تفريغ مقطع : الدرس الوحيد الذي تعلمناه من التاريخ... هو أننا لا نتعلم من التاريخ

فَإِنَّ الدَّرسَ الوَحِيدَ الَّذِي نَتَعَلَّمُهُ مِنَ التَّارِيخِ؛ هُوَ أَنَّنَا لَا نَتَعَلَّمُ مِنَ التَّارِيخ.

فَمَرْوَانُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مَرْوَانَ بنُ الحَكَمِ بنُ أَبِي العَاص بنِ أُمَيَّةَ أَبُو عَبْدِ المَلِك, آخِرُ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ, وَبِه انْقَضَت دَولَتُهُم, قُتِلَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِئَة، وَكَانَ يُلَقَّبُ بِـ ((الحِمَارِ)) لِجَسَارَتِهِ فِي الحُرُوبِ وَلِصِدَامِهِ.

قَالَ ابنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ-:

((كَانَ شُجَاعًا, بَطَلًا مِقْدَامًا, حَازِمَ الرَّأْيِ لَا يُفَارِقُ الغَزْوَ, وَلَكِنْ مَنْ يَخذُلِ اللَّهُ يُخْذَل)).

قَالَ ابنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ-:

جَلَسَ مَروَانُ يَومًا وَقَد أُحِيطَ بِهِ, وَعَلَى رَأْسِهِ خَادِمٌ لَهُ قَائِم، فَقَالَ مَرْوَان لِبَعْضِ مَنْ يُخَاطِبُهُ: أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ لَهْفِي عَلَى أَيْدٍ مَا ذُكِرَت، وَنِعَمٍ مَا شُكِرَت، وَدَوْلَةٍ مَا نُصِرَت!!

فَقَالَ لَهُ الخَادِمُ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ؛ مَنْ تَرَكَ القَلِيلَ حَتَّى يَكْثُر، وَالصَّغِيرَ حَتَّى يَكْبُر، وَالخَفِيَّ حَتَّى يَظْهَر، وَأَخَّرَ فِعْلَ اليَوْمِ لِغَد؛ حَلَّ بِهِ أَكثَرُ مِنْ هَذَا.

فَقَال مَرْوَان: هَذَا القَوْلُ أَشَدُّ عَليَّ مِنْ فَقْدِ الخِلَافَة.

فَهَذَا دَرْسٌ مِنْ دُرُوسِ التَّارِيخ, نَتَعَلَّمُ مِنَ التَّارِيخِ دَرْسًا وَاحِدًا وَهُوَ؛ أَنَّنَا لَا نَتَعَلَّمُ مِنَ التَّارِيخِ.

مَنْ تَرَكَ القَلِيلَ حَتَّى يَكْثُر، وَالصَّغِيرَ حَتَّى يَكْبُر، وَالخَفِيَّ حَتَّى يَظْهَر، وَأَخَّرَ فِعْلَ اليَوْمِ لِغَد؛ حَلَّ بِهِ أَكثَرُ مِنْ هَذَا.

فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَثَمَانِمَئةٍ تَوَلَّى عَرْشَ غِرْنَاطَة أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّغِيرِ مُحَمَّدُ بنُ أَبِي الحَسَنِ عَلِي، وَكَانَ وَالِدَهُ أَبُو الحَسَنِ عَلِيٌّ قَدَ تَزَوَّجَ عَلَى زَوْجَتِهِ الحُرِّةِ عَائِشَة زَوْجَةً نَصْرَانِيَّةً سُمِّيَت الثُّرَيَّا، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّغِيرِ هُوَ وَلَدُهَا.

كَانَت غِرْنَاطَةُ آخِرَ مَعَاقِلِ الإِسْلَامِ فِي الأَنْدَلُسِ، وَبِتَسْلِيمِهَا وَلَّت دَوْلَةُ المُسلِمِينَ فِي الأَنْدَلُسِ، وَقَدْ وَقَّعَ السُّلطَانُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّغِيرِ مُعَاهَدَةَ التَّسْلِيمِ لِلمَلِكَيْنِ الكَاثُولِيِكِيَّينِ: فِرْنَانْدُو وَإِيزَابِيلَّا فِي المُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ وَتَسْعِينَ وَثَمَانِمِئَة.

وَفِي رَبِيعٍ الأَوَّل مِنَ السَّنَةِ نَفْسِهَا, دَخَلَ المَلِكَيْنِ الكَاثُولِيِكِيَّينِ مَدِينَةَ غِرْنَاطَةَ وَقُصُورَ الحَمْرَاء، وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّغِير قَدْ تَقَدَّمَ فَسَلَّمَ مَفَاتِيحَ المَدِينَةِ وَوَقَفَ بَعِيدًا يَبْكِي.

فَقَالَت لَهُ عَائِشَةُ الحُرَّةُ: ((ابْكِ مِثْلَ النِّسَاءِ مُلْكًا لَمْ تُحَافِظ عَلَيْهِ مِثْلَ الرِّجَال)).

ثُمَّ هَاجَرَ هُوَ وَأَبْنَاؤُهُ إِلَى المَغْرِبِ فَنَزَلَ بِفَاس، وَكَانَ يَعِيشُ هُوَ وَأَبْنَاؤُهُ عَلَى هِبَاتِ المُحْسِنِين!!

فَهَذَا دَرْسٌ آخَر مِنْ دُرُوسِ التَّارِيخ.

وَالدَرْسُ الوَحِيدُ الَّذِي تَعَلَّمْنَاهُ مِنَ التَّارِيخِ؛ هُوَ أَنَّنَا لَا نَتَعَلَّمُ مِنَ التَّارِيخِ.

التعليقات


مقاطع قد تعجبك


  لكل بيت مسلم استمع جيدًا لهذه النصائح
  هَلْ خَلَا مَجْلِسٌ لَكَ مِنْ غِيبَة؟!
  ألا تخشى سوء الخاتمة
  إن الذي يراد بكم لا يمكن أن تتخيلوه ولا أن تتصوروه!!
  كَلَامُ اللهِ... كَلَامُ اللهِ كَلَامُ اللهِ.
  التفجير والتدميرُ يستفيدُ منه أعداء الإسلام
  إِلَى أَهْلِ الْجَزَائِرِ الْحَبِيبَة
  إلى أهل المغرب الحبيب
  لماذا لا تتغير؟! ألا توقن أنك ستموت؟!
  أهمية نعمة الأمن
  كُفَّ لسانَك عما لا يعنيك
  كيف كان يتعامل السلف مع شيوخهم؟
  الطريق إلى القدس لا يمر بالقاهرة
  تبديل المواطن العقدية!! .. هذه هي القضية
  أفق يا رجل لا تكونن وليًّا لله في العلن عدوًا لله في السر
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان