حُقُوقُ الْمُسِنِّينَ فِي دِينِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-


((حُقُوقُ الْمُسِنِّينَ فِي دِينِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- ))

1*مِنْ حُقُوقِ كِبَارِ السِّنِّ -الْمُسِنِّينَ- فِي دِينِ الْإِسْلَامِ: الْإِجْلَالُ وَالِاحْتِرَامُ وَالتَّقْدِيرُ:

الْإِسْلَامُ يُعْطِي الْكَبِيرَ حَقَّهُ مِنَ الشَّرَفِ وَالتَّقْدِيرِ وَالتَّوْقِيرِ، وَإِجْلَالُهُ هُوَ حَقُّ سِنِّهِ؛ لِكَوْنِهِ تَقَلَّبَ فِي الْعُبُودِيَّةِ للهِ فِي أَمَدٍ طَوِيلٍ.

عَنْ  أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُجِلَّ كَبِيرَنَا، فَلَيْسَ مِنَّا». وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

«يُجِلُّ»: يُعَظِّمُ قَدْرَهُ.

قَوْلُهُ ﷺ: «فَلَيْسَ مِنَّا»: وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ ابْتَدَأَتْ بِلَفْظِ «لَيْسَ مِنَّا»، وتَعَدَّدَتْ أَقْوَالُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ:

فَمَرَّةً قَالُوا: لَيْسَ مِثْلَنَا.

وَمَرَّةً قَالُوا: لَيْسَ مِنَ الْعَامِلِينَ بِسُنَّتِنَا الْجَارِينَ عَلَى طَرِيقَتِنَا.

وَمَرَّةً قَالُوا: لَيْسَ مِنْ أَهْلِ سُنَّتِنَا.

وَمَرَّةً قَالُوا: لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ مِنَّا.

«لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ».

فَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ إِخْرَاجَهُ مِنَ الدِّينِ، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ الْمُبَالَغَةُ فِي الرَّدْعِ عَنِ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِ هَذَا الْعَمَلِ، كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِوَلَدِهِ عِنْدَ مُعَاتَبَتِهِ: لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي؛ أَيْ: مَا أَنْتَ عَلَى طَرِيقَتِي.

وَقِيلَ الْمَعْنَى: لَيْسَ عَلى دِينِنَا الْكَامِلِ؛ أَيْ: أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ فَرْعٍ مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَصْلُ الدِّينِ.

فِي الْحَدِيثِ: وُجُوبُ التَّوْقِيرِ مِنَ الصَّغِيرِ لِلْكَبِيرِ؛ احْتِسَابًا وَطَلَبًا لِلْأَجْرِ كَذَلِكَ، وَرَحْمَةِ الْكَبِيرِ لِلصَّغِيرِ احْتِسَابًا وَطَلَبًا لِلْأَجْرِ، وَاتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ، وَحِرْصًا عَلَى التَّحَلِّي بِالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا رَحْمَةُ الْكَبِيرِ لِلصَّغِيرِ، وَتَوْقِيرُ الصَّغِيرِ لِلْكَبِيرِ.

*وَمِنْ مَظَاهِرِ احْتِرَامِ الْكَبِيرِ: التَّوْسِعَةُ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ:

مِنْ إِجْلَالِ الْكَبِيرِ: التَّوْسِعَةُ لِلْقَادِمِ عَلَى أَهْلِ الْمَجْلِسِ إِذَا أَمْكَنَ التَّوْسِيعُ لَهُ، سِيَّمَا إِذَا كَانَ مِمَّنْ أُمِرَ بِإِكْرَامِهِ مِنَ الشُّيُوخِ  سَوَاءٌ كَانَ ذَا شَيْبَةٍ، أَوْ ذَا عِلْمٍ، أَوْ لِكَوْنِهِ كَبِيرَ قَوْمٍ، كَمَا فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ -وَالْحَدِيثُ حَسَنٌ  بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ كَمَا فِي «السِّلْسلَةِ الصَّحِيحَةِ»-: «إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمٌ فَأَكْرِمُوهُ».

2*مِنْ حُقُوقِ كِبَارِ السِّنِّ -الْمُسِنِّينَ- فِي دِينِ الْإِسْلَامِ: إِكْرَامُهُمْ، وَالشَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ، وَالرِّفْقُ بِهِمْ:

عَنِ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: إِنَّ مِنَ إِجْلَالِ اللهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ، غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ، وَلَا الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ. وَالْحَدِيثُ حَدِيثُ حَسَنٌ، أَخْرَجَهُ -أَيْضًا- أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعًا.

وَ«الْأَشْعَرِيِّ»: هُوَ أَبُو مُوسَى -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

«إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللهِ»؛ أَيْ: مِنْ تَبْجِيلِهِ وَتَعْظِيمِهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

«إِكْرَامَ ذَيِ الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ»: تَعْظِيمَ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ فِي الْإِسْلَامِ بِتَوْقِيرِهِ فِي الْمَجَالِسِ، وَالرِّفْقِ بِهِ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ كَمَالِ تَعْظِيمِ اللهِ تَعَالَى؛ لِحُرْمَةِ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ عِنْدَ اللهِ.

فَالَّذِي يَتَدَبَّرُ مُتَأَمِّلًا يَرَى أَهْمِيَّةَ هَذِهِ الْمَعْطُوفَاتِ فِي الْأَحَادِيثِ،  وَيَعْلَمُ سُمُوَّ مَنْزِلَتِهَا؛ فَإِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللهِ تَعَالَى ومِنْ تَعْظِيمِهِ أَنْ  يَعْرِفَ الْمَرْءُ حَقَّ هَؤُلَاءِ عَلَيْهِ.

فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ: تَأْكِيدُّ نَبَوِيٌّ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى تَوْقِيرِ الْكِبَارِ، وَإِجْلَالِهِمْ، وَالِاعْتِرَافِ بِحُقُوقِهِمْ، وَالْمُعَامَلَةِ مَعَهُمْ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ.

وَفِيهَا: بَيَانُ فَضِيلَةِ وَأَسَاسِ الْمُجْتَمَعِ الْإِسْلَامِيِّ، مَعَ بَيَانِ الْخَيْرِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَيْهِ هَذَا الْمُجْتَمَعُ الْفَاضِلُ؛ لِأَنَّ خَلَلًا عَظِيمًا جِدًّا يَحْدُثُ فِي مُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَمَا لَا يُعْرَفُ لِلْكَبِيرِ حَقُّهُ، وَالنَّبِيُّ ص شَدَّدَ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ.

3*مِنْ حُقُوقِ كِبَارِ السِّنِّ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ: أَنْ نُقَدِّمَهُمْ عِنْدَ الْكَلَامِ:

فَعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جُهْدٍ أَصَابَهُمْ، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ فَأَخْبَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ أَوْ فَقِيرٍ، فَأَتَى يَهُودَ، فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ.

قَالُوا: وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ. ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَذَكَرَ لَهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ -وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ- وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ، وَهُوَ الَّذِى كَانَ بِخَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُحَيِّصَةَ: «كَبِّرْ كَبِّرْ». يُرِيدُ السِّنَّ؛ فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

فِي الْحَدِيثِ: الْبَدْءُ بِالْكَلَامِ لِلْأَكْبَرِ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْإِكْرَامِ إِلَّا إِذَا كَانَ الصَّغِيرُ أَعْلَمَ وَأَقْدَرَ مِنَ الْكَبِيرِ عَلَى الْبَيَانِ وَالتِّبْيِينِ.

«لَمَّا جَاءَ وَفْدٌ إِلَى عُمْرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَشَرَعَ أَصْغَرُ الْقَوْمِ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِالْعَزِيزِ: عَلَى رِسْلِكَ فَلْيَتَكَلَّمْ أَكْبَرُكُمْ.

فَقَالَ لَهُ الْغُلَامُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِالسِّنِّ لَكَانَ مِنْ رَعِيَّتِكَ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِمَجْلِسِكَ مِنْكَ.

قَالَ: فَتَكَلَّمْ بَارَكَ اللهُ فِيكَ.

تَعَلَّمْ فَلَيْسَ الْمَرْءُ يُولَدُ عَالِمًا

 

 

وَلَيْسَ جَهُولُ الْقَوْمِ كَمَن هُوَ عَالِمٌ

فَإِنَّ كَبِيرَ الْقَوْمِ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ

 

 

صَغِيرٌ إِذَا الْتَفَّتْ عَلَيْهِ الْمَحَافِلُ».

 

4*مِنْ حُقُوقِ كِبَارِ السِّنِّ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ: الْحَيَاءُ وَالتَّأَدُّبُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ:

عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ((أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا، لاَ تَحُتُّ وَرَقَهَا)).

فَوَقَعَ فِي نَفْسِي النَّخْلَةُ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، وَثَمَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، فَلَمَّا لَمْ يَتَكَلَّمَا، قَالَ النَّبِيُ ﷺ: «هِيَ النَّخْلَةُ».

فَلَمَّا خَرَجْتُ مَعَ أَبِي، قُلْتُ: يَا أَبَتِ، وَقَعَ فِي نَفْسِي النَّخْلَةُ.

قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَهَا؟ لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا.

قَالَ: مَا مَنَعَنِي إِلَّا لَمْ أَرَكَ، وَلَا أَبَا بَكْرٍ تَكَلَّمْتُمَا، فَكَرِهْتُ.

الْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ))، وَفِيهِ أَلْفَاظٌ سِوَى مَا ذَكَرَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي ((الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ)).

قَوْلُهُ: ((تُؤْتِي أُكُلَهَا))؛ أَيْ: تُعْطِي ثَمَرَهَا.

قَوْلُهُ: ((لَا تَحُتُّ وَرَقَهَا))؛ أَيْ: لَا تُسْقِطُهُ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ((وَجَعَلْتُ أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهَا فَإِذَا أَسْنَانُ الْقَوْمِ)): ((أَسْنَانُ)): جَمْعُ سِنٍّ بِمَعْنَى عُمُرٍ؛ يَعْنِي: كِبَارَ الْقَوْمِ وَشُيُوخَهُمْ حَاضِرُونَ، أَفَأَتَكَلَّمُ أَنَا؟!

فَمَا أَعْظَمَ أَدَبَهُ!

وَمَا أَقَلَّ أَدَبَ مَنْ بَعْدَهُمْ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ!

فِي الْحَدِيثِ: تَوْقِيرُ الْكِبَارِ، لَكِنْ إِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْكِبَارُ الْمَسْأَلَةَ فَيَنْبَغِي لِلصَّغِيرِ أَنْ يَقُولَهَا.

 

5*حُقُوقٌ عَامَّةٌ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ -كِبَارُ السِّنِّ بِهَا أَجْدَرُ وَأَوْلَى-:

فَالنَّبِيُّ ﷺ أَمَرَكُمْ بِالتَّوَادِّ؛ قَالَ ﷺ: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)).

وَثَبَتَ فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ))، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ)) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ)).

فَفي هذا الحَدِيثِ بَيَانُ عدةِ حُقُوقٍ بَينَ المُسْلِمِينَ:

*الحقُّ الأوَّلُ: السَّلامُ:

فَالسَّلَامُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَهُوَ مِنْ أَسْبَابِ تَآلُفِ الْمُسْلِمِينَ وَتَوَادِّهِمْ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ، وَكَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: ((وَاللهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَينَكُمْ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)).

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَبْدَأُ مَنْ لَقِيَهُ بِالسَّلَامِ، وَيُسَلِّمُ عَلَى الصِّبْيَانِ إِذَا مَرَّ بِهِمْ، كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)).

وَالسُّنَّةُ أَنْ يُسَلِّمَ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ، وَالرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَلَكِنْ إِذَا لَمْ يَقُمْ بِالسُّنَّةِ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِهَا؛ فَلْيَقُمْ بِهَا الْآخَرُ؛ لِئَلَّا يَضِيعَ السَّلَامُ، فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمِ الصَّغِيرُ فَلْيُسَلِّمِ الْكَبِيرُ، وَإِذَا لَمْ يُسَلِّمِ الْقَلِيلُ فَلْيُسَلِّمِ الْكَثِيرُ؛ لِكَيْ يَحُوزُوا الْأَجْرَ.

*الْحَقُّ الثَّانِي: إِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ:

أَيْ: إِذَا دَعَاكَ إِلَى مَنْزِلِهِ؛ لِتَنَاوُلِ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ فَأَجِبْهُ، وَالْإِجَابَةُ إِلَى الدَّعْوَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ جَبْرِ قَلْبِ الدَّاعِي، وَجَلْبِ الْمَوَدَّةِ وَالْأُلْفَةِ، وَيُسْتَثْنَي مِنْ ذَلِكَ وَلِيمَةُ الْعُرْسِ، فَإِنْ أَجَابَ فَإِنَّ الْإِجَابَةَ إِلَى الدَّعْوَةِ إِلَيْهَا واجِبَةٌ بِشُرُوطٍ مَعْرُوفَةٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: ((وَمَنْ لَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَلَعَلَّ قَوْلَهُ ﷺ: ((إِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ)): يَشْمَلُ حَتَّى الدَّعْوَةَ لِمُسَاعَدَتِه وَمُعَاوَنَتِهِ، فَإِنَّكَ مَأْمُورٌ بِإِجَابَةِ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ إِذَا دَعَاكَ لِذَلِكَ، فَإِذَا دَعَاكَ لِتُعِينَهُ فِي حَمْلِ شَيْءٍ، أَوْ إِلْقَائِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّكَ مَأْمُورٌ بِمُسَاعَدَتِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: ((الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا)).

*الْحَقُّ الثَّالِثُ: إِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْهُ:

يَعْنِي: إِذَا جَاءَ إِلَيْكَ يَطْلُبُ نَصِيحَتَكَ لَهُ فِي شَيْءٍ فَانْصَحْهُ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنَ الدِّينِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ: لِلَّهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

أَمَّا إِذَا لَمْ يَأْتِ إِلَيْكَ يَطْلُبُ النَّصِيحَةَ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ أَوْ إِثْمٌ فِيمَا سَيُقْدِمُ عَلَيْهِ وَجَبَ عَلَيْكَ أَنْ تَنْصَحَهُ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ إِلَيْكَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ إِزَالَةِ الضَّرَرِ وَالْمُنْكَرِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيمَا سَيَفْعَلُ وَلَا إِثْمَ وَلَكِنَّكَ تَرَى أَنَّ غَيْرَهُ أَنْفَعُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَقُولَ لَهُ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَسْتَنْصِحَكَ فَتَلْزَمُ النَّصِيحَةُ حِينَئِذٍ.

*الْحَقُّ الرَّابِعُ: إِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتْهُ:

أَيْ قُلْ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ؛ شُكْرًا لَهُ عَلَى حَمْدِهِ لِرَبِّهِ عِنْدَ الْعُطَاسِ، أَمَّا إِذَا عَطَسَ وَلَمْ يَحْمَدِ اللهَ؛ فَإِنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ، فَلَا يُشَمَّتُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَحْمَدِ اللهَ كَانَ جَزَاؤُهُ أَنْ لَا يُشَمَّتَ.

وتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ إِذَا حَمِدَ فَرْضٌ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ، فَيَقُولُ: ((يَهْدِيكُمُ اللهُ ويُصْلِحُ بَالَكُمْ)).

وَإِذَا اسْتَمَرَّ مَعَهُ الْعُطَاسُ وَشَمَّتَّهُ ثَلَاثًا فَقُلْ لَهُ فِي الرَّابِعَةِ: ((أَنْتَ مَزْكُومٌ))، أَوْ ((عَافَاكَ اللهُ))، بَدَلًا مِنْ قَوْلِكَ: يَرْحَمُكَ اللهُ.

*الْحَقُّ الْخَامِسُ: إِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ:

وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ: زِيَارَتُهُ، وَهِيَ حَقٌّ لَهُ عَلَى إِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَجِبُ عَلَيهِمُ الْقِيَامُ بِهَا، وَكُلَّمَا كَانَ لِلْمَرِيضِ حَقٌّ عَلَيْكَ مِنْ قَرَابَةٍ أَوْ صُحْبَةٍ أَوْ جِوَارٍ كَانَتْ عِيَادَتُهُ آكَدَ.

وَالْعِيَادَةُ بِحَسَبِ حَالِ الْمَرِيضِ، وَبِحَسَبِ حَالِ مَرَضِهِ، فَقَدْ تَتَطَلَّبُ الْحَالُ كَثْرَةَ التَّرَدُّدِ إِلَيْهِ، وَقَدْ تَتَطَلَّبُ الْحَالُ قِلَّةَ التَّرَدُّدِ إِلَيْهِ؛ فَالْأَوْلَى مُرَاعاةُ الْأَحْوَالِ.

وَالسُّنَّةُ لِمَنْ عَادَ مَرِيضًا: أَنْ يَسْأَلَ عَنْ حَالِهِ، وَيَدْعُوَ لَهُ، وَيَفْتَحَ لَهُ بَابَ الْفَرَجِ وَالرَّجَاءِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ الصِّحَّةِ وَالشِّفَاءِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُذَكِّرَهُ التَّوْبَةَ بِأُسْلُوبٍ لَا يُرَوِّعُهُ، فَيَقُولُ لَهُ مَثَلًا: إِنَّ فِي مَرَضِكَ هَذَا تَكْتَسِبُ خَيْرًا، فَإِنَّ الْمَرَضَ يُكَفِّرُ اللهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَمْحُو بِهِ السَّيِّئَاتِ، وَلَعَلَّكَ تَكْسِبُ بِانْحِبَاسِكَ أَجْرًا كَثِيرًا بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالدُّعَاءِ.

*الْحَقُّ السَّادِسُ: إِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ:

فَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ, وَفِيهِ أَجْرٌ كَبِيرٌ؛ فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ تَبِعَ الجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ)).

قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟

قَالَ: ((مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ)).

*الْحَقُّ السَّابِعُ: وَمِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ: كَفُّ الْأَذَى عَنْهُ:

فَإِنَّ فِي أَذِيَّةِ الْمُسْلِمِينَ إِثْمًا عَظِيمًا، قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأَحزاب: 58].

وَالْغَالِبُ أَنَّ مَنْ تَسَلَّطَ عَلَى أَخِيهِ بِأَذًى؛ فَإِنَّ اللهَ يَنْتَقِمُ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ)).

وَحُقُوقُ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ كَثِيرَةٌ، وَلَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الْجَامِعُ لِهَذِهِ الْحُقُوقِ كُلِّهَا قَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ))، فَإِنَّهُ مَتَى قَامَ بِمُقْتَضَى هَذِهِ الْأُخُوَّةِ اجْتَهَدَ أَنْ يَتَحَرَّى لَهُ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَأَنْ يَجْتَنِبَ كُلَّ مَا يَضُرُّهُ.

6*مِنْ حُقُوقِ الْكِبَارِ سِنًّا وَحِكْمَةً وَعِلْمًا: تَوْلِيَتُهُمْ مَصَالِحَ الْمُسْلِمِينَ، وَجَعْلُهُمُ الْمَرْجِعَ وَأَصْحَابَ الْكَلِمَةِ:

عَنْ حَكِيمِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ، أَنَّ أَبَاهُ أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بَنِيهِ فَقَالَ: ((اتَّقُوا اللَّهَ وَسَوِّدُوا أَكْبَرَكُمْ؛ فَإِنَّ الْقَوْمَ إِذَا سَوَّدُوا أَكْبَرَهُمْ خَلَفُوا أَبَاهُمْ، وَإِذَا سَوَّدُوا أَصْغَرَهُمْ أَزْرَى بِهِمْ ذَلِكَ فِي أَكْفَائِهِمْ)). هَذَا الْحَدِيثُ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ.

* «أَبَاهُ»: أَبُوهُ: هُوَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ سِنَانٍ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَهُ صُحْبَةٌ.

رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عِدَّةَ أَحَادِيثَ، كَانَ عَاقِلًا حَلِيمًا، يُقْتَدَى بِهِ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو: قِيلَ لِلْأَحْنَفِ: مِمَّنْ تَعَلَّمْتَ الْحِلْمَ؟

قَالَ: مِنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ: «هَذَا سَيِّدُ أَهْلِ الْوَبَرِ».

«سَوَّدُوا»؛ أَيْ: جَعَلُوهُ سَيِّدًا عَلَيْهِمْ.

«خَلَفُوا أَبَاهُمْ»؛ أَيْ: قَامُوا مَقَامَ أَبِيهِمْ فِي حُسْنِ الْفَعَالِ.

«أَزْرَى بِهِمْ ذَلِكَ»؛ أَيْ: عِيبَ عَلَيْهِمْ، وَاحْتُقِرَ صَنِيعُهُمْ.

وَالْمَعْنَى: اجْعَلُوا سَادَتَكُمْ الْمَنْظُورَ إِلَيْهِمْ الْمُطَاعِينَ فِي أَمْرِهِمْ أَكَابِرَكُمْ.

«فَإِنَّ الْقَوْمَ إِذَا سَوَّدُوا أَكْبَرَهُمْ خَلَفُوا أَبَاهُمْ»؛ أَيْ: إِنَّكُمْ إِذَا سَوَّدْتُمْ أَكَابِرَكُمْ لَمْ يَزَلْ لِأَبِيكُمْ فِيكُمْ خَلِيفَةٌ، فَأَحْيُوا ذِكْرَ آبَائِكُمْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ أَحْيَيْتُمْ ذِكْرَ أَبِيكُمْ كَمَا فِي لَفْظِ: «أَحْيَوْا ذِكْرَ أَبِيهِمْ».

«أَزْرَى»؛ أَيْ: عَابَ، وَأَزْرَى بِأَخِيهِ: أَدْخَلَ عَلَيْهِ أَمْرًا يُرِيدُ أَنْ يُلَبِّسَ عَلَيْهِ بِهِ.

«أكَفْائِهِمْ». الْأَكْفَاءُ: جَمْعُ (كُفْءٍ)، وَهُوَ: النَّظِيرُ الْمُسَاويِ وَالْمُمَاثِلُ.

وَالْكُفْءُ: الْقَوِيُّ الْقَادِرُ عَلَى تَصْرِيفِ الْعَمَلِ.

«وَإِذَا سَوَّدُوا أَصْغَرَهُمْ أَزْرَى بِهِمْ ذَلِكَ فِي أَكْفَائِهِمْ»: إِذَا جَعَلُوا الصَّغِيرَ سَيَّدَهُمُ الْمُطَاعَ كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا فِي نَقْصِ قَدْرِ الْأَكَابِرِ وَتَسْفِيهِهِمْ وَالزُّهْدِ فِيهِمْ، وَإِذَا سَوَّدْتُمْ أَصَاغِرَكُمْ هَانَ أَكَابِرُكُمْ عَلَى النَّاسِ.

تَأَمَّلْ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، هِيَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ فِي هَذَا الْعَصْرِ: مِنْ أُمُورِ الِاجْتِمَاعِ، وَضَبْطِ مَسَائِلِ الِاجْتِمَاعِ فِي تَعَامُلِ الْمُجْتَمَعَاتِ وَتَعَامُلِ الْأَفْرَادِ فِي مْجُتَمَعَاتِهِمْ، وَفِي هَذَا ضَبْطٌ لِإِيقَاعِ الْحَيَاةِ، حَتَّى تَكُونَ عَلَى قَدَمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

فِي هَذَا الْحَدِيث: الْحَثُّ عَلَى تَكْرِيمِ الْأَكَابِرِ وَتَبْجِيلِهِمْ وَتَعْيِينِهِمْ لِحَمْلِ مَسْؤُولِيَّاتِ الْمُجْتَمَعِ الْإِسْلَامِيِّ وَالْإِشْرَافِ عَلَيْهِ.

وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ الْإِرْشَادُ إِلَى أَنْ يَكُونَ الْكَبِيرُ مِنَ الْأَبْنَاءِ هُوَ الْمَرْجِعُ وَصَاحِبُ الْكَلِمَةِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ، فَإِذَا وُجِدَ مَنْ هُوَ أَصْغَرُ مِنْهُ وَلَكِنَّهُ أَكْبَرُ فِي الْعِلْمِ فَصَاحِبُ الْعِلْمِ يُقَدَّمُ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، ثُمَّ بَيَّنَ لَهُمْ وَالِدُهُمْ بِأَنَّ الْقَوْمَ إِذَا سَوَّدُوا أَكْبَرَهُمْ خَلَفُوا أَبَاهُمْ، يَعْنِي: كَأَنَّ الْأَبَ مَوْجُودٌ وَقَامَ الْكَبِيرُ مَقَامَهُ عِنْدَ فَقْدِهِ، وَإِذَا سَوَّدُوا أَصْغَرَهُمْ أَزْرَى بِهِمْ ذَلِكَ فِي أَكْفَائِهِمْ، يَعْنِي: يَحْتَقِرُونَ الْكَبِيرَ وَلَا يَعْتَبِرُونَ الصَّغِيرَ.

7*مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ -وَكِبَارُ السِّنِّ مِنَ الْمُسِنِّينَ بِهَا أَوْلَى وَأَجْدَرُ؛ لِضَعْفِهِمْ-: الْحِرْصُ عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ، وَكَشْفِ كُرُبَاتِهِمْ، وَسَتْرِ عَوَرَاتِهِمْ، وَرِعَايَتِهِمْ:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كَمَا فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» وَغَيْرِهِ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا؛ نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ فِي الدُّنْيَا؛ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ فِي الدُّنْيَا؛ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ».

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ: إِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى الْمُؤْمِنِ، كَسَوْتَ عَوْرَتَهُ، أَوْ أَشْبَعْتَ جَوْعَتَهُ، أَوْ قَضَيْتَ لَهُ حَاجَةً».

النَّبِيُّ ﷺ يَجْعَلُ فِي قِمَّةِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَفِي قِمَّةِ الْأَعْمَالِ الْمَقْبُولَةِ عِنْدَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: إِدْخَالَ السُّرُورِ عَلَى الْمُؤْمِنِ: «كَسَوْتَ عَوْرَتَهُ، أَوْ أَشْبَعْتَ جَوْعَتَهُ، أَوْ قَضَيْتَ لَهُ حَاجَةً»، وَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْحَاجَةَ مُنَكَّرَةً لِيَدُلَّ عَلَى أَيِّ حَاجَةٍ قُضَيْتَ، قَضَيْتَ لَهُ حَاجَةً بِمُطْلَقِ الْحَاجَةِ.

فَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جَزَعًا، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا».

وَذَكَرَ الرَّسُولُ ﷺ أَمْرًا عَظِيمًا جِدًّا، لَوْ تَأَمَّلَ الْإِنْسَانُ فِيهِ تَأمُّلًا صَحِيحًا؛ لَعَلِمَ أَنَّ الْأَعْمَالَ تَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهَا عِنْدَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَأَنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- لَمْ يَجْعَلِ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ مَقْصُورَةً عَلَى أُمُورٍ بِعَيْنِهَا، وَإِنَّمَا جَعَلَ الْخَيْرَ شَائِعًا فِي أَعْمَالِ الْبِرِّ وَالصَّلَاحِ.

جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ، وَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟

فَقَالَ ﷺ: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا».

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كَمَا فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» وَغَيْرِهِ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا؛ نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ فِي الدُّنْيَا؛ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ فِي الدُّنْيَا؛ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ».

 

المصدر: حُقُوقُ الْمُسِنِّينَ وَرِعَايَةُ حُقُوقِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ

التعليقات


فوائد مفرغة قد تعجبك


  رِعَايَةُ النَّبِيِّ ﷺ لِلْيَتِيمِ وَالْكَسِيرِ وَالضَّعِيفِ
  مِنْ مَعَانِي التَّضْحِيَةِ: التَّضْحِيَةُ بِالْمَالِ فِي سَبِيلِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-
  الْخَوْفُ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ
  نِدَاءٌ إِلَى أَبْنَاءِ الْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ: صِلُوا أَرْحَامَكُمْ وَتَحَابُّوا
  مِنْ سِمَاتِ الشَّخْصِيَّةِ الْوَطَنِيَّةِ: حُبُّ الْخَيْرِ لِلنَّاسِ وَنَفْعُهُمْ
  الدرس الثامن والعشرون : «الاسْتِغْفَــــارُ وَالتَّوْبَةُ»
  الرَّعِيلُ الْأَوَّلُ سَادَةُ الدُّنْيَا بِالْإِسْلَامِ
  أَمَلُ الْمَرِيضِ فِي الشِّفَاءِ وَالْبُشْرَى لَهُ بِالْأَجْرِ
  الصِّدْقُ وَأَثَرُهُ فِي صَلَاحِ الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ
  نَمَاذِجُ عَصْرِيَّةٌ لِلنِّفَاقِ الِاعْتِقَادِيِّ!!
  تَقْدِيمُ مَصْلَحَةِ الْأُمَّةِ عَلَى الْمَصَالِحِ الْخَاصَّةِ بِالصَّبْرِ عَلَى جَوْرِ الْأَئِمَّةِ
  أَسْبَابُ التَّطَرُّفِ الْفِكْرِيِّ
  أَصْنَافُ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَحُقُوقُهُمْ فِي دِيَارِ الْإِسْلَامِ
  لَنْ تُوَفِّيَ أُمَّكَ حَقَّهَا!!
  مِنْ مَظَاهِرِ الْإِيجَابِيَّةِ لِلْحِفَاظِ عَلَى الْأَوْطَانِ: الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ بِعَقِيدَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي حُقُوقِ الْحُكَّامِ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان