّ أَوْرَدَ البَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ -وَهَذَا مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ-: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ؛ يَأْتِيهِ الأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، يَقُولُ: لَا أَدْرِي؛ مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالحَاكِمُ، وَأَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ.

وَمِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبٍ، أَنَّ النَّبيَّ ﷺ حَرَّمَ أَشْيَاءَ يَوْمَ خَيْبَرَ، مِنْهَا: الْحِمَارُ الأَهْلِيُّ، وَغَيْرُهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُوشِكُ أَنْ يَقْعُدَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثِي، فَيَقُولُ: بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، مَا وَجَدْنَاه فِيهِ من حَلالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَاه فِيهِ من حَرَامٍ حَرَّمْنَاه، أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ مَاجَه، وَالحَدِيثُ صَحِيحٌ».

قَالَ البَيْهَقِيُّ: «وَهَذَا خَبَرٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَمَّا يَكُونُ بَعْدَهُ مِنْ رَدِّ المُبْتَدِعَةِ حَدِيثَهُ؛ فَوُجِدَ تَصْدِيقُهُ فِيمَا بَعْدُ.

السُّنَّةُ تَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ بِالوَحْي ﷺ، يَقُولُ: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ القُرآنَ ومِثْلَهُ مَعَهُ -يَعْنِي السُّنَّةَ-»؛ إِلَّا أَنَّهَا لَا تُتْلَى كَمَا يُتْلَى القُرآنُ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- وَغَيْرُهُ مِنَ الأَئِمَّةِ عَلَى ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ، وَقَدْ مَرَّ حَدِيثُ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ».

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَلَا شَكَّ أَنَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَحْيٌ مُنَزَّلٌ؛ فَقَدْ حَفِظَهَا اللهُ -تَعَالَى- كَمَا حَفِظَ كِتَابَهُ، وَقَيَّضَ اللهُ لَهَا عُلَمَاءَ نُقَّادًا، يَنْفُونَ عَنْهَا تَحْرِيفَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ، وَيَذُبُّونَ عَنْهَا كُلَّ مَا أَلْصَقَهُ بِهَا الْجَاهِلُونَ وَالْكَذَّابُونَ وَالْمُلْحِدُونَ.

لِأَنَّ اللهَ -سُبْحَانَهُ- جَعَلَهَا تَفْسِيرًا لِكِتَابِهِ الْكَرِيمِ، وَبَيَانًا لِمَا أُجْمِلَ فِيهِ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَضَمَّنَهَا أَحْكَامًا أُخْرَى لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهَا الْكِتَابُ الْعَزِيزُ؛ كَتَفْصِيلِ أَحْكَامِ الرَّضَاعِ، وَبَعْضِ أَحْكَامِ الْمَوَارِيثِ، وَتَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ، وَلَمْ تُذْكَرْ فِي كِتَابِ اللهِ الْعَزِيزِ)).

وَفِي بَيَانِ وَحْيِ السُّنَّةِ وَمَنْزِلَتِهَا مِنَ الْقُرْآنِ يَقُولُ الشَّيْخُ مُحَمَّد مُحَمَّد أَبُو زَهْوٍ:

((قَالَ سُبْحَانَهُ:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل:44].

فَالْمُبَيَّنُ هُوَ الْقُرْآنُ الْمُنَزَّلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ، وَالْبَيَانُ هُوَ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمُنَزَّلُ عَلَى قَلْبِهِ بِمَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ، فَكُلٌّ مِنَ الْبَيَانِ وَالْمُبَيَّنِ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالَى.

قَالَ تَعَالَى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة:16-19].

وَبَيَانُ الْقُرْآنِ يَكُونُ بِالسُّنَّةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ، وَلَوْ لَا بَيَانُ السُّنَّةِ لِلْقُرْآنِ؛ مَا عَرَفْنَا كَثِيرًا مِنَ الْأَحْكَامِ؛ كَأَعْدَادِ الصَّلَوَاتِ وَالرَّكْعَاتِ، وَمَقَادِيرِ الزَّكَوَاتِ، وَمَنَاسِكِ الْحَجِّ، وَشَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، وَجُلِّ أَحْكَامِ الْمُعَامَلَاتِ وَالْأَحْوَالِ الشَّخْصِيَّةِ؛ مِنْ زَوَاجٍ وَطَلَاقٍ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُجْمَلٌ فِي الْقُرْآنِ، وَفَصَّلَتْهُ السُّنَّةُ تَفْصِيلًا)).

فَيَنْبَغِي لَكُمْ -أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ- أَنْ تَتَمَسَّكُوا بِسُنَّةِ نَبِيِّكُم ﷺ، وَأَنْ تُشَارِكُوا فِي مَعْرِفَةِ الْجُهْدِ الَّذِي بَذَلَهُ حَمَلَةُ مِيرَاثِ النُّبُوَّةِ؛ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَبِعَهُم بِإِحْسَانٍ؛ فَإِنَّهُ جُهْدٌ لَا نَظِيرَ لَهُ عِنْدَ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ.

رَدُّ جُمْلَةٍ مِنْ شُبُهَاتِ الطَّاعِنِينَ فِي السُّنَّةِ

فِي وَقْتٍ تَتَعَالَى فِيهِ صَيْحَاتٌ فَاجِرَةٌ، وَدَعَوَاتٌ مَاكِرَةٌ؛ لِلنَّيْلِ مِنَ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ، وَالطَّعْنِ فِي الشَّرِيعَةِ الْمَحْفُوظَةِ، وَلَا يَكَادُ يُعْرَفُ أَنَّ أَبْنَاءَ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ يَتَسَلَّطُونَ عَلَى تُرَاثِهَا وَمَجْدِهَا كَمَا يَفْعَلُ فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ؛ يَنْتَمُونَ إِلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَهُمْ حَرْبٌ عَلَيْهَا بِأَقْلَامِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، لَا تَرَاهُمْ إِلَّا فِي صُفُوفِ أَهْلِ النِّفَاقِ وَالْمَكْرِ، يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ لَبُوسَ الشَّعْوَذَةِ وَالسِّحْرِ، وَيَخْتِلُونَ الدَّهْمَاءَ وَالْعَامَّةَ بِأَسَالِيبِ الشَّيْطَانِ فِي الْخَدِيعَةِ وَالشَّرِّ.

أَلَا إِنَّ السُّنَّةَ الْمُطَهَّرَةَ لَهِيَ تُرَاثُ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ ذَخِيرَةِ التَّوْحِيدِ الَّذِي لِأَجْلِهِ خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ، وَهِيَ الْهَادِيَةُ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ -تَعَالَى- وَحْدَهُ، وَبِهَا يُقَامُ أَمْرُ اللهِ فِي الْأَرْضِ.

وَأَهْلُ الْأَغْرَاضِ وَالْهَوَى لَا هَمَّ لَهُمْ إِلَّا الْعُدْوَانُ عَلَى السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ؛ تَشْكِيكًا فِيهَا، وَصَدًّا عَنْهَا، وَشَغْبًا حَوْلَهَا، وَهَيْهَاتَ أَنْ يَصِلُوا إِلَى شَيْءٍ مِمَّا يُرِيدُونَ، أَوْ يُحَقِّقُوا غَرَضًا مِمَّا يَبْتَغُونَ؛ فَالسُّنَّةُ مَحْفُوظَةٌ بِحِفْظِ اللهِ -تَعَالَى- لَهَا، لَا يَضِيرُهَا كَيْدُ الْكَائِدِينَ، وَلَا يَثْلُمُ حَدَّهَا زَيْغُ الزَّائِغِينَ، وَلَا يَلْحَقُ بِهَا مِنْ رَهْجِ شُبَهَاتِهِمْ شَيْءٌ، وَلَا يَنَالُ مِنْ ثَبَاتِهَا وَجَلَالِهَا مَا يَصْنَعُونَ.

لَقَدْ قَيَّضَ اللهُ -تَعَالَى- لِلسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ رِجَالًا خَلَقَهُمُ اللهُ لِلذَّوْدِ عَنْهَا، ((يَنْفُونَ عَنْهَا تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ)).

وَتُرَاثُهُمْ فِي حِيَاطَةِ سُنَّةِ نَبِيِّهِمْ ﷺ تُرَاثٌ شَامِخٌ بَاذِخٌ، مُبْهِرٌ فِي دِقَّتِهِ وَشُمُولِهِ، وَفِي عُمْقِهِ وَإِحَاطَتِهِ، وَفِي سَدَادِهِ وَكَمَالِهِ، وَفِي اتِّسَاقِهِ وَتَآلُفِهِ؛ نَقْلًا صَحِيحًا، وَعَقْلًا صَرِيحًا، بِلَا غُلُوٍّ وَلَا جَفَاءٍ.

الرَّدُّ عَلَى شُبْهَةِ:

النَّهْيِ عَنْ كِتَابَةِ الْحَدِيثِ وَعِلَّتِهِ، وَتَأَخُّرِ تَدْوِينِ السُّنَّةِ

لَقَدْ صَحَّتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَادِيثُ تَنْهَى عَنْ كِتَابَةِ الْحَدِيثِ، وَتُرَغِّبُ عَنْهَا، كَمَا صَحَّتْ أَحَادِيثُ تُبِيحُ كِتَابَتَهُ، وَتُرَغِّبُ فِيهَا.

وَأَجَلُّ حَدِيثٍ وَأَصَحُّهُ وَرَدَ فِي النَّهْيِ عَنْ كِتَابَةِ الْحَدِيثِ: هُوَ حَدِيثُ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الَّذِى رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَصَحَّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ -أَيْضًا- حَدِيثُ مَنْعِ النَّبِيِّ ﷺ إِيَّاهُ الْكِتَابَةَ، وَهُوَ فِي ((التِّرْمِذِيِّ)).

وَقَدْ صَحَّتْ -أَيْضًا- أَحَادِيثُ إِبَاحَةِ الْكِتَابَةِ، بَعْضُهَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَبَعْضُهَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَكَانَ التَّعَارُضُ الظَّاهِرُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَاعِيًا الْعُلَمَاءَ لِمُحَاوَلَةِ التَّوْفِيقَ بَيْنَهَا، وَإِزَالَةِ التَّعَارُضِ وَالِاخْتِلَافِ، وَكَانَتْ لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ نَظَرَاتٌ وَمَسَالِكُ نَرَاهَا -إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى- بَعْدَ سَوْقِ أَحَادِيثِ النَّهْيِ، وَأَحَادِيثِ الْإِبَاحَةِ.

أَوَّلًا: أَحَادِيثُ النَّهْيِ عَنِ الْكِتَابَةِ:

أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ -قَالَ هَمَّامٌ: أَحْسَبُهُ قَالَ: مُتَعَمِّدًا-؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)).

وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصَحُّ مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي النَّهْيِ عَنِ الْكِتَابَةِ.

وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((اسْتَأْذَنَّا النَّبِيَّ ﷺ فِي الْكِتَابَةِ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَنَا)).

وَفِي رِوَايَةِ الْخَطِيبِ فِي ((تَقْيِيدِ الْعِلْمِ)) قَالَ: قَالَ الْبُخَارِيُّ: ((فَأَبَى أَنْ يَأْذَنَ لِي)).

أَخْرَجَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي ((تَقْيِيدِ الْعِلْمِ)) ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي إِسْنَادِ كُلٍّ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ... يَرْفَعُهُ.

وَأَحَادِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الثَّلَاثَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْخَطِيبُ فِي ((تَقْيِيدِ الْعِلْمِ)) ضَعِيفَةٌ؛ لِأَنَّ مَدَارَهَا عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.

ثَانِيًا: أَحَادِيثُ إِبَاحَةِ الْكِتَابَةِ:

فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ؛ قَالَ: ((ائْتُونِي بِكِتَابٍ؛ أَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ)).

قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الْوَجَعُ، وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللهِ حَسْبُنَا، فَاخْتَلَفُوا، وَكَثُرَ اللَّغَطُ.

قَالَ: ((قُومُوا عَنِّي، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازَعُ))، فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ [كُلَّ الرَّزِيَّةِ] مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ كِتَابِهِ.

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي؛ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ)).

وَأَخْرَجَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: إِنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَخَطَبَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ القَتْلَ -أَوِ: الْفِيلَ، شَكَّ أَبُو عَبْدِ اللهِ-، وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَالمُؤْمِنِينَ، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، أَلَا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ)).

فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ، فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ: «اكْتُبُوا لِأَبِي فُلَانٍ».

فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلَّا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِلَّا الإِذْخِرَ، إِلَّا الإِذْخِرَ».

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يُقَالُ: يُقَادُ -بِالْقَافِ-، فَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ: أَيُّ شَيْءٍ كَتَبَ لَهُ؟

قَالَ: كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الخُطْبَةَ)).

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: ((قُلْتُ لِعَلِيٍّ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: لَا؛ إِلَّا كِتَابُ اللهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ)).

قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟

قَالَ: ((الْعَقْلُ وَفَكَاكُ الْأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ)).

وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ، فَقَالُوا: إِنَّكَ تَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بَشَرٌ، يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: ((اكْتُبْ؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ)).

وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ فِي كِتَابَةِ الْحَدِيثِ وَإِبَاحَتِهَا وَالْأَمْرِ بِهَا كَثِيرَةٌ، وَالَّتِي مَرَّتْ هِيَ أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِيهَا.

سَلَكَ الْعُلَمَاءُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ أَحَادِيثِ النَّهْيِ عَنِ الْكِتَابَةِ وَأَحَادِيثِ إِبَاحَتِهَا مَسَالِكَ شَتَّى:

الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ: إِعْلَالُ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِالْوَقْفِ:

وَأَجَلُّ مَنْ أَعَلَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ -الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ- بِالْوَقْفِ: الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-.

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي ((الْفَتْحِ)): ((وَمِنْهُمْ مَنْ أَعَلَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَالَ: الصَّوَابُ وَقْفُهُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ، قَالَهُ الْبُخَارِيُّ، وَغَيْرُهُ)).

الْمَسْلَكُ الثَّانِي: الْقَوْلُ بِأَنَّ النَّهْيَ مَنْسُوخٌ:

وَقَدِ اخْتَارَ الْقَوْلَ بِالنَّسْخِ طَوَائِفُ مِنَ الْعُلَمَاءِ، كُلُّهُمْ يَرَى أَنَّ النَّهْيَ كَانَ فِي الْبِدَايَةِ، ثُمَّ صَارَتِ الْأُمُورُ إِلَى الْجَوَازِ.

وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَهَبَ إِلَيْهِمَا ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ.

قَالَ -رَحِمَهُ اللهُ- عَنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: ((إِنَّهُ مِنْ مَنْسُوخِ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ، كَأَنَّهُ نَهَى فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ عَنْ أَنْ يُكْتَبَ قَوْلُهُ، ثُمَّ رَأَى بَعْدُ -لَمَّا عَلِمَ أَنَّ السُّنَنَ تَكْثُرُ وَتَفُوتُ الْحِفْظَ- أَنْ تُكْتَبَ وَتُقَيَّدَ)).

قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- فِي ((سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ)): ((وَكَتَبَ الْكَثِيرُ بِإِذْنِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَرْخِيصِهِ لَهُ فِي الْكِتَابَةِ بَعْدَ كَرَاهِيَتِهِ لِلصَّحَابَةِ أَنْ يَكْتُبُوا عَنْهُ سِوَى الْقُرْآنِ، وَسَوَّغَ ذَلِكَ ﷺ.

ثُمَّ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بَعْدَ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- عَلَى الْجَوَازِ وَالِاسْتِحْبَابِ لِتَقْيِيدِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابَةِ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّهْيَ كَانَ أَوَّلًا؛ لِتَتَوَفَّرَ هِمَمُهُمْ عَلَى الْقُرْآنِ وَحْدَهُ، وَلِيَمْتَازَ الْقُرْآنُ بِالْكِتَابَةِ عَمَّا سِوَاهُ مِنَ السُّنَنِ النَّبَوِيَّةِ، فَيُؤْمَنُ اللَّبْسُ، فَلَمَّا زَالَ الْمَحْذُورُ وَاللَّبْسُ، وَوَضَحَ أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَشْتَبِهُ بِكَلَامِ النَّاسِ؛ أُذِنَ فِي كِتَابَةِ الْعِلْمِ)).

وَالْقَوْلُ بِالنَّسْخِ هُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ أَحْمَد شَاكِر -رَحِمَهُ اللهُ-، قَالَ: ((وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ: أَنَّ النَّهْيَ مَنْسُوخٌ بِأَحَادِيثَ أُخْرَى دَلَّتْ عَلَى الْإِبَاحَةِ))؛ ثُمَّ سَاقَ الشَّيْخُ حَدِيثَ أَبِي شَاهٍ، وَحَدِيثَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَغَيْرَهُمَا، وَقَالَ: ((وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مَعَ اسْتِقْرَارِ الْعَمَلِ بَيْنَ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، ثُمَّ اتِّفَاقِ الْأُمَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِهَا -أَيِ: الْكِتَابَةِ-؛ كُلُّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ مَنْسُوخٌ، وَأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ حِينَ خِيفَ اشْتِغَالُهُمْ عَنِ الْقُرْآنِ، وَحِينَ خِيفَ اخْتِلَاطُ غَيْرِ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ)).

وَمِمَّنِ انْتَصَرَ لِلنَّسْخِ: الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِبَقَاءِ صَحِيفَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- الَّتِي كَانَ يُسَمِّيهَا: ((الصَّادِقَةَ))، وَالَّتِي ظَلَّتْ عِنْدَهُ حَتَّى مَاتَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ: أَنَّ النَّهْيَ خَاصٌّ بِكِتَابَةِ غَيْرِ الْقُرْآنِ مَعَ الْقُرْآنِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ.

وَهَذَا وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ.

كَمَا قَالَ السَّخَاوِيُّ تَبَعًا لِشَيْخِهِ ابْنِ حَجَرٍ: ((إِنَّ النَّهْيَ خَاصٌّ بِكِتَابَةِ غَيْرِ الْقُرْآنِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ تَأْوِيلَهُ، فَرُبَّمَا كَتَبُوهُ مَعَهُ، وَالْإِذْنُ فِي تَفْرِيقِهِمَا)).

الْمَسْلَكُ الرَّابِعُ: أَنَّ النَّهْيَ خَاصٌّ بِوَقْتِ نُزُولِ الْقُرْآنِ، وَالْإِذْنُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ.

ذَكَرَ السَّخَاوِيُّ أَنَّ مِنْ أَوْجُهِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ: ((أَنَّ النَّهْيَ خَاصٌّ بِوَقْتِ نُزُولِ الْقُرْآنِ؛ خَشْيَةَ الْتِبَاسِهِ بِغَيْرِهِ، وَالْإِذْنُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ؛ وَلِذَا خَصَّ بَعْضُهُمُ النَّهْيَ بِحَيَاتِهِ ﷺ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ: ((النَّهْيُ لِئَلَّا يُتَّخَذَ مَعَ الْقُرْآنِ كِتَابٌ يُضَاهَى بِهِ))؛ يَعْنِي: بِحَيْثُ أُمِنَ الْمَحْذُورُ بِكَثْرَةِ حُفَّاظِهِ وَالْمُعْتَنِينَ بِهِ، وَقُوَّةِ مَلَكَةِ مَنْ شَاءَ اللهُ مِنْهُمْ لِتَمْيِيزِهِ عَنْ غَيْرِهِ، لَمْ يُمْتَنَعْ)).

الْمَسْلَكُ الْخَامِسُ: أَنَّ الْإِذْنَ لِمَنْ خِيفَ نِسْيَانُهُ، وَالنَّهْيَ لِمَنْ أَمِنَ، وَخِيفَ اتِّكَالُهُ.

الْمَسْلَكُ السَّادِسُ: أَنَّ النَّهْيَ لِمَنْ تَمَكَّنَ مِنَ الْحِفْظِ، وَالْإِذْنَ لِغَيْرِهِ.

وَهُنَا وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الْجَمْعِ هَدَانِي اللهُ -تَعَالَى- إِلَيْهِ، يَكْفِينَا -بِحَوْلِ اللهِ وَقُوَّتِهِ- تَكَلُّفَ كَثِيرٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَهَذَا الْوَجْهُ مَبْنِيٌّ عَلَى النَّظَرِ فِي سِنِّ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عِنْدَ الْهِجْرَةِ وَمَا بَعْدَهَا.

وَأَحَادِيثُ النَّهْيِ عَنِ الْكِتَابَةِ.. أَصَحُّهَا صِحَّةً: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ، يَلِيهِ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَفِيهِ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((اسْتَأْذَنَّا النَّبِيَّ ﷺ فِي الْكِتَابَةِ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَنَا، وَفِي رِوَايَةٍ: ((فَأَبَى أَنْ يَأْذَنَ لَنَا)).

وَمَدَارُ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ الصَّحِيحَيْنِ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فَاسْتَلْزَمَ الْأَمْرُ الْبَحْثَ عَنْ عُمْرِ أَبِي سَعِيدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَقْتَ الْهِجْرَةِ؛ عَسَى أَنْ يُلْقِيَ ذَلِكَ ضَوْءًا عَلَى عِلَّةِ النَّهْيِ الَّذِي رُبَّمَا يَكُونُ خَاصًّا بِهَذَا الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ.

أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: هُوَ سَعْدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ، اسْتُصْغِرَ بِأُحُدٍ، وَرَدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي ((سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ)): ((عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عُرِضْتُ يَوْمَ أُحُدٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا ابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، فَجَعَلَ أَبِي يَأْخُذُ بِيَدِي وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّهُ عَبْلُ الْعِظَامِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَعِّدُ فِيَّ النَّظَرَ، وَيُصَوِّبُهُ، ثُمَّ قَالَ: رُدَّهُ، فَرَدَّنِي)).

فَأَبُو سَعِيدٍ يَوْمَ أُحُدٍ كَانَ ابْنَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَغَزَوْةُ أُحُدٍ كَانَتْ فِي شَوَّالٍ مِنَ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ، فَتَكُونُ وِلَادَةُ أَبِي سَعِيدٍ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَيَكُونُ عُمُرُهُ يَوْمَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ: عَشْرَةَ أَعْوَامٍ.

وَقَدْ كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَفِي تِلْكَ السَّنَةِ كَانَ أَبُو سَعِيدٍ قَدْ بَلَغَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا، وَفِي الْفَتْحِ كَانَتْ قِصَّةُ أَبِي شَاهٍ؛ حَيْثُ أَذِنَ النَّبِيُّ ﷺ بِكِتَابَةِ خُطْبَتِهِ إِذْنًا ظَاهِرًا عَلَى مَسَامِعِ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ، فِي حِينَ كَانَ أَبُو سَعِيدٍ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ بِالْكِتَابَةِ، أَوْ طَلَبَ الْإِذْنَ بَعْدَ الْفَتْحِ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَلَا جَرَمَ كَانَ لِلسِّنِّ أَثَرُهُ فِي عَدَمِ إِذْنِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَبِي سَعِيدٍ فِي الْكِتَابَةِ.

فأَبُو سَعِيدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مِنْ أَحْدَاثِ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ كَانَ ابْنَ عَشْرٍ فِي الْهِجْرَةِ، وَكَانَتْ سِنُّهُ عِنْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ ﷺ حَوْلَ الْعِشْرِينَ، وَلَعَلَّهُ طَلَبَ الْإِذْنَ بِالْكِتَابَةِ حَوْلَ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ، أَوْ قَبْلَ أَنْ يُحْكِمَ الْقُرْآنَ وَيُتْقِنَ حِفْظَهُ، وَخَشِيَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُشْغَلَ أَبُو سَعِيدٍ عَنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ بِكِتَابَةِ الْحَدِيثِ.

وَقَدْ يُشْكِلُ عَلَى هَذَا الْمَسْلَكِ فِي تَعْلِيلِ حَدِيثِ النَّهْيِ عَنِ الْكِتَابَةِ أَنَّ النَّهْيَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْعُمُومِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: ((لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ)). وَهَذِهِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

وَلَكِنَّنَا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِضَمِيمَةِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ الصَّحِيحَةِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَالَّتِي أَخْرَجَهَا التِّرْمِذِيُّ؛ زَالَ الْإِشْكَالُ بِحَوْلِ اللهِ وَقُوَّتِهِ.

يَقُولُ أَبُو سَعِيدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي رَوَاهَا التِّرْمِذِيُّ، وَالْخَطِيبُ: ((اسْتَأْذَنَّا النَّبِيَّ ﷺ فِي الْكِتَابَةِ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَنَا))؛ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَخْرَجَهَا الْخَطِيبُ فِي ((تَقْيِيدِ الْعِلْمِ)): ((فَأَبَى أَنْ يَأْذَنَ لَنَا)).

وَإِذَنْ؛ فَهُمْ نَفَرٌ مِنْ لِدَاتِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَتْرَابِهِ، ذَهَبُوا بَعْدَمَا كَتَبُوا شَيْئًا مِنَ الْحَدِيثِ يَسْتَأْذِنُونَ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْكِتَابَةِ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ؛ لِسِنِّهِمْ، أَوْ عَدَمِ إِحْكَامِهِمُ الْقُرْآنَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَذْهَبَ مَنْ كَتَبَ مِنْهُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ إِذْنٍ.. فَلْيَمْحُ مَا كَتَبَ، وَكَانَ الْمَلْحُوظُ هُنَا: أَنْ يَجْتَهِدَ هَؤُلَاءِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- فِي الْحِفْظِ، وَلَا يَتَّكِلُوا عَلَى الْكِتَابَةِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَهُمْ فِي نَفْسِ حَدِيثِ النَّهْيِ عَنِ الْكِتَابَةِ بِالتَّحْدِيثِ عَنْهُ، وَزَادَهُمُ الْإِعْلَامَ بِانْتِفَاءِ الْحَرَجِ فِي ذَلِكَ، فَيَقُولُ ﷺ: ((لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ)). وَهَذِهِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ.

وَعَلَيْهِ؛ تَكُونُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ لَاحِقَةً فِي حَقِّ أَبِي سَعِيدٍ وَمَنْ ذَهَبَ مَعَهُ لِرِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، أَوْ بِمَعْنًى آخَرَ: رِوَايَةُ مُسْلِمٍ هِيَ نَصُّ رَدِّ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ وَمَنْ ذَهَبَ مَعَهُ مُسْتَأْذِنِينَ فِي كِتَابَةِ الْحَدِيثِ، وَيَكُونُ النَّهْيُ خَاصًّا بِهِمْ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ النَّهْيُ عَامًّا؛ مَا أَبْقَى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو عَلَى ((الصَّادِقَةِ))، وَمَا بَقِيَتْ صَحِيفَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عِنْدَهُ، وَهَذَا التَّخْصِيصُ لِأَبِي سَعِيدٍ وَمَنْ مَعَهُ؛ لِلسِّنِّ، وَخَشْيَةِ الِانْصِرَافِ عَنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ وَحِفْظِهِ بِكِتَابَةِ الْحَدِيثِ.

وَلَا يَطْعَنُ هَذَا عَلَى قُدْرَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَلَى حَمْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ التَّحْدِيثِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا مَنَعَهُ مِنْ كِتَابَةِ الْحَدِيثِ وَحْدَهُ، لَا مِنْ كِتَابَةِ الْقُرْآنِ؛ لِكَيْ يَصْفُوَ الذِّهْنُ لِلْقُرْآنِ فِي تِلْكَ السِّنِّ الْبَاكِرَةِ، وَفَرْقٌ كَبِيرٌ بَيْنَ الْمَنْعِ مِنَ التَّحْدِيثِ، وَالْمَنْعِ مِنْ كِتَابَةِ الْحَدِيثِ.

وَبِهَذَا -وَللهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ- تَظْهَرُ قُوَّةُ الْوَجْهِ الَّذِي هَدَانِي اللهُ إِلَيْهِ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ -إِنْ شَاءَ اللهُ- قَاطِعًا لِلنِّزَاعِ فِي مَسْأَلَةِ كِتَابَةِ الْحَدِيثِ؛ نَهْيًا وَإِبَاحَةً، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.

وَحَوْلَ الْخِلَافِ عَلَى مَنْعِ الْكِتَابَةِ وَجَوَازِهَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: ((ثُمَّ إِنَّهُ زَالَ الْخِلَافُ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَسْوِيغِ ذَلِكَ وَإِبَاحَتِهِ، وَلَوْ لَا تَدْوِينُهُ فِي الْكُتُبِ؛ لَدَرَسَ فِي الْأَعْصُرِ الْآخِرَةِ)).

مَوْقِفُ الصَّحَابَةِ مِنْ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ

إِنَّ الصَّحَابَةَ حَمَلُوا أَمَانَةَ إِبْلَاغِ الرِّسَالَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَدَّوْهَا حَقَّ أَدَائِهَا، وَرَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا.

وَمِنْهُمْ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- مَنْ كَانَ مُتَحَرِّزًا فِي الْأَدَاءِ، مُتَحَوِّطًا فِيهِ، يَلْحَظُ جَانِبَ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَيَرْهَبُهُ.

وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ مُكْثِرًا مِنَ الْحَدِيثِ، يَلْحَظُ جَانِبَ كِتْمَانِ الْعِلْمِ وَيُجَانِبُهُ، وَكُلٌّ عَلَى خَيْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ جَمِيعًا-.

وَدِينُ اللهِ -تَعَالَى- هُوَ كِتَابُهُ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ ﷺ، وَهُوَ مَحْفُوظٌ بِحِفْظِ اللهِ -تَعَالَى- لَهُ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].

وَالْكَذِبُ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلٌ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ، وَالْقَوْلُ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ هُوَ أَعْظَمُ الْمُحَرَّمَاتِ تَحْرِيمًا فِي دِينِ اللهِ: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33].

وَقَدْ ضَرَبَ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- الْمَثَلَ لِلْأُمَّةِ فِي الْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ، مَعَ حِيَاطَةِ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ كُلِّ شَائِبَةٍ تَعْرِضُ، وَمِنْ كُلِّ سَانِحَةٍ تَلُوحُ.

* الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- بَيْنَ الْمُقِلِّ وَالْمُكْثِرِ فِي الرِّوَايَةِ.

أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: ((صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا)).

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: ((فِيهِ: مَا كَانَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ مِنْ تَوَقِّي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ؛ خَشْيَةَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَهَذِهِ كَانَتْ طَرِيقَةَ ابْنِ عُمَرَ، وَوَالِدِهِ عُمَرَ، وَجَمَاعَةٍ، وَإِنَّمَا كَثُرَتْ أَحَادِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَعَ ذَلِكَ؛ لِكَثْرَةِ مَنْ كَانَ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَفْتِيهِ)).

وَطَرِيقَةُ عُمَرَ وَوَلَدِهِ عَبْدِ اللهِ -الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ حَجَرٍ- وَهِيَ: تَوَقِّي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ؛ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ مَعْلَمٌ بَارِزٌ مِنْ مَعَالِمِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ -عَلَيْهِمُ الرِّضْوَانُ-، فَهُمْ يَتَوَقُّونَ الرِّوَايَةَ مَا أَمْكَنَهُمْ؛ لِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُمْ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أَنْ يُحَدِّثَ الْمَرْءُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَلِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُمْ مِنْ إِثْمِ مَنْ يَكْذِبُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَيُقَوِّلُهُ مَا لَمْ يَقُلْ، وَهُمْ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- يُوَازِنُونَ بَيْنَ التَّوَقِّي لِلْحَدِيثِ رِوَايَةً، وَأَمَانَةِ التَّبْلِيغِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَضَرُورَةِ الْخُرُوجِ مِنْ إِثْمِ كِتْمَانِ الْعِلْمِ.

فَمَنْ نَظَرَ مِنْهُمْ إِلَى أَحَادِيثِ التَّرْهِيبِ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَالتَّزَيُّدِ فِي الْحَدِيثِ؛ أَقَلَّ الرِّوَايَةَ مَا أَمْكَنَهُ.

وَمَنْ نَظَرَ مِنْهُمْ إِلَى أَحَادِيثِ التَّرْهِيبِ مِنْ كِتْمَانِ الْعِلْمِ؛ حَدَّثَ مَا أَمْكَنَهُ.

وَمِثَالُ مَنْ نَظَرَ إِلَى التَّرْهِيبِ مِنَ الْكَذِبِ: الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: إِنِّي لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ، وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: ((وَفِي تَمَسُّكِ الزُّبَيْرِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنَ اخْتِيَارِ قِلَّةِ التَّحْدِيثِ: دَلِيلٌ لِلْأَصَحِّ؛ فِي أَنَّ الْكَذِبَ: هُوَ الْإِخْبَارُ بِالشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ؛ سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَمْ خَطَأً، وَالْمُخْطِئُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْثُومٍ بِالْإِجْمَاعِ؛ لَكِنَّ الزُّبَيْرَ خَشِيَ مِنَ الْإِكْثَارِ أَنْ يَقَعَ فِي الْخَطَأِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَأْثَمْ بِالْخَطَأِ؛ لَكِنْ قَدْ يَأْثَمُ بِالْإِكْثَارِ؛ إِذِ الْإِكْثَارُ مَظِنَّةُ الْخَطَأِ، وَالثِّقَةُ إِذَا حَدَّثَ بِالْخَطَأِ، فَحُمِلَ عَنْهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ أَنَّهُ خَطَأٌ؛ يُعْمَلُ بِهِ عَلَى الدَّوَامِ؛ لِلْوُثُوقِ بِنَقْلِهِ، فَيَكُونُ سَبَبًا لِلْعَمَلِ بِمَا لَمْ يَقُلْهُ الشَّارِعُ.

فَمَنْ خَشِيَ مِنْ إِكْثَارِ الْوُقُوعِ فِي الْخَطَأِ؛ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْإِثْمُ إِذَا تَعَمَّدَ الْإِكْثَارَ، فَمِنْ ثَمَّ تَوَقَّفَ الزُّبَيْرُ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ الْإِكْثَارِ مِنَ التَّحْدِيثِ)).

وَمِثَالُ مَنْ نَظَرَ إِلَى التَّرْهِيبِ مِنْ كِتْمَانِ الْعِلْمِ: أَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ((إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَوْ لَا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ؛ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا، ثُمَّ يَتْلُو: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 159-160].

إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الْعَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشِبَعِ بَطْنِهِ، وَيَحْضُرُ مَا لَا يَحْضُرُونَ، وَيَحْفَظُ مَا لَا يَحْفَظُونَ)).

وَفِي قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((وَلَوْ لَا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ؛ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا))؛ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ((مَعْنَاهُ: لَوْ لَا أَنَّ اللهَ ذَمَّ الْكَاتِمِينَ لِلْعِلْمِ؛ مَا حَدَّثَ أَصْلًا، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْكِتْمَانُ حَرَامًا؛ وَجَبَ الْإِظْهَارُ؛ فَلِهَذَا حَصَلَتِ الْكَثْرَةُ؛ لِكَثْرَةِ مَا عِنْدَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ الْكَثْرَةِ بِقَوْلِهِ: ((إِنَّ إِخْوَانَنَا...)) وَأَرَادَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ نَفْسَهُ وَأَمْثَالَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْأُخُوَّةِ: أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ)).

وَقَالَ الْحَافِظُ: ((مَنْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ -أَيْ: مِنَ الصَّحَابَةِ-؛ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا وَاثِقِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ بِالتَّثَبُّتِ، أَوْ طَالَتْ أَعْمَارُهُمْ، فَاحْتِيجَ إِلَى مَا عِنْدَهُمْ، فَسُئِلُوا، فَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْكِتْمَانُ)).

((وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ بَعْضَ كِبَارِ الصَّحَابَةِ يَرَوْنَ أَنَّ تَبْلِيغَ الْأَحَادِيثِ إِنَّمَا يَتَعَيَّنُ عِنْدَ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَيَرَوْنَ أَنَّهُمْ إِذَا بَلَّغُوا بِدُونِ حُضُورِ حَاجَةٍ؛ فَقَدْ يَكُونُ مِنْهُمْ خَطَأٌ مَّا قَدْ يُؤَاخَذُونَ بِهِ؛ بِخِلَافِ مَا إِذَا بَلَّغُوا عِنْدَ حُضُورِ الْحَاجَةِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مُتَعَيَّنٌ عَلَيْهِمْ، فَإِمَّا أَنْ يَحْفَظَهُمُ اللهُ -تَعَالَى- مِنَ الْخَطَأِ، وَإِمَّا أَلَّا يُؤَاخِذَهُمْ؛ وَلِهَذَا رُوِيَتِ الْأَحَادِيثُ عَنْهُمْ كُلِّهِمْ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ حَدِيثٌ فَتَحَقَّقَتِ الْحَاجَةُ إِلَى الْعَمَلِ بِهِ فَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ.

وَكَانَ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ يُحَدِّثُونَ؛ وَإِنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ حَاجَةٌ، يَرَوْنَ أَنَّ التَّبْلِيغَ قَبْلَ وَقْتِ الْحَاجَةِ مُرَغَّبٌ فِيهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «حَدِّثُوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ»، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّاعِيَةِ إِلَى نَشْرِ الْعِلْمِ وَتَبْلِيغِ السُّنَّةِ، وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ، وَكُلُّهُمْ عَلَى خَيْرٍ، عَلَى أَنَّهُ لَمَّا قَلَّ الصَّحَابَةُ؛ رَجَحَتْ كِفَّةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي)).

* الرَّدُّ عَلَى شُبْهَةِ حَبْسِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لِمَنْ يُكْثِرُ مِنْ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ:

أَمَّا مَا قِيلَ مِنْ حَبْسِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بَعْضَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، بِسَبَبِ الْإِكْثَارِ مِنَ الْحَدِيثِ؛ فَقَدْ رَوَى الْخَطِيبُ حَدِيثًا سَاقَ إِسْنَادَهُ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ((بَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَإِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَإِلَى أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ: ((مَا هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي تُكْثِرُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟! فَحَبَسَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى اسْتُشْهِدَ)).

وَرَوَى فِيهِ ابْنُ حَزْمٍ حَدِيثًا نَحْوَهُ عَنْ شُعْبَةَ، وَقَالَ: ((هَذَا مُرْسَلٌ، وَمَشْكُوكٌ فِيهِ مِنْ شُعْبَةَ؛ فَلَا يَصِحُّ، وَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ)).

فَالثَّابِتُ أَنَّ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كَانَ يَتَوَقَّى فِي التَّحْدِيثِ، وَفِي السَّمَاعِ، وَيَأْمُرُ بِالْإِقْلَالِ مِنَ الرِّوَايَةِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِالِامْتِنَاعِ.

وَقَدْ عَلَّلَ الْخَطِيبُ تَشْدِيدَ عُمَرَ فِي الرِّوَايَةِ تَعْلِيلًا حَسَنًا، فَقَالَ: ((فِي تَشْدِيدِ عُمَرَ -أَيْضًا- عَلَى الصَّحَابَةِ فِي رِوَايَتِهِمْ: حِفْظٌ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَتَرْهِيبٌ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنْ يُدْخِلَ فِي السُّنَنِ مَا لَيْسَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ إِذَا رَأَى الصَّحَابِيَّ الْمَقْبُولَ الْقَوْلِ، الْمَشْهُورَ بِصُحْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ تُشُدِّدَ عَلَيْهِ فِي الرِّوَايَةِ؛ كَانَ هُوَ أَجْدَرَ أَنْ يَكُونَ لِلرِّوَايَةِ أَهْيَبَ، وَلِمَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِي النَّفْسِ مِنْ تَحْسِينِ الْكَذِبِ أَرْهَبَ)).

* الرَّدُّ عَلَى شُبْهَةِ كَثْرَةِ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مَعَ قِصَرِ الْمُدَّةِ الَّتِي قَضَاهَا بِجِوَارِ النَّبِيِّ ﷺ مُقَارَنَةً بِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-:

إِنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي التَّرْهِيبِ مِنَ الْكَذِبِ، وَالزِّيَادَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الرِّوَايَةِ.. نَظَرَ إِلَيْهَا فَرِيقٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَرِيقٌ آخَرُ نَظَرَ إِلَى الْبَلَاغِ عَنْ رَسُولِ اللهِ: ((بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً))، وَنَظَرُوا إِلَى الْأَحَادِيثِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي التَّرْهِيبِ مِنْ كِتْمَانِ الْعِلْمِ، فَكَانُوا يُحَدِّثُونَ بِمَا سَمِعُوهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ، فَتَجِدُ مِنْهُمُ الْمُكْثِرَ، وَتَجِدُ مِنْهُمُ الْمُقِلَّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ-؛ لِأَنَّهُ يُعْتَرَضُ أَحْيَانًا عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَصْحَبِ النَّبِيَّ ﷺ سِوَى ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ، وَقُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ رِوَايَةً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.

فَيَقُولُ قَوْمٌ: كَيْفَ يَكُونُ أَكْثَرَ الْأَصْحَابِ رِوَايَةً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا صَحِبَهُ كَمَا صَحِبَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَرْوِ رِوَايَتَهُ؟!

قَالُوا: هُوَ أَحَقُّ بِالرِّوَايَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ لِسَبْقِهِ وَمُصَاهَرَتِهِ، وَلِأَنَّهُ كَانَ مُلَازِمًا لِلنَّبِيِّ ﷺ، قَالُوا: وَكَذَلِكَ عُمَرُ، وَكَذَلِكَ عَلِيٌّ، وَكَذَلِكَ عُثْمَانُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ-.

فَبَعْضُ النَّاسِ يَعْتَرِضُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ؛ لِكَثْرَةِ رِوَايَتِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.

وَإِنَّمَا نَظَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَى الْأَحَادِيثِ الَّتِي تُرَهِّبُ مِنْ كِتْمَانِ الْعِلْمِ، فَبَثَّ مَا حَمَلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَمَّا مَنْ أَقَلَّ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَتَوَقَّى؛ فَإِنَّهُ أَخَذَ بِالْوَرَعِ، وَخَافَ أَنْ يَزِيدَ، أَوْ يَنْقُصَ، أَوْ يُخَالِفَ مَا يَنْقُلُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.

وَقَدْ قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ -وَقَدْ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ كَثْرَةِ أَحَادِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ-؛ قَالَ طَلْحَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -وَهُوَ مِنَ الْعَشْرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ-: ((مَا نَشُكُّ أَنَّهُ -يَعْنِي: أَبَا هُرَيْرَةَ- قَدْ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا لَمْ نَسْمَعْ، وَعَلِمَ مَا لَمْ نَعْلَمْ، إِنَّا كُنَّا قَوْمًا أَغْنِيَاءَ، لَنَا بُيُوتَاتٌ وَأَهْلُونَ، وَكُنَّا نَأْتِي الرَّسُولَ ﷺ طَرَفَيِ النَّهَارِ، ثُمَّ نَرْجِعُ، وَكَانَ هُوَ مِسْكِينًا لَا مَالَ لَهُ وَلَا أَهْلَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ يَدُهُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ، فَمَا نَشُكُّ -يَقُولُ طَلْحَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-- أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ مَا لَمْ نَعْلَمْ، وَسَمِعَ مَا لَمْ نَسْمَعْ)). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ.

كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مِثَالًا لِمَنْ نَظَرَ إِلَى التَّرْهِيبِ مِنْ كِتْمَانِ الْعِلْمِ، أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ((إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَوْ لا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ؛ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا..)). الْحَدِيثَ.

الرَّدُّ عَلَى شُبْهَةِ عَدَمِ الضَّبْطِ وَالدِّقَّةِ فِي نَقْلِ السُّنَّةِ

إِنَّ الْقَوْلَ عَلَى اللهِ -تَعَالَى- بِغَيْرِ عِلْمٍ هُوَ أَعْظَمُ أَجْنَاسِ الْمُحَرَّمَاتِ عِنْدَ اللهِ، وَهُوَ بَابُ الشُّرُورِ كُلِّهَا؛ مِنَ الْكُفْرِ، وَالْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ، وَلَمْ يُبِحِ اللهُ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ أَنْ يَتَقَوَّلَ عَلَيْهِ.

وَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ الْمُبَلِّغَ عَنْ رَبِّهِ شَرْعَهُ وَدِينَهُ؛ كَانَ الْكَذِبُ عَلَيْهِ مُتَضَمِّنًا لِلْكَذِبِ عَلَى اللهِ تَعَالَى.

أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)).

قَالَ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((مَعْنَى الْحَدِيثِ: أَنَّ هَذَا جَزَاؤُهُ، وَقَدْ يُجَازَى بِهِ، وَقَدْ يَعْفُو اللَّهُ الْكَرِيمُ عَنْهُ، وَلَا يُقْطَعُ عَلَيْهِ بِدُخُولِ النَّارِ، وَهَكَذَا سَبِيلُ كُلِّ مَا جَاءَ مِنَ الْوَعِيدِ بِالنَّارِ لِأَصْحَابِ الْكَبَائِرِ غَيْرَ الْكُفْرِ، فَكُلُّهَا يُقَالُ فِيهَا: هَذَا جَزَاؤُهُ، وَقَدْ يُجَازَى، وَقَدْ يُعْفَى عَنْهُ، ثُمَّ إِنْ جُوزِيَ وَأُدْخِلَ النَّارَ؛ فَلَا يُخَلَّدُ فِيهَا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ خُرُوجِهِ مِنْهَا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ، وَلَا يَخْلُدُ فِي النَّارِ أَحَدٌ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ)).

وَقَالَ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((لَا فَرْقَ فِي تَحْرِيمِ الْكَذِبِ عَلَيْهِ ﷺ بَيْنَ مَا كَانَ فِي الْأَحْكَامِ وَمَا لَا حُكْمَ فِيهِ؛ كَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَالْمَوَاعِظِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَكُلُّهُ حَرَامٌ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ وَأَقْبَحِ الْقَبَائِحِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، خِلَافًا لِلْكَرَّامِيَّةِ.. الطَّائِفَةِ الْمُبْتَدِعَةِ فِي زَعْمِهِمُ الْبَاطِلِ أَنَّهُ يَجُوزُ وَضْعُ الْحَدِيثِ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ)).

وَعِيدُ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ بِالنَّارِ يَدُلُّ عَلَى أَهَمِّيَّةِ السُّنَّةِ، وَمَكَانَتِهَا فِي الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهَا حِمًى يَنْبَغِي أَنْ يُصَانَ؛ حَتَّى لَا تَشُوبَ الدِّينَ شَائِبَةٌ مِنْ أَهْوَاءِ النَّاسِ وَأَوْهَامِهِمْ، وَلَا فَارِقَ فِي تَحْرِيمِ الْكَذِبِ بَيْنَ مَا كَانَ فِي الْأَحْكَامِ وَمَا لَا حُكْمَ فِيهِ، فَكُلُّهُ حَرَامٌ.

إِنَّ الْإِسْلَامَ يَدْعُو إِلَى التَّدْقِيقِ وَالتَّمْحِيصِ فِي التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ؛ فَلَيْسَ كُلُّ مَسْمُوعٍ مُصَدَّقًا مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا دَلِيلٍ، وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتْبَعَ كُلَّ نَاعِقٍ، وَيَقْفُوَ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ.

قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36].

وَقَالَ ﷺ: ((كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ)).

وَالضَّوَابِطُ الَّتِي تَحْكُمُ تَلَقِّي الْعِلْمِ وَأَدَاءَهُ تَنْبُعُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37].

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: ((قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ}؛ الْمُرَادُ بِهِ: الْقَلْبُ الْحَيُّ الَّذِي يَعْقِلُ عَنِ اللهِ، وَقَوْلُهُ: {أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ}؛ أَيْ: وَجَّهَ سَمْعَهُ، وَأَصْغَى حَاسَّةَ سَمْعِهِ إِلَى مَا يُقَالُ لَهُ، وَقَوْلُهُ: {وَهُوَ شَهِيدٌ}؛ أَيْ: شَاهِدُ الْقَلْبِ، حَاضِرٌ غَيْرُ غَائِبٍ.

قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ((اسْتَمَعَ كِتَابَ اللهِ وَهُوَ شَاهِدُ الْقَلْبِ وَالْفَهْمِ، وَلَيْسَ بِغَافِلٍ وَلَا سَاهٍ)).

وَكُلُّ الضَّوَابِطِ الَّتِي تَحْكُمُ التَّحَمُّلَ وَالْأَدَاءَ تَنْدَرِجُ فِي النِّهَايَةِ تَحْتَ الْإِطَارِ الْعَامِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}.

وَكَذَلِكَ فِي السُّنَّةِ الْقَوَاعِدُ الْكُلِّيَّةُ الَّتِي تَحْكُمُ التَّلَقِّيَ وَالْأَدَاءَ بِأَجْلَى عِبَارَةٍ وَأَبْيَنِهَا.

وَيَكْفِي فِي بَيَانِ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: ((نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ)).

وَقَدْ أَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ فِي ((الرِّسَالَةِ)) بِإِسْنَادِهِ حَدِيثَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((نَضَّرَ اللهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي، فَحَفِظَهَا وَأَدَّاهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ)).

وَكُلُّ الضَّوَابِطِ الَّتِي تَحْكُمُ التَّحَمُّلَ وَالْأَدَاءَ تَنْدَرِجُ فِي النِّهَايَةِ تَحْتَ الْإِطَارِ الْعَامِّ لِقَوْلِهِ ﷺ: ((فَحَفِظَهَا، وَوَعَاهَا، وَأَدَّاهَا)).

تَحَمُّلُ الْحَدِيثِ: هُوَ أَخْذُهُ عَمَّنْ حَدَّثَ بِهِ عَنْهُ، أَوْ هُوَ: أَخْذُهُ عَنِ الْغَيْرِ.

وَأَدَاءُ الْحَدِيثِ: هُوَ إِبْلَاغُهُ إِلَى الْغَيْرِ؛ كَأَنْ يُحَدِّثَ الشَّيْخُ بِمَا تَحَمَّلَهُ هُوَ مِنَ الْحَدِيثِ عَنْ شُيُوخِهِ.

الرَّدُّ عَلَى شُبْهَةِ:

رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى يَعْنِي ضَيَاعَ لَفْظِ الرَّسُولِ ﷺ

رِوَايَةُ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى: هِيَ أَنْ يُؤَدِّيَ الرَّاوِي مَعَانِيَ الْحَدِيثِ بِأَلْفَاظٍ مِنْ عِنْدِهِ، أَوْ: هِيَ نَقْلُ الْحَدِيثِ بِلَفْظٍ غَيْرِ لَفْظِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ.

وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالْأَلْفَاظِ وَمَدْلُولَاتِهَا وَمَقَاصِدِهَا، وَلَا خَبِيرًا بِمَا يُحِيلُ مَعَانِيَهَا، وَلَا بَصِيرًا بِمَقَادِيرِ التَّفَاوُتِ بَيْنَهَا؛ لَمْ تَجُزْ لَهُ رِوَايَةُ مَا سَمِعَهُ بِالْمَعْنَى.

قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: ((إِذَا أَرَادَ رِوَايَةَ مَا سَمِعَهُ عَلَى مَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ‏؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا عَارِفًا بِالْأَلْفَاظِ وَمَقَاصِدِهَا، خَبِيرًا بِمَا يُحِيلُ مَعَانِيَهَا، بَصِيرًا بِمَقَادِيرِ التَّفَاوُتِ بَيْنَهَا؛ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ أَلَّا يَرْوِيَ مَا سَمِعَهُ إِلَّا عَلَى اللَّفْظِ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ‏)).

وَهَذَا الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ هُوَ أَوَّلُ الضَّوَابِطِ فِي الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى، فَالِاتِّفَاقُ وَاقِعٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى لَيْسَتْ حِمًى مُسْتَبَاحًا لِكُلِّ رَاوٍ، وَعَلَى أَنَّهَا سَبِيلٌ مُؤْصَدَةٌ أَمَامَ مَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالْأَلْفَاظِ وَمَدْلُولَاتِهَا، وَمَا يُحِيلُ مَعَانِيَهَا.

وَأَمَّا مَنْ كَانَ عَالِمًا عَارِفًا بِذَلِكَ؛ فَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِ رِوَايَتِهِ الْحَدِيثَ بِالْمَعْنَى اخْتِلَافًا كَبِيرًا.

وَهَذَا حَاصِلُ أَقْوَالِهِمْ:

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: وَقَدْ ذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاهِيرُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَمِنْهُمُ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ؛ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّاوِي إِذَا كَانَ عَالِمًا بَصِيرًا بِالْأَلْفَاظِ وَمَدْلُولَاتِهَا وَمَا يُحِيلُ مَعَانِيَهَا أَنْ يَرْوِيَ بِالْمَعْنَى ((إِذَا كَانَ قَاطِعًا بِأَنَّهُ أَدَّى مَعْنَى اللَّفْظِ الَّذِي بَلَغَهُ؛ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمَرْفُوعُ، أَوْ غَيْرُهُ، كَانَ مُوجِبُهُ الْعِلْمَ أَوِ الْعَمَلَ، وَقَعَ مِنَ الصَّحَابِيِّ أَوِ التَّابِعِيِّ أَوْ غَيْرِهِمَا، حَفِظَ اللَّفْظَ أَمْ لَا، صَدَرَ فِي الْإِفْتَاءِ وَالْمُنَاظَرَةِ أَوِ الرِّوَايَةِ، أَتَى بِلَفْظٍ مُرَادِفٍ لَهُ أَمْ لَا، كَانَ مَعْنَاهُ غَامِضًا أَوْ ظَاهِرًا؛ حَيْثُ لَمْ يَحْتَمِلِ اللَّفْظُ غَيْرَ ذَاكَ الْمَعْنَى؛ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إِرَادَةُ الشَّارِعِ بِهَذَا اللَّفْظِ مَا هُوَ مَوْضُوعٌ لَهُ دُونَ التَّجَوُّزِ فِيهِ وَالِاسْتِعَارَةِ، وَجَاءَ الْجَوَازُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ))، عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ قَالَ: ((لَقِيتُ أُنَاسًا مِنَ الصَّحَابَةِ، فَاجْتَمَعُوا فِي الْمَعْنَى، وَاخْتَلَفُوا عَلَيَّ فِي اللَّفْظِ، فَقُلْتُ ذَلِكَ لِبَعْضِهِمْ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يُحِلْ مَعْنَاهُ)). حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ.

وَقَالَ حُذَيْفَةُ: ((إِنَّا قَوْمٌ عَرَبٌ، نُورِدُ الْأَحَادِيثَ، فَنُقَدِّمُ وَنُؤَخِّرُ)).

وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: «كُنْتُ أَسْمَعُ الْحَدِيثَ مِنْ عَشَرَةٍ؛ الْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَاللَّفْظُ مُخْتَلِفٌ» ».

وَالرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى مِنَ الْعَالِمِ الْبَصِيرِ ((هُوَ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ أَحْوَالُ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ الْأَوَّلِينَ، وَكَثِيرًا مَا كَانُوا يَنْقُلُونَ مَعْنًى وَاحِدًا فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّ مُعَوَّلَهُمْ كَانَ عَلَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ)).

الْقَوْلُ الثَّانِي: لَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى مُطْلَقًا، وَيَجِبُ اتِّبَاعُ اللَّفْظِ عَلَى كُلِّ حَالٍ،

وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا طَائِفَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَطَائِفَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ، مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.

أَخْرَجَ الْخَطِيبُ فِي ((الْكِفَايَةِ))، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((مَنْ سَمِعَ حَدِيثًا فَحَدَّثَ بِهِ كَمَا سَمِعَ؛ فَقَدْ سَلِمَ)).

وَالْقَوْلُ الرَّاجِحُ فِي حُكْمِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنِى: هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاهِيرُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَمِنْهُمُ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ؛ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّاوِي إِذَا كَانَ عَالِمًا بَصِيرًا بِالْأَلْفَاظِ وَمَدْلُولَاتِهَا وَمَا يُحِيلُ مَعَانِيَهَا أَنْ يَرْوِيَ بِالْمَعْنَى.

الْأَصْلُ هُوَ الرِّوَايَةُ بِاللَّفْظِ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ: هُوَ الْبَحْثُ فِي جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى وَعَدَمِهِ، وَالْبَحْثُ عَنْ دَلِيلٍ لِلْجَوَازِ؛ يَعْنِي: أَنَّهُ طَارِئٌ عَلَى الْأَصْلِ.

وَالَّذِينَ يَذْهَبُونَ إِلَى الْجَوَازِ.. غَايَةُ مَا يَطْمَحُونَ فِيهِ: أَلَّا يَقَعُوا فِي مُخَالَفَةِ الْأَصْلِ، وَأَمَّا الَّذِينَ يَلْتَزِمُونَ الْأَصْلَ؛ فَلَا شَكَّ فِي وُقُوعِهِمْ فِي حَقِيقَةِ الِاتِّبَاعِ.

* الرَّدُّ عَلَى فِرْيَةِ الزَّعْمِ نِسْيَانَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَحَادِيثَ النَّبِيِّ ﷺ:

مِنَ التَّزَيُّدِ: أَنْ نَبْحَثَ هُنَا عَلَى قُوَّةِ الْحِفْظِ عِنْدَ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَعِنْدَ الْمُسْلِمِينَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، وَحَتَّى بَعْدَ عَهْدِ التَّدْوِينِ، مِنَ التَّزَيُّدِ: أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ وَقَدْ أَصْبَحَ مُقَرَّرًا عِنْدَ أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَوْلِيَائِهِ.

وَمَنْ تَتَبَّعَ الْأَحَادِيثَ الَّتِي يَرْوِيهَا صَحَابِيَّانِ أَوْ أَكْثَرُ، وَوَقَعَ اخْتِلَافٌ؛ فَإِنَّمَا هُوَ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ، وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُونُوا إِذَا حَكَوْا قَوْلَهُ ﷺ يُهْمِلُونَ أَلْفَاظَهُ الْبَتَّةَ، لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يُحَاوِلُ أَنْ يُؤَدِّيَهَا، فَيَقَعُ لَهُ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، أَوْ إِبْدَالُ الْكَلِمَةِ بِمُرَادِفِهَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ وَمَعَ هَذَا فَقَدْ عُرِفَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَتَحَرُّونَ ضَبْطَ الْأَلْفَاظِ.

وَالْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ وَكِبَارُ الصَّحَابَةِ وَأَهْلُ الْفُتْيَا لَمْ يَكُونُوا لِيَرْضُوا أَنْ يَرْوُوا بِالْمَعْنَى، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ مِمَّنْ شَدَّدَ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ آتَاهُمُ اللهُ مِنْ جَوْدَةِ الْحِفْظِ مَا آتَاهُمْ.

فَأَمَّا التَّابِعُونَ؛ فَقَدْ يَتَحَفَّظُونَ الْحَدِيثَ كَمَا يَتَحَفَّظُونَ الْقُرْآنَ.

وَكَانَ غَالِبُهُمْ يَكْتُبُونَ، ثُمَّ يَتَحَفَّظُونَ مَا كَتَبُوهُ، وَنَفَرٌ لَمْ يَكُونُوا يَكْتُبُونَ، غَالِبُهُمْ مِمَّنْ رُزِقُوا جَوْدَةَ الْحِفْظِ وَقُوَّةَ الذَّاكِرَةِ؛ كَالشَّعْبِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَقَدْ عُرِفَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ بِالْتِزَامِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِتَمَامِ لَفْظِهِ؛ كَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَرَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ.

وَأَمَّا أَتْبَاعُ التَّابِعِينَ؛ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ رَاوٍ مُكْثِرٌ إِلَّا كَانَ عِنْدَهُ كُتُبٌ بِمَسْمُوعَاتِهِ.. يُرَاجِعُهَا وَيَتَعَاهَدُهَا، وَيَتَحَفَّظُ حَدِيثَهُ مِنْهَا، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَحْفَظُ، وَإِنَّمَا يُحَدِّثُ مِنْ كِتَابِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَرَّبَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ أَنَّهُ يُحَدِّثُ مِنْ حِفْظِهِ فَيُخْطِئُ، فَاشْتَرَطُوا لِصِحَّةِ رِوَايَتِهِ أَنْ يَكُونَ السَّمَاعُ مِنْهُ مِنْ كِتَابِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَرَفَ الْأَئِمَّةُ أَنَّهُ حَافِظٌ؛ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ يُقَدِّمُ كَلِمَةً أَوْ يُؤَخِّرُهَا، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا عَرَفُوا أَنَّهُ لَا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى، فَيُوَثِّقُونَهُ وَيُبَيِّنُونَ أَنَّ السَّمَاعَ مِنْهُ مِنْ كِتَابِهِ أَثْبَتَ.

فَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُمْ؛ فَكَانَ الْمُتَثَبِّتُونَ لَا يَكَادُونَ يَسْمَعُونَ مِنَ الرَّجُلِ إِلَّا مِنْ أَصْلِ كِتَابِهِ، كَانَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ الصَّنْعَانِيُّ ثِقَةً حَافِظًا، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ إِلَّا مِنْ أَصْلِ كِتَابِهِ.

قَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذَا الْعَرْضِ أَنَّ الْقَاعِدَةَ فِي الرِّوَايَةِ: هِيَ الرِّوَايَةُ بِاللَّفْظِ، وَكَيْفَ لَا وَهَذِهِ أَشْعَارُ الْعَرَبِ الَّتِي قِيلَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَصَدْرِ الْإِسْلَامِ مَحْفُوظَةٌ بِأَلْفَاظِهَا بِغَيْرِ تَبْدِيلٍ وَلَا تَغْيِيرٍ، اللهم إِلَّا تَبْدِيلًا يَسْيِرًا فِي لَفْظٍ، أَوْ تَغْيِيرًا طَفِيفًا فِي مَوْضِعِ بَيْتٍ مِنْ قَصِيدَتِهِ؟!!

وَهَذِهِ الْأَشْعَارُ نُقِلَتْ عَبْرَ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ مُشَافَهَةً مِنْ غَيْرِ تَدْوِينٍ؛ أَفَيَجْمُلُ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ الْعَرَبَ -مُسْلِمِينَ أَوْ غَيْرَ مُسْلِمِينَ- كَانُوا أَحْرَصَ عَلَى تَحَفُّظِ أَلْفَاظِ الْأَشْعَارِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْخُلَّصِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي تَحَفُّظِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَدْ عُلِمَ تَوْقِيرُهُمْ لَهُ، وَمَحَبَّتُهُمْ إِيَّاهُ، وَتَتَبُّعُهُمْ لِمَنْطِقِهِ؟!!

قَالَ الْمُعَلَّمِيُّ: ((وَمَنْ تَدَبَّرَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَالِ الصَّحَابَةِ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا كُلُّهُمْ يُرَاعُونَ الرِّوَايَةَ بِاللَّفْظِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُبَالِغُ فِي تَحَرِّي ذَلِكَ، وَكَذَا فِي التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ، وَأَنَّ الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ قَدْ يَرْوِيهِ صَحَابِيَّانِ أَوْ أَكْثَرُ، وَيَرْوِيهِ عَنِ الصَّحَابِيِّ تَابِعِيَّانِ فَأَكْثَرَ، وَهَلُمَّ جَرَّا، وَأَنَّ التَّابِعِينَ كَتَبُوا، وَأَنَّ أَتْبَاعَهُمْ كَتَبُوا وَدَوَّنُوا.

وَأَنَّ الْأَئِمَّةَ اعْتَبَرُوا حَالَ كُلِّ رَاوٍ فِي رِوَايَتِهِ لِأَحَادِيثِهِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمُتَفَاوِتَةِ، فَإِذَا وَجَدُوهُ يَرْوِي الْحَدِيثَ مَرَّةً بِمَا يُحِيلُ مَعْنَاهُ فِي رِوَايَتِهِ لَهُ مَرَّةً أُخْرَى؛ جَرَحُوهُ، ثُمَّ اعْتَبَرُوا رِوَايَةَ كُلِّ رَاوٍ بِرِوَايَةِ الثِّقَاتِ، فَإِذَا وَجَدُوهُ يُخَالِفُهُمْ بِمَا يُحِيلُ الْمَعْنَى؛ جَرَحُوهُ، ثُمَّ بَالَغَ مُحَقِّقُوهُمْ فِي الْعِنَايَةِ بِالْحَدِيثِ عِنْدَ التَّصْحِيحِ، فَلَا يُصَحِّحُونَ مَا عَرَفُوا لَهُ عِلَّةً، نَعَمْ.. قَدْ يَذْكُرُونَ فِي الْمُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ مَا وَقَعَتْ فِيهِ مُخَالَفَةٌ مَّا، وَيُنَبِّهُونَ عَلَيْهِ، مَنْ تَدَبَّرَ هَذَا وَلَمْ يُعْمِهِ الْهَوَى؛ اطْمَأَنَّ قَلْبُهُ بِوَفَاءِ اللهِ -تَعَالَى- بِمَا تَكَفَّلَ بِهِ مِنْ حِفْظِ دِينِهِ، وَبِتَوْفِيقِهِ عُلَمَاءَ الْأُمَّةِ لِلْقِيَامِ بِذَلِكَ، وَللهِ الْحَمْدُ)).

إِنَّ الظَّنَّ بِالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى عَصْرِ التَّدْوِينِ؛ أَنَّ مَنْ رَوَى مِنْهُمْ شَيْئًا بِالْمَعْنَى إِنَّمَا رَوَاهُ كَذَلِكَ لِعُذْرٍ -مِنْ نِسْيَانٍ، أَوْ عَدَمِ تَرْجِيحٍ-، وَمَنْ تَفَقَّدَ أَحْوَالَهُمْ فِي حِرْصِهِمْ عَلَى السُّنَّةِ وَالِاتِّبَاعِ؛ جَزَمَ بِأَنَّهُمْ لَا يُقَدِّمُونَ أَلْفَاظَهُمْ عَلَى أَلْفَاظِ النَّبِيِّ ﷺ بِاخْتِيَارِهِمْ وَتَعَمُّدِهِمْ.

وَكَذَلِكَ النَّظَرُ فِي الرِّوَايَاتِ الَّتِي رُوِيَتْ بِالْمَعْنَى.. يَدْعُو إِلَى الْيَقِينِ بِأَنَّ مَا رُوِيَ بِالْمَعْنَى إِنَّمَا هُوَ لَفْظٌ يُرَادِفُ لَفْظًا، أَوْ لَفْظٌ يَقُومُ مَقَامَ لَفْظٍ، وَلَيْسَتِ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى هِيَ إِعَادَةُ صِيَاغَةِ الْمَعْنَى فِي كُلِّ حَدِيثٍ بِأَلْفَاظِ الرَّاوِي وَأُسْلُوبِهِ.

فَالْأَصْلُ فِي النَّقْلِ اتِّبَاعُ اللَّفْظِ، وَالنَّقْلُ بِالْمَعْنَى إِنَّمَا هُوَ ضَرُورَةٌ عَارِضَةٌ، وَمِنْ غَيْرِ الْمَقْبُولِ أَنْ يَحْرِصَ الْعَرَبُ -مُسْلِمِينَ وَكُفَّارًا، فِي الْإِسْلَامِ وَالْجَاهِلِيَّةِ- عَلَى نَقْلِ شِعْرِ الشُّعَرَاءِ بِأَلْفَاظِهِ، وَلَا يَحْرِصُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى نَقْلِ أَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَلْفَاظِهَا، مَعَ مَا مَتَّعَهُمُ اللهُ بِهِ مِنْ قُوَّةِ الذَّاكِرَةِ، وَقُرْبِ عَصْرِ التَّدْوِينِ مِنْ عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ.

الرَّدُّ عَلَى شُبْهَةِ: بَدْأُ الْوَضْعِ فِي الْحَدِيثِ فِي عَهْدِ الرَّسُولِ ﷺ

زَعَمَ الْأُسْتَاذُ أَحْمَد أَمِين أَنَّ الْوَضْعَ فِي الْحَدِيثِ بَدَأَ فِي عَهْدِ الرَّسُولِ، فَقَالَ: ((وَيَظْهَرُ أَنَّ هَذَا الْوَضْعَ (وَقَعَ) حَتَّى فِي عَهْدِ الرَّسُولِ، فَحَدِيثُ: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ إِنَّمَا قِيلَ لِحَادِثَةٍ حَدَثَتْ، زُوِّرَ فِيهَا عَلَى الرَّسُولِ)).

وَهَذَا زَعْمٌ مَرْدُودٌ، قَالَ الدُّكْتُور أَكْرَم ضِيَاء الْعمري: ((وَقَدْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ أَحْمَد أَمِين أَنَّ حَدِيثَ: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) إِنَّمَا قِيلَ فِي حَادِثَةٍ زُوِّرَ فِيهَا عَلَى الرَّسُولِ؛ وَلَكِنْ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ لَا سَنَدَ لَهُ فِي رِوَايَاتِ التَّارِيخِ، وَلَا فِي سِيَاقِ الْأَحَادِيثِ، فَالنَّبِيُّ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ حِينَ أَمَرَ الصَّحَابَةَ بِالتَّبْلِيغِ عَنْهُ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَقَّعَ -كَذَا- مَا سَيَكُونُ مِنْ كَذِبٍ عَلَيْهِ، فَحَذَّرَ مِنْ ذَلِكَ، وَنَبَّهَ أَصْحَابَهُ إِلَى أَخْذِ الْحَيْطَةِ وَالتَّيَقُّظِ فِي قَبُولِ الْأَحَادِيثِ، وَلَمْ يَصِحَّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ فِي حَادِثَةِ تَزْوِيرٍ مُعَيَّنَةٍ!!)).

الرَّدُّ عَلَى شُبْهَةِ: اخْتِلَاطِ الدَّخِيلِ بِالْأَصِيلِ مِنَ السُّنَّةِ

لَمْ تَكُنْ ضَوَابِطُ الرِّوَايَةِ وَقَوَانِينُهَا إِلَّا ثَمَرَةً مِنْ ثَمَرَاتِ تَصَدِّي الْعُلَمَاءِ لِلْوَضْعِ فِي الْحَدِيثِ، وَنَتِيجَةً مِنْ نَتَائِجِ جُهُودِهِمْ فِي نَفْيِ الْكَذِبِ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

وَقَدْ بَدَأَتْ جُهُودُ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ مُنْذُ أَوَّلِ الرَّاشِدِينَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- فِي حِيَاطَةِ السُّنَّةِ بِسِيَاجٍ مِنَ التَّوَقِّي وَالنَّقْدِ، فَلَا يَنْفُذُ إِلَيْهَا دَخَلٌ، وَلَا يَخْلُصُ إِلَيْهَا دَخِيلٌ، وَإِنَّمَا تَبْقَى عَلَى أَصْلِ نَقَائِهَا بِغَيْرِ مَا شَائِبَةٍ تَشُوبُ.

وَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا الْحِيَاطَةُ بِمَا بَذَلَهُ الْعُلَمَاءُ فِي سَبِيلِ مُقَاوَمَةِ الْوَضْعِ، وَحِفْظِ السُّنَّةِ؛ وَلَكِنْ هُنَا -بِحَوْلِ اللهِ وَقُوَّتِهِ- إِشَارَاتٌ إِلَى الْمَسَالِكِ الْعَامَّةِ الَّتِي سَلَكَهَا الْعُلَمَاءُ فِي مُقَاوَمَةِ الْوَضْعِ فِي الْحَدِيثِ، وَكُلُّ مَا يَأْتِي بَعْدُ -إِنْ شَاءَ اللهُ- فِي هَذَا الْبَحْثِ مِنْ بَيَانٍ؛ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، بَابِ مُقَاوَمَةِ الْكَذِبِ فِي الْحَدِيثِ.

أَوَّلًا: التَّثَبُّتُ فِي السَّمَاعِ، وَالتَّشْدِيدُ فِيهِ.

وَقَدْ بَدَأَ هَذَا الْأَمْرُ مُبَكِّرًا عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَهُوَ كَمَا قَالَ الذَّهَبِيُّ: ((أَوَّلُ مَنِ احْتَاطَ فِي قَبُولِ الْأَخْبَارِ)).

وَكَذَلِكَ كَانَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ الذَّهَبِيُّ: ((وَهُوَ الَّذِي سَنَّ لِلْمُحَدِّثِينَ التَّثَبُّتَ فِي النَّقْلِ)).

وَكَذَلِكَ كَانَ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- شَدِيدَ التَّحَرِّي فِي الْأَخْذِ، بَالِغَ التَّثَبُّتِ فِيهِ، قَالَ الذَّهَبِيُّ عَنْهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((كَانَ إِمَامًا عَالِمًا مُتَحَرِّيًا فِي الْأَخْذِ؛ بِحَيْثُ إِنَّهُ يَسْتَحْلِفُ مَنْ يُحَدِّثُهُ بِالْحَدِيثِ)).

وَكَانَ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أَخْلَصَ النَّاسِ قُلُوبًا، وَأَصْدَقَ النَّاسِ أَلْسِنَةً، فَلَمَّا فَتَحُوا الْبُلْدَانَ، وَدَخَلَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ فِي الْإِسْلَامِ، وَوَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الْكُبْرَى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَظَهَرَ الْوَضْعُ فِي الْحَدِيثِ؛ كَانَ الصَّحَابَةُ أَشَدَّ تَحَرِّيًا فِي الْأَخْذِ، وَأَعْظَمَ تَثَبُّتًا فِي السَّمَاعِ.

ثَانِيًا: الْكَشْفُ عَنْ مَعَايِبِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ.

وَهَذَا مَسْلَكٌ سَلَكَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ مَطْلَعِ فَجْرِ الرِّوَايَةِ وَالتَّحْدِيثِ.

الْعُلَمَاءُ لَا يُحَابُونَ أَحَدًا؛ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ، أَوْ إِخْوَانَهُمْ، أَوْ عَشِيرَتَهُمْ؛ حَتَّى لَيَتَكَلَّمُ الرَّجُلُ فِي أَبِيهِ؛ مِنْ أَجْلِ الدِّينِ.

قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: ((سُئِلَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ عَنْ أَبِيهِ، فَقَالَ: اسْأَلُوا غَيْرِي، فَقَالُوا: سَأَلْنَاكَ، فَأَطْرَقَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: هَذَا هُوَ الدِّينُ، أَبِي ضَعِيفٌ)).

وَكَانَ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ يَتَقَرَّبُونَ إِلَى اللهِ -تَعَالَى- بِبَيَانِ أَحْوَالِ الْكَاذِبِينَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ: ((كَانَ شُعْبَةُ يَقُولُ: تَعَالُوا حَتَّى نَغْتَابَ فِي اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-)).

ثَالِثًا: تَضْيِيقُ الْخِنَاقِ عَلَى الْوَضَّاعِينَ:

وَمَعَ بَيَانِ مَعَايِبِ الرُّوَاةِ؛ أَخَذَ الْعُلَمَاءُ بِمَسْلَكٍ آخَرَ، هُوَ الْمُوَاجَهَةُ الْمُبَاشِرَةُ مَعَ الْوَضَّاعِينَ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ زَاجِرًا لَهُمْ عَنِ التَّمَادِي فِي الْكَذِبِ وَالِاخْتِلَاقِ.

وَمِنْ تَشْدِيدِ الْحِصَارِ عَلَى الْوَضَّاعِينَ: أَنْ يَسْتَعْدِيَ الْمُحَدِّثُ النَّاقِدُ الْخَبِيرُ عَلَيْهِمُ السُّلْطَانَ؛ حَتَّى يَزْدَجِرُوا عَنْ وَضْعِهِمْ وَإِفْكِهِمْ.

رَابِعًا: تَحْصِيلُ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ لِلتَّرْغِيبِ عَنْهَا.

كَانُوا يُحَصِّلُونَ الْمَوْضُوعَ وَالضَّعِيفَ كَمَا يُحَصِّلُونَ مَا صَحَّ؛ حَتَّى لَا يُخْدَعَ أَحَدٌ بِالْمَوْضُوعِ، وَلَا يَتَوَرَّطَ أَحَدٌ فِي رِوَايَتِهِ أَوِ الْعِلْمِ بِهِ.

خَامِسًا: فَحْصُ الْأَسَانِيدِ وَتَأْسِيسُ عِلْمِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ.

السَّنَدُ وَالْإِسْنَادُ: ((سِلْسِلَةُ الرِّجَالِ الْمُوصِلَةُ لِلْمَتْنِ)).

لَمْ يَكُنِ النَّظَرُ فِي الْأَسَانِيدِ دَأْبَ السَّابِقِينَ مِنَ الْأَصْحَابِ حَتَّى وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ وَانْقَسَمَتِ الْأُمَّةُ، وَأَخَذَتِ الْفِرَقُ فِي وَضْعِ الْحَدِيثِ عَصَبِيَّةً وَهَوًى.

وَهُنَا بَرَزَ الْفَحْصُ عَنِ الْإِسْنَادِ؛ دِرْعًا يَتَحَطَّمُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ، وَيَتَبَيَّنُ بِهِ الصَّحِيحُ مِنَ الزَّائِفِ؛ إِذِ الْإِسْنَادُ لِلْحَدِيثِ كَالنَّسَبِ لِلرَّجُلِ.

يَقُولُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِيمَا يَرْوِيهِ مُسْلِمٌ فِي ((مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ)): ((الْإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْ لَا الْإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ)).

وَقَدْ كَانَ مِنْ آثَارِ فَحْصِ الْأَسَانِيدِ، وَالنَّظَرِ فِي أَحْوَالِ الرِّجَالِ: أَنْ تَأَسَّسَ عِلْمٌ عَظِيمٌ، هُوَ عِلْمُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ.

سَادِسًا: الْكِتَابَةُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ.

وَمِنَ الطُّرُقِ الَّتِي سَلَكَهَا الْعُلَمَاءُ فِي مُوَاجَهَةِ الْوَضْعِ: التَّأْلِيفُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَقَدْ زَخِرَتِ الْمَكْتَبَةُ الْحَدِيثِيَّةُ بِكُتُبٍ كَثِيرَةٍ عَنِ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ.

هَذِهِ السُّطُورُ إِلْمَامَةٌ سَرِيعَةٌ بِذَلِكَ الْمَوْضُوعِ الْجَلَلِ -مَوْضُوعِ الْوَضْعِ فِي الْحَدِيثِ-، الَّذِي عَاشَ لَهُ الْجَهَابِذَةُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ الْمُحَدِّثِينَ النُّقَّادِ الْحَفَظَةِ، وَسَلَخُوا فِيهِ مِنْ أَعْمَارِهِمْ سِنِينَ، يَنْفُونَ الدَّخِيلَ، وَيُثْبِتُونَ الْأَصِيلَ، وَيُفَتِّشُونَ عَنْ أَحْوَالِ الرُّوَاةِ، وَيَفْحَصُونَ الْأَسَانِيدَ؛ لِيَظَلَّ الثَّابِتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَحْفُوظًا نَقِيًّا مِنْ كُلِّ شَوْبٍ، بَرِيئًا مِنْ كُلِّ طَعْنٍ.

وَقَدْ بَلَغَ عُلَمَاؤُنَا -رَحِمَهُمُ اللهُ- فِي هَذَا الشَّأْنِ الْغَايَةَ الْمُنِيفَةَ، وَالرُّتْبَةَ الشَّرِيفَةَ؛ لِيَتَحَقَّقَ فِيهِمْ وَعْدُ اللهِ تَعَالَى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].

فَحَفِظَ اللهُ بِهِمْ دِينَهُ، وَبَلَّغَ بِهِمْ حَدِيثَ نَبِيِّهِ ﷺ؛ لِتَتَقَطَّعَ حُجُجُ الْمُعَانِدِينَ، وَتُخْرَسَ أَلْسِنَةُ الطَّاعِنِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

الرَّدُّ عَلَى شُبْهَةِ: تَعَارُضِ بَعْضِ نُصُوصِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ

مِنَ الدُّرُوبِ الَّتِي يَسْلُكُهَا بَعْضُ الطَّاعِنِينَ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: الزَّعْمُ بِوُجُودِ تَعَارُضٍ بَيْنَ بَعْضِ نُصُوصِ السُّنَّةِ، وَهَذَا مِنْ جَهْلِهِمُ الْمُطْبِقِ بِعُلُومِ الْحَدِيثِ؛ كَعِلْمِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، وَعِلْمِ مُخْتَلَفِ الْحَدِيثِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ عُلُومِ الْحَدِيثِ الشَّرِيفَةِ.

لَا شَكَّ أَنَّ التَّنَاقُضَ مَنْفِيٌّ عَنِ الشَّرِيعَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَالِاخْتِلَافُ الظَّاهِرُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ لَا يُجَاوِزُ الظَّاهِرَ إِلَى حَقِيقَةِ النَّصِّ بِحَالٍ، وَالتَّعَارُضُ إِنَّمَا هُوَ فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ فَقَطْ.

وقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: ((لَا تَعَارُضَ -بِحَمْدِ اللهِ- بَيْنَ أَحَادِيثِهِ الصَّحِيحَةِ، فَإِذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ:

* فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ لَيْسَ مِنْ كَلَامِهِ ﷺ، وَقَدْ غَلِطَ فِيهِ بَعْضُ الرُّوَاةِ مَعَ كَوْنِهِ ثِقَةً ثَبْتًا، فَالثِّقَةُ يَغْلَطُ.

* أَوْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ نَاسِخًا لِلْآخَرِ إِذَا كَانَ مِمَّا يَقْبَلُ النَّسْخَ.

* أَوْ يَكُونَ التَّعَارُضُ فِي فَهْمِ السَّامِعِ، لَا فِي نَفْسِ كَلَامِهِ ﷺ.

فَلَا بُدَّ مِنْ وَجْهٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ.

وَأَمَّا حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ صَرِيحَانِ مُتَنَاقِضَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لَيْسَ أَحَدُهُمَا نَاسِخًا لِلْآخَرِ؛ فَهَذَا لَا يُوجَدُ أَصْلًا، وَمَعَاذَ اللهِ أَنْ يُوجَدَ فِي كَلَامِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ الَّذِي لَا يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ شَفَتَيْهِ إِلَّا الْحَقُّ، وَالْآفَةُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي مَعْرِفَةِ الْمَنْقُولِ، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ صَحِيحِهِ وَمَعْلُولِهِ، أَوْ مِنَ الْقُصُورِ فِي فَهْمِ مُرَادِهِ ﷺ، وَحَمْلِ كَلَامِهِ عَلَى غَيْرِ مَا عَنَاهُ بِهِ، أَوْ مِنْهُمَا مَعًا، وَمِنْ هَا هُنَا وَقَعَ مِنَ الِاخْتِلَافِ وَالْفَسَادِ مَا وَقَعَ)).

وَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّد أَبُو زَهْوٍ فِي بَيَانِ أَهَمِّيَّةِ مُخْتَلَفِ الْحَدِيثِ: ((هَذَا فَنٌّ جَلِيلٌ، وَكُلُّ عَالِمٍ -بَلْ كُلُّ مُسْلِمٍ- يَحْتَاجُ لِلْوُقُوفِ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ بِمَعْرِفَتِهِ يَنْدَفِعُ التَّنَاقُضُ عَنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ، وَيَطْمَئِنُّ الْمُكَلَّفُ إِلَى أَحْكَامِ الشَّرْعِ)).

فَعِلْمُ مُخْتَلَفِ الْحَدِيثِ عِلْمٌ عَالِي الرُّتْبَةِ، شَرِيفُ الْمَنْزِلَةِ، وَقَدْ جَعَلَهُ الزَّائِغُونَ مِنَ السَّابِقِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ اللَّاحِقينَ؛ مُسْتَشْرِقِينَ وَمُسْتَغْرِبِينَ.. جَعَلُوهُ بَابًا لِلطَّعْنِ فِي السُّنَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ، وَالتَّشْكِيكِ فِي الدِّينِ.

وَهَذَا مِثَالٌ عَلَى طَعْنِ أَحَدِ الزَّائِغِينَ فِي السُّنَّةِ بِسَبَبِ جَهْلِهِ بِعِلْمِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، ذَكَرَ أَحَدُ الصَّحَافِيِّينَ فِي جَرِيدَة ((الفجر)):

((مَاذَا يَقُولُ الشُّيُوخُ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي تَقُولُ فِيهِ: -كَذَا- إِنَّ دَاجِنًا أَكَلَ آيَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ؛ فَهَلِ الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ، أَمْ أَنَّ الْقُرْآنَ نَاقِصٌ؟!!)).

عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- هَذِهِ رِوَايَتُهَا عِنْدَ ابْنِ مَاجَه فِي ((سُنَنِهِ))، فِيهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِكُلِّ مَنْ لَهُ أَدْنَى مُشَارَكَةٍ فِي هَذَا الْعِلْمِ الشَّرِيفِ؛ فِي الْإِسْنَادِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَهُوَ مُدَلِّسٌ مَعْرُوفٌ -وَإِنْ كَانَ إِمَامًا-؛ وَلَكِنْ إِذَا عَنْعَنَ؛ فَإِنَّهُ لِضَعْفِهِ حِينَئِذٍ -أَعْنِي: الْإِسْنَادَ- عَلَى حَسَبِ التَّدْلِيسِ الَّذِي جَاءَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ يَكُونُ الْحَدِيثُ ضَعِيفًا.

وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ حَسَّنَ الْحَدِيثَ الشَّيْخُ نَاصِرٌ -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ- فِي ((صَحِيحِ سُنَنِ ابْنِ مَاجَه))، حَسَّنَهُ، فَلْيَكُنْ صَحِيحًا؛ فَمَاذَا فِيهِ؟!!

فَلْيَكُنْ هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحًا، عَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ، لَا حُسْنِهِ؛ مَاذَا فِيهِ؟!!

فَلْنَنْظُرِ الصَّفْحَةَ الَّتِي صَوَّرَهَا الْمَشْبُوهُ -الصَّحَافِيُّ- فِي مَقَالِهِ الْعَبَثِيِّ، فِيهَا تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ، وَفِي التَّخْرِيجِ أَخْرَجَهُ فِي الْحَاشِيَةِ -أَتَى بِصُورَةٍ مُصَغَّرَةٍ لِلصَّفْحَةِ الَّتِي فِيهَا الْحَدِيثُ، فِي حَاشِيَةِ هَذِهِ الصَّفْحَةِ تَخْرِيجٌ لِذَلِكَ الْحَدِيثِ-، فِي التَّخْرِيجِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((الرَّضَاعِ))، وَالنَّسَائِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالدَّارِمِيُّ، فَيُوهِمُ هَذَا التَّخْرِيجُ أَنَّ الْقِصَّةَ -قِصَّةَ أَكْلِ الدَّاجِنِ- هِيَ فِي تِلْكَ الْكُتُبِ، وَالْحَقُّ أَنْ لَا!!

مَا الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَه، وَهَذِهِ الْمَصَادِرِ الَّتِي خُرِّجَ عَلَيْهَا الْحَدِيثُ؟

هُوَ مَسْأَلَةُ الرَّضَاعِ.

وَأَمَّا أَكْلُ الدَّاجِنِ؛ فَهِيَ فِي ((سُنَنِ ابْنِ مَاجَه))، لَا فِي تِلْكَ الْمَصَادِرِ الَّتِي يُوهِمُ صَنِيعُهُ أَنَّهَا فِيهَا، وَهَذِهِ فَضِيحَةٌ عِلْمِيَّةٌ، وَخِدَاعٌ مَكْشُوفٌ إِنْ كَانَ مُتَعَمَّدًا، وَالتَّرْجِيحُ أَنَّهُ جَهْلٌ مِنْهُ، فَعَقْلُهُ لَا يُطِيقُ الْخِدَاعَ وَلَا يَقْوَى عَلَيْهِ، هَذَا جَهْلٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا أَنْ يَتَعَمَّدَهُ هُوَ؛ فَهُوَ أَقَلُّ وَأَذَلُّ مِنْ أَنْ يَصِلَ إِلَى ذَلِكَ الْمُرْتَقَى، أَوْ يَهْبِطَ إِلَى ذَلِكَ الدَّرْكِ فِي الْخِدَاعِ!!

فِي ((مُسْلِمٍ)) عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-، أَنَّهَا قَالَتْ: ((كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضْعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ))؛ يَعْنِي: هَذَا الَّذِي نُسِخَ؛ تُوُفِّيَ الرَّسُولُ ﷺ وَهُنَّ -أَيْ: تِلْكُ الْآيَاتُ- فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ.

وَلَا ذِكْرَ هَاهُنَا لِلدَّاجِنِ.

وَعَلَى فَرْضِ صِحَّةِ مَا ذَكَرَ ابْنُ مَاجَه مِنْ قِصَّةِ الدَّاجِنِ -وَالدَّاجِنُ: هِيَ شَاةٌ يَعْلِفُهَا النَّاسُ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَقَدْ يَقَعُ اللَّفْظُ عَلَى غَيْرِ الشَّاةِ مِنْ كُلِّ مَا يَأْلَفُ الْبُيُوتَ مِنَ الطَّيْرِ وَنَحْوِهَا-.

قَوْلُهَا -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: ((وَلَقَدْ كَانَ فِي صَحِيفَةٍ تَحْتَ سَرِيرِي))، وَلَمْ تُرِدْ أَنَّهُ كَانَ مَقْرُوءًا غَيْرَ مَنْسُوخٍ؛ بَلْ كَانَ مَنْسُوخًا؛ بَلْ قَوْلُهَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَمَالِكٍ، وَالنَّسَائِيِّ: ((فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ))؛ مَعْنَاهُ: أَنَّ النَّسْخَ بِخَمْسِ رَضْعَاتٍ تَأَخَّرَ إِنْزَالُهُ جِدًّا؛ حَتَّى إِنَّهُ ﷺ تُوُفِّيَ وَبَعْضُ النَّاسِ يَقْرَأُ: خَمْسُ رَضْعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ، وَيَجْعَلُهَا قُرْآنًا مَتْلُوًّا؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ لِقُرْبِ عَهْدِهِ -أَيْ: لِقُرْبِ عَهْدِ النَّسْخِ-، فَلَمَّا بَلَغَهُمُ النَّسْخُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ هَذَا لَا يُتْلَى.

وَالنَّسْخُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ:

* أَحَدُهَا: مَا نُسِخَ حُكْمُهُ وَتِلَاوَتُهُ كَـ ((عَشْرِ رَضْعَاتٍ)).

* وَالثَّانِي: مَا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ دُونَ حُكْمِهِ كَـ((خَمْسِ رَضْعَاتٍ))، فَهَذَا حُكْمُهُ ثَابِتٌ، وَلَفْظُهُ مَنْسُوخٌ، وَتِلَاوَتُهُ مَنْسُوخَةٌ، وَكَـ ((الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ))، فَهَذِهِ آيَةُ الرَّجْمِ الَّتِي ذَكَرَتَ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَه.

* وَالثَّالِثُ مِنْ أَنْوَاعِ النَّسْخِ: مَا نُسِخَ حُكْمُهُ، وَبَقِيَتْ تِلَاوَتُهُ، وَهَذَا هُوَ الْأَكْثَرُ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَنْسُوخِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ۚ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 240].

فَالصَّحِيفَةُ الَّتِي ذَكَرَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّ الدَّاجِنَ أَكَلَتْهَا؛ كَانَ فِيهَا آيَتَانِ مَنْسُوخَتَانِ:

* إِحْدَاهُمَا: مَنْسُوخَةٌ حُكْمًا وَتِلَاوَةً، وَهِيَ ((عَشْرُ رَضْعَاتٍ)).

* وَالثَّانِيَةُ: مَنْسُوخَةٌ تِلَاوَةً، لَا حُكْمًا، وَهِيَ ((آيَةُ الرَّجْمِ))؛ فَأَيُّ شَيْءٍ فِي هَذَا؟!!

صَحِيفَةٌ فِيهَا آيَاتٌ نُسِخَتْ تِلَاوَةً، فَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالرَّضَاعِ؛ فَهِيَ مَنْسُوخَةٌ تِلَاوَةً وَحُكْمًا، وَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالرَّجْمِ؛ فَهِيَ مَنْسُوخَةٌ تِلَاوَةً لَا حُكْمًا؛ فَأَيُّ شَيْءٍ فِي هَذَا؟!!

((حَتَّى إِذَا أَكَلَتْهَا الدَّاجِنُ)) أَيُّ شَيْءٍ فِي هَذَا؟!!

يَقُولُ: ((أَمِ الْقُرْآنُ نَاقِصٌ يَا شُيُوخُ؟!!)).

هَلْ يَقُولُ مُسْلِمٌ أَنَّ الْقُرْآنَ نَاقِصٌ؛ لِأَنَّ صَحِيفَةً فِيهَا آيَتَانِ مَنْسُوخَتَانِ تِلَاوَةً، وَإِحْدَاهُمَا مَنْسُوخَةٌ تِلَاوَةً وَحُكْمًا، وَقَدِ اسْتُغْنِيَ عَنْهَا -يَعْنِي: عَنْ تِلْكَ التِّلَاوَةِ بِالنَّسْخِ-؛ هَلْ يَقُولُ قَائِلٌ: إِنَّ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ قَدْ فُقِدَ لِذَلِكَ؟!!

وَلِمَ الْحِرْصُ عَلَى بَقَائِهَا أَصْلًا؟!!

وَأَيُّ شَيْءٍ فِي الْحَدِيثِ يُومِئُ وَيُشِيرُ إِلَى مَا كَتَبَهُ الْمَشْبُوهُ وَطَبَّلَ لَهُ: ((الْحَدِيثُ الْكَارِثَةُ))؟!!

بَلْ عَقْلُكَ وَاللهِ الْكَارِثَةُ..

وَهَذِهِ صُورَةٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَعَارِضَةِ ظَاهِرًا:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَا عَدْوَى، وَلَا صَفَرَ، وَلَا هَامَةَ)).

فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! فَمَا بَالُ إِبِلِي تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ، فَيَأْتِي الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ، فَيَدْخُلُ بَيْنَهَا فَيُجْرِبُهَا؟!!)).

فَقَالَ ﷺ: ((فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟!!)).

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ)).

قَالُوا: ((وَمَا الْفَأْلُ؟)).

قَالَ: ((كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ)).

فَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِمَا مُعَارَضَانِ مِنَ الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ)).

وَفِي الْبُخَارِيِّ: قَالَ عَفَّانُ: حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَيْنَاءَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الْأَسَدِ)).

فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ بَيَّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْعَرَبِ وَلِلنَّاسِ كَافَّةً؛ أَنَّ الْعَدْوَى وَحْدَهَا أَوِ الْمَيِكْرُوب وَحْدَهُ لَيْسَ هُوَ السَّبَبُ فِي حُصُولِ الْمَرَضِ، وَأَنَّ هُنَاكَ أَسْبَابًا أُخْرَى بِيَدِ اللهِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، إِنْ شَاءَ صَرَفَهَا، وَإِنْ شَاءَ جَمَعَهَا؛ فَكَانَ الْمَرَضُ وَكَانَتِ الْعَدْوَى، أَمَّا الِاعْتِقَادُ بِأَنَّ هَذَا الْمَيِكْرُوب هُوَ سَبَبُ الْمَرَضِ الْوَحِيدُ، وَأَنَّ الْعَدْوَى هِيَ سَبَبُ الْمَرَضِ الْوَحِيدُ؛ فَهُوَ:

أَوَّلًا: جَهْلٌ بِحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ.

ثَانِيًا: جَهْلٌ بِقُدْرَةِ الْخَالِقِ -عَزَّ وَجَلَّ-.

ثَالِثًا: تَعْظِيمٌ لِلْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ، فَيَتَّكِلُ عَلَيْهَا الْمَرْءُ، وَبِذَلِكَ يَخْرُجُ مِنْ دَائِرَةِ التَّوْحِيدِ إِلَى دَائِرَةِ الشِّرْكِ بِاللهِ تَعَالَى، فَيَرَى الْأَسْبَابَ الظَّاهِرَةَ، وَلَا يَرَى سَبَبَهَا الْحَقِيقِيَّ، وَهُوَ اللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وَتَعَالَتْ حِكْمَتُهُ-، فَيَضِلُّ كَمَا ضَلَّ السَّابِقُونَ مِنْ عَرَبٍ وَمِنْ عَجَمٍ، وَكَمَا ضَلَّ اللَّاحِقُونَ وَالْمُعَاصِرُونَ مِنْ ذَوِي الْكَلِمَاتِ الرَّنَّانَةِ وَالْأَلْفَاظِ الْبَرَّاقَةِ، الَّتِي يَخْدَعُونَ بِهَا النَّاسَ عَنِ الْحَقِيقَةِ، وَمَا يَخْدَعُونَ بِهَا إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ!!

وَلَا بُدَّ إِذَنْ مِنَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمُسَبِّبِ الْأَوَّلِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْأَعْرَابِيِّ: ((فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟!)).

وَبِذَلِكَ تُرَدُّ الْأُمُورُ كُلُّهَا إِلَى اللهِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ، الْمُتَصَرِّفِ فِي كَوْنِهِ وَعِبَادِهِ كَمَا يَشَاءُ؛ بِالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَبِالْعَدْوَى وَالْمُقَاوَمَةِ.

فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَتَوَكَّلَ أَوْ يَعْتَمِدَ عَلَى أَحَدٍ غَيْرِ اللهِ، وَمَعَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّخِذَ الْأَسْبَابَ، وَيَعْلَمَ أَنَّهَا مَرْبُوبَةٌ مَقْهُورَةٌ بِيَدِ بَارِئِهَا وَخَالِقِهَا.

وَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ الشَّرِيفَةِ مُوَضِّحَةً ذَلِكَ فِي أَبْلَغِ عِبَارَةٍ وَأَجْمَلِ بَيَانٍ، فَقَالَ ﷺ: ((لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ))؛ لَا عَدْوَى بِذَاتِهَا، وَمَعَ هَذَا لَا بُدَّ مِنَ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ وَالِاحْتِيَاطِ؛ أَنْ يَفِرَّ الْمَرْءُ مِنَ الْمَجْذُومِ وَ((لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ))، وَلَا يَحْتَكُّ الْمَرِيضُ بِالصَّحِيحِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ أَدْعَى لِانْتِقَالِ الْمَرَضِ بِقَدَرِ اللهِ تَعَالَى.

فَالْعَدْوَى بِذَاتِهَا لَيْسَتْ فَاعِلَةً، وَالْفَاعِلُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، وَهَذَا لَا يُنَافِي الْأَخْذَ بِالْأَسْبَابِ، وَتَجَنُّبَ أَسْبَابِ الدَّاءِ، وَإِنَّمَا الْأَخْذُ بِالْأَسْبَابِ مَعَ الْعِلْمِ أَنَّهَا لَيْسَتْ فَاعِلَةً بِذَاتِهَا، وَإِنَّمَا هِيَ مَرْبُوبَةٌ مَقْهُورَةٌ، يُصَرِّفُهَا خَالِقُهَا كَيْفَ يَشَاءُ، هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَهُوَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ يَقُومُ بِالْأَسْبَابِ فِي عَالَمِ الْأَسْبَابِ؛ دُونَ أَنْ يَغْفُلَ لَحْظَةً وَاحِدَةً عَنْ خَالِقِ الْأَسْبَابِ، وَعَنْ خَالِقِ الدَّاءِ وَالدَّوَاءِ، الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ الدَّاءَ دَوَاءً، وَالدَّوَاءَ دَاءً.

قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: ((وَيُبَيِّنُ صِحَّةَ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ نُصُوصِ الْقُرْآنِ، وَنُصُوصِ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمَا نُقِلَ مِنْ أَفْعَالِهِ: قَوْلُ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- مُخْبِرًا عَنْ رَسُولِهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ} [النجم: 3-4]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82].

فَأَخْبَرَ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنَّ كَلَامَ نَبِيِّهِ ﷺ وَحْيٌ مِنْ عِنْدِهِ كَالْقُرْآنِ فِي أَنَّهُ وَحْيٌ، وَفِي أَنَّهُ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَأَخْبَرَنَا -تَعَالَى- أَنَّهُ رَاضٍ عَنْ أَفْعَالِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَأَنَّهُ مُوَفَّقٌ لِمُرَادِ رَبِّهِ -تَعَالَى- فِيهَا؛ لِتَرْغِيبِهِ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي الِائْتِسَاءِ بِهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فَلَمَّا صَحَّ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللهِ -تَعَالَى-، وَوَجَدْنَاهُ -تَعَالَى- قَدْ أَخْبَرَنَا أَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِيمَا كَانَ مِنْ عِنْدِهِ -تَعَالَى-؛ صَحَّ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ وَلَا اخْتِلَافَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَأَنَّهُ كُلَّهُ مُتَّفِقٌ -كَمَا قُلْنَا- ضَرُورَةً.

وَبَطَلَ مَذْهَبُ مَنْ أَرَادَ ضَرْبَ الْحَدِيثِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، أَوْ ضَرْبَ الْحَدِيثِ بِالْقُرْآنِ، وَصَحَّ أَنْ لَيْسَ شَيْءُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِسَائِرِهِ، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ... وَكُلُّ ذَلِكَ كَلَفْظَةٍ وَاحِدَةٍ، وَخَبَرٍ وَاحِدٍ مَوْصُولٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَمُضَافٌ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، وَمَبْنِيٌّ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ)).

الرَّدُّ عَلَى شُبْهَةِ: عَدَمِ قَبُولِ خَبَرِ الْآحَادِ فِي الْعَقِيدَةِ

خَبَرُ الْوَاحِدِ فِي اللُّغَةِ: مَا يَرْوِيهِ شَخْصٌ وَاحِدٌ.

وَفِي الِاصْطِلَاحِ -أَيِ: اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ-: مَا لَمْ يَجْمَعْ شُرُوطَ الْمُتَوَاتِرِ.

يَتَلَخَّصُ مَنْهَجُ السَّلَفِ فِي الْعَقِيدَةِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ:

1- حَصْرُهُمْ مَصْدَرَ التَّلَقِّي فِي بَابِ الِاعْتِقَادِ فِي كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، مَعَ فَهْمِهِمْ لِلنُّصُوصِ فِي ضَوْءِ فَهْمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ.

2- يَحْتَجُّونَ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ فِي الْعَقِيدَةِ؛ سَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ السُّنَّةُ مُتَوَاتِرَةً أَوْ آحَادًا، لَا كَمَا يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِنَ الْخَلْقِ، يَقُولُونَ: إِنَّنَا لَا نُثْبِتُ شَيْئًا فِي أُمُورِ الِاعْتِقَادِ بِأَحَادِيثِ الْآحَادِ!!

* خَبَرُ الْوَاحِدِ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ؛ عَمَلًا بِهِ، وَتَصْدِيقًا لَهُ، وَهُوَ يُفِيدُ الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْأُمَّةِ:

وَلَا دَلِيلَ عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْعَقِيدَةِ وَالْأَحْكَامِ فِي إِثْبَاتِهَا بِخَبَرِ الْآحَادِ، وَلَمْ يُعْرَفْ مِثْلُ هَذَا التَّفْرِيقِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((فَهَذَا يُفِيدُ الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ عِنْدَ جَمَاهِيرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، أَمَّا السَّلَفُ؛ فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ نِزَاعٌ، وَأَمَّا الْخَلَفُ؛ فَهَذَا -يَعْنِي: عَدَمَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُتَوَاتِرِ وَالْآحَادِ فِي الْعَقِيدَةِ- مِنْ مَذْهَبِ الْفُقَهَاءِ الْكِبَارِ مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.

وَالْمَسْأَلَةُ مَنْقُولَةٌ فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنْبَلِيَّةِ؛ مِثْلُ: السَّرَخْسِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَأَبِي الطَّيِّبِ وَالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَابْنِ خُوَيْزِ مِنْدَاد وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَمِثْلُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَابْنِ أَبِي مُوسَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ)).

وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي ((مُخْتَصَرِ الصَّوَاعِقِ)): ((وَهَذَا التَّفْرِيقُ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ؛ فَإِنَّهَا لَمْ تَزَلْ تَحْتَجُّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي الْخَبَرِيَّاتِ الْعِلْمِيَّاتِ، كَمَا تَحْتَجُّ بِهَا فِي الطَّلَبِيَّاتِ الْعَمَلِيَّاتِ.

وَلَمْ يَزَلِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ يَحْتَجُّونَ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ فِي مَسَائِلِ الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ وَالْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ)).

وَقَدْ لَخَّصَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي ((التَّمْهِيدِ)) مَذْهَبَ الْأَئِمَّةِ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ، فَقَالَ: ((وَكُلُّهُمْ يَدِينُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ فِي الِاعْتِقَادَاتِ، وَيُعَادِي وَيُوَالِي عَلَيْهَا، وَيَجْعَلُهَا شَرْعًا وَدِينًا فِي مُعْتَقَدِهِ، وَعَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ)).

وَقَالَ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي ((شَرْحِهِ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ)): ((وَالَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَأَصْحَابِ الْأُصُولِ: أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ حُجَّةٌ مِنْ حُجَجِ الشَّرْعِ، يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا)).

وَقَالَ ابْنُ أَبِي الْعِزِّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي ((شَرْحِهِ عَلَى الطَّحَاوِيَّةِ)): ((وَخَبَرُ الْوَاحِدِ إِذَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ، عَمَلًا بِهِ، وَتَصْدِيقًا لَهُ؛ يُفِيدُ الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْأُمَّةِ، وَهُوَ أَحَدُ قِسْمَيِ التَّوَاتُرِ.

وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ سَلَفِ الْأُمَّةِ فِي ذَلِكَ نِزَاعٌ)).

ذَكَرَ العَلَّامَةُ مُحَمَّد أَمَان الجَامِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى- فِي ((الصِّفَاتِ الإِلَهِيَّةِ)): ((أَنَّ مِنْ مَنْهَجِ السَّلَفِ: الأَخْذَ بِأَحَادِيثِ الآحَادِ فِي الِاعْتِقَادِ، وَأَنَّ الْبِدْعَةَ الَّتِي أَتَى بِهَا بَعْضُهُمْ فِي الْقَدِيمِ، وَيَسِيرُ عَلَيْهَا بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ الْمُعَاصِرِ.. مِنْ أَنَّهُمْ لَا يَأْخُذُونَ فِي مَسَائِلِ الِاعْتِقَادِ إِلَّا بِالْمُتَوَاتِرِ؛ أَنَّ هَذِهِ البِدْعَةَ عَلَى الضِّدِّ مِنْ إِجْمَاعِ السَّلَفِ)).

وَمِمَّنْ كَتَبَ فِي هَذَا الأَمْرِ وَحَرَّرَهُ، وَجَمَعَ فِيهِ الأَدِلَّةَ: العَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-.

فَقَد ذَكَرَ فِي ((وُجُوبِ الأَخْذِ بِأَحَادِيثِ الْآحَادِ فِي العَقِيدَةِ)): ((أَنَّهُ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلى أَنَّهُ لَا تَثْبُتُ العَقِيدَةُ إِلَّا بِالدَّلِيلِ القَطْعِيِّ.. بِالآيَةِ أَوِ الْحَدِيثِ المتَوَاتِرِ تَوَاتُرًا حَقِيقِيًا إِنْ كَانَ هَذَا الدَّلِيلُ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، وادَّعَى أَنَّ هَذَا مِمَّا اتُّفِقَ عَلَيهِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الأُصُولِ، وَأَنَّ أَحَادِيثَ الآحَادِ لَا تُفِيدُ العِلْمَ.

وَمَعْنَى أَنَّهَا لَا تُفِيدُ العِلْمَ: أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الحَدِيثُ كَذِبًا أَوْ خَطَأً، وَأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ بِهَا عَقِيدَةٌ.

وَالمُرَادُ بِحَدِيثِ الآحَادِ -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ وَمُتَبَادَرٌ إلى الذِّهْنِ-: مَا كَانَ ثَابِتًا بِطُرُقِهِ؛ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُؤْخَذُ بِهِ فِي الأَحْكَامِ كَمَا يُؤْخَذُ بِهِ فِي أُمُورِ الِاعْتِقَادِ.

قَالَ -رَحِمَهُ اللهُ-: وَأَقُولُ: إِنَّ هَذَا القَوْلَ وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ قَالَ بِهِ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ عُلَمَاءِ الكَلامِ؛ فَإِنَّهُ مَنْقُوضٌ مِنْ وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ)).

ثُمَّ ذَكَرَ عِشْرِينَ وَجْهًا فِي نَقْضِ هَذِهِ البِدْعَةِ، وَفِي نَسْفِهَا؛ مِنْهَا:

((الوَجْهُ الأَوَّلُ: أَنَّهُ قَوْلٌ مُبْتَدَعٌ مُحْدَثٌ، لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ الإِسْلامِيَّةِ الغَرَّاءِ، وَهُوَ غَرِيبٌ عَنْ هَدْيِ الكِتَابِ وَتَوجِيهَاتِ السُّنَّةِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ -رِضْوَانُ اللهِ تَعَالى عَلَيهِمْ-، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ؛ بَلْ وَلا خَطَرَ لَهُمْ على بَالٍ!

الوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا القَوْلَ يَتَضَمَّنُ عَقِيدَةً تَسْتَلْزِمُ رَدَّ مِئَاتِ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهَا فِي الْعَقِيدَةِ.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا القَولَ مُخَالِفٌ لِجَمِيعِ أَدِلَّةِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الَّتِي نَحْتَجُّ نَحْنُ وَإِيَّاهُمْ جَمِيعًا بِهَا عَلَى وُجُوبِ الأَخْذِ بِحَدِيثِ الآحَادِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ وَذَلِكَ لِعُمُومِهَا وَشُمُولِهَا لِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ عَنْ رَبِّهِ؛ سَواءٌ كَانَ عَقِيدَةً أَوْ حُكْمًا.

الوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ القَوْلَ المَذْكُورَ لَيْسَ لَمْ يَقُلْ بِهِ الصَّحَابَةُ فَقَطْ، بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لِمَا كَانُوا عَلَيهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-؛ فَإِنَّنَا عَلَى يَقِينٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْزِمُونَ بِكُلِّ مَا يُحَدِّثُ بِهِ أَحَدُهُمْ مِنْ حَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ .

لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ لِمَنْ حَدَّثَهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ : ((خَبَرُكَ خَبَرُ وَاحِدٍ، لَا يُفِيدُ العِلْمَ حَتَّى يَتَوَاتَرَ)).

الوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّنَا نَعْلَمُ يَقِينًا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ أَفْرَادًا مِنَ الصَّحَابَةِ إلَى مُخْتَلَفِ البِلَادِ؛ لِيُعَلِّمُوا النَّاسَ دِينَهُمْ، كَمَا أَرْسَلَ عَلِيًّا ومُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى إِلَى اليَمَنِ فِي نَوْبَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ.

وَنَعْلَمُ يَقِينًا -أَيْضًا- أَنَّ أَهَمَّ شَيْءٍ فِي الدِّينِ؛ إنَّمَا هُوَ: العَقِيدَةُ، فَهِيَ أَوَّلُ شَيْءٍ كَانَ أُولَئِكَ الرُّسُلُ يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَيْهِ.

فَهُوَ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ العَقِيدَةَ تَثْبُتُ بِخَبَرِ الوَاحِدِ، وَتَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلَى النَّاسِ، وَلَوْ لَا ذَلِكَ؛ لَمَا اكْتَفَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِإِرْسَالِ مُعَاذٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَحْدَهُ، وَهَذَا بَيِّنٌ ظَاهِرٌ، وَالحَمْدُ للهِ.

الوَجْهُ السَّادِسُ: عَلَى أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ مَسْبُوقٌ بِانْعِقَادِ الإِجْمَاعِ المَعْلُومِ المُتَيَقَّنِ عَلَى قَبُولِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ، وَإِثْبَاتِ صِفَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى، وَالأُمُورِ العِلْمِيَّةِ الغَيْبِيَّةِ بِهَا.

قَالَ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: «هَذَا لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِالْمَنْقُولِ؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ هُمُ الَّذِينَ رَوَوْا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ، وَتَلَقَّاهَا بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ بِالْقَبُولِ، وَلَمْ يُنْكِرْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى مَنْ رَوَاهَا، ثُمَّ تَلَقَّاهَا عَنْهُمْ جَمِيعُ التَّابِعِينَ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، وَمَنْ سَمِعَهَا مِنْهُمْ تَلَقَّاهَا بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ لَهَا، وَمَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا مِنْهُمْ تَلَقَّاهَا عَنِ التَّابِعِينَ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ تَابِعُوا التَّابِعِينَ مَعَ التَّابِعِينَ».

فَثَبَتَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ خَبَرَ الآحَادِ الَّذِي تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالقَبُولِ يُفِيدُ العِلْمَ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالعَقِيدَةُ تَثْبُتُ بِهِ -أَيْ: بِحَدِيثِ الآحَادِ-، وَلَا اعْتِدَادَ بِمَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ؛ لِمُخَالَفَتِهِمْ أَدِلَّةَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الأَئِمَّةِ)).

إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ كِتَابَهُ الْعَزِيزَ، فَبَلَّغَهُ، وَالْوَحْيُ الثَّانِي سُنَّتُهُ وَقَدْ بَلَّغَهَا، فَهَذَا وَهَذَا وَحْيٌ مِنَ اللهِ. هَذَا الدِّينُ دِينٌ مَكِينٌ، وَالْعِلْمُ فِيهِ لَهُ قَانُونٌ، أَمَّا أَنْ يَأْتِيَنَا فِي آخِرِ الزَّمَانِ مَنْ لَا يُؤْبَهُ لَهُ، لِكَيْ يَقُولَ: ((هَذَا التُّرَاثُ قَدْ فَرَغْنَا مِنْهُ)).

كَيْفَ فَرَغْتَ مِنْهُ يَا وَلَدُ؟!!

قَالَ: فِي حَلَقَاتٍ!!

أَيُّ حَلَقَاتٍ؟!! هَذِه تَذْهَبُ أَدْرَاجَ الرِّيَاحِ، هَذِهِ ضَرْطَةُ عَيْرٍ فِي فَلَاةٍ، فَسْوَةٌ فِي سُوقٍ!!

مَاذَا تَصْنَعُ؟!!

يَقُولُ: ((هَذَا الْفِقْهُ قَدْ فَرَغْنَا مِنْهُ)).. ((هَذَا الصَّنَمُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْإِجْمَاعُ قَدْ هَدَمْنَاهُ)).. ((هَذَا الَّذِي يَقُولُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَدِ انْتَهَيْتُ مِنْهُ)).

مَنْ أَنْتَ؟!!

مَنْ تَكُونُ؟!!

لَا شَيْءَ، هَذَا لَيْسَ بِأَكْثَرَ مِمَّنْ مَضَوْا، وَلَا بِأَكْثَرَ زَنْدَقَةً مِنْهْمُ، وَلَا بِأَشَدَّ حِقْدًا عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ مِنْهُمْ، لَكِنَّ الْمُشْكِلَةَ بِأَنَّ أَمْثَالَ هَذِهِ الْأَبْوَاقِ الَّتِي تَأْتِي بِهَذَا النَّشَازِ فِي دِينِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ تَتَكَلَّمُ عَنِ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ، وَعَنِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ، وَعَنِ الْقُرْآنِ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ، وَعَنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَنِ السُّنَّةِ، وَعَنِ الْأَئِمَّةِ، وَعَنِ الْعُلَمَاءِ وَعَنِ التُّرَاثِ، وَعَنْ كُلِّ شَيْءٍ.

إِنَّ السُّنَّةَ تَتَعَرَّضُ فِي هَذَا الْعَصْرِ لِهُجُومٍ شَدِيدٍ، وَالْهَجْمَةُ عَلَى السُّنَّةِ فِي هَذَا الْعَصْرِ تَنْفَرِدُ بِكَوْنِ الْهَاجِمِينَ مِمَّنْ يَدَّعِي الْمَنْهَجَ الْعِلْمِيَّ فِي الْبَحْثِ وَالنَّظَرِ، وَتَنْفَرِدُ بِكَوْنِ أَدَوَاتِهِمُ الَّتِي يُهَاجِمُونَ بِهَا السُّنَّةَ هِيَ مَا يُسَمُّونَهُ: قَوَاعِدَ الْمَنْهَجِ الْعِلْمِيَّ!! فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَسْتَقِرُّ فِيهِ قَوَاعِدُ الْمَنْهَجِ الْعِلْمِيِّ النَّظَرِيَّةُ وَتَطْبِيقَاتُهُ الْعَمَلِيَّةُ عَلَى أَتَمِّ صُورَةٍ فِي ضَوَابِطِ الْمُحَدِّثِينَ لِلسُّنَّةِ.

وَعَلَيْهِ؛ فَالْبَحْثُ فِي ضَوَابِطِ الرِّوَايَةِ يُشَكِّلُ ضِمْنًا تَصْحِيحًا لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُغَالَطَاتِ، وَيَدْفَعُ كَثِيرًا مِنَ الْمُفْتَرِيَاتِ، وَيَقْذِفُ بِحَقِّ الْمُحَدِّثِينَ عَلَى بَاطِلِ الطَّاعِنِينَ، فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ بِحَوْلِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَمَنْهَجُ الْمُحَدِّثِينَ مُرْتَبِطٌ بِحَقَائِقَ ثَابِتَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَنْبُعُ مِنَ النَّبْعِ الْأَصِيلِ الَّذِي لَا يَتَخَلَّفُ: الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ؛ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْفَهْمِ الصَّحِيحِ لِلْحَيَاةِ وَالْوُجُودِ، وَالْإِيمَانِ الْأَصِيلِ بِحَقِيقَةِ الرِّسَالَةِ وَمَقَامِ الرَّسُولِ ﷺ.

وَقَدْ قَيَّضَ اللهُ -تَعَالَى- لِلسُّنَّةِ رِجَالًا خَلَقَهُمْ لِهَذَا الشَّأْنِ، فَأَفْنَوْا أَعْمَارَهُمْ فِي تَحْصِيلِهَا رِوَايَةً وَدِرَايَةً، وَجَابُوا الْأَرْضَ فِي تَحْصِيلِهَا وَجَمْعِهَا، وَبَذَلُوا الْجُهُودَ الْعَظِيمَةَ فِي تَصْنِيفِهَا وَأَدَائِهَا.

الدِّفَاعُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ مَسْأَلَةَ النِّزَاعِ وَمَوْطِنَهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُشَكِّكِينَ الْمُتَآمِرِينَ الْمُعْتَدِينَ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ هِيَ فِي قَضِيَّةِ الْأُلُوهِيَّة.. هَذَا مَوْطِنُ النِّزَاعِ.

فَنَحْنُ نُؤمِنُ بِأُلُوهِيَّةِ رَبِّنَا -جَلَّ وَعَلَا-، وَأَنَّهُ هُوَ الْإِلَهُ الْحَقُّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ وَحْدَهُ أَنْ يُعْبَدَ، فَلَهُ الْحَقُّ الْمُطْلَقُ فِي أَنْ يَأْمُرَ وَأَنْ يَنْهَى، وَأَنْ يُكَلِّفَ بِمَا يَشَاءُ، وَمَا دَامَ ذَلِكَ قَدْ ثَبَتَ ثُبُوتًا صَحِيحًا عَنِ الْوَحْيِ الْمَعْصُومِ؛ فَلَيْسَ عَلَيْنَا سِوَى التَّسْلِيمِ بِقُلُوبٍ مُطْمَئِنَّةٍ، وَنُفُوسٍ رَاضِيَةٍ، وَعُقُولٍ مُسْتَسْلِمَةٍ مُسْتَرِيحَةٍ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَأمُرُ هَاهُنَا هُوَ الْإِلَهُ، هُوَ الرَّبُّ، هُوَ الَّذِي لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتُ الْمُثْلَى.

وَالَّذِينَ يُنَازِعُونَنَا فِي الْأَحْكَامِ، وَيَعْتَدُونَ عَلَى الدِّينِ؛ مِنَ الْكِتَابِ، وَمِنَ السُّنَّةِ، وَمِنْ سَيْرِ السَّالِفِينَ مِنْ عُلَمَائِنَا الصَّالحِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ؛ إِنَّمَا يَشُكُّونَ فِي هَذَا الْأَصْلِ مِنْ حَيْثُ يَعْلَمُونَ أَوْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ، قَوْلًا وَاحِدًا بِلَا مَثْنَوِيَّةَ؛ فَهَؤُلَاءِ لَمْ يُحَقِّقُوا هَذَا الْمَعْنَى فِي نُفُوسِهِمْ، وَلَمْ يُؤْمِنُوا هَذَا الْإِيمَانَ الْحَقَّ.

فَهَذَا مَوْطِنُ النِّزَاعِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَدَعْكَ مِنْ كُلِّ مَا يُقَالُ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ يَبْدَؤُونَ فِي الْعِلَاجِ إِنَّمَا يَبْدَؤُونَ مِنْ مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ أَوْ مِنْ آخِرِهِ، وَالْأَصْلُ أَنْ نَبْدَأَ مِنْ حَيْثُ يَنْبَغِي أَنْ نَبْدَأَ، وَهُوَ:

هَلْ تُؤْمِنُونَ بِإِلَهٍ قَادِرٍ حَكِيمٍ عَلِيمٍ مَوْصُوفٍ بِكُلِّ كَمَالٍ وَجَمَالٍ وَجَلَالٍ؟!!

وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَسَوَّاكُمْ وَعَدَلَكُمْ؟!!

وَأَنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُكُمْ، وَيَمْلِكُ أَمْرَكُمْ؟!!

وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُشَرِّعُ لَكُمْ؟!!

وَأَنَّهُ مَهْمَا وَجَدْتُمْ مِنْ خَلَلٍ فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ، وَنَاحِيَةٍ مِنَ النَّوَاحِي -مِنَ الِاقْتِصَادِ، أَوْ مِنَ السِّيَاسَةِ، أَوْ مِنَ الِاجْتِمَاعِ، أَوْ مَا أَشْبَه-؛ فَإِنَّمَا ذَلِكَ بِسَبَبِ تَعْطِيلِ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ اللهِ، وَأَمْرٍ مِنْ أَوَامِرِهِ؟!!

تُؤْمِنُونَ بِهَذَا، أَوْ لَا تُؤْمِنُونَ؟!!

فَإِنْ قَالُوا: آمَنَّا بِذَلِكَ وَسَلَّمْنَا؛ فَلَا خِلَافَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ.

نَقُولُ: إِذَنْ؛ هَذَا أَمْرُهُ، وَهَذَا نَهْيُهُ، وَهَذَا مَا أَرْشَدَ إِلَيْهِ، وَهَذَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الَّذِي اخْتَارَ أَعْدَلَ اخْتِيَارٍ وَأَتْقَنَهُ وَأَكْمَلَهُ وَأَجْمَلَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا نَبِيَّهُ وَرَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ، وَأَيَّدَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ؛ بِحَيْثُ لَا يَدَعُ لِلْعَقْلِ وَلَا لِلنَّفْسِ وَلَا لِلرُّوحِ مَجَالًا لِلشَّكِّ فِي صِدْقِ إِرْسَالِهِ إِلَيْنَا، وَعَلَيْهِ؛ فَمَهْمَا بَلَّغَنَا بِهِ مِنْ أَمْرٍ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ نُسَلِّمَ لَهُ تَسْلِيمًا كَامِلًا مُطْلَقًا.

وَأَمَّا النِّزَاعُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ الْكَبِيرِ؛ فَهُوَ حُيُودٌ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ الْأَصِيلِ.

إِذَنْ؛ مَوْطِنُ النِّزَاعِ لَمْ يُحَرَّرْ؛ فَلْيَخْتَلِفِ النَّاسُ مَا شَاءَ لَهُمْ الِاخْتِلَافُ، وَلَنْ يَصِلُوا إِلَى شَيْءٍ!!

إِنَّ النِّزَاعَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُشَكِّكِينَ مِنَ التَّنْوِيرِيِّينَ وَالْمُتَآمِرِينَ عَلَى هَذَا الدِّينِ الْعَظِيمِ يَرْجِعُ فِي أَصْلِهِ إِلَى الْإِيمَانِ بِالْأُلُوهِيَّةِ.

فَأَمَّا الْإِيمَانُ بِالرُّبُوبِيَّةِ؛ فَقَدْ يَدَّعُونَهُ، يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ لِلْكَوْنِ خَالِقًا وَرَبًّا مَالِكًا وَصَانِعًا مُدَبِّرًا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ يُؤْمِنُ بِهِ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنَ الْقُدَامَى السَّالِفِينَ؛ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَمْ يَعُدَّهُمْ دَاخِلَ دَائِرَتِهِ حَتَّى يُؤْمِنُوا بِالْأُلُوهِيَّةِ للهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَحَتَّى يُخْلِصُوا الْعِبَادَةَ لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ.

تَأَمَّلْ؛ كَيْفَ تَحْرِصُ كُلُّ أُمَّةٍ عَلَى لُغَتِهَا، وَتَسْعَى فِي تَرْوِيجِهَا وَنَشْرِهَا، وَتَجْتَهِدُ كَثِيرًا فِي فَرْضِهَا وَالْإِلزَامِ بِهَا؟!! وَتَأَمَّل كَيفَ تُبَاهِي كُلُّ أُمَّةٍ فِي أُورُوبَّا بِلُغَتِهَا؟!! وَكَيْفَ يَفْخَرُ الْفَرَنْسِيُّونَ بِلِسَانِهِمْ؛ حَتَّى إِنَّهُمْ لَيَجْعَلُونَهُ أَوَّلَ مَا يَعْقِدُونَ عَلَيْهِ الْخِنْصَرَ إِذَا عَدُّوا مَفَاخِرَهُمْ وَمَآثِرَهُمْ؟!!

إِنَّ الْمُسْتَقِرَّ لَدَى أَصْحَابِ الدَّعْوَاتِ جَمِيعًا أَنَّ أَيَّ بِنَاءٍ جَدِيدٍ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ لَهُ مُرْتَكَزَاتٌ يَقُومُ عَلَيْهَا، فَإِذَا هَدَمْنَا مِنْهُ الْمُرْتَكَزَاتِ؛ انْعَدَمَ إِمكَانِيَّةُ الْبِنَاءِ!!

وَهَذَا الْبُخَارِيُّ الْمَظْلُومُ الَّذِي وَجَدَ أَهْلُ الزَّيْغِ وَالْأَهْوَاءِ وَالْخَنَا.. أَهْلُ الزَّنْدَقَةِ وَالْهَرْطَقَةِ الَّذِينَ وَجَدُوا فِيمَا يَقَعُ مِنْ بَعْضِ أَبْنَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَمِنَ الْمَنْسُوبِينَ إِلَيْهَا؛ وَجَدُوا فِيمَا يَصْنَعُونَ تَكِأَةً لِيُهَاجِمُوهُ!!

وَالَّذِي رَفَعَ السَّمَاءَ بِلَا عَمَدٍ! إِنَّ نَعْلَهُ لَأَشْرَفُ مِنْهُمْ، وَالَّذِي رَفَعَ السَّمَاءَ بِلَا عَمَدٍ! أُقْسِمُ غَيْرَ مُضْطَرٍّ وَلَا حَانِثٍ! إِنَّ نَعْلَهُ لَأَشْرَفُ مِنْهُمْ، وَأَطْهَرُ مِنْهُمْ، وَأَزْكَى مِنْهُمْ، وَأَكْرَمُ مِنْهُمْ -عَامَلَهُمُ اللهُ بِعَدْلِهِ-.

الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- آتَاهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فَضْلًا كَبِيرًا وَخَيْرًا عَظِيمًا، وَهُوَ كَمَا أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى ذَلِكَ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَأَمَّا الرَّوَافِضُ وَأَشْبَاهُهُمْ؛ فَهَؤُلَاءِ لَا يُؤْبَهُ بِهِمْ، وَلَا يُلْتَفَتُ لَهُمْ، أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ.

جَمَعَ وَالِدُ الْبُخَارِيِّ إِلَى الْعِلْمِ الْوَرَعَ وَالتَّقْوَى، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ وَفَاتِهِ: ((لَا أَعْلَمُ فِي مَالِي دِرْهَمًا مِنْ حَرَامٍ وَلَا مِنْ شُبْهَةٍ))، قَالَ هَذَا وَالِدُ الْبُخَارِيِّ عِنْدَ احْتِضَارِهِ -رَحِمَهُ اللهُ-.

فَالْبُخَارِيُّ مِنْ بَيْتِ عِلْمٍ وَدِينٍ وَوَرَعٍ، فَلَا عَجَبَ وَرِثَ هَذِهِ الْخِلَالَ الْكَرِيمَةَ فِيمَا وَرِثَ عَنْ أَبَوَيْهِ -رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى-.

مَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، كَفَلَتْهُ أُمُّهُ، أَحَسَنَتْ تَرْبِيَتَهُ، كَانَ لَهُ مِنْ مَالِ أَبِيهِ الَّذِي تَرَكَهُ مَا أَعَانَهَا عَلَى تَنْشِئَتِهِ نَشْأَةً كَرِيمَةً صَالِحَةً.

ظَهَرَ نُبُوغُهُ مُبَكِّرًا وَهُوَ فِي الْكُتَّابِ، فَرَزَقَهُ اللهُ -سُبْحَانَهُ- قَلْبًا وَاعِيًا، وَحَافِظَةً قَوِيَّةً، وَذِهْنًا حَادًّا، وَأُلْهِمَ حِفْظَ الْحَدِيثِ، وَأَخَذَ مِنْهُ بِحَظٍّ كَبِيرٍ وَلَمَّا يَبْلُغِ الْعَاشِرَةَ مِنْ عُمُرِهِ، ثُمَّ صَارَ يَخْتَلِفُ إِلَى عُلَمَاءِ عَصْرِهِ وَأَئِمَّةِ بَلَدِهِ، فَأَخَذَ عَنْهُمْ، وَصَارَ يُرَاجِعُهُمْ وَيُنَاقِشُهُمْ.

وَمَا إِنْ بَلَغَ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهِ الْمُبَارَكِ حَتَّى حَفِظَ كُتُبَ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَوَكِيعٍ، وَعَرَفَ كَلَامَ أَهْلِ الرَّأْيِ، وَأُصُولَهُمْ وَمَذْهَبَهُمْ، ثُمَّ خَرَجَ في سَنَةِ عَشْرٍ وَمِائَتَيْنِ (210هـ) إِلَى بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ حَاجًّا هُوَ وَأُمُّهُ وَأَخُوهُ أَحْمَدُ، وَكَانَ أَحْمَدُ أَسَنَّ مِنْهُ.

وَرَجَعَ أَخُوهُ بِأُمِّهِ بَعْدَ الْحَجِّ إِلَى (بُخَارَى)، أَمَّا هُوَ؛ فَقَدْ آثَرَ الْمُقَامَ بِمَكَّةَ، وَكَانَتْ مَكَّةُ مِنَ الْمَرَاكِزِ الْعِلْمِيَّةِ الْهَامَّةِ فِي الْحِجَازِ، وَقَدْ وَجَدَ فِيهَا طَلَبَهُ وَمَا يُشْبِعُ نَهْمَتَهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، مَعَ مَا رَزَقَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنَ التَّبَتُّلِ وَالزَّهَادَةِ وَالْعِبَادَةِ، وَكَانَ يَذْهَبُ إِلَى مَدِينَةِ النَّبِيِّ ﷺ حِينًا بَعْدَ حِينٍ.

وَفِي الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ أَلَّفَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- بَعْضَ كُتُبِهِ، وَوَضَعَ أَسَاسَ ((الْجَامِعِ الصَّحِيحِ)) وَتَرَاجِمَهُ، وَأَلَّفَ ((التَّارِيخَ الْكَبِيرَ)) عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ يَكْتُبُهُ فِي اللَّيَالِي الْمُقْمِرَةِ.

وَتَوَارِيخُهُ الثَّلَاثَةُ ((الصَّغِيرُ))، وَ((الْأَوْسَطُ))، وَ((الْكَبِيرُ)) تَنُمُّ عَنْ قُدْرَتِهِ الْفَائِقَةِ فِي الْعِلْمِ بِالرِّجَالِ، وَالْبَصَرِ بِالنَّقْدِ؛ حَتَّى كَانَ يَقُولُ: ((قَلَّ اسْمٌ فِي التَّارِيخِ إِلَّا وَعِنْدِي لَهُ قِصَّةٌ؛ إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ يَطُولَ الْكِتَابُ!!)).

وَارْتَحَلَ إِلَى الْآفَاقِ، وَضَرَبَ فِي بَابِ الِارْتِحَالِ بِسَهْمٍ رَاجِحٍ، وَقَلَّ قُطْرٌ مِنْ أَقْطَارِ الْإِسْلَامِ إِلَّا وَلَهُ إِلَيْهِ رِحْلَةٌ؛ فَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((دَخَلْتُ إِلَى الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْجَزِيرَةِ مَرَّتَيْنِ، وَإِلَى الْبَصْرَةِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَأَقَمْتُ بِالْحِجَازِ سِتَّةَ أَعْوَامٍ، وَلَا أُحْصِي كَمْ دَخَلْتُ إِلَى الْكُوفَةِ وَبَغْدَادَ مَعَ الْمُحَدِّثِينَ)).

الْبُخَارِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- أَنَارَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِشَمْسِ عِلْمِهِ الدُّنْيَا، ثُمَّ وُورِيَ التُّرَابَ هَذَا الْحَامِلُ لِعُلُومِ النَّبِيِّ ﷺ وَلِحَدِيثِهِ، وَهَذَا الْخَادِمُ لِأَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَسُنَّتِهِ، أَثْقَلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- كَوَاهِلَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِإِحْسَانِهِ الْعَظِيمِ إِلَيْهِمْ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ قَدْ وَارَاهُ التُّرَابُ؛ إِلَّا أَنَّهُ -رَحِمَهُ اللهُ- مَا زَالَ مَا تَرَكَ مِنَ الْآثَارِ وَالْعِلْمِ قَائِمًا يَنْتَفِعُ بِهِ كُلُّ مُسْلِمٍ.

فَمَا بَعْدَ كِتَابِ اللهِ كِتَابٌ هُوَ أَصَحُّ مِنْ كِتَابِهِ -رَحِمَهُ اللهُ رَحْمَةً وَاسَعِةً-.

نَسْأَلُ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ يَرْحَمَهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً، وَأَنْ يَجْمَعَنَا وَإِيَّاهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى مِنَ الْجَنَّةِ، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

شُؤْمُ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَالِاعْتِدَاءِ عَلَيْهَا

إِنَّ السُّنَّةَ حَاكِمَةٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، لَا يَصِحُّ إِيمَانٌ إِلَّا بِتَحْكِيمِ الرَّسُولِ ﷺ، وَالرِّضَا بِحُكْمِهِ، وَالتَّسْلِيمِ لَهُ، مَعَ انْشِرَاحِ الصَّدْرِ بِهِ.

قَالَ تَعَالَى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65].

وَمُخَالَفَةُ السُّنَّةِ شُؤْمٌ حَاضِرٌ فِي الدُّنْيَا، وَعَذَابٌ مُدَّخَرٌ فِي الْآخِرَةِ.

أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) مِنْ رِوَايَةِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: ((كُلْ بِيَمِينِكَ)).

قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ.

قَالَ: ((لَا اسْتَطَعْتَ))، مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ.

قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ)).

يَبُسَتْ يَدُهُ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ رَفْعَهَا إِلَى فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ عُقُوبَةً لَهُ.

فَهَذِهِ عُقُوبَةٌ عَاجِلَةٌ.

وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ خَالَفَ سُنَّةَ الرَّسُولِ ﷺ تَكَبُّرًا؛ مُعَرَّضٌ لِلْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا.

وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63].

وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَنْ خَالَفَ أَمْرَ الرَّسُولِ ﷺ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ:

الْأَوَّلُ: أَنْ تُصِيبَهُ فِتْنَةٌ فِي قَلْبِهِ؛ فَيَزِيغَ عَنِ الْحَقِّ، وَيَكْفُرَ بَعْدَ الْإِيمَانِ، وَيَفْسَدَ قَلْبُهُ بِزَيْغٍ وَضَلَالٍ، فَلَا يَهْتَدِي لِلْحَقِّ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ أَمْرَ الرَّسُولِ ﷺ، وَهَذِهِ عُقُوبَةٌ أَشَدُّ مِنَ الَّتِي بَعْدَهَا.

الثَّانِي: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}؛ وَالْعَذَابُ الْأَلِيمُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ، أَوِ الْمَرَضِ، أَوِ الْهَلَاكِ الَّذِي يَحِلُّ بِالْكُفَّارِ الَّذِينَ خَالَفُوا أَمْرَ الرَّسُولِ ﷺ.

وَالْعَذَابُ الثَّانِي يَكُونُ فِي الْآخِرَةِ.

وَلَا مَفَرَّ لِمَنْ خَالَفَ أَمْرَ الرَّسُولِ ﷺ مُتَعَمِّدًا مِنَ الْعُقُوبَتَيْنِ، عُقُوبَةٌ فِي الْقَلْبِ، وَعُقُوبَةٌ فِي الْبَدَنِ أَوْ فِي الْمَالِ؛ إِمَّا بِالْمَوْتِ أَوِ الْهَلَاكِ، أَوْ بِتَلَفِ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ، وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَنْ خَالَفَ أَمْرَ الرَّسُولِ ﷺ.

وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر:7].

أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ -وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالنَّامِصَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ)).

فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ يَعْقُوبَ، وَكَانَتْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَأَتَتْهُ، فَقَالَتْ: مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ؛ أَنَّكَ لَعَنْتَ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ.

فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟! وَهُوَ فِي كِتَابِ اللهِ.

فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ لَوْحَيِ الْمُصْحَفِ، فَمَا وَجَدْتُهُ.

قَالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ؛ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ، قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}.

فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: فَإِنِّي أَرَى شَيْئًا مِنْ هَذَا عَلَى امْرَأتِكَ الْآنَ.

قَالَ: اذْهَبِي فَانْظُرِي.

قَالَ عَلْقَمَةُ: فَدَخَلَتْ عَلَى امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ، فَلَمْ تَرَ شَيْئًا، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا.

فَقَالَ: أَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ؛ لَمْ نُجَامِعْهَا))؛ أَيْ: لَمْ نُصَاحِبْهَا، وَلَمْ نَجْتَمِعْ نَحْنُ وَهِيَ.

وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب:36].

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((هَذِهِ الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا حَكَمَ اللهُ وَرَسُولُهُ بِشَيْءٍ؛ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مُخَالَفَتُهُ، وَلَا اخْتِيَارَ لِأَحَدٍ هَاهُنَا وَلَا رَأْيَ وَلَا قَوْلَ؛ وَلِهَذَا شَدَّدَ فِي خِلَافِ ذَلِكَ، فَقَالَ: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا})).

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمَهُ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ! إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ، فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ!

فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَدْلَجُوا، فَانْطَلَقُوا عَلَى مُهْلَتِهِمْ، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ، فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ.

فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي وَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ بِمَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ)).

الْجَيْشُ: عَسْكَرُ الْعَدُوِّ مُغِيرًا.

الْعُرْيَانُ: الَّذِي تَجَرَّدَ مِنْ ثَوْبِهِ، وَرَفَعَهُ بِيَدِهِ إِعْلَامًا لِقَوْمِهِ بِالْغَارَةِ عَلَيْهِمْ، ضَرَبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ الْمَثَلَ لِأُمَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ تَجَرَّدَ لِإِنْذَارِهِمْ.

فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ: انْجُوا بِأَنْفُسِكُمْ، وَأَسْرِعُوا بِالْهَرَبِ.

فَأَدْلَجُوا: مِنَ الْإِدْلَاجِ، وَهُوَ السَّيْرُ فِي اللَّيْلِ أَوْ فِي أَوَّلِهِ.

مُهْلَتِهِمْ: تَأَنِّيهِمْ وَسَكِينَتِهِمْ.

فَصَبَّحَهُمْ: أَتَاهُمْ صَبَاحًا، أَيْ: بَغْتَةً.

اجْتَاحَهُمْ: اسْتَأْصَلَهُمْ وَأَهْلَكَهُمْ.

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ؛ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا، وَسَقَوْا، وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ)).

الْغَيْثُ: الْمَطَرُ الَّذِي يَأْتِي عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ.

نَقِيَّةً: طَيِّبَةً.

الْكَلَأُ: نَبَاتُ الْأَرْضِ؛ رَطْبًا كَانَ أَمْ يَابِسًا.

الْعُشْبَ: النَّبَاتَ الرَّطْبَ.

أَجَادِبَ: جَمْعُ جَدْبٍ، وَهِيَ الْأَرْضُ الَّتِي لَا تَشْرَبُ الْمَاءَ، وَلَا تُنْبِتُ.

قِيعَانٌ: جَمْعُ قَاعٍ، وَهِيَ الْأَرْضُ الْمُسْتَوِيَةُ الْمَلْسَاءُ.

فَذَلِكَ: أَيِ: النَّوْعُ الْأَوَّلُ.

فَقُهَ: صَارَ فَقِيهًا بِفَهْمِهِ شَرْعَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-.

مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا: كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الْكِبْرِ وَالْأَنَفَةِ عَنِ الْعِلْمِ وَالتَّعَلُّمِ.

قَبِلَتِ الْمَاءَ: شَرِبَتْهُ.

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى)).

قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَنْ يَأْبَى؟

قَالَ: ((مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى)).

وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((أَمَّا بَعْدُ: فَأَحْسَنُ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ)).

وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ -رَحِمَهُمُ اللهُ- يُعَظِّمُونَ السُّنَّةَ، وَيَرَوْنَ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِهَا.


فَارِقٌ بَيْنَ الْفَهْمِ الصَّحِيحِ لِلدِّينِ وَتَجْدِيدِ الدِّينِ!!

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ الَّذِينَ يَدْعُونَ إِلَى التَّجدِيدِ يَفْهَمُونَ -فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ- تَجْدِيدَ الْخِطَابِ الدِّينِيِّ عَلَى أَنَّهُ تَجدِيدُ الدِّينِ!!

يَفْهَمُونَ تَجْدِيدَ الْخِطَابِ عَلَى أَنَّهُ تَجْدِيدُ دِينِ اللَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ!! فَهَذَا لَا يُنَاسِبُ الْعَصْرَ!! وَهَذَا لَا يَتَّسِقُ مَعَ الذَّوْقِ!! وَهَذَا لَا يُوَافِقُ الْعَقْلَ!! وَهَذَا وَهَذَا...إِلَى غَيرِ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ التُّرُّهَاتِ!!

وَهَلْ هَذَا دِينٌ؟!!

إِنَّ الدِّينَ أَنْ تَدِينَ، وَمَا أُخِذَ الدِّينُ إِلَّا مِنْ أَنْ تَدِينَ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ بِمَعْنَى: أَنْ تَكُونَ خَاضِعًا للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ، وَالَّذِي يُرَاجِعُ بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ وَثَبَتَ عَنْ رَسُولِهِ؛ إِنَّمَا يُرَاجِعُ إِيمَانَ الْقِمَّةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا شَهِدَ أَنَّهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؛ فَقَدْ آمَنَ بِكُلِّ وَحْيٍ أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَى رَسُولِهِ، فَإِذَا رَاجَعَ بِعَقْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّمَا يُرَاجِعُ إِيمَانَ الْقِمَّةِ، وَيُرَاجِعُ مَا قَدْ أَثْبَتَهُ قَبْلُ وَقَرَّرَهُ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الدِّينَ هُوَ دِينُ اللَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ، وَأَنَّ حِكْمَتَهُ فِيمَا نَزَّلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ وَفِيمَا خَلَقَهُ.

حِكْمَتُهُ فِي شَرْعِهِ وَقَدَرِهِ ثَابِتَةٌ ظَاهِرَةٌ لَائِحَةٌ، قَدْ لَا نَفْهَمُهَا، يَفْهَمُهَا غَيْرُنَا، وَقَدْ لَا يَفْهَمُهَا غَيْرُنَا كَمَا لَا نَفْهَمُهَا؛ وَلَكِنَّهَا تَظَلُّ قَائِمَةً؛ لِأَنَّ الدِّينَ لَا يَأْتِي بِمَا تُحِيلُهُ الْعُقُولُ، وَلَكِنْ يَأْتِي بِمَا تَحَارُ فِيهِ الْعُقُولُ؛ وَإِلَّا مَا كَانَ دِينًا، إِنَّهُ دِينُ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، يَدِينُ بِهِ عِبَادُهُ فِي أَرْضِهِ، فَالدِّينُ دِينُهُ، وَالْخَلْقُ عَبِيدُهُ، وَلَيْسَ لَهُم أَنْ يُرَاجِعُوهُ.

وَالْوَاحِدُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْحَمْقَى الْمُغَفَّلِينَ الَّذِينَ يَعْتَرِضُونَ عَلَى سُنَنِ النَّبِيِّ الأَمِينِ ﷺ؛ بَلْ يَعْتَرِضُونَ أَحْيَانًا عَلَى آيَاتِ الذِّكْرِ الْحَكِيمِ، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، فَهُمْ يَعْتَرِضُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَيَقُولُونَ: هَذَا كَانَ فِي الْقَدِيمِ، وَأَمَّا فِي هَذَا الْعَصْرِ الْحَاضِرِ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ الْمُسَاوَاةِ!!

وَيَقُولُونَ: نُؤمِنُ بِالْآيَةِ مَعَ ذَلِكَ!! أَيُّ إِيمَانٍ؟!!

إِلَى غَيرِ ذَلِك مِمَّا يَنْظُرُونَ بِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ مِنَ الْعَجْزِ الْقَبِيحِ، وَعَدَمِ امْتِلَاكِ الْأَدَوَاتِ الْبَحْثِيَّةِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تُمْتَلَكَ مِنْ أَجْلِ النَّظَرِ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ.

هَؤُلَاءِ يَتَكَلَّمُونَ فِي سُنَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَا يُضْحِكُ الثَّكْلَى، هَؤُلَاءِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَجَانِينِ، أُطْلِقُوا مِنَ الْبِيمَارِسْتَان، ثُمَّ أُقْعِدُوا مَقَاعِدَ يُسْمِعُونَ فِيهَا الدُّنْيَا، فَهُمْ يَهْذُونَ بِهَذَيَانٍ لَا يُعْرَفُ.

وَالنَّاسُ يَحْتَاجُونَ إِلَى التَّسْلِيَةِ؛ وَلَكِنَّهَا تَسْلِيَةٌ مُدَمِّرَةٌ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ خَطَّافَةٌ، وَلِأَنَّ الْقُلُوبَ ضَعِيفَةٌ، وَرُبَّمَا تَسَلَّلَتْ شُبْهَةٌ إِلَى الْقَلْبِ فَاسْتَحْوَذَتْ عَلَيْهِ؛ وَلَكِنَّ النَّاسَ لَا يُدرِكُونَ؛ لِأَنَّهُ حِيلَ بَيْنَهُم وَبَيْنَ عُلَمَائِهِمْ، وَهُمُ السَّدُّ الْمَانِعُ دُونَ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ وَالْخُزَعْبَلَاتِ، هَؤُلَاءِ لَا يَأْتُونَ بِجَدِيدٍ.

وَعَلَى أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْحَقِّ.. عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَثِقُوا فِي سُنَّةِ نَبِيِّهِمُ الْأَمِينِ وُثُوقًا طَبْعِيًّا فِطْرِيًّا بِمَا أَنَّهُمْ آمَنُوا بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّهُ لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، وَأَنَّ شَرْعَهُ صَالِحٌ لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ؛ بَلْ كُلُّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ صَالِحٌ لِشَرْعِ اللَّهِ -جَلَّ وَعَلَا-؛ لِأَنَّ الدِّينَ لَا يَتَنَزَّلُ، وَإِنَّمَا يَرْتَفِعُ إِلَيْهِ النَّاسُ، إِنَّمَا جَاءَ لِيَرْفَعَ النَّاسَ عَمَّا هُمْ فِيهِ وَتَدَنَّوْا إِلَيْهِ؛ {قُلْ تَعَالَوْا} [الأنعام: 151]: ارْتَفِعُوا إِلَى الطُّهْرِ وَالسُّمُوِّ، اخْرُجُوا مِنَ الْقَذَارَاتِ وَالْحَمَاقَاتِ، وَالْمَوْرُوثَاتِ الْبَائِدَةِ إِلَى صَرِيحِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

فَعَلَيْنَا -أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ- أَنْ نَتَّقِيَ اللَّهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَأَنْ نَجْتَهِدَ فِي مَعْرِفَةِ دِينِنَا مَعْرِفَةً صَحِيحَةً؛ لِيُسَلِّمَ اللَّهُ رَبُّ العَالمِينَ لَنَا دِينَنَا، وَإِيمَانَنَا، وَعَقِيدَتَنَا، وَتَبَعًا يُسَلِّمُ لَنَا وَطَنَنَا؛ لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَسْلَمْ لَنَا دِينُنَا، وَهُوَ أَوَّلُ مَا يُعْقَدُ عَلَيهِ الْخِنْصَرُ فِي جَمْعِ الْمَجْمُوعِ الْبَشَرِيِّ؛ فَإِنَّ أَيَّ جَمَاعَةٍ إِنَّمَا تَكُونُ مَجْمُوعَةً عَلَى دِينٍ -أَيِّ دِينٍ-؛ عَلَى وَطَنٍ وَأَرْضٍ، عَلَى مَوْرُوثٍ وَتَارِيخٍ؛ تَضْمَنُ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْبَقَاءِ.

فَإِذَا كَانَت مُعْتَمِدَةً عَلَى دِينِ الْحَقِّ الَّذِي لَا دِينَ حَقٌّ سِوَاهُ، وَإِذَا كَانَتْ رَاجِعَةً إِلَى تُرَاثٍ عَظِيمٍ؛ بَلْ لَا يُقَالُ لَهُ تُرَاثٌ؛ لِأَنَّ التُّراثَ إِنَّمَا يُؤْخَذُ عَنِ الْمَيِّتِين.

وَهَذِهِ أُمَّةٌ حَيَّةٌ نَابِضَةٌ بِالْحَيَاةِ، وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ ضَعْفُهَا الْآنَ؛ فَسَتَقُومُ مِنْ كَبْوَتِهَا -بِإِذْنِ اللَّهِ -جَلَّ وَعَلَا--، وَلَكِنَّ الزَّمَانَ عِنْدَ اللَّهِ لَا يُقَدَّرُ بِهَذِهِ السِّنِينَ الَّتِي يُعْطِيهَا لِلْكَائِنِ الْإِنْسَانِيِّ.

الزَّمَانُ عِندَ اللَّهِ مُمْتَدٌّ مَبسُوطٌ، إِنْ لَمْ نَرَهُ فَسَيَكُونُ، وَأَنَا عَلَى يَقِينٍ مِنهُ كَمَا أَنِّي عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنِّي مَوْجُودٌ، يَنْصُرُ اللَّهُ الدِّينَ، وَيَنْصُرُ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَخْذُلُ الظَّالِمِينَ، وَيُخْزِي الْكَافِرِينَ، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

نَجَاةُ الْأُمَّةِ فِي الِاعْتِصَامِ بِالسُّنَّةِ

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! إِنَّ الِاعْتِصَامَ بِالسُّنَّةِ هُوَ النَّجَاةُ، كَمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ -رَحِمَهُمُ اللهُ-.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَعَامَّةُ هَذِهِ الضَّلَالَاتِ إِنَّمَا تَطْرُقُ مَنْ لَمْ يَعْتَصِمْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، كَمَا كَانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ: ((كَانَ عُلَمَاؤُنَا يَقُولُونَ: الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ هُوَ النَّجَاةُ)).

وَقَالَ مَالِكٌ: ((السُّنَّةُ سَفِينَةُ نُوحٍ، مَنْ رَكِبَهَا نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ)).

وَذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ وَالشَّرِيعَةَ وَالْمِنْهَاجَ هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي يُوصِلُ الْعِبَادَ إِلَى اللهِ، وَالرَّسُولُ هُوَ الْهَادِي الْخِرِّيتُ -الْخِرِّيتُ: الدَّلِيلُ الْحَاذِقُ بِالدَّلَالَةِ عَلَى الطَّرِيقِ- فِي هَذَا الصِّرَاطِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب: 45-46].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} [الشورى: 52-53].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153].

أَسْأَلُ اللهَ -تَعَالَى- بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْمُثْلَى أَنْ يُوَفِّقَنَا لِاتِّبَاعِ نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ اتِّبَاعًا صَادِقًا.

وَأَنْ يُقِيمَنَا عَلَى سُنَّتِهِ حَتَّى نَلْقَاهُ -سُبْحَانَهُ-؛ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

المصدر: السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ وَمَكَانَتُهَا فِي التَّشْرِيعِ وَرَدُّ شُبُهَاتِ الطَّاعِنِينَ فِيهَا

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  نَبْذُ الْإِسْلَامِ لِلْعُنْفِ وَالْعُنْصُرِيَّةِ وَالْكَرَاهِيَةِ
  الرد على الملحدين:الأدلة على وجود الله عز وجل 3
  تَفْرِيغُ مُحَاضَرَاتِ سِلْسِلَة: «الرَّدُّ عَلَى الْمُلْحِدِينَ»
  الْحَجُّ بَيْنَ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَفِقْهِ الْمَنَاسِكِ
  فَضْلُ العَشْرِ الأَوَاخِرِ ولَيلَةِ القَدْرِ وَأَحْكَامُ زَكَاةِ الفِطْرِ
  أيها المصريون لا عذر لكم
  الشِّتَاءُ.. أَحْكَامٌ وَآدَابٌ وَمَحَاذِير
  بِنَاءُ الْوَعْيِ وَأَثَرُهُ فِي مُوَاجَهَةِ التَّحَدِّيَّاتِ
  باب الفتح الأعظم
  تحذير الشباب من مشابهة الخوارج
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان