تفريغ مقطع : إعلامُ الأمة بحُرمةِ دماءِ المُستأمَنين

«إعلامُ الأمة بحُرمةِ دماءِ المُستأمَنين»

للشيخ العلّامة أبي عبد الله محمد بن سعيد رسلان حفظهُ الله-.

 إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّـه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّـهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

 وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ.

أَمَّا بَعْدُ:

 فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

«الإسلامُ دينُ العدلِ والرحمةِ»

 فالإسلامُ هو دينُ العدلِ والإحسانِ؛ دينُ العدلِ الذي أَمَرَ المسلمين أنْ يَعدِلُوا مع إخوانِهِم وغيرِ إخوانِهِم, أَمَرَهُم أنْ يلتزِمُوا العدلَ في جميعِ حياتِهِم وأنْ يُحْسِنُوا إلى الناسِ, فهذه الآية التي تُعتبَر من أجمَع ما نَزل في القرآن الكريم هيَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].

 وَقد قَرَن الله تعالى العدل فيها بالإحسان؛ لأنَّ العدلَ وحدَهُ قد يؤدي إلى الجَورِ, فمَن أرادَ أن يستَوفِي حقَّه كاملًا قد يقَعُ فيما لا يَحِل كله, لكنَّه إذا أخذَ العدل ومعه الإحسان تَركَ بعض ما يستحقه رغبةً فيمَا حثَّه الله تعالى عليه من الإحسان.

قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195].

وربُّنا جل وعلا- يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 8].

أي: شُهداء بالعدل, تَقولون العَدل وتعمَلون بهِ وتُطبِّقونه على أنفسِكم وعلى غيرِكم.

 قال -جل وعلا-: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8].

 أي: لاتحمِلنَّكم عَداواتِكم لبعضِ الناس أنْ تَجورُوا, ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.

والإسلامُ حرَّم الظلم وجعَلهُ من كبائر الذنوب وتوعَّد الظالمين فقال تعالى:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (422) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [ابراهيم: 42-43].

 وَهدَّدَ الله جل وعلا- الظالمين فقال -عزَّ مِن قَائل-: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227].

وقال النبيُّ ﷺ: «الظُّلمُ ظُلمَاتٌ يَومَ القِيامَة». متفقٌ عليه.

 وقال الله جل وعلا- فيما رَواهُ عنهُ رسولُه ﷺ: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا». متفقٌ عليه.

وشيءٌ حرَّمهُ الله تعالى على نَفسِه أفيَرضَاهُ مِن غيرِه؟!

 والنبيُّ ﷺ عِندما أخبرَ أن دعوة المظلومِ ليس بينَها وبينَ اللهِ حجاب, وأنَّ الله يَستجِيبُ دعاءَ المظلوم, قال العلماءُ: «ولو كان كافرًا» وذلك لأنَّ الله حَكَمٌ عَدلٌ يحبُّ العدل ويُبغِضُ الظلمَ والجَور, والإسلامُ كرَّم الإنسانَ مُطلقا وفضَّله على غيرِه من المخلوقات.

 قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].

 ولتَفضِيلِ الله جل وعلا- لبَنِي آدم أَرسَل إليهم الرُّسل, وأنزَل عليهم الكُتب؛ لهدايَتِهم إلى الصراطِ المستقيم, فمَن قَبِلَ الرِّسالة وحَمَل الأمَانة؛ نَال هذا الشَّرفَ في أَسْمَى معَانِيه, ومَن اتَّبع سَبيلَ الشيطان وَاعتَنق طَريقَ الغِوايَه خسِر هذه الكَرامة ونزَل بسببِ ذلك إلى درَجةِ الحَضيضِ في الذُّلِ والمهانَة, كما قال ربُّنا جل وعلا-:

﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال: 55].

 والإسلامُ حفِظ لغيرِ المسلمين حقوقَهم ما دَاموا لم يُناصِبوا المسلمين العِداء, ولم يَتسلَّطوا عليهم بشيءٍ من الأذَى؛ فَهُم على عَهدِهم وذِمَّتِهم, كمَا قال الله جل وعلا- في كتابِه العزيز: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 4].

وقال جَلَّ وَعَلَا-: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34].

 بل أمَر ربُّنا جَلَّ وَعَلَا- بِحُسنِ الخُلُق مع عُمومِ الناس فقَال عزَّ مِن قائل-: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83].

 وَقال النبيُّ ﷺ: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ, وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا, وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» أي: الناسَ عُمومًا

والحديثُ أَخْرَجَهُ أحمد والترمذي والدارميُّ وغيرُهُم بإسنادٍ صحيحٍ.

 وأمَرنَا ربُّنا جَلَّ وَعَلَا- أن نُحسِنَ إلى مَن أحسَنَ إلينَا, وأبَاحَ لنَا أنْ نَبَرَّ ونَصِلَ مَن يَصِلُنَا من غيرِ المسلمين فقَال جل وعلا-: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8].

 فالإسلام ما جاءَ لِقَتلِ النَّاسِ وإنَّما جاءَ لدعوَةِ النَّاسِ إلى الخيرِ, وأمَّا القِتَالُ فَهُوَ عِلاجٌ يُستعمَل عندَ الحاجَة, لكنَّ الأصلَ؛ الدعوةُ إلى اللهِ بالحِكمَةِ والمَوعِظةِ الحسَنةِ والجِدالِ بالَّتِي هي أَحسَن.

ثم إنَّ قِتالَ المسلمينَ لِلكُفَّارِ  يشتمِلُ علَى أحكامٍ عَظيمةٍ تدُل على أنَّ الإسلامَ دِينُ العدل ودينُ الرحمَة حتَّى معَ الكُفَّار.

قال تعالى في حقِّ نَبِيِّه ﷺ نَبِيِّ الرحمَة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

«الإسلامُ يُحرِّمُ قَتَلَ النِّسَاءِ والأطفالِ ويحُضُّ على الإحسانِ إلى الأسيرِ»

 فالإسلامُ يُحرِّم قَتلَ النساءِ والأطفال, وقَتلَ الشيوخِ الكبار الذين ليس لَهُم رَأيٌ في القِتال, ويُحرِّم قَتلَ الرُّهبان الذين تفرَّغوا للعِبادة؛ لأنَّ هؤلاء شَرُّهم وكُفرُهم قاصِرٌ عليهم ولَا يتَعدَّى إلى غيرِهم, ولأنهُم لا يُقاتِلون ولَا يحمِلون السِّلاح, ولهَذا نَهَى الإسلامُ عن قَتلِهم, ثم إذا وَقعَ الأسيرُ مِن الكُفارِ في أيْدِي المسلمين فإنَّ على المسلمينَ أنْ يُحسِنوا إليه.

قال جَلَّ وَعَلَا-: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (88) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الانسان: 8-9].

 فإذا رَأى الأَسِيرُ هذا التَّعامُلَ الطَّيبَ من المسلمين ربَّما شَرحَ اللهُ جل وعلا- صَدرَه للإيمان, وذَهبَت عَنه العُنجُهِية التي كانَت قد صدَّتهُ عن الدين؛ فيدخُل بسببِ ذلك ورَحمَةِ أَرحَمِ الراحمين في دِينِ اللهِ العظيم, وهَذا أحبُّ للمسلمينَ من كلِّ شيء, أَحبُّ إليهِم من الأموالِ ومن البلادِ, ولهذا جاءَ في الحديثِ «عَجِبَ رَبُّنَا مِن أَقوَامٍ يُقَادُونَ إِلَى الجَنَّةِ فِي السَّلَاسِلِ» يَأسِرُهم المسلمونَ وهم كُفَّار, ولكنْ إذا وقَعوا في الأَسرِ, فأحسَنَ المسلمينَ إليهِم وأجَادوا التعامُل معهم, وأخذُوا يَرفُقون بهم؛ يكونُ ذلك سببًا لإسلامِهم وإدخَالهِم الجنَّة.

«خطبة تفجيرات بروكسل بين الغدر والخيانة»

16 من جمادى الآخرة 1437هـ الموافق 25-3-2016م»

«أصنافُ غيرِ المُسلمينَ في بلادِ الإسلامِ»

أصنافُ غيرِ المُسلمينَ في بلادِ الإسلامِ:

*فالصِّنْفُ الأَوَّلُ: هم المواطنونَ مِن غيرِ المُسلمين:

 والمُطَّلِعٌ عَلَى كُتُبِ الفِقْهِ الإسلاميِّ يَجِدُ أنَّ علماءَ الفقهِ المسلمين قد اصطلحوا علي نعْتِ المواطنين في بلادِ الإسلام مِن غيرِ المسلمين في كُتُبِ الفقهِ بـ(أَهْلِ الذِّمَّةِ)، وهو اسْمٌ حَسَنٌ لا كَمَا يَظُنُّ بعضُ الناسِ مِن أنه مذمومٌ ولا أنه قبيح.

 فَهُم يُسَمَّوْنَ بِـ(أهلِ الذِّمَّةِ) بِمَعني: أَهْل العهْدِ والأمانِ؛ لأَنَّهُم يَصيرونَ في ذِمَّةِ النَّبيِّ مُحَمَّدٍ وفي ذِمَّةِ المُسلمينَ أي: في عَهْدِهِم وَأَمَانِهِم علي وَجْهِ التَّأْبِيدِ، وَيُؤيِّدُ ذلك ما جاءَ في حديثِ بُرَيْدَةَ -رضيَ اللهُ عنه- مِن وَصيَّةِ رسولِ اللهِ لكُلِّ أَميرٍ يَبْعَثُهُ للجهادِ حَيْثُ كانَ يقولُ له: «وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ وَلَكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ في «صحيحِهِ».

 وَكَذَا يُؤيِّدُ حُسْنَ المرادِ بِهَذَا المصطلحِ -أَهْل الذِّمَّة- مَا جاءَ في كتابِ الخليفةِ الراشدِ الصدِّيق أبي بكر -رضي الله عنه- لأهلِ نَجْرَان: «بِسْم اللهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم.. هَذَا مَا كَتَبَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَةُ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ سَلَّمَ- لأَهْلِ نَجْرَانَ، أَجَارَهُمْ بِجِوَارِ اللَّهِ وَذِمَّةِ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلهِ سَلَّمَ- عَلَى أَنْفُسِهِمْ, وَأَرْضِهِمْ, وَمِلَّتِهِمْ, وَأَمْوَالِهِمْ, وَحَاشِيَتِهِمْ, وَعِبَادَتِهِمْ, وَغَائِبِهِمْ, وَشَاهِدِهِمْ, وَأَسَاقِفَتِهِمْ, وَرُهْبَانِهِمْ, وَبِيَعِهِمْ, وَكُلِّ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ لا يَخْسَرُونَ وَلا يُعْسِرُونَ».

 وكذلك ما جاء في وصيةِ أميرِ المؤمنينَ عُمَر -رضوان الله عليه- حينَ وَفَاتِهِ للخليفةِ مِن بعدِهِ كَمَا أَخْرَجَ ذَلِكَ البُخَاريُّ في «الصحيح في كتابِ المَنَاقِبِ»: «وَأُوصِيهِ -يَعْنِي بِذَلِكَ: الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِه- بِذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلهِ وسَلَّمَ- أَنْ يُوَفِّيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَلا يُكَلَّفُوا إلا طَاقَتِهِمْ».

 كَمَا يُؤيِّدُ حُسْنَ هذا المصطلحِ وهو (أهلُ الذِّمَّةِ) قَوْلُ الإمامِ الأَوْزَاعيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- في كِتَابِهِ إلى الوالي العَبَّاسيِّ صالح بن عليٍّ بن عبد الله بن عَبَّاس؛ كَتَبَ إليه عَن أَهْلِ الذِّمَّةِ يقولُ: «فَإِنَّهُم لَيْسُوا بِعَبِيدٍ، فَتكونوا مِن تحويلِهِم إلي بلدٍ في سَعَةٍ، ولَكِنَّهُم أَحْرَارٌ أَهْلِ ذِمَّةٍ».

 وَقَد فَهِمَ الإنجليزيُ (روم لاندو) مُصطلحَ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَهْمًا صَحِيحًا، وَعَرَفَ حقيقتَهُ ومُرَادَهُ الشريفَ لِذَلِكَ؛ قالَ: «على نَقِيضِ الإمبراطوريةِ النَّصرانيةِ التي حَاوَلَت أَنْ تَفْرِضَ النصرانيةَ على جميعِ رَعَايَاهَا فَرْضًا، اعترفَ العَرَبُ بِالأقلياتِ الدينيةِ، وَقَبِلُوا بِوُجودِهَا، وكانَ النَّصَارَى واليهود والزُرادشتيون يُعْرَفُونَ عِنْدَهُم بـ(أهلِ الذِّمَّةِ)، أو بـ(الشعوبِ المَتمتعةِ بالحمايةِ)، فَهَذَا هو الصِّنْفُ الأَوَّلُ.

*وَأَمَّا الصِّنْفُ الثَّاني مِن غيرِ المُسلمينَ في دِيَارِ الإسلامِ وبِلَادِهِ: فَهُم المُسْتَأْمَنُونَ:

 وَهُم غَيْرُ المُسلمينَ مِن الوَافِدينَ إلى بلادِ الإسلامِ لعَمَلٍ أو نَحْوِهِ، حيثُ يُعَرِّفُهُم الفُقَهَاءُ المُسلمونَ بِـ(المُسْتَأمَنِين).

وَلِهَذيْن الصِّنْفِين لـ(أَهْلِ الذِّمَةِ) ولـ(المُسْتَأْمَنِينَ) حُقُوقٌ عَامَّةٌ، وَلِكُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمَا حُقُوقٌ خَاصَّةٌ.

«الحقوقُ العَامَّةُ لِغَيْرِ المُسلمين في بلادِ الاسلامِ»

فَأَمَّا الحقوقُ العَامَّةُ لِغَيْرِ المُسلمين في بلادِ الاسلامِ فإِنَّهُ:

 لم يَحْظَى الإنسانُ أنَّى كانَ جِنْسُهُ أو مكانُهُ أو مكانتُهُ أو زمانُ عَيْشِهِ بِمَنزلةٍ أَرْفَعَ مِن تلكَ التي ينالُهَا في ظِلالِ الدينِ الحنيفِ -دينِ رَبِّنَا دين الإسلامِ العظيم-.

 وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لأنَّ الإسلامَ دينٌ عالميٌّ، وَرَسُولُهُ صلى اللهُ عليه وسلم- أُرْسِلَ للعالَمِينَ كافَّة، وَلَم يَكُن كإخوانِهِ الأنبياء والمُرسلين -عليهم الصلاةُ والسَّلامُ- الذينَ أُرْسِلُوا لأقوامِهِم خَاصة.

 و حين يُوازِنُ أيُّ باحثٍ مُنْصْف مَبادئ حقوقِ الإنسانِ التي حَوَاهَا «الإعلانُ العالميُّ لحقوقِ الإنسانِ»، حينَ يُوَازِنُ بين هذه وحقوق الإنسانِ في الإسلامِ، يَلْحَظُ التميزَ الواضحَ الذي سَبَقَ به الإسلامُ، ما تَفَتَّقَت عنهُ أفكارُ البَشَرِ في مبادئ حقوقِهِم، مِن حيثُ الشمولُ والسَّعَةُ والعُمْقُ، ومراعاة حاجاتِ الإنسانِ الحقيقيةِ التي تُحَقِّقُ له المنافعَ وَتَدْفَعُ عنه المَضَار، وَيتضحُ مِن الدراسةِ الموضوعيةِ المتجردةِ عن الأهواءِ أنه: «ليسَ هُناك دينٌ مِن الأديانِ أو شريعةٌ مِن الشرائعِ على ظَهْرِ الأرضِ أَفَاضَت في تقريرِ هذه الحقوقِ وتفصيلِهَا وتَبْيِينِهَا وإظهارِهَا في صورةٍ صادقةٍ مِثْلَمَا فَعَلَ الإسلامُ العظيم».

 ولم تقتصرُ الشريعةُ الإسلاميةُ على إسباغِ الحقوقِ على أهلِهَا المؤمنينَ بالإسلام، بَل إنَّ مِمَّا يُمَيِّزُ الشريعةَ عَن غيرِهَا أنها قَد أَشْرَكَت غيرَ المسلمينَ مع المسلمينَ في كثيرٍ مِن الحقوقِ العَامَّةِ، وهو مَا لَم يَنَلْهُ الإنسانُ في دينٍ آخر ولا في نُظُمٍ أُخْرَى.

والحقوقُ العامةُ لغيرِ المُسلمينَ كثيرة؛ مِنْهَا:

*حَقُّهُم في حِفْظِ كرامتِهِم الإنسانيةِ.

*وَحَقُّهُم في مَعتقدِهِم.

*وَحَقُّهُم في التزامِ شَرْعِهِم.

*وَحَقُّهُم في حِفْظِ دِمَائِهِم.

*وَحَقُّهُم في حِفْظِ أَمْوَالِهِم وَأَعْرَاضِهِم.

*وَحَقُّهُم في الحمايةِ مِن الاعتداءِ

*وَحَقُّهُم في المُعَامَلَةِ الحَسَنَةِ.

*وَحَقُّهُم في التكافلِ الاجتماعيِّ.

 وكلُّ ذلكَ دَلَّت عَلَيْهِ نُصُوصُ الكتابِ والسُّنَّةِ، وَتَرْجَمَهُ عَمليًّا مَا كانَ مِن صنيعِ الخلفاءِ وَمَن تَبِعَهُم مِمَّن التزمَ دينَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَسَارَ على نَهْجِ سُنَّةِ نَبيِّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم-.

 فَمَا أَبْشَعَ وَأَعْظَمَ جَرِيمَةَ مَن تَجَرَّأَ عَلى حُرُمَاتِ اللهِ، وَظَلَمَ عِبَادَهُ، وَأَخَافَ المُسلمينَ والمُقيمينَ بَيْنَهُم، فَوْيَلٌ لهُ ثُمَّ وَيْلٌ لَهُ مِن عذابِ اللهِ تَعَالى وَنِقْمَتِهِ وَمِن دعوةٍ تُحيطُ به، ونسألُ الله أنْ يكشفَ سِتْرَهُ وَأَنْ يَفْضَحَ أَمْرَهُ.

«عصمةُ كلِّ نَفسٍ بالإيمانِ أو بالأمانِ»

 إنَّ النَّفْسَ المعصومةَ في حُكْمِ شريعةِ الإسلامِ هي كلُّ مسلمٍ وكلُّ مَن بَيْنَهُ وبينَ المُسلمين أَمَان، فهذه معصومةٌ بالإيمانِ، وهذه معصومةٌ بالأمانِ، قال اللهُ -جلَّ وَعَلَا- في حَقِّ المسلمِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93].

 وقالَ سبحانهُ في حَقِّ الذِّمِّي في حُكْمِ قَتْلِ الخطأ لا في حُكْمِ قَتْلِهِ عَمْدًا: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92]، إذا كانَ الذِّميُّ الذي له أَمَانٌ إِذَا قُتِلَ خَطَأً فيه الدِّيَّةُ والكَفَّارَةُ، فكيف إذا قُتِلَ عَمْدًا؟!! إنَّ الجريمةَ تكونُ أَعْظَم، وإنَّ الإثمَ يكونُ أَكْبَر.

 وَقَد صَحَّ عن رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم- كَمَا في حديثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- الذي أخرجَهُ البُخاريُّ في «الصحيحِ»: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ»، فَلَا يجوزُ التَّعرُّضُ لِمُستأمَنٍ بِأَذَى فَضْلًا عَن قَتْلِهِ في مِثْلِ هذه الجريمةِ الكبيرةِ النَّكْرَاءِ، وَهَذَا وَعِيدٌ شديدٌ لِمَن قَتَلَ مُعَاهَدًا وَمُسْتَأْمَنًا، وَهُوَ كَبِيرَةٌ مِن الكبائرِ المُتَوَعَدُ عليهَا بِعَدَمِ دُخُولِ القَاتِلِ الجَنَّة.

 قَتْلُ الذِّميِّ وَالمُعَاهَدِ وَالمُسْتَأمَنِ حَرَامٌ، وَقَد وَرَدَ الوعيدُ الشَّدِيدُ في ذلكَ، فَعِنْدَ البُخَاريِّ في «الصحيحِ» من روايةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- عَن النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم- قَالَ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا»، أَوْرَدَهُ البُخَارِيُّ هَكَذَا «في كتابِ الجِزْيةِ: بَاب: إِثْمِ مَنْ قَتَلَ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ جُرْمٍ»، وأورده في «كتابِ الدِّيَاتِ في بَاب: إِثْمِ مَنْ قَتَلَ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ جُرْمٍ» ولَفْظُهُ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا».

 قالَ الحَافِظُ في «الفَتْحِ»: «كَذَا تَرْجَمَ بِالذِّمِّيِّ، وَأَوْرَدَ الخَبَرَ في المُعَاهَدِ، وَتَرْجَمَ في الجزيةِ بِلَفْظِ: «مَن قَتَلَ مُعَاهَدًا»، كَمَا هو ظاهرُ الخبرِ، والمرادُ به مَن له عَهْدٌ مَعَ المُسلمينَ، سَوَاءٌ كانَ بِعَقْدِ جِزْيَةٍ أو هُدْنَةٍ مِن سُلطانٍ أو أَمَانٍ مِن مُسْلِمٍ».

 وَرَوَى النَّسائيُّ بِلَفْظ: «مَن قَتَلَ قَتِيلًا مِن أَهْلِ الذِّمَّةِ لَم يَجِد رِيحَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحهَا لَيُوجدَ مِن مَسِيرَةِ أَرْبعينَ عَامًا».

وَرَوَاهُ أَيْضًا بإسنادٍ صحيحٍ عن رَجُلٍ مِن أصحابِ النَّبيِّ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم-: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺقالَ: «مَن قَتَلَ رَجُلًا مِن أَهْلِ الذِّمَّةِ لَم يَجِد رِيحَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رَيِحَهَا ليُوجَدَ مِن مَسِيرةِ سَبْعِينَ عَامًا».

 وعن أبي بَكْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قالَ: قال: «مَن قَتَلَ مُعَاهَدًا في غَيْرِ كُنْهِهِ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ». رواهُ أبو داود، والنسائيُّ بإسنادٍ صحيحٍ، وزَادَ النَّسائيُّ «أَنْ يَشُمَّ رِيحَهَا»، وَمَعْنَى «في غَيْرِ كُنْهِهِ» أي: في غيرِ وَقْتِهِ الذي يجوزُ قَتْلُهُ فيه حينَ لا عَهْدَ له، قالَهُ المُنذريُّ في «الترغيبِ والترهيبِ»، وقالَ: وَرَوَاهُ ابنُ حِبَّان في «صحيحِهِ»، وَلَفْظُهُ قالَ: «مَن قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدَةً بِغَيْرِ حَقِّهَا لَم يَرَح رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَ الجَنَّةِ لتوجَدُ مِن مَسيرةِ مائة عَام»، قالَ الألبانيُّ «صحيحٌ لغيرِهِ».

 وأمَّا قَتْلُ المُعَاهَدُ خَطَأ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ تَعَالَى فيه الدِّيَةَ وَالكَفَّارَةَ، قَالَ اللهُ -جلَّ وَعَلا-: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيمًا﴾ [النساء: 92].

«هل تُعدُّ تَأْشِيرَةُ الدخولِ إلي البلدِ عَقْدَ أَمَانِ؟»

*هل تُعدُّ تَأْشِيرَةُ الدخولِ إلي البلدِ عَقْدَ أَمَانِ؟

 تَأْشِيرَةُ الدخولِ اليوم تَقُومُ مَقَامَ الأَمَانِ أَو تُمَثِّلُ على الأَقَلِّ شُبْهَةَ أَمَانٍ، فَتَأْشِيرَةُ الدخولِ التي يُشْتَرَطُ تَوَفُّرُهَا لدخولِ -أي أجنبي لِبَلَدٍ غير بلدِهِ- تُمَثِّلُ في حقيقةِ الأمرِ عَقْدًا يُشْبِهُ عَقْدَ الأمانِ بِمَعْنَاه الشرعيِّ لا سِيِّمَا لو كانت هذه التأشيرةُ صَادِرَةً بِنَاءً على دعوةٍ مُقَدَّمَةٍ مِن مُسْلِمٍ لأجنبيٍّ لزيارةِ بلادِ الإسلامِ أو للعملِ بِهَا, ولا يَشُكُّ أَحَدٌ في أنَّ السَّائِحَ أو الأجنبيَّ عندمَا يُقْبَلُ بِمِثْلِ هذه الدعوة, عندما يَحْصُلُ على تأشيرةِ الدخولِ يَعْتَبِرُ نَفْسَهُ آمِنًا على نَفْسِهِ ومَالِهِ, ولا يُتَصَوَّرُ قَبولُهُ للمَجِيء إذا عُلِمَ أنَّ هذه التأشيرة لا تعني شيئا من ذلك، أي: مِن تأمينِهِ علي نَفْسِهِ ومالِهِ وعِرْضِهِ.

ولبيانِ ذلك التَّمَاثُل بين دلالةِ عَقْدِ الأمانِ وتأشيرة الدخولِ يُنْظَرُ في بعضِ الأحكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِعَقْدِ الأمانِ:

 الأمانُ هو: عَهْدٌ بالسلامةِ مِن الأَذَى؛ بِأَنْ تُؤَمِّنَ غيرَكَ أو أنْ يُؤَمِّنَكَ غَيْرُكَ، وهو تَعَهُّدٌ بِعَدَمِ لحوقِ الضررِ مِن جهتِكَ إليه, ولا مِن جِهَتِهِ إليْكَ.

 وفي الاصطلاحِ: هو عَقْدٌ بين المُسْلِمِ والمُشركِ على الحَصَانَةِ مِن لحوقِ الضَّرَرِ مِن كلٍّ مِنْهُمَا للآخَرِ ولا مِمَّن وَرَاءَهُ إلَّا بِحَقِّهِ ودليلُهُ قولُ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: 6].

وفي «الصَّحيحيْن»: «ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُم».

 وَمَنْحُ الأمانِ مِن حَقِّ كلِّ مُسْلِم؛ شَرِيفًا أو وَضِيعًا, فَيَصِحُّ مِن الإمامِ, وَمِن آحَادِ النَّاسِ رَجُلًا كانَ أو امرأة, وفي صِحَّةِ أمانِ العبدِ والصبيِّ خِلَافٌ بينَ العلماء, ولا يَصِحُّ عَقْدُ الأمانِ مِن مجنونٍ ونحوِهِ.

 يقولُ ابنُ قُدامة -رَحِمَهُ اللهُ-: «وَجُملتُهُ أنَّ الأمانَ إذا أُعْطِيَ لأَهْلِ الحربِ حَرُمَ قَتْلُهُم -لأهلِ الحربِ، إذا أُعْطِيَ الأمانُ لأهلِ الحربِ حَرُمَ قَتْلُهُم-، ومالُهُم والتَّعَرُّضُ لَهُم، وَيَصِحُّ -يعني: عَقْد الأمان- مِن كلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ مُخْتَارٍ ذَكَرًا كانَ أو أُنْثَى, حُرًّا كانَ أو عَبْدًا, وَبِهَذَا قالَ الثوريُّ والأوزاعيُّ والشَّافِعيُّ وإسحاقُ وابنُ القَاسِم، وأكثرُ أهلِ العِلْمِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عن عُمَر بن الخطاب -رضيَ اللهُ عنه-، وقالَ أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يَصِحُّ أَمَانُ العَبْدِ إلَّا أنْ يكونَ مَأْذُونًا له في القتالِ؛ لأنه لا يجبُ عليه الجِهَادُ، فَلَا يَصِحُّ أَمَانُهُ كالصَّبِيِّ ولأنهُ مَجْلُوبٌ مِن دارِ الكُفْرِ، فَلَا يُؤْمَنُ أنْ يَنْظُرَ في تقديمِ مصلحتِهِم».

 ولَنَا مَا رُوِيَ عن النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم- أنه قالَ: «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين، لا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلا عَدْلٌ». رَوَاهُ البُخاريُّ.

 يعني إذا استقدمَ صَاحِبُ عَمَلٍ فَرْدًا كانَ أو شركة بعض غيرِ المسلمين للعملِ في بلادِهِ، ثُمَّ دَخَلَ بِتَأشيرةٍ للدخولِ صحيحة؛ فهذا عَقْدُ أمانٍ، فَمَنْ أَخْفَرَ ذِمَّتَهُ؛ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أجمعين، كما قالَ رسولُ الله ﷺ.

 وَرَوَى فُضَيْلٍ بْنُ يَزِيدَ الرَّقَاشِيُّ، قَالَ: جَهَّزَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ جَيْشًا، فَكُنْت فِيهِ، فَحَصَرْنَا مَوْضِعًا، فَرَأَيْنَا أَنَّا سَنَفْتَحُهَا الْيَوْمَ، وَجَعَلْنَا نُقْبِلُ وَنَرُوحُ، فَبَقِيَ عَبْدٌ مِنَّا، فَرَاطَنَهُمْ وَرَاطَنُوهُ، فَكَتَبَ لَهُمْ الْأَمَانَ فِي صَحِيفَةٍ، وَشَدَّهَا عَلَى سَهْمٍ، وَرَمَى بِهَا إلَيْهِمْ، فَأَخَذُوهَا وَخَرَجُوا، فَكُتِبَ بِذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: «الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ذِمَّتُهُ ذِمَّتُهُمْ»؛ وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ، فَصَحَّ أَمَانُهُ، كَالْحُرِّ؛ وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ التُّهْمَةِ يَبْطُلُ بِمَا إذَا أُذِنَ لَهُ الْقِتَالِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَمَانُهُ.

 وَبِالْمَرْأَةِ فَإِنَّ أَمَانَهَا يَصِحُّ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا بِلَا خِلَافٍ؛ قَالَتْ عَائِشَةُ -رضي الله عنها-: «إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ لَتُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيَجُوزُ أي: جِوارُها-».

رَوَاهُ أبو داود وصححه الألباني.

 وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ -رضي الله عنها-، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أَجَرْت أَحْمَائِي، وَأَغْلَقْت عَلَيْهِمْ، وَإِنَّ ابْنَ أُمِّي أَرَادَ قَتْلَهُمْ.

 فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ-: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْت يَا أُمَّ هَانِئٍ، إنَّمَا يُجْيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ». وهذا الحديث في «الصحيحين»؛ وَأَجَارَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ و-رضي الله تعالى عنها- أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ، فَأَمْضَاهُ -أي: أمضي الجوارَ- رَسُولُ اللَّهِ .

 وَيَصِحُّ أَمَانُ الْإِمَام دونَ قيود، أَمَّا آحَادُ الْمُسْلِمِينَ فأَمَانُهم لِلْوَاحِدِ، أوَ للْعَشَرَةِ، أوَ للْقَافِلَةِ الصَّغِيرَةِ، أو نَحْو ذلك؛ وفي هذا يقول ابنُ قدامة:

 «وَيَصِحُّ أَمَانُ الْإِمَامِ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ وَآحَادِهِمْ; لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَامَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيَصِحُّ أَمَانُ الْأَمِيرِ لِمَنْ أُقِيمَ بِإِزَائِهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَأَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ، فَهُوَ كَآحَادِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى قِتَالِ أُولَئِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَيَصِحُّ أَمَانُ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ لِلْوَاحِدِ، وَللْعَشَرَةِ، وَالْقَافِلَةِ الصَّغِيرَةِ، وَالْحِصْنِ الصَّغِيرِ; لِأَنَّ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَجَازَ أَمَانَ الْعَبْدِ لِأَهْلِ الْحِصْنِ الَّذِي مرَّ حَدِيثُهُ؛ وَلَا يَصِحُّ أَمَانُهُ لِأَهْلِ بَلْدَةٍ، وَجَمْعٍ كَثِيرٍ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى تَعْطِيلِ الْجِهَادِ، وَالِافْتِيَاتِ عَلَى الْإِمَامِ.

 إذا انعقدَ الأمانُ صَارَت للحَرْبيِّ -للمُقَاتِلِ للمُحَارِبِ- إذا انعقدَ له الأمانُ صارَت له حَصَانَةٌ مِن إلحاقِ الضَّرَرِ به سَوَاء مِن المسلمِ الذي أَمَّنَهُ أو مِن غيرِهِ مِن المُسلمينَ أو مِن الذِّمِّيينَ لِقَوْلِ رَسُولُ اللَّهِﷺ: «فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أجمعين، لا يُقْبَلُ الله مِنْهُ صَرْفا وَلا عَدْل».

قال ابنُ قُدَامَة: «الْأَمَانَ إذَا أُعْطِيَ أَهْلَ الْحَرْبِ، حَرُمَ قَتْلُهُمْ وَمَالُهُمْ وَالتَّعَرُّضُ لَهُمْ».

 فعندما نَنْظُرُ في الأحكامِ السابقةِ المُتعلقةِ بالأمانِ نَجِدُ تَشَابُهًا بينهُ وبينَ الأحكامِ المُترتبةِ على تأشيرةِ الدخولِ، سَوَاءٌ في تحديدِ الجهةِ التي يُمْكِنُ صدور أيٍّ منها عنها، أو في حدودِ حَقِّ كلِّ جِهَةٍ في مَنْحِ الأمانِ أو التأشيرة، أو مِن حَيْثُ الأَثَرُ المُترتبِ على ذلك مِن عِصْمَةِ الدمِ والمالِ والحَصَانَةِ، ومِن تَعَمُّدِ إلحاقِ الضَّرَرِ لِمَن صَدَرَ بِحَقِّهِ الأمانُ أو حَصَلَ على التأشيرةِ.

 فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: الأمانُ الصَّادِرُ اليوم عن الحكومات التي لا تَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللهُ لا يَنْعَقِدُ بتأشيرةِ الدخول، لأنها صادرةٌ عن سُلْطَةٍ غيرِ شرعيةٍ أو هي صَادِرَةٌ مِن قومٍ كافرين، كَمَا هي شُبْهَةُ الخوارجِ المُعَاصِرِينَ الذينَ يُكَفِّرُونَ لا يُبَالونَ وَلَا يُرَاعُونَ.

 والجوابُ: وَصْفُ الجِهَةِ التي صَدَرَت التأشيرةُ عنها بأنها سُلْطَةٌ غَير شرعيةٍ مَسألة قد يختلفُ حَوْلَهَا بَعْضُ المتكلمينَ دَاخِل الحركاتِ الإسلاميةِ ذَاتِهَا، وعلى فَرْضِ صِحَّتِهَا فَإِنَّ هذا لا يُؤثِّرُ في اعتبارِ التأشيرةِ بِمَثَابَةِ أَمَانٍ لَهُم؛ لأنَّ التأشيرةَ قد تكونُ صادرةً كاستجابةٍ لطلبِ مُقَدَّمٍ مِن مُسْلِمٍ للسماحِ بدخولِ الأجنبيِّ، سواءٌ لزيارةِ بلدِهِ أو للسياحةِ بها أو للعملِ فيها أو لَديْه، وأمانُ آحادِ المُسلمينَ جَائِزٌ وَاقِعٌ بِلَا خِلَاف، بَل يَصِحُّ أمانُ الذِّمِّيِّ إذا كانَ بِنَاءً على أَمْرِ مُسْلِمٍ له بذلك، وفي هذا يقولُ صاحبُ «شرحِ تنويرِ الأبصارِ الحنفيِّ»: «وَبَطُلَ أَمَانُ ذِمِّيٍّ إلَّا إذا أَمَرَهُ به مُسْلِمٌ».

«خطبة داعش وذبح الأقباط المصريين

الجمعة 1 من جمادى الأولى 1436هـ الموافق 20-2-20155م»

«حُرمةُ دماءِ المسلمينَ والمُعاهَدين والمُستأمنين»

 الشرعُ والعقلُ والفطرةُ؛ كلُّ ذلك رافضٌ للأعمالِ الإجراميةِ؛ رافضٌ للتدميرِ وللتفجيرِ وللتخريبِ ولإشاعةِ الفوضى في البلادِ وبين العباد.

 *فالنصوصُ القرآنية والنصوصُ النَّبوِيَّة الدالةُ على وجوبِ احترامِ المسلمين في دمائِهم وأموالِهم، وكذلك الكُفَّارُ الذين لهم ذِمةٌ أو عَهدٌ أو أمانٌ، واحترامُ هؤلاء المُعاهَدين والمُستأمنين والذِّميين دلَّت عليه نصوصُ الكتاب والسُّنَّة، وهو من محاسنِ الدينِ الإسلامي العظيم، وهو مِن الوفاءِ بالعهد: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34].

 *وأما العقل: فقد دلَّ على رفضِ ومَقْتِ الأعمال الإجرامية؛ لأنَّ الإنسانَ العاقل لن يتصرفَ أبدًا في شيءٍ محرَّم؛ لأنَّه يعلمُ سوءَ النتيجة والعاقبة، يَعلمُ الإنسان العاقل أنه لا يجوزُ له أنْ يتصرَّفَ في شيءٍ مباحٍ حتى يتبينَ له ما نتيجتُهُ، وماذا يترتب عليه، فكيف إذا كان مُحرَّمًا؟!

 والنبي ﷺ قال؛ كما في «الصحيحين»: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليَقُل خيرًا أو ليصمُت»، فجعل النبيُّ ﷺ من مقتضيات الإيمان وكمالهِ ألا يقولَ الإنسان إلا خيرًا أو يسكت.

فكذلك يُقال: إنَّ مِن مقتضياتِ الإيمانِ وكمَالهِ ألا يَفعَلَ الإنسانُ إلا خيرًا أو ليُمسك.

ولا شك أنَّ هذه الفَعْلَة الشنيعة يترتب عليها من المفاسدِ ما لا يَخفى.

 *وأما مخالفة هذه الفَعلَة الشنيعة للفطرة: فإنَّ كلَّ ذي فطرةٍ سليمةٍ يَكرهُ العدوان على غيرِهِ، ويرَاهُ من المنكر.

فما ذنب المُصابين بهذا الحادثِ من المسلمين؟

وما ذنب الآمنين أن يُصابوا بهذا الحادثِ المؤلمِ العظيم؟!

وما ذنبُ المصابين من المُعاهدين والمُستأمنين وغيرِهم؟!

ما ذنبُ الأطفال؟ وما ذنبُ الشيوخ؟ وما ذنبُ العجائز؟!

حادثٌ مُنكرٌ لا مُبرر له؛ لا من شرعٍ ولا من عقلٍ ولا من فطرةٍ، ومفاسدهُ لا تُعدُّ ولا تُحصى.

«مفاسدُ التفجيرِ والتدميرِ والتخريبِ»

فمن مفاسدِ هذا العملِ وأمثالِهِ من التفجيرِ والتدميرِ والتخريبِ:

 إشاعةُ الفوضَى وترويعُ الآمنين وبثُّ الذُّعرِ بين الناس أجمعين في ديارِ المسلمين وفي ديارِ الكافرين، واستعداءُ بعضِهم على بعض.

من مفاسدِ هذا العمل الأرعن:

 حرقُ المصاحف ودَوْسُها بالأقدام وإهانتُها، وسَبُّ رسولِ الله ﷺ، والاعتداءُ على الحُرُمَات، وملاحقةُ أصحابِ الهَدْيِ الظاهر في تلك البلاد التي وقعت فيها الحوادثُ وفي غيرِها، والتضييقُ على كلِّ داعٍ إلى اللهِ ربِّ العالمين- على بصيرةٍ، إلى غيرِ ذلك من الاعتداءِ على المساجدِ، ونَزْعِ تراخيصِ عَملِها في غيرِ ديارِ المسلمين، مع النظرِ إلى كلِّ مسلمٍ بأنه إرهابيّ؛ يُهانُ في كلِّ مكانٍ دَخَلَهُ، وفي كلِّ محلٍّ حلَّ فيه؛ يُفتَّشُ على غيرِ ما يُفتَّشُ غيرُهُ ولو كان وثنيًا ولو كان مُلحدًا ولو كان فاجرًا كافرًا فاسقًا طاغيًا، ليس هنالك سوى المسلمين يُلاحقون في كلِّ مكان.

 مع الدَّعوَى التي تَسمعُها في كلِّ حينٍ مِن أنَّ الإسلامَ هو دينُ إرهابٍ وعُنفٍ، دينُ إراقةٍ للدماء، ثم يَمدُّونَ الخطَّ على استقامتهِ خلفًا حتى يصلَ إلى رسول الله ﷺ؛ فيُهينونه بأبي هو وأمي ونفسي ﷺ-.

وإذا كان رسول الله ﷺ نهى أنْ يَسُبَّ الرجلُ أباه وأمه.

نهى النبي ﷺ أنْ يَسُبَّ الرجلُ والديه.

فقالوا: يا رسول الله؛ وهل يَسُبُّ الرَّجلُ أباه؟

قال: «يَسُبُّ الرجلُ أبا الرجل، فيَسُبُّ أباه ويَسُبُّ أُمَّهُ».

 فيكون هذا السبُّ ذريعةً لجلبِ السبِّ إلى أبيه وإلى أمه، بل إنَّ اللهَ جلَّ وعلا- نَهَى عن سبِّ آلهةِ المُشركين؛ لأنهم في المقابل يَسبُّون اللهَ عَدْوًا بغيرِ عِلمٍ، فإذا سببتَ إلههُ ووثنهُ وصنمهُ؛ سبَّ ربَّك، الذي هو ربُّ العالمين-، والذي هو أكرمُ الأكرمين، فالذي يفعلُ ذلك؛ يتحملُ إثمَهُ، وعليه أن يبوءَ بنعلِ كُلَيب، وليس له من حظٍ لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنه يَجلُبُ السبَّ لرسولِ الله ولدينِ الإسلامِ العظيم وللقرآنِ المجيدِ، بل ربما اعتدى السفهاءُ على ربِّ العزَّة؛ فسبُّوا إلهَ المسلمين؛ وهو الإلهُ الحقُّ، لا إله إلا هو وحدَه لا شريك له.

فما هي الفائدة؟ وما هي العائدة التي تعودُ على الإسلامِ وعلى المسلمين؟!

أبهذا تُنشرُ الدعوة؟!

أم بهذا يُمَكَّنُ للمسلمين في الأرض؟!

إنَّ الغدرَ سببٌ لظهورِ أعداءِ الإسلامِ على المسلمين، الغدرُ سببٌ لعلُّوِ وظهورِ الكافرين على المسلمين.

ما عند الله لا يُنالُ إلا بطاعته.

 من مفاسدِ هذا العمل: أنه معصيةٌ لله ولرسوله ﷺ، وانتهاكٌ لحرمات الله، وهو تعرُّضٌ للعنةِ اللهِ والملائكة والناس أجمعين، ولا يُقبَل مِن فاعِلهِ صَرْفٌ ولا عدلٌ.

ومن مفاسده: تشويه سمعة الإسلام والمسلمين؛ فإنَّ أعداء الإسلام سوف يستغلون مثل هذا الحدث لتشويهِ سُمعةِ الإسلام وتنفير الناس عنه، مع أنَّ الإسلام بريءٌ من ذلك، فأخلاقُ الإسلامِ صِدقٌ وبِرٌّ ووفاءٌ، والدينُ الإسلاميُّ يُحذر من هذا وأمثاله أشدَّ التحذير.

 من مفاسده: أنَّ الأصابعَ في الداخلِ والخارج سوف تُشِيرُ إلى أنَّ هذا مِن صُنْعِ المتمسكين بالإسلام والدين، مع أننا نعلمُ عِلْمَ اليقين أنَّ المتمسكينَ بشريعةِ الله حقيقةً؛ لن يقبلوا مثل ذلك، ولن يرضَوا به أبدًا، بل إنهم يتبرءون منه، وينكرونَه أعظم إنكار؛ لأنَّ المتمسك بدين الله حقيقةً هو الذي يقوم بدين الله على ما يُريدُه الله، لا على ما تهواه نفسُهُ، ويُمْلِي عليه ذَوْقُهُ المَبنيُّ على العاطفة الهوجاءِ والمنهجِ المنحرف، والتمسُّك الموافق للشريعة كثيرٌ مُتفشٍ في شبابِ المسلمين والحمد لله رب العالمين.

 من مفاسدِ هذا الحدثِ وأمثالهِ: أنَّ كثيرًا من العامةِ الجاهلين بحقيقةِ التمسُّك بالدين؛ سوف ينظرون إلى كثيرٍ من المتمسكين البرآء مِن هذا الصنيع نظرةَ عداوةٍ وتَخوُّفٍ وحَذرٍ وتحذيرٍ، كما هو معهود عن بعض جُهال العوام من تحذيرِ أبنائِهم من التمسُّك بالدين نظرًا لأمثالِ تلك الأمور.

 إنَّ من أثار ذلك: حصدَ الأرواح، وهلاكَ الأنفُس، وتدميرَ الممتلكات، ونَشرَ الخَوفِ والرُّعب، وزرعَ الضغينةِ والبغضاء.

من آثار ذلك: تَحجِيرُ الخير، وإضعافُ الأمة، وتبديدُ مكاسِبِها، وتسلُّطُ أعداء اللهِ وتَمَكُّنُهم من أمةِ الإسلام.

فمَن الذي يرضى لنفسهِ ولغيرهِ بتلك الأمور؟

 إنَّ الله جلَّ وعلا- رفعَ عن أمةِ الإسلام العَنتَ والحرج، وإنَّ نُصرةَ دينِ الله عز وجل-، وإعزازَ شريعتهِ؛ لا تكونُ ببثِّ الخوفِ والرُّعب أو بالإفسادِ في الأرض، لا تكون بإلقاءِ النفسِ إلى التهلُكة، لا تكونُ بالتضحيةِ بالنفسِ انتحارًا على غيرِ بصيرةٍ، فكلُّ هذا مخالفٌ لِما جاء به دينُ الإسلامِ الحنيفِ، وإنما جاءَ الإسلام ليَحْمِيَ للناسِ ضروراتِهم، ويعملَ على حِفظِها، وينشرَ الأمنَ والعدل والسعادةَ والسلام في صفوفِ مجتمعاتهِ وفي العَالَمِ كلِّه.

 إنَّ دينَ الإسلامِ العظيم يَجهلُهُ كثيرٌ من المُنتسبينَ إليه؛ بل وكثيرٌ من المُتكلمينَ باسمهِ، وكثيرٌ من المُحَجِّرينَ لفَهْمِهِ على أنفسِهم.

 فتنةٌ عظيمةٌ هَوْجَاءٌ، وعاصفةٌ مِنْ بَلاء، ولكنَّ اللهَ الرحمن الرحيم قادرٌ على أنْ يرفعَ عنَّا الكَرْب وأنْ يُسَكِّنَ النفوس، ويُطمئنَ القلوب ويُهدِّأ الأرواح، وأنْ ينشُرَ دينَهُ الحق على يدِ مَن شاء وبلسانِ وبنانِ مَن شاء في الدنيا كلِّها؛ دعوةً إلى الخير وتحذيرًا من الشر، إنَّ ربِّي على كلِّ شيءٍ قدير.

«خطبة تفجيرات بروكسل بين الغدر والخيانة

16 من جمادى الآخرة 1437هـ الموافق 25-3-2016م»

«سَمَاحَةُ الإسلامِ وَرَحْمَتُهُ في السِّلْمِ وَالحَرْبِ»

 إذا تَأَمَّلْتَ مَوْقِفَ الإسلامِ مِن امتدادِ الحربِ والقتالِ لغيرِ المُقاتِلين أَدْرَكْتَ عَظَمَةَ هذا الدين وعُمْقَ سماحتِهِ، فَعِنْدَمَا يأتي النَّهِيُ القَاطِعُ مِنْ رسولِ اللهِ ومِن خُلفائِهِ عن استهدافِ النِّسَاءِ، والولدْان، والشيوخ، والزَّمْنَى -يعني: أصحاب العَاهَات-، والرُهْبَان، والفَلاحِين، والأُجَرَاء، تَعْلَم عِندئذٍ المَوْقفَ الحقيقيَّ للإسلامِ مِن استهدافِ المَدَنيينَ بِالمصطلحِ الحديثِ.

 إذا تَأَمَّلْتَ هذه الأصناف: (النساء، الوِلْدَان، الشيوخ، المَعتوهين، الأُجَرَاء، الفلاحين، الرُّهْبَان، العبيد، الوصفَاء)، إذا تَأَمَّلْتَ هذه الأصناف أَدْرَكْتَ أنَّ هؤلاء في مَجْمُوعِهِم يُمَثِّلونَ مَن لا يَنْتَصِبُونَ للقِتَالِ ولا يُشَارِكُونَ في وَقَائِعِهِ؛ وَهَل تَعبيرُ المَدنيينَ اليوم له دَلالةٌ سِوَى هذا؟!

 ومِن هُنَا جَاءَ قَوْلُ الفقهاءِ بِحُرْمَةِ قَتْلِ مَن لَم يَكُن مِن أَهْلِ المُقَاتَلَةِ والمُمَانَعةِ أو كانَ مِن المَدنيينَ بالمصطلحِ الحديث، وهذا النَّهْيُ عن استهدافِ المَدنيينَ منْ غيرِ أَهْلِ المُقَاتَلةِ والمُمانَعةِ لم يأتي نتيجة اختيارٍ فِقْهيٍّ ولا ترجيحٍ مصلحيٍّ، وإنَّمَا جاءَ النَّصُّ على المَنْعِ مِن استهدافِ أَغْلَبِ هذه الأصنافِ بِبَيَانٍ نبويٍّ وَوَحْيٍّ إلهيٍّ، مِمَّا يَرْفَعُ درجةُ هذا النَّهْي في نَفْسِ كلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنةٍ إلى أعلى درجاتِ الحَذَرِ مِن مخالفتِهِ.

 عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: «وُجِدَتْ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ». أَخْرَجَاه في «الصَّحِيحيْن».

 وَعَنْ ابن رَبَاحِ -رضي الله عنه- قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي غَزْوَةٍ، فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ؛ فَبَعَثَ رَجُلًا، فَقَالَ: «انْظُرْ: عَلَامَ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ؟».

فَقَالَ: عَلَى امْرَأَةٍ قَتِيلٍ.

فَقَالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ».

قَالَ: وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ خالد بن الوليد -رَضِيَ اللهُ عنه-.

فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ: «قُلْ لِخَالِدٍ: لَا يَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلا عَسِيفًا».

أخرجَهُ أبو داود وَصَحَّحَهُ الألبانيُّ وقال: «حَسَنٌ صَحِيحٌ».

والعسيف: هو الأجير.

 فينبغي عَلَيْنَا عِبَادَ اللهِ أَنْ نَجْتَهِدَ في نُصْرَةِ دِينِنَا، لَا في خِذْلَانِهِ، لا في مُحَارَبَتِهِ، ينبغي أنْ نكونَ مِن أولياءِ اللهِ، وَمِن أولياءِ رسولِ اللهِ، وَأَلَّا نكونَ مِن أعداءِ اللهِ، وَلَا مِن أعداءِ رسولِهِ، أَلَّا نَصُدَّ عن سبيلِ اللهِ.

وَصَلَّى اللَّـهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ.

التعليقات


مقاطع قد تعجبك


  عاشوراء وقبر الهالك الملعون أبو لؤلؤة المجوسي
  قصة العلامة رسلان مع أحد التكفيريين
  هل تدري معنى أنك ستموت؟!
  أين يسكن الجن ..؟
  هل الإنسان مسيَّر أم مخير؟
  يتكلمون في دينِ اللهِ بغيرِ عِلم
  الحَيَوَانَات تُقِيمُ حُدُودَ اللهِ وَيُضَيِّعُهُا الإنسان!!
  يريد أن يطلق زوجته لانه لم يعد يحبها،، فماذا قال له الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ؟؟
  سَلِّم لرَبِّكَ تَسْلَم
  قد رَأَيْنَا مَا صنَعَ بِنا الإِسلاَمِيُّونَ لمَّا دَخَلُوا فِي السِّياسَة
  فَلَمَّا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ أَوْ شَيْخُ الْحَدَّادِيَّةِ يُعْلِنُ تَفْلِيسَهُ
  نعمة الزواج
  جانب من حياء الرسول صلى الله عليه وسلم
  أوصلوا هذه الرسالة إلى القرضاويِّ الضال
  يعرفون عن الممثلين والمغنيين والمشاهير كل شيء!!
  • شارك