تفريغ خطبة فروضُ الكِفَايَات ودَوْرُهَا في تحقيقِ التَّوَازُنِ المُجْتَمَعِيِّ

فروضُ الكِفَايَات ودَوْرُهَا في تحقيقِ التَّوَازُنِ المُجْتَمَعِيِّ

«فروضُ الكِفَايَات ودَوْرُهَا في تحقيقِ التَّوَازُنِ المُجْتَمَعِيِّ»

جَمْعٌ وترتيبٌ مِن خُطَبِ ومُحَاضَرَاتِ

العَلَّامَة أبي عبد الله مُحَمَّد بن سَعِيد رَسْلَان حَفِظَهُ اللهُ-.

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّـه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّـهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ -صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

«بَيَانُ مَا هو الواجبُ العَيْنِيُّ والواجبُ الكِفَائِيُّ»

*فالفرض عند الجمهور: هو ما طَلَبَ الشارعُ فِعْلَهُ على وَجْهِ اللزومِ, بحيثُ يُذَمُّ تَارِكُهُ, ومع الذَّمِّ العِقَابُ, وَيُمْدَحُ فَاعِلُهُ وَمَعَ المَدْحِ الثَّوَابُ.

والواجبُ -وهو الفرضُ عند الجمهور- ينقسمُ على: «واجبٍ عَيْنِيٍّ, وواجبٍ على الكِفَايَةِ».

*الواجب العينيُّ هو: ما ينظرُ فيه الشارعُ إلى ذاتِ الفاعلِ; كالصلاةِ والزكاةِ والصَّوْمِ, لأنًّ كلَّ شَخْصٍ تَلْزَمُهُ بِعَيْنِهِ طَاعَةُ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- لقولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات : 56].

فالواجب العينيُّ: هو ما توجَّه فيه الطلبُ اللازم إلى كلِّ مكلَّفٍ, أي: هو ما طلبَ الشارعُ حصولَه من كلِّ واحدٍ من المكلَّفين, فلا يكفي فيه قيامُ البعضِ دون البعضِ الآخرِ, ولا تبرأ ذِمَّةُ المكلَّفِ منه إلا بأدائِهِ؛ لأنَّ قَصْدَ الشارعِ في هذا الواجبِ, لا يتحقَّقُ, إِلَّا إذا فَعَلَهُ كلُّ مُكَلَّفٍ, وَمِن ثَمَّ يَأْثَمُ تَارِكُهُ وَيَلْحَقُهُ العِقَابُ, ولا يُغْنِي عنه قيامُ غيرِهِ به، ومثالُه: الصلاةُ, والصيامُ, والوفاءُ بالعقودِ, وإعطاءُ كلِّ ذي حقٍّ حقَّه.

*والواجبُ على الكفاية: هو ما طَلَبَ الشَّارِعُ حُصُولَهُ مِن جماعةِ المُكَلَّفِينَ, لا مِن كلِّ فردٍ منهم؛ لأنَّ مقصودَ الشَّارِعِ حصولُهُ مِن الجماعةِ.

فإذا فَعَلَهُ البَعْضُ سَقَطَ الفَرْضُ عن الباقين؛ لأنَّ فِعْلَ البَعْضِ يُقُومُ مَقَامَ فِعْلِ البَعْضِ الآخرِ, فكانَ التَّارِكُ بهذا الاعتبارِ فَاعِلًا,وإذا لم يَقُم به أَحَدٌ أَثِمَ جميعُ القادرين.

 

يَأْثَمُ الجميعُ إذا لم يَحْصُل الواجبُ الكفائيُّ؛ لأنه مطلوبٌ مِن مجموعِ الأُمَّةِ, فالقادرُ على الفِعْلِ عَلَيْهِ أنْ يَفْعَلَهُ, والعَاجِزُ عنه عَلَيْهِ أَنْ يَحُثَّ القَادِرَ ويَحْمِلَهُ على فِعْلِهِ, فإذا لم يَحْصُلِ الواجبُ كان ذلك تَقْصيرًا من الجميعِ: من القادرِ؛ لأنه لم يفعله, ومن العاجزِ؛ لأنه لم يحملِ القادرَ على فعلِهِ ويحثَّهُ عليه.  

وقد يؤولُ واجبُ الكفايةِ إلى أنْ يكونَ وَاجِبًا عَيْنيًّا, فلو كانت البَلَدُ مُضَطرةً إلى قَاضِيَيْن, وكان هناكَ عَشْرَةٌ يَصْلُحُونَ للقَضَاءِ؛ فَإِنَّ تَوَلِّيهِ وَاجِبٌ كِفَائيٌّ على العَشْرَةِ.

وأمَّا إنْ لم يَكُن هُنَاكَ غَيْرُ اثنيْن, فإنَّهُ يكونُ وَاجِبًا عَيْنيًّا عليهما.

عن أنسٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ».

قال ابن عبد البرِّ -رحمه اللهُ- في كتابِ «جامعِ بيانِ العِلْمِ», بَعْدَ أنْ رَوَى هذا الحديثَ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ ذَكَرَهَا: «قَدْ أَجْمَعَ العُلَمَاءُ على أنَّ مِن العِلْمِ مَا هو فَرْضٌ مُتَعيَّنٌ على كلِّ امرئٍ في خاصَّة نَفْسِهِ, ومنه ما هو فَرْضٌ على الكفايةِ إذا قَامَ به قائمٌ سقط فرضُه عن أهلِ ذلك الموضعِ, واختلفوا في تلخيصِ ذلك.

والذي يلزم الجميعَ فرضُه من ذلك: ما لا يسعُ الإنسانَ جهلُه من جُملةِ الفرائضِ المفترَضةِ عليه.

 

 

«طَلَبُ العِلْمِ وتَعْلِيمُ النَّاسِ الدِّين مِن أَهَمِّ فُرُوضِ الكِفَايَاتِ»

ثم سائرُ العلمِ وطلبِه والتفقُّهِ فيه وتعليمِ الناسِ إياه, وفتواهم به في مصالحِ دينِهِم ودنياهُم فهو فَرْضٌ على الكفايةِ يَلْزَمُ الجميعَ فَرْضُهُ, فإذا قَامَ به قَائِمٌ سَقَطَ فَرْضُهُ عَن البَاقِينَ, لا خِلَافَ بَيْنَ العُلَمَاءِ في ذلك, وَحُجَّتُهُم فيه قَوْلُ اللهِ -عزَّ وجلَّ-: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة : 122].

فَأَلْزَمَ النَّفِيرَ في ذلك البَعْضَ دُونَ الكلِّ, ثُمَّ يَنْصرِفُونَ فَيُعَلِّمُونَ غَيْرَهُم, والطائفةُ في لسانِ العربِ: الواحدُ فَمَا فَوْقَهُ». «باختصارٍ مِن: جَامِعِ بَيَانِ العِلْمِ وَفَضْلِهِ لابنِ عَبْدِ البَرِّ (ص5 - 7».

«علومُ الدُّنْيَا كالطِّبِّ والحِسَابِ مِن فُرُوضِ الكِفَايَات»

ومن فروضُ الكفايةِ: كلُّ علمٍ لا يُستغنى عنه في قِوَامِ أمورِ الدنيا؛ كالطبِّ: إذ هو ضروريٌّ في حاجةِ بقاء الأبدانِ على الصحةِ, والحسابِ: فإنَّه ضروريٌّ في قسمةِ المواريث والوصايا وغيرها فهذه العلومُ لو خَلا البلدُ عمَّن يقوم بها حَرِجَ أهلُ البلدِ, وإذا قام بها واحدٌ كفى وسقط الفرضُ عن الباقين. «مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة المقدسي»(1).

 

_____________________

(1) ما سبق باختصار مِن «كتابِ فَضْلِ العِلْمِ للعلَّامة محمد سعيد رسلان (ص15 20)».

*وَمِن فُرُوضِ الكِفَايَاتِ الَّتي يَجِبُ على طائفةٍ مِن المُسلمينَ أَدَاؤهَا:

تَغْسِيلُ المَيِّتِ وَحَمْلُ جِنَازَتِهِ واتِّبَاعُهَا وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ:

*أولًّا: غَسْلُ المَيِّتِ:

قَالَ الشيخُ الألبانيُّ رَحِمَهُ اللهُ-: «إِذَا مَاتَ المَيِّتُ وَجَبَ عَلَى طَائِفَةٍ مِن النَّاسِ أنْ يُبَادِرُوا إلى غَسْلِهِ».

وفي النَّفْسِ مِن التعبيرِ: بـ «مَاتَ المَيِّتُ»، إِنَّمَا يَمُوتُ الحَيُّ، فَلَا يُقَالُ: مَاتَ المَيِّتُ، وإِنَّمَا إِذَا مَاتَ الحيُّ، إذا مَاتَ المُسْلِمُ، وأَمَّا أَنْ نَقُولَ مَاتَ المَيِّتُ!! هُوَ مَاتَ وانتْهَى الأمرُ.

فإذا مَاتَ المُسْلِمُ وَجَبَ على طَائِفَةٍ مِنَ النَّاسِ أنْ يُبَادِرُوا إلى غَسْلِهِ، وُجُوبُ الغَسْلِ لأَمْرِهِ ﷺ به في غَيرِ ما حديث، هذا الوجوبُ -وجوب غَسْلِ المَيِّتِ- هذا الوجوبُ على سبيلِ الكِفَايَةِ، يعني هذا واجبٌ كِفَائيٌّ، فإذا قَامَ به مَن حَضَرَ سَقَطَ فَرْضُ طَلَبِهِ عن غيرِهِم، ولَكِنْ إذا ما تَرَكُوا ذلك جَمِيعًا أَثِمُوا يعني مَن كانَ حَاضِرًا-.

فَيَجِبُ تَغْسِيلُ مَن مَاتَ مِن المُسلمينَ لأمرِهِ ﷺ به في غيرِ ما حديث، قوله ﷺ في المُحْرِمِ الذي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ، لَمَّا وَقَعَ وكانَ عَلَيْهَا؛ فَوَقَعَ على رأسِهِ فَانْدَقَّت عُنُقُهُ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» وكانَ مُحْرِمًا، وكذلك قولُهُ ﷺ في ابنتِهِ زَيْنب رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أو خَمْسًا أو سَبْعًا أو أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ»، وأَيْضًا غُسِّلَ النَّبيُّ ﷺ وهو الطاهِرُ المُطَهَّرُ، فكيفَ بِمَنْ سواهُ؟!!

فَتَغْسِيلُ المَيِّتِ فَرْضُ كفايةٍ على مَن عَلِمَ بِحَالِهِ مِن المُسلمينَ(1).

*ثانيًا: حَمْلُ جِنَازَةِ المَيِّتِ المُسْلِمِ واتِّبَاعُهَا:

قالَ العَلَّامَةُ الألبانيُّ رَحِمَهُ اللهُ رحمةً واسعةً-: «ويَجِبُ حَمْلُ الجِنَازَةِ واتِّبَاعُهَا، وَذَلِكَ مِن حَقِّ المَيِّتِ المُسْلِمِ على المُسْلِمِينَ، وفي ذلك أحادِيث ذَكَرَ الشيخُ رَحِمَهُ اللهُ مِنْهَا-:

قَوْلُهُ ﷺ فيما يَرْويه أبو هريرة رَضِيَ اللهُ عنه- قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «حَقُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ وفي رواية: يَجِبُ للمُسْلِمِ على أَخِيهِ خَمْسٌ-: رَدُّ السَّلَامِ وعِيَادَةُ المَرِيضِ واتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ». أَخْرَجَهُ البُخَاريُّ والسياقُ له.

فَيَجِبُ حَمْلُ الجِنَازَةِ واتِّبَاعُهَا، وَذَلِكَ مِن حَقِّ المَيِّتِ المُسْلِمِ على المُسْلِمِينَ(2).

*ثالثًا: صلاة الجنازة:

الصَّلَاةُ على المَيِّتِ المُسْلِمِ فَرْضُ كِفَايَةٍ لأَمْرِهِ ﷺ بِهَا في أَحَادِيث مِنْهَا حَديثُ أبي هُريرة رَضِيَ اللهُ عنه- أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يُؤْتَى بالرَّجُلِ المَيِّتِ عليه الدَّيْن، فَيَسْأَلُ: «هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ مِن قَضَاءٍ؟»

_____________________

(1) «شرح العلامة رسلان لأحكام الجنائز للألباني رحمه الله- محاضرة 6».

(2) «شرح العلامة رسلان لأحكام الجنائز للألباني رحمه الله- محاضرة 9».

فَإِنْ حُدِّثَ أنه تَرَكَ وَفَاءً؛ صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِلَّا قَالَ: «صَلُّوا على صَاحِبِكُم»، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الفتوحَ قَالَ: «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ». أَخْرَجَهُ البخاريُّ ومُسْلِمٌ واللفظُ لِمُسْلِمٍ.

فَفِيه قَوْلُ الرسولِ ﷺ: «صَلُّوا على صَاحِبِكُم»، وأيضًا فيه أنه كان يُحْمَلُ إليه ﷺ الرَّجُلُ المَيِّتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ.

فالصَّلَاةُ على المَيِّتِ المُسْلِمِ فَرْضُ كفايةٍ لأَمْرِهِ بِهَا ﷺ كَمَا في هذا الحَدِيثِ(1).

رابعًا: دَفْنُ المَيِّتِ:

قالَ الشيخُ الألبانيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: «وَيَجِبُ دَفْنُ المَيِّتِ ولو كانَ كَافِرًا».

ولا خِلَافَ في وجوبِ ذلك، وهو ثَابِتٌ في الشريعةِ ثُبُوتًا ضَرُورِيًّا(2).

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.

 

______________________

(1) «شرح العلامة رسلان لأحكام الجنائز للألباني رحمه الله- محاضرة 9».

(2) «شرح العلامة رسلان لأحكام الجنائز للألباني رحمه الله- محاضرة 15».

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-, صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَومِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

فمِن فروضِ الكِفَايَاتِ التي لها دور هام في تحقيق التوازن الاجتماعي على مستوى الأمة والمجتمع كذلك:

«الجهادُ والدِّفَاعُ عن الدِّينِ والوطنِ الإسلاميِّ»

فالوَطَنُ مَا دَامَ إسلاميًّا فإنهُ يُحَبُّ، وَيُبْذَلُ الجَهْدُ كُلُّهُ لِبَقَائِهِ إسلاميًّا، واستكمالِ ما غابَ مِن شرائعِ الإسلامِ وأحكامِهِ عَنْهُ، ويُحَافَظُ على أَمْنِهِ واستقرارِهِ.

ما دَامَ الوَطَنُ إسلاميًّا فَيَجِبُ الدِّفَاعُ عَنْهُ، ويَحْرُمُ الإضرارُ بِهِ(1).

*جيشٌ يُضَحِّي مِن أجلِ تحقيقِ الأمنِ:

إِنَّ الْأَمْنَ وَالِاسْتِقْرَارَ نِعْمَةٌ عَظِيمٌ نَفْعُهَا، كَرِيمٌ مَآلُهَا،  وَبِاللَّـهِ ثُمَّ بِالْأَمْنِ يُحَجُّ الْبَيْتُ الْعَتِيقُ، وَتُعَمَّرُ الْمَسَاجِدُ، وَيُرْفَعُ الْأَذَانُ مِنْ فَوْقِ الْمَنَارَاتِ، وَيَأْمَنُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ، وَتَأْمَنُ السُّبُلُ.

_______________________

(1) «باختصار من كتاب: حب الوطن الإسلامي من الإيمان ص22».

بِاللَّـهِ ثُمَّ بِالْأَمْنِ تُرَدُّ الْمَظَالِمُ لِأَهْلِهَا فَيُنْتَصَرُ لِلْمَظْلُومِ وَيُرْدَعُ الظَّالِمُ، وَتُقَامُ الشَّعَائِرُ، وَيَرْتَفِعُ شَأْنُ التَّوْحِيدِ مِنْ فَوْقِ الْمَنَابِرِ، وَيَجْلِسُ الْعُلَمَاءُ لِلْإِفَادَةِ، وَيَرْحَلُ الطُّلَّابُ لِلِاسْتِفَادَةِ، وَتُحَرَّرُ الْمَسَائِلُ، وَتُعْرَفُ الدَّلَائِلُ، وَيُزَارُ الْمَرْضَى، وَيُحْتَرَمُ الْمَوْتَى، وَيُرْحَمُ الصَّغِيرُ وَيُدَلَّلُ، وَيُحْتَرَمُ الْكَبِيرُ وَيُبَجَّلُ، وَتُوصَلُ الْأَرْحَامُ، وَتُعْرَفُ الْأَحْكَامُ، وَيُؤْمَرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيُنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُكَرَّمُ الْكَرِيمُ وَيُعَاقَبُ اللَّئِيمُ...

وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَبِالْأَمْنِ اسْتِقَامَةُ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَبِالْأَمْنِ صَلَاحُ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ, وَالْحَالِ وَالْمَآلِ(1).

والجَيْشُ المِصْرِيُّ يُحَارِبُ العَالَمَ كُلَّهُ فِي سَيْنَاء, تَجَمَّعَت عَلَيهِ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا وَلَنْ يَضُرُّوهُ شَيئًا إِنْ شَاءَ الله, وَلَكِنْ تَجَمَّعَ عَلَيهِ مَنْ بِأَقْطَارِهَا فِي سَينَاء.

العَالَمُ كُلُّهُ يُحَارِبُ الجَيْشَ المِصْرِيَّ فِي سَينَاء!! وَالمُقَاتِلُ المِصْرِيُّ مِنْ فَجْرِ التَّارِيخِ, عَقِيدَتُهُ؛ النَّصْرُ أَوْ الشَّهَادَةُ, لَا يَعْرِفُ سِوَى هَذَا.

يُقَتَّلُونَ, فِي سَبِيلِ اللهِ يَمْضُونَ, تُزْهَقُ أَرْوَاحُهُم, تُكْلَمُ قُلُوبُ أُمَّهَاتِهِم، يَتَيَتَّمُ أَطْفَالُهُم, تَتَرَمَّلُ نِسَاءُهُم, يَبْكِيهِم كُلُّ جَارٍ وَحَبِيبٍ، وَهُم يَتَسَاقَطُونَ, لَا يُبَالُونَ, عَقِيدَتُهُم النَّصْرُ أَوْ الشَّهَادَةُ, لِمَاذَا يُقْتَلُون؟!

هُم يُقَاتِلُونَ مِنْ أَجْلِ القَضِيَّةِ, مِنْ أَجْلِ وَأْدِ المُؤَامَرَةِ.

________________________

(1) «باختصار من خطبة: حقيقة ما يحدث في مصر».

الجَيْشُ المِصْرِيُّ يُعَانِي مُعَانَاةً مُرَّةً فِي سَينَاء؛ لِأَنَّ الوَضْعَ هُنَالِكَ فِي غَايَةِ التَّعْقِيدِ, لَيْسَ كَمَا يَبْدُوا لِلنَّظْرَةِ الأُولَى, وَالنَّظْرَةُ الأُولَى حَمْقَاءُ, الوَضْعُ مُعَقَّدٌ غَايَةَ التَّعْقِيدِ, وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَالبَوَاسِلُ مِنَ الرِّجَالِ يُوَاجِهُونَ بِصُدُورٍ مَكْشُوفَةٍ, وَسَوَاعِدَ مَفْتُولَةٍ, وَعَقَائِدَ قَائِمَةً, لَا يُبَالُونَ, يَمُوتُونَ, يَتَسَاقَطُونَ...

لَا بَأْسَ, إِنَّ المَجْدَ لَا يُصْنَع إِلَّا بِالتَّضْحِيَّاتِ الغَالِيَةِ, بِالدِّمَاءِ النَّازِفَةِ, بِالأَرْوَاحِ الزَّاهِقَةِ, إِنَّ القِيَمَ وَالمُثُلَ لَا يُؤَسَسُ لَهَا وَلَا تُعْلَى, إِلَّا بِالتَّضْحِيَّاتِ العَظِيمَةِ, إِنَّ المَجْدَ العَظِيمَ لَا يُصْنَعْ إِلَّا بِتَضْحِيَةٍ عَظِيمَةٍ(1).

***********

_____________________

(1) «باختصار من خطبة: إرهاب الطابور الخامس».

«حقوقُ المُسْلِمِ على أخيِهِ المُسْلِمِ بين الوَاجِبِ العَيْنيِّ والوَاجِبِ الكِفَائيِّ والمُسْتَحَبِّ وَأَثَرُ ذلك في التوازُنِ المُجْتمعيِّ»

*فَقَد ثَبَتَ في «صحيحِ مُسْلِمٍ»، وكذا أَخْرَجَهُ البخاريُّ في «الأدبِ المفرد» أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ».

فَفي هذا الحَدِيثِ بَيَانُ عدةِ حُقُوقٍ بَينَ المُسْلِمِينَ:

*الحقُّ الأوَّلُ: السَّلامُ:

فالسَّلامُ سنةٌ مُؤَكَدَةٌ، وهُوَ مِن أَسْبَابِ تَآلِفِ المُسْلِمِينَ وتَوَادَّهِم، كمَا هُوَ مُشَاهَدٌ، وكَمَا يدلُّ عليه قولُ النَّبيِّ ﷺ: «واللهِ لا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حتى تُؤْمِنُوا، ولا تُؤْمِنُوا حتى تَحَابُّوا، أَفَلا أُخْبِرُكُم بِشَيءٍ إذا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُم؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَينَكُم». أخرجه مسلم في «صحيحه».

وكان رسولُ اللهِ ﷺ يَبْدَأُ مَنْ لَقِيَهُ بِالسَّلامِ، وَيُسَلِّمُ على الصِّبْيَانِ إذا مَرَّ بِهِم، كما في «الصحيحين».

والسُّنَّةُ أنْ يُسَلِّمَ الصَّغِيرُ على الكَبِيرِ، والقَلِيلُ على الكَثِيرِ، والرَّاكِبُ على المَاشِي، ولَكِنْ إذا لَمْ يَقُمْ بالسُّنَّةِ مَنْ هُوَ أَوْلَى بها؛ فلْيَقُمْ بها الآخرُ؛ لِئَلَّا يَضِيعَ السَّلامُ، فإذا لم يُسَلِّمِ الصَّغِيرُ فَلْيُسَلِّمِ الكَبِيرُ، وإذا لم يُسَلِّمِ القليلُ فَلْيُسَلِّمِ الكثيرُ؛ لكي يَحُوزُوا الأَجْرَ.

قال عمَّارُ بنُ يَاسِرٍ -رضي الله عنه-: «ثَلاَثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ: الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلاَمِ لِلْعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ». موقوف صحيحٌ ولهُ حُكمُ الرفعِ.

وإذا كان بَدْءُ السَّلامِ سُنَّةً فإنَّ رَدَّهُ فرضُ كِفايَةٍ، إذا قَامَ به مَنْ يَكْفِي أَجْزَأَ عنِ البَاقِين، فإذا سَلَّمَ على جماعةٍ فَرَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُم أَجْزَأَ عنِ البَاقِين، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86].

فلا يكفي في ردِّ السَّلامِ أنْ يَقُولَ: أَهْلًا وسَهْلًا فَقَطْ؛ لأنَّها لَيْسَتْ أَحْسَنَ منه ولا مِثْلَه؛ فإذا قال: السَّلامُ عَلَيكُم.

فلْيَقُلْ: وعَلَيكُمُ السَّلامُ.

وإذا قال: أهْلًا. فلْيَقُلْ: أهْلًا بِمِثْل، وإنْ زادَ تَحِيَّةً فهوَ أَفْضَلُ.

*الحقُّ الثاني: إذا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ:

أيْ: إذا دَعَاكَ إلى منزلِهِ لتناولِ طعامٍ أو غيرِهِ فأَجِبْهُ، والإجابةُ إلى الدعوةِ سنةٌ مؤكدةٌ؛ لما فيه من جَبْرِ قلبِ الدَّاعِي، وجَلْبِ المودةِ والأُلْفَةِ، ويُسْتَثْنَي من ذلك وليمةُ العُرْسِ، فإن أجابَ فإنَّ الإجابةَ إلى الدعوةِ إليها واجبةٌ بشروطٍ معروفةٍ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ: «وَمَن لم يُجِبْ فقد عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ». متفقٌ عليه.

 

ولعلَّ قولَه ﷺ: «إذا دَعَاكَ فأَجِبْهُ» يشملُ حتى الدَّعوةَ لمُسَاعَدَتِه ومعاونتِه، فإنَّك مأمورٌ بإجابةِ أخِيكَ المسلمِ إذا دَعَاكَ لذلك، فإذا دَعَاكَ لتُعِينَهُ في حمْلِ شيءٍ أو إلقائه أو نحوِ ذلك؛ فإنك مأمورٌ بمساعدتِه؛ لقول النبي ﷺ: «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا».

*الحق الثالث: إذا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْهُ:

يعني: إذا جَاءَ إليك يَطْلُبُ نَصِيحَتَكَ لهُ في شيءٍ فَانْصَحْهُ؛ لأنَّ هذا مِنَ الدينِ، كما قَالَ النَّبيُّ ﷺ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ: لِلَّهِ، وَلِلرَّسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ». رواه مسلم.

أما إذا لم يأتِ إليك يطلبُ النصيحةَ، فإنْ كان عليه ضَررٌ أو إثمٌ فيما سيُقْدِمُ عليه وَجَبَ عليك أنْ تنصَحَه وإنْ لم يأتِ إليك؛ لأنَّ هذا من إزالةِ الضررِ والمنكرِ عنِ المسلمين، وإن كان لا ضررَ عليه فيما سيفعلُ ولا إثمَ ولكنك ترى أن غيرَه أنفعُ؛ فإنه لا يجبُ عليك أن تقولَ له شيئا إلا أن يستنصحَك فتلزمُ النصيحةُ حينئذ.

*الحق الرابع: إذا عَطَسَ فحَمِدَ اللهَ فشَمِّتْهُ:

أي قُلْ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، شُكْرًا لَهُ على حمْدِهِ لربِّه عند العُطاسِ، أما إذا عَطَسَ ولم يَحمدِ الله؛ فإنَّه لا حقَّ لَهُ، فلا يُشَمَّتُ؛ لأنَّه لمَّا لمْ يَحْمَدِ اللهَ كان جَزَاؤهُ أن لا يُشَمَّتَ.

وتَشْمِيتُ العاطِسِ إذَا حَمِدَ فَرْضٌ، ويَجِبُ عليه الرَّدُّ، فيقولُ: «يَهْدِيكُمُ اللهُ ويُصْلِحُ بَالَكُمْ».

وإذَا اسْتَمَرَّ معه العُطَاسُ وشَمَّتَّهُ ثَلاثًا فَقُلْ لَهُ في الرَّابِعَةِ: «أنْتَ مَزْكُومٌ» أوْ «عَافَاكَ اللهُ»، بدلا من قولك: يرحمك الله.

*الحق الخامس: إذا مَرِضَ فَعُدْهُ:

وعِيَادَةُ المَرِيضِ: زِيَارَتُهُ، وهِيَ حقٌّ لَهُ على إِخْوانِهِ المُسْلِمينَ، فَيَجِبُ عَلَيهِمُ القيامُ بها، وكلَّمَا كان للْمَرِيضِ حقٌّ عليكَ مِن قَرَابَةٍ أوْ صُحْبَةٍ أو جِوَارٍ كانتْ عِيَادَتُهُ آكَدَ.

والعِيَادةُ بِحَسَبِ حالِ المَرِيضِ وبِحَسَبِ حَالِ مَرَضِهِ، فَقَدْ تَتَطَلَّبُ الحالُ كَثْرَةُ التَّرَددِ إليه، وقد تَتَطَلَّبُ الحالُ قِلَّةُ التَّرَددِ إليه، فالأَوْلَي مُرَاعاةُ الأَحْوالِ.

والسُّنَّةُ لمَنْ عَادَ مَرِيضًا أنْ يَسْأَلَ عَنْ حَالِهِ، ويَدْعُوَ لَهُ، ويَفْتَحَ لَهُ بابَ الْفَرَجِ والرَّجَاءِ، فإنَّ ذلك مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ الصِّحَةِ والشِّفَاءِ، ويَنْبَغِي أنْ يُذَكِّرَهُ التَّوْبَةَ بِأُسْلُوبٍ لا يُرَوِعُهُ، فيقولُ له مثلا: إنَّ في مَرَضِكَ هذا تَكْتَسِبُ خَيْرًا، فإِنَّ المَرَضَ يُكَفِّرُ اللهُ الخَطَايَا ويَمْحُو به السَّيئاتِ، ولَعَلَّكَ تَكْسِبُ بانْحِبَاسِكَ أجْرًا كثيرا بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ والاستِغْفَارِ والدُّعَاءِ.

 

 

*الحق السادس: إذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ:

فاتباعُ الجنائزِ من حقوقِ المسلمِ على أخيه, وفيه أجرٌ كبيرٌ، فقد ثَبَتَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: «مَنْ تَبِعَ الجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى تُدْفَن فَلَهُ قِيرَاطَانِ».

قيل: وَمَا القِيرَاطَانِ؟

قال: «مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ».

*سابعا: ومنْ حقوقِ المسلمِ على المسلمِ: كفُّ الأذَى عنْهُ:

فإن في أذيةِ المسْلمِينَ إثْمًا عَظِيمًا، قال اللهُ -جل وعلا-: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].

والغالبُ أنَّ منْ تَسَلَّطَ على أخيه بأذَىً؛ فإنَّ اللهَ يَنْتَقِمُ مِنْهُ في الدُّنيا قبلَ الآخرةِ، وقد قال رسولُ اللهِ ﷺ: «وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ».

 

وحُقُوقُ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ كثيرةٌ، ولَكِنْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المعْنَى الجَامِعُ لهذه الحُقُوقِ كلِّهَا قَوْلَ الرَّسُولِ ﷺ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ»، فإنَّه متى قَامَ بِمُقْتَضَى هذه الأُخُوَةِ اجْتَهَدَ أنْ يَتَحَرَّى لَهُ الخيْرَ كلَّه وأنْ يَجْتَنِبَ كلَّ مَا يَضُرُّهُ(1).

«المُوَاسَاةُ بِالمَالِ بَيْنَ فَرْضِ الكِفَايَةِ والتَّطَوُّعِ

وَأَثَرُهَا في التَّكَافُلِ الاجْتماعيِّ بينَ المُسلِمِينَ»

الصدقةُ المُسْتَحَبَّةُ التي لَيْسَت بِمَفْرُوضَةٍ؛ تُشْرَعُ في كلِّ وقتٍ، لإطلاقِ الحَثِّ عليها في الكتابِ والسُّنَّةِ وللترغيبِ فيها:

قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: 177].

وقال تعالى: ﴿وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 280].

في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة رضي اللهُ عنه-: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُم اللهُ يومَ القيامَةِ في ظِلِّهِ، ذَكَرَ مِنْهُم: وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَت يَمِينُهُ».

 

 

_______________________

(1) «من خطبة: عقبات في طريق الداعي إلى الله»

*وَصَدَقَةُ السِّرِّ أَفْضَلُ:

لقولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 271]؛ لأنَّهُ أَبْعَدُ عن الرياءِ إلَّا أنْ يَتَرَتَّبَ على إظهارِ الصَّدَقَةِ وإعلانِهَا مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ مِن اقتداءِ النَّاسِ به.

ويجبُ أنْ تَكُونَ طَيِّبَةً بها نَفْسُهُ، غير مُمْتَنٍّ بها على المُحْتَاجِ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ﴾ [البقرة: 264].

*والصَّدَقَةُ في حَالِ الصِّحَةِ أَفْضَلُ:

قالََ ﷺ لَمَّا سُئِلَ: أيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟

قال: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى». مُتفقٌ عليه مِن حديثِ أبي هريرة ﷺ.

*والصَّدَقَةُ في أوقاتِ الحَاجَةِ أَفْضَلُ:

قالَ تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16)﴾ [البلد: 14-16].

*كمَا أنَّ الصَّدَقَةَ على الأقاربِ والجيرانِ أَفْضَلُ مِنْهَا على الأَبْعَدِينَ، فَقَدْ أَوْصَى اللهُ بالأقاربِ وَجَعَلَ لَهُم حَقًّا على قَرِيبِهِم في كثيرٍ مِن الآياتِ كقولِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ﴾ [الإسراء: 26].

وقالَ النبيُّ ﷺ: «الصَّدَقَةُ على المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وعلى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَان؛ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ وغيرُهُم مِن حديثِ سَلْمَان الضَّبيّ رضي اللهُ عنه-، وَحَسَّنَهُ الترمذيُّ وغيرُهُ، وفي «الصَّحيحيْن»: «أَجْرَان؛ أَجْرُ القَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ».

فَاعْلَم أنَّ في المَالِ حُقُوقًا سوى الزَّكَاة:

*نحو مُوَاسَاةِ القَرَابَةِ وَصِلَةِ إِخْوَانِكَ.

*وإعطاءِ سَائِلٍ.

*وإِعَارَةِ مُحْتَاجٍ.

*وإِنْذَارِ مُعْسِرٍ.

*وإِقْرَاضِ مُقْتَرِضٍ.

قالَ تَعَالَى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: 19].

*ويجبُ إطعامُ الجَائِعِ، وَقِرَى الضَّيْفِ، وَكِسْوَةُ العَارِي، وَسَقِيُ الظَّمْآن، بَل ذَهَبَ الإمامُ مَالِكٌ رحمهُ اللهُ- إلى أنهُ يَجِبُ على المُسلمينَ فِدَاءُ أَسْرَاهُم وإنْ اسْتَغْرَقَ ذلك أَمْوَالُهُم كُلُّهَا.

 

 

*كما أنه يُشْرَعُ لِمَنْ حَصَلَ على مَالٍ وبحَضْرَتِهِ أُنَاسٌ مِن الفُقَرَاءِ والمَسَاكين أنْ يَتَصَدَّقَ عليهم مِن ذلك المَالِ المُكْتَسَبِ، قالَ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [النساء: 8].

هذه كُلُّهَا مِن مَحَاسِنِ دينِ الإسلامِ العظيمِ؛ لأنه دينُ المَوَاسَاةِ والرَّحْمَةِ، دينُ التَّعَاونِ والتَّآخِي في اللهِ، فَمَا أَجْمَلَهُ وَمَا أَجَلَّهُ وَمَا أَحْكَمّ تَشْرِيعِهِ(1).

«لو أخَذْنَا بتعاليمِ النبيِّ ﷺ وأخلاقِهِ لاستقامَت الحياة»

النبيُّ ﷺ يُرشِدُنَا إلى أمثالِ هذه التعاليم، مِن أجلِ أنْ تنضبطَ العلاقاتُ بين المسلمين، وحتى نخرُجَ إذا ما أخَذْنا بها مِن هذه الحَيْرَةِ المُظلمةِ، ومِن هذا الجُلمودِ الأصَمِّ مِن الهَمِّ، حتى نستطيعَ أنْ نعودَ بَشَرًا أسوياءَ كما خَلَقَنَا اللهُ -تبارك وتعالى-، وحتى تعودَ العلاقاتُ السويَّةُ بَيْنَنَا كما ينبغي أنْ تكونَ بَيْنَنَا العلاقاتُ السويَّةُ على مُقتضى المحبةِ الدينيةِ والمودةِ الإسلاميةِ التي جاء بها خيرُ البريةِ ﷺ.   نسألُ اللهَ -جَلَّت قدرتُهُ وتقدَّسَت أسماؤُهُ- أنْ يهديَنَا لأحسنِ الأخلاقِ لا يهدي لأحسنِهَا إلَّا هو، وأنْ يُجَنِّبَنَا ويصرفَ عنَّا سيِّءَ الأخلاقِ لا يصرفُ عنَّا سيِّئَهَا إلَّا هو، إنه على كلِّ شيءٍ قديرٍ، وبالإجابةِ جديرٍ(2).       وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.

_______________________

 (1) «باختصار من: شرح الجوهرة الفريدة محاضرة 23»

(2) «من درس: السعي في قضاءِ حاجةِ الآخرين»

صفحة تفريغات خطب الجمعة كاملة للعلَّامة رسلان -حفظهُ اللهُ-.

موقع تفريغات العلامة رسلان -حفظهُ اللهُ-.

www.rslantext.com

موقع تفريغ خطب علماء أهلِ السُّنة.

www.khotabtext.com 

 

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  الشهامةُ وإغاثةُ المَلْهُوفِ
  من أحداث الهجرة
  حُرْمَةُ المَالِ العَامِّ وَخطُورَةُ التَّعَدِّي عَلَيْهِ
  مصر وحروب الجيل الرابع
  الإِسْرَاءُ وَالمِعْرَاجُ وَدُرُوسٌ فِي المِنْحَةِ بَعْدَ المِحْنَةِ
  لقد صاروا جميعًا من أهل السياسة !!
  مَسْئُولِيَّةُ الْمُسْلِمِ الْمُجْتَمَعِيَّةُ وَالْإِنْسَانِيَّةُ وَوَاجِبُنَا تِجَاهَ الْأَقْصَى
  الْخُلُقُ الْكَرِيمُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَعَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ
  مَنْ وراء الأحداث الأخيرة في مصر؟
  الرد على الملحدين:مقدمة عن الإلحاد والأسباب التي دعت إلى انتشاره في العصر الحديث
  • شارك