مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْهِجْرَةِ: هَجْرُ الشِّرْكِيَّاتِ إِلَى التَّوْحِيدِ


 ((مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْهِجْرَةِ: هَجْرُ الشِّرْكِيَّاتِ إِلَى التَّوْحِيدِ))

مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْهِجْرَةِ: هَجْرُ الشِّرْكِيَّاتِ إِلَى التَّوْحِيدِ؛ فَالتَّوْحِيدُ أَسَاسُ دِينِنَا، وَهُوَ مَبْنَى عَقِيدَتِنَا، وَنَحْنُ أَحْوَجُ النَّاسِ إِلَى أَنْ نَتَعَلَّمَهُ، وَإِلَى أَنْ نَتَدَارَسَهُ، وَأَنْ نُبَيِّنَهُ لِلنَّاسِ، وَأَنْ نَدْعُوَهُمْ إِلَيْهِ.

وَاللهُ -جَلَّ وَعَلَا- أَنْزَلَ الْكُتُبَ، وَأَرْسَلَ اللهُ الرُّسُلَ، وَمَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ إِلَّا لِصَرْفِ الْعِبَادَةِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ هُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، فَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ ﷺ، جَاءَ بِدِينِ الْإِسْلَامِ، وَدِينُ الْإِسْلَامِ هُوَ دِينُ التَّوْحِيدِ.

تَعَلَّمُوا مَعْنَى ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))، وَمَعْنَاهَا: ((لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللهُ))، مَعْنَاهَا: ((إِفْرَادُ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- بِالْعِبَادَةِ وَحْدَهُ)).

الدِّينَ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ، عَلَى كَلِمَةِ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))، عَلَيْهَا أُسِّسَتِ الْمِلَّةُ، وَلِأَجْلِهَا خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ، وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ، وَنَبَّأَ الْأَنْبِيَاءَ.

وَلِأَجْلِهَا نُصِبَتْ سُوقُ الْجِهَادِ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ، مِنْ أَجْلِهَا خَلَقَ اللهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ.

وَمِنْ أَجْلِهَا يُقِيمُ السَّاعَةَ، وَتُنْصَبُ الْمَوَازِينُ، وتَتَطَايَرُ الصُّحُفُ، فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ مِنْ أَمَامَ، وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ؛ كُلُّ هَذَا لِأَجْلِ ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)).

{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]؛ أَيْ: إِلَّا لِيُوَحِّدُونِي، وَهُوَ مَعْنَى ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) أَيْ: لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللهُ.

هَذَا التَّوْحِيدُ هُوَ تَوْحِيدُ الْإِلَهِيَّةِ، مَبْنِيٌّ عَلَى إِخْلَاصٍ فِي التَّأَلُّهِ للهِ -جَلَّ وَعَلَا-: مِنَ الْمَحَبَّةِ، وَالْخَوْفِ، وَالرَّجَاءِ، وَالتَّوَكُّلِ، وَالرَّغْبَةِ، وَالرَّهْبَةِ؛ يَنْبَنِي عَلَى إِخْلَاصِ الْعِبَادَاتِ للهِ -جَلَّ وَعَلَا- مِنْ ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ، فَتُصْرَفُ كُلُّهَا للهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا يُجْعَلُ فِيهَا شَيْءٌ لِغَيْرِهِ: لَا لِمَلَكٍ مُقَرَّبٍ، وَلَا لِنَبِيٍّ مُرْسَلٍ؛ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمَا.

عِبَادَ اللهِ! الْأَمْرُ كَبِيرٌ؛ بَلْ كَبِيرٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْحَيَاةِ الْبَاقِيَةِ؛ مَنْ لَقِيَ رَبَّهُ مُشْرِكًا عَذَّبَهُ بِالنَّارِ، وَأَبَّدَهُ فِيهَا؛ فَلَا خُرُوجَ لَهُ مِنْهَا أَبَدًا: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48].

فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي مَعْرِفَةِ الْعَقِيدَةِ.. فِي مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ؛ خَاصَّةً مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ أَنْوَاعِ التَّوْحِيدِ، عَلَيْهِ أَنْ يُحَرِّرَهُ.

تَوْحِيدُ الْإِلَهِيَّةِ؛ يَنْبَغِي عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَعْرِفَهُ مَعْرِفَةَ تَحْقِيقٍ، وَأَنْ يَعْتَقِدَهُ، وَأَنْ يُحَوِّلَهُ إِلَى وَاقِعٍ يَعِيشُهُ؛ وَإِلَّا تَوَرَّطَ فِي الشِّرْكِ تَوَرُّطًا -عِيَاذًا بِاللهِ وَلِيَاذًا بِجَنَابِهِ الرَّحِيمِ-.

احْذَرُوا الشِّرْكَ وَاجْتَنِبُوهُ؛ قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5].

وَاخْصُصِ الشِّرْكَ بِالْهَجْرِ الْكَامِلِ، وَابْتَعِدْ عَنْ كُلِّ الْوَثَنِيَّاتِ وَالشِّرْكِيَّاتِ، وَلَا تَقْتَرِبْ مِنْ شَيْءٍ مِنْهَا مُطْلَقًا، وَدُمْ عَلَى هَجْرِ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ.

وَالْقُرْآنُ كُلُّه فِي التَّوْحِيدِ وَحُقُوقِهِ وَجَزَائِهِ، وَفِي شَأْنِ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ وجَزَائِهِمْ» ؛ لِذَلِكَ كَثُرَ التَّحْذِيرُ مِنَ الشِّرْكِ بِاللهِ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.

وَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ وَفِي الْأَمْرِ بِالتَّوْحِيدِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَهُوَ الشِّرْكُ؛ قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].

وَأَمَر اللهُ تَعَالَى بِإِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ، وَنَهَى عَنِ الشِّرْكِ بِهِ؛ فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: 36].

وِعِبَادَةُ اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ وَعَدَمُ الشِّرْكِ بِهِ هُوَ حَقُّ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى عِبَادِهِ؛ كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ النَّبِيُّ فِي قَوْلِهِ: ((حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ: أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)). أَخْرَجَاهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» .

وَقَدْ وَرَدَ فِي كَثِيرٍ مِنْ آيَاتِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ النَّهْيُ عَنِ الشِّرْكِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ -جَلَّ وَعَلَا-: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يونس: 105].

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ الْمُشْرِكَ مُوَزَّعُ الْقَلْبِ، مُقَلْقَلُ الْبَالِ، لَا يَهْدَأُ لَهُ ضَمِيرٌ، وَلَا يَسْتَقِرُّ عَلَى حَالٍ؛ لِأَنَّ الشِّرْكَ يُحَرِّمُ عَلَى صَاحِبِهِ دُخُولَ الْجَنَّةِ، وَيُوجِبُ لَهُ النَّارَ وَالْخُلُودَ فِيهَا، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ؛ فَهُوَ فِي الْحَيَاةِ كَالْأَنْعَامِ؛ بَلْ هُوَ أَضَلُّ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ.

 

المصدر:الْمَفَاهِيمُ الصَّحِيحَةُ لِلْهِجْرَةِ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ

التعليقات


فوائد مفرغة قد تعجبك


  حِفْظُ النَّفْسِ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ الْخَمْسِ فِى دِينِ الْإِسْلَامِ
  لَا تَظْلِمُوا فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَنْفُسَكُمْ
  الدرس الخامس والعشرون : «تَوَقَّفْ!! فَإِنَّ الحَيَاةَ فُرْصَةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَتَكَرَّرُ»
  سُبُلُ الْحِفَاظِ عَلَى الْمِيثَاقِ الْغَلِيظِ
  نِعْمَةُ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ فِي الْوَطَنِ الْمُسْلِمِ
  أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ إِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى الْمُؤْمِنِ
  فَوَائِدُ الزَّوَاجِ الْعَظِيمَةُ وَثَمَرَاتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
  اثْبُتُوا -أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ- أَمَامَ هَذِهِ الْفِتَنِ
  مَعَانِي التَّضْحِيَةُ فِي دِينِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-
  تَقْدِيمُ الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ فِي حَالَاتٍ يُهْلِكُ الْجَمِيعَ!!
  حَادِثَةُ الْإِفْكِ أَخْطَرُ شَائِعَةٍ فِي تَارِيخِ الْإِسْلَامِ
  الدرس الثلاثون : «الـــرِّضَــــــــا»
  مِنْ مَظَاهِرِ الْإِيجَابِيَّةِ: الِاجْتِهَادُ فِي الطَّاعَاتِ وَمُجَانَبَةِ الْمَعَاصِي
  مِنْ دُرُوسِ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ أَنَّ: مَبْنَى الشَّرِيعَةِ عَلَى التَّيْسِيرِ
  مَوْتُ الْمُسْلِمِ دِفَاعًا عَنِ الْوَطَنِ الْإِسْلَامِيِّ مِنْ عَلَامَاتِ حُسْنِ الْخِتَامِ
  • شارك