فَضَائِلُ رِعَايَةِ الْأَيْتَامِ وَالْحَثُّ عَلَيْهَا فِي السُّنَّةِ


 ((فَضَائِلُ رِعَايَةِ الْأَيْتَامِ وَالْحَثُّ عَلَيْهَا فِي السُّنَّةِ))

*مِنْ فَضَائِلِ رِعَايَةِ الْأَيْتَامِ: أَنَّ كَافِلَهُمْ وَالسَّاعِي عَلَيْهِمْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَعْلَى الْجَنَّاتِ:

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ فِي السَّعْيِ عَلَى الْيَتِيمِ أَجْرًا، وَفِي الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ أَجْرًا، لَاسِيَّمَا مَنْ وُجِدَ يَتِيمًا فِي بَيْتِهِ، سَوَاءٌ لِقَرَابَتِهِ أَوْ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَعَلَّمَهُ وَأَدَّبَهُ حَتَّى بَلَغَ الْحِنْثَ، فَكَمْ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ عِنْدَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-!

وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ»، وَجَمَعَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى ؛ يَعْنِي  أَنَّهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنَّةِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ، أَنْ يُحْشَرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنَّةِ بِسَبَبِ عَمَلٍ صَالِحٍ قَدَّمَهُ فِي الدُّنْيَا.

وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي ((الصَّحِيحِ)) ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا»، وَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ -رَحِمَهُ اللهُ- : «حُقَّ عَلَى مَنْ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ؛ لِيَكُونَ رَفِيقَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنَّةِ وَلَا مَنْزِلَةَ فِي الْآخِرَةِ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ».

فَكَفَالَةُ الْيَتِيمِ جَزَاؤُهَا عَظِيمٌ جِدًّا، فَلْيَحْرِصِ الْإِنْسَانُ عَلَى أَنْ يُصِيبَ مِنْ ذَلِكَ مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهُ فِي الْآخِرَةِ.

*السَّاعِي عَلَى الْأَرَامِلِ وَالْمَسَاكِينِ -وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْأَيْتَامُ- كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ: فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمَسَاكِينِ كَالْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَكَالَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي «الصَّحِيحِ»، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي «صَحِيحِهِ» .

«السَّاعِي»: الَّذِي يَذْهَبُ وَيَجِيءُ فِي تَحْصِيلِ مَا يَنْفَعُ الْأَرْمَلَةَ وَالْمِسْكِينَ.

«الْأَرْمَلَةُ»: الَّتِيْ مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، سُمِّيَتْ أَرْمَلَةً؛ لِمَا يَحْصُلُ لَهَا مِنَ الْإِرْمَالِ، وَالْإِرِمَالُ: الْفَقْرُ وَذَهَابُ الزَّادِ؛ لِفَقْدِ الزَّوْجِ، يُقَالُ: أَرْمَلَ الرَّجُلُ إِذَا فَنِيَ زَادُهُ.

«الْمَسَاكِينُ»: جَمْعُ مِسْكِينٍ: وَهُوَ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي لَهُ بَعْضُ شَيْءٍ.

مِنْ مَزَايَا دِينِ الْإِسْلَامِ كَثْرَةُ الْأُجُورِ عَلَى الْعَمَلِ الْقَلِيلِ، فَهَذَا السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ؛ أَيِ الْمَرْأَةِ الَّتِي بِجَانِبِهِ، سَوَاءٌ فَقَدَتِ الزَّوْجَ، أَمْ أَنَّهَا فِي جَانِبِ وَلِيِّ أَمْرِهَا، وَهُوَ يَسْعَى عَلَيْهَا لِيُؤَمِّنَ حَاجَاتِهَا الضَّرُورِيَّةَ، مُحْتَسِبًا الْأَجْرَ عِنْدَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِ الْقُرُبَاتِ.

وَالسَّاعِي عَلَى الْمِسْكِينِ، سَوَاءٌ مِنْ قَرَابَتِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ قَرَابَتِهِ، يَسْعَى لِيُؤَمِّنَ قُوتَهُ الضَّرُورِيَّ، وَيَكْفِيهِ مُؤْنَةَ الْعَيْشِ مِنْ مَأْكَلٍ وَمَشْرَبٍ وَمَسْكَنٍ بِقَدْرِ مَا يَسْتَطِيعُ.

وَكَذَلِكَ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْأَيْتَامُ، وَهُمْ أَحْوَجُ الْأَصْنَافِ إِلَى الْعِنَايَةِ بِهِمْ، وَالْيَتِيمُ هُوَ مَنْ فَقَدَ أَبَاهُ مِنْ بَنِي آدَمَ؛ لِأَنَّ الْأَبَ هُوَ الْمُتَكَفِّلُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى الْوَلَدِ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَهُوَ الْمُرَبِّي التَّرْبِيَةَ الدِّينِيَّةَ، فَيَكُونُ أَحْرَصَ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ حِرْصِهِ عَلَى نَفْسِهِ.

فَالسَّاعِي عَلَيْهِ -عَلَى الْيَتِيمِ- كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَفَضْلُ الْجِهَادِ مَعْلُومٌ فِي شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ، بِأَنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يُبَوِّئُ الْمُجَاهِدَ الْمَنَازِلَ الْعَالِيَةَ فِي الْجَنَّةِ، وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، كُلُّ دَرَجَتَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» .

فَالسَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ وَالْفَقِيرِ، كَأَنَّهُ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، بَلْ وَزِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ، صَائِمِ النَّهَارِ تَنَفُّلًا وَتَطَوُّعًا، وَالْقَائِمِ بِاللَّيْلِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ تَطَوُّعًا، وَكَمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَجْرِ!

فَفِي الصَّوْمِ قَالَ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ بَاعَدَ اللهُ النَّارَ عَنْ وَجْهِهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» .

وَفِي قِيَامِ اللَّيْلِ يُبَيِّنُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- بِأَنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ ، وَأَنَّهُ مِنْ عَلَامَاتِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، أَنَّهُمْ يَقُومُونَ مِنَ اللَّيْلِ مَا تَيَسَّرَ لَهُمْ مِنَ الصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ.

وَأَحْسَنُ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ الثُّلُثُ الْأَخِيرُ مِنْهُ؛ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» .

فَهَذَا الْوَقْتُ مِنْ أَغْلَى سَاعَاتِ طَلَبِ الْمُؤْمِنِ رَبَّهُ مِنْ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلْيَكُنْ عَلَى ثِقَةٍ أَنَّهُ يُجَابُ فِي طَلَبِهِ هَذَا.

وَالْإِجَابَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُعَجَّلَةً، وَإِمَّا أَنْ يَدْفَعَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَنْهُ مِنَ السُّوءِ وَالْمَكْرُوهِ مَا لَا يَعْلَمُهُ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ وَالطَّلَبِ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا اللهُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ عِنْدَمَا يَكُونُ النَّاسُ أَحْوَجَ شَيْءٍ إِلَى الْحَسَنَاتِ الَّتِي تَرْفَعُ دَرَجَاتِهِمْ وَتَحُطُّ خَطَايَاهُمْ.

فَالدُّعَاءُ وَالطَّلَبُ مِنَ اللهِ مِنْ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَا يَضِيعُ صَاحِبُهُ أَبَدًا، بَلْ يُحَقِّقُ اللهُ لَهُ إِحْدَى هَذِهِ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ طَلَبَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدْفَعَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ وَالْمَكْرُوهِ مَا لَا يَعْلَمُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا اللهُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَيُجَازِيهِ بِهَا بِرَفْعِ دَرَجَاتِهِ وَتَكْفِيرِ خَطَايَاهُ.

فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ: بَيَانُ أَنَّ السَّعْيَ عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْيَتِيمِ وَالْمَسَاكِينِ، وَالْإِنْفَاقَ عَلَيْهِمْ، وَالْقِيَامَ عَلَى أُمُورِهِمْ جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَالَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ، وَيَقُومُ اللَّيْلَ.

وَفِيهِ: أَنَّ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ يَتَحَصَّلُ الْمَرْءُ مِنْهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْحَسَنَاتِ، وَعَلَى الْإِنْسَانِ أَلَّا يَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئا.

وَيَنْبَغِي عَلَيهِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَوْصِيلِ الْخَيْرَاتِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَرَامِلِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْأَيْتَامِ وَالْمُعْوِزِينَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ وُجُوهِ الْبِرِّ وَالْقُرَبِ وَالطَّاعَاتِ، حَتَّى جَعَلَهُ ﷺ كَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَصِيَامِ النَّهَارِ، وَقِيَامِ اللَّيْلِ.

  

المصدر:رِعَايَةُ الْأَيْتَامِ وَاجِبٌ دِينِيٌّ وَمُجْتَمَعِيٌّ

التعليقات


فوائد مفرغة قد تعجبك


  النَّبِيُّ ﷺ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي الْبِرِّ وَالْوَفَاءِ
  دَرْبُ الْحَيَاةِ مَلِيءٌ بِأَشْوَاكِهَا!!
  حَالُ أُمَّةِ الْعَرَبِ قَبْلَ دَعْوَةِ التَّوْحِيدِ وَبَعْدَهَا
  نِدَاءٌ إِلَى الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ: كُونُوا عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ
  طُولُ الْأَمَلِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ
  نِعْمَةُ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ فِي الْوَطَنِ الْمُسْلِمِ
  مِنْ مَظَاهِرِ الْإِيجَابِيَّةِ: خِدْمَةُ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ
  أَهَمِّيَّةُ التَّخْطِيطِ وَدَلَائِلُهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
  اسْتِقْرَارُ الْمُجْتَمَعِ بِالْعَدْلِ وَهَدْمُهُ وَهَلَاكُهُ بِالظُّلْمِ
  فَضَائِلُ وَثَمَرَاتُ الزَّكَاةِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ
  عَوَامِلُ قُوَّةِ بِنَاءِ الدُّوَلِ فِي نَصَائِحَ جَامِعَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ​
  كَانَ عَمَلُ النَّبِيِّ ﷺ دِيمَةً
  التَّحْذِيرُ مِنْ أَكْلِ الْحَرَامِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ
  دَاءُ الْأُمَّةِ وَدَوَاؤُهَا وَحَلُّ قَضِيَّةِ الْأُمَّةِ
  التَّوَكُّلُ وَالْأَخْذُ بِالْأَسْبَابِ فِي الْعَمَلِ
  • شارك