((الْإِبْدَاعُ وَالِابْتِكَارُ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ))
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَمَّا بَعْدُ:
((جَمَالُ الْأَسَالِيبِ النَّبَوِيَّةِ فِي التَّعْلِيمِ وَالتَّرْبِيَةِ))
فَإِنَّ التَّارِيخَ لَمْ يَعْرِفْ مُعَلِّمًا قَطُّ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا وَتَأْدِيبًا وَتَرْبِيَةً وَأَرْقَى خُلُقًا مِنْ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَيْنَا أَنْ نُفِيدَ مِنْ وَسَائِلِ وَأَسَالِيبِ تَعْلِيمِهِ لِأَصْحَابِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، وَتَعْلِيمِهِ لِأُمَّتِهِ، وَأُسْلُوبِ تَعْلِيمِهِ لِلنَّشْءِ وَالشَّبَابِ وَسَائِرِ الْخَلْقِ، فَسُنَّتُهُ ﷺ مُفْعَمَةٌ بِالنَّمَاذِجِ التَّطْبِيقِيَّةِ فِي ذَلِكَ؛ بِمَا يَحْتَاجُهُ الْإِمَامُ فِي مَسْجِدِهِ، وَالْمُعَلِّمُ فِي جَامِعَتِهِ أَوْ مَدْرَسَتِهِ، وَالْوَالِدَانِ مَعَ أَبْنَائِهِمَا، وَسَائِرُ الْمَعْنِيِّينَ بِالْجَوَانِبِ التَّعْلِيمِيَّةِ وَالتَّرْبَوِيَّةِ وَالتَّوْعَوِيَّةِ وَالتَّثْقِيفِيَّةِ.
قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي! مَا أُرِيتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ)).
إِنَّ الْمُتَأَمِّلَ فِي سِيرَةِ النَّبِيِّ ﷺ يَرَى كَثْرَةَ الْوَسَائِلِ وَالْأَسَالِيبِ الَّتِي انْتَهَجَهَا ﷺ فِي تَعْلِيمِهِ لِلْأُمَّةِ، وَتَرْبِيَتِهِ لَهَا؛ وَمِنْهَا:
* التَّعْلِيمُ بِالْأُسْوَةِ الْحَسَنَةِ وَالْقُدْوَةِ الصَّالِحَةِ: إِنَّ اللهَ -تَعَالَى- مَا أَرْسَلَ رَسُولًا وَلَا بَعَثَ نَبِيًّا إِلَّا وَهُوَ قُدْوَةٌ سُلُوكِيَّةٌ يُجَسِّدُ لِلْمَدْعُوِّينَ مَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَحَمِيدِ الْخِصَالِ، وَكَرِيمِ الْخِلَالِ، وَحَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ.
وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْظَمَ الْخَلْقِ اتِّبَاعًا لِأَمْرِ رَبِّهِ، وَاجْتِنَابًا لِنَهْيِهِ، وَقَدْ كَانَ ﷺ يُجَسِّدُ الدِّينَ تَجْسِيدًا، فَمَا أَمَرَ بِشَيْءٍ إِلَّا وَكَانَ أَوَّلَ النَّاسِ إِتْيَانًا لَهُ، وَلَا نَهَى عَنْ شَيْءٍ إِلَّا كَانَ أَوَّلَ النَّاسِ انْتِهَاءً عَنْهُ وَأَبْعَدَ النَّاسِ عَنْهُ، فَصَلَّى اللهُ -تَعَالَى- وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.
وَالنَّاسُ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِالْعَمَلِ أَحْوَجُ مِنْهُمْ إِلَى اسْتِمَاعِ الْقَوْلِ، وَقَدِيمًا قِيلَ: فِعْلُ رَجُلٍ أَنْفَعُ لِأَلْفِ رَجُلٍ مِنْ كَلَامِ أَلْفِ رَجُلٍ لِرَجُلٍ؛ فَالدَّلِيلُ بِالْفِعْلِ أَرْشَدُ مِنَ الدَّلِيلِ بِالْقَوْلِ.
لَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْمَلُ مَعَ أَصْحَابِهِ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ، وَقَبْلَ ذَلِكَ عَمِلَ مَعَهُمْ ﷺ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ يَحْمِلُ التُّرَابَ عَلَى كَتِفِهِ ﷺ، وَكَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يُكْفَى ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ ﷺ عَمِلَ بِيَدِهِ، حَفَرَ مَعَهُمْ، وَحَمَلَ التُّرَابَ عَلَى عَاتِقِهِ مَعَهُمْ، وَشَارَكَهُمْ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ فِي سَفْرَةٍ، فَاقْتَسَمُوا الْأَعْمَالَ، فَقَالَ: وَأَنَا عَلَيَّ جَمْعُ الْحَطَبِ.
وَكَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يَكْفُوهُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ ﷺ شَارَكَهُمْ فِي الْأَعْمَالِ، هَذَا مِنْ سُنَّتِهِ، وَأَمَّا التَّرَفُّعُ وَالتَّكَبُّرُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَلَيْسَ مِنْ شِيمَةِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْضِي حَاجَاتِ الْخَلْقِ، وَذَلِكَ حِينَ حَطَمَهُ النَّاسُ.
كَانَ نَبِيُّنَا الْأَمِينُ ﷺ فِي حَاجَةِ الْمَرْأَةِ الْمِسْكِينَةِ وَالضَّعِيفِ، كَانَ فِي حَاجَةِ الْكَسِيرِ، كَانَ فِي حَاجَةِ الْحَسِيرِ، كَانَ فِي حَاجَةِ الْفُقَرَاءِ وَالْمُعْوزِينَ، كَانَ فِي حَاجَةِ الثَّكَالَى وَالْأَرَامَلِ وَالْمَسَاكِينَ، يَبْذُلُ نَفْسَهُ، وَتَأْخُذُ الْجَارِيَةُ بِكُمِّهِ بِيَدِهِ، تَسِيرُ مَعَهُ فِي أَيِّ طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ شَاءَتْ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهَا ﷺ.
* وَمِنْ أَسَالِيبِ النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّعْلِيمِ: الطَّرِيقَةُ الْعَمَلِيَّةُ: قَالَ الرَّسُولُ ﷺ: ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)). وَمِنْ حِرْصِهِ عَلَى الْبَيَانِ لِكَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ؛ كَانَ أَحْيَانًا يُصَلِّي عَلَى الْمِنْبَرِ، فَيُصَلِّي عَلَى الْمِنْبَرِ؛ لِيَرَاهُ مَنْ هُوَ قَاصٍ كَمَا يَرَاهُ مَنْ هُوَ دَانٍ، وَلِيَكُونَ عَمَلُهُ فِي الصَّلَاةِ ﷺ مَنْظُورًا مَرْئِيًّا لِجَمِيعِ مَنْ حَضَرَ؛ حَتَّى يَتَأَسُّوا بِهِ فِي الْإِتْيَانِ بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ الْعَظِيمَةِ، وَهِيَ الصَّلَاةُ.
فَكَانَ ﷺ -أَحْيَانًا- يُصَلِّي عَلَى الْمِنْبَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ؛ رَجَعَ الْقَهْقَرَى؛ حَتَّى لَا يَخْرُجَ عَنِ التَّوَجُّهِ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَنَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ، فَيَسْجُدُ فِي أَصْلِهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ سُجُودِهِ؛ قَامَ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَصَلَّى عَلَى الْمِنْبَرِ، يَقُولُ ﷺ: ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)).
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ لَعَلِيِّ لَا أَحُجُّ بَعْدَ عَامِي هَذَا أَبَدًا)). وَقَدْ كَانَ، قَبَضَهُ اللهُ إِلَيْهِ -صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ-.
أَخَذُوا مَنَاسِكَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
* وَمِنْ أَسَالِيبِ النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّعْلِيمِ: التَّدَرُّجُ؛ فَعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: «حَدَّثَنَا الَّذِينَ كَانُوا يُقْرِئُونَنَا الْقُرْآنَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أَنَّهُمْ تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ عَشْرَ آيَاتٍ عَشْرَ آيَاتٍ، لَا يَتَجَاوَزُوهُنَّ حَتَّى يَفْقَهُوهُنَّ، ويَعْمَلُوا بِهِنَّ، قَالُوا: فَتَعَلَّمْنَا الْعِلْمَ وَالعَمَلَ جَمِيعًا».
وَعَنْ مُعَاذٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: ((إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ؛ فَإِنْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، وَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ)).
* وَمِنْ أَسَالِيبِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الدَّعْوَةِ وَالتَّعْلِيمِ: الْقَصَصُ وَالْأَمْثَالُ؛ فَإِنَّ ضَرْبَ الْأَمْثَالِ طَرِيقٌ عَظِيمٌ مِنْ طُرُقِ التَّعْلِيمِ الَّذِي تَتَبَيَّنُ وَتَتَوَضَّحُ بِهِ الْمَطَالِبُ الْعَالِيَةُ، وَالْعَقَائِدُ الصَّحِيحَةُ وَالْفَاسِدَةُ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْقَصَصِ فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ: ((حَدِيثُ الثَّلَاثَةِ نَفَرٍ الَّذِينَ آوَاهُمُ الْمَبِيتُ إِلَى غَارٍ، فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ..)).
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى عِظَمِ الصِّدْقِ عِنْدَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَعَلَى أَنَّ الأعْمَالَ لَيْسَتْ بِكَثْرَتِهَا، وَإنَّمَا بِالصِّدْقِ وَالْإِخْلَاصِ فِيهَا، بِتَخْلِيصِهَا مِنَ الشَّوَائِبِ وَمِمَّا يُحْبِطُهَا.
فَمَهْمَا حَاوَلَ الْإِنْسَانُ أَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَى اللهِ بِعَمَلٍ لَمْ يَصْدُقْ فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ للهِ مُخْلِصًا؛ فَإِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يُحْبِطُ عَمَلَهُ وَيَرُدُّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُشْرِكًا فِيهِ عَذَّبَهُ عَلَيْهِ.
وَمِنَ الْأَمْثِلَةِ عَلَى تَعْلِيمِ النَّبِيِّ ﷺ بِضَرْبِ الْأَمْثَالِ: حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: ((مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا؟! فَإِنْ يَتَرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ)).
وَفِي الْحَدِيثِ: تَعْذِيبُ الْعَامَّةِ بِذَنْبِ الْخَاصَّةِ، وَالتَّعْذِيبُ الْمَذْكُورُ إِذَا وَقَعَ فِي الدُّنْيَا عَلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ فَإِنَّهُ يُكَفَّرُ بِهِ مِنْ ذُنُوبِهِ إِذَا وَقَعَ عَلَيْهِ، أَوْ يَرْفَعُ اللهُ لَهُ بِهِ دَرَجَتَهُ.
وَهَذَا الْمَثَلُ الَّذِي ضَرَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ مِنَ الْأَمْثَالِ الَّتِي لَهَا مَغْزًى عَظِيمٌ، وَمَعْنًى عَالٍ، فَالنَّاسُ فِي دِينِ اللهِ كَالَّذِينَ فِي سَفِينَةٍ فِي لُجَّةِ النَّهْرِ، فَهُمْ تَتَقَاذَفُهُمُ الْأَمْوَاجُ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ -إِذَا كَانُوا كَثِيرِينَ- فِي الْأَسْفَلِ، وَبَعْضُهُمْ فِي أَعْلَى؛ حَتَّى تَتَوَازَنَ حُمُولَةُ السَّفِينَةِ، وَحَتَّى لَا يُضَيِّقَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
وَفِيهِ: أَنَّ هَذِهِ السَّفِينَةَ الْمُشْتَرَكَةَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ؛ إِذَا أَرَادَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يُخَرِّبَهَا؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يُمْسِكُوا عَلَى يَدَيْهِ، وَأَنْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ؛ لِيَنْجُوا جَمِيعًا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا هَلَكُوا جَمِيعًا.
وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَثَلُ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ.
وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتْ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَرَعَوْا.
وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ)).
عِبَادَ الله! عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُصَنِّفَ نَفْسَهُ الْآنَ -كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ- عَلَى طَائِفَةٍ مِمَّا ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ، كُلٌّ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَضَعَ نَفْسَهُ فِي مَوْضِعِهِ عَلَى حَسَبِ مَا قَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي قَبُولِ الْأَرْضِ لِلْغَيْثِ.
فَمِنَ الْأَرْضِ مَا يَقْبَلُ الْغَيْثَ -غَيْثَ السَّمَاءِ- لِيُنْبِتَ الزَّرْعَ وَالْكَلَأَ، وَمِنَ الْأَرْضِ مَا يُمْسِكُ الْمَاءَ وَلَا يُسَرِّبُهُ، وَلَكِنَّهُ لَا يُنْبِتُ زَرْعًا وَلَا كَلَأً، وَلَكِنَّ النَّاسَ يَنْتَفِعُونَ بِهَذَا الْمَاءِ الَّذِي أَمْسَكَتْهُ تِلْكَ الطَّائِفَةُ مِنَ الْأَرْضِ.
وَمِنَ الْأَرْضِ طَائِفَةٌ لَا تُنْبِتُ زَرْعًا وَلَا تُمْسِكُ مَاءً.
فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ طَوَائِفَ الْأَرْضِ هَذِهِ -فِي اسْتِقْبَالِهَا لِمَاءِ الْغَيْثِ- مَثَلًا مَضْرُوبًا لِلنَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ مَعَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ.
* وَمِنْ أَسَالِيبِ النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّعْلِيمِ: الْوَعْظُ وَالتَّذْكِيرُ: عَنِ العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: ((وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا بَعْدَ صَلَاةِ الغَدَاةِ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً)).
وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْمَوَاعِظُ بَلِيغَةً فِي أُسْلُوبِهَا، فَصِيحَةً فِي أَدَائِهَا؛ حَتَّى تَسْلُكَ إِلَى الْقُلُوبِ أَقْصَرَ طَرِيقٍ، وَحَتَّى تَسْتَقِرَّ فِي الْأَفْئِدَةِ، وَحَتَّى تُؤَثِّرَ فِي الْأَرْوَاحِ، وَقَدْ أُوتِيَ النَّبِيُّ ﷺ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَكَانَ ﷺ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَاتِ الْقَلَائِلِ، وَلَوْ أَرَادَ الْعُلَمَاءُ أَنْ يَشْرَحُوا تِلْكَ الْكَلِمَاتِ لَاحْتَاجُوا إِلَى الْكَثِيرِ مِنَ الْمُجَلَّدَاتِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ: ((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)).
فِي هَذِهِ الْمَوْعِظَةِ أَبْلَغَ النَّبِيُّ ﷺ مَا لَمْ يُبْلِغْ فِي غَيْرِهَا، وَرُبَّمَا كَانَ مِنْ وَقَائِعِ الْأَحْوَالِ مَا يَدُلُّ عَلَى وَشِيكِ الِانْتِقَالِ؛ لِذَا قَالَ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-: ((كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ))، وَطَلَبُوا الْوَصِيَّةَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ.
((وَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ -أَيْ: سَالَتْ مَدَامِعُهَا-، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ -أَيْ: ضَاقَتْ مِنَ الْخَوْفِ وَالْفَزَعِ-)).
فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ: ((كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ))؛ لِأَنَّ الْمُوَدِّعَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوصِيَ أَهْلَهُ وَمَنْ يَخْلُفُهُ مِنْ بَعْدِهِ أَوْجَزَ وَأَبْلَغَ، حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَ اسْتِقْرَارًا فِي النُّفُوسِ، وَحَتَّى يَكُونَ دَاعِيَةً إِلَى التَّنْفِيذِ.
((كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَأَوْصِنَا))؛ وَكَذَا شَأْنُ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- فِي تَحَرِّيهِمْ لِلْخَيْرِ، وَفِي بَحْثِهِمْ عَنِ الْعِلْمِ، لَا يَدَعُونَ مَجَالًا إِلَّا وَأَلْقَوْا أَسْمَاعَ قُلُوبِهِمْ إِلَى نَبِيِّهِمْ ﷺ، وَفَتَحُوا أَعْيُنَ بَصَائِرِهِمْ؛ لَيَتَلَقَّوُا الْعِلْمَ الَّذِي جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ رَبِّهِ؛ لِأَنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- أَرْسَلَ النَّبِيَّ ﷺ بِالْهُدَى وَدِينِ وَالْحَقِّ.
وَالْهُدَى -عِبَادَ اللهِ- هُوَ الْعِلْمُ النَّافِعُ، وَدِينُ الْحَقِّ هُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، فَهَذَا الدِّينُ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ: الْعِلْمِ النَّافِعِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ.
((أَوْصِنَا)).
فَقَالَ ﷺ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ)).
وَهِيَ وَصِيَّةُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِلْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا} [النساء: 131].
فَتَقْوَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- هِيَ النَّجَاةُ، وَالنَّاسُ يَتَفَاضَلُونَ بِهَا عِنْدَ اللهِ، وَتَقْوَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- هِيَ الْعَمَلُ بِالْمَأْمُورَاتِ، وَاجْتِنَابُ الْمَنْهِيَّاتِ.
فَالتَّقْوَى كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ، مَنْ حَصَّلَهَا جَعَلَ لِنَفْسِهِ وِقَايَةً مِنَ النَّارِ.
فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ: ((عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللهِ))، وَعَلَيْكُمْ: اسْمُ فِعْلِ أَمْرٍ بِمَعْنَى الْزَمُوا، الْزَمُوا تَقْوَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَخُذُوا بِتَقْوَاهُ، وَلَا تَنْحَرِفُوا عَنْ سَبِيلِ تُقَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَكُونُ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ، وَصَارَ عَبْدًا للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- كَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ.
فضَبَطَ النَّبِيُّ ﷺ كُلَّ الْأُمُورِ الَّتِي فِيهَا عَلَاقَةٌ بِاللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ الْقَاعِدَةَ الَّتِي إِذَا مَا أَخَذَ بِهَا الْمُجْتَمَعُ الْمُسْلِمُ، عَاشَ فِي تَوَاؤُمٍ وَسَلَامٍ، وَبَعُدَ عَنْهُ شَبَحُ الْفَوْضَى وَالِانْقِسَامِ، وَمَتَى مَا خُولِفَتِ الْقَاعِدَةُ، دَبَّتِ الْفَوْضَى فِي أَرْجَاءِ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ، وَانْتُهِكَتِ الْأَعْرَاضُ، وَسُلِبَتِ الْأَمْوَالُ، وَأُزْهِقَتِ الْأَرْوَاحُ، وَقُطِّعَتِ الطُّرُقُ، فَلَا جُمُعَةَ وَلَا جَمَاعَةَ؛ مِنْ أَثَرِ هَذِهِ الْفَوْضَى الَّتِي تَعُمُّ الدِّيَارَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، -عَلَيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ- وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ)).
فَأَمَرَ بِطَاعَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ مِمَّنْ وَلَّاهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَلَوْ كَانَ مُتَغَلِّبًا، وَلَكِنْ طَاعَتُهُ فِي الْمَعْرُوفِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ)).
قَالَ ﷺ: ((فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ))، وَقَدْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ، وَمَا زَالَ وَاقِعًا فِي الْأُمَّةِ إِلَى الْيَوْمِ، ((فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي)): السُّنَّةُ هِيَ الْعَاصِمُ مِنَ الِاخْتِلَافِ، هِيَ الَّتِي تَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، السُّنَّةُ كَمَا جَاءَ بِهَا الرَّسُولُ ﷺ، لَا كَمَا يَقُولُ بِهَا الْمُرْشِدُونَ وَالْأُمَرَاءُ، وَيَقُولُ بِهَا الدَّرَاوِيشُ!!
وَإِنَّمَا السُّنَّةُ الَّتِي هِيَ السُّنَّةُ عَنْ عُلَمَائِنَا -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ-.
((وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ)).
كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، لَيْسَ هُنَاكَ مَا يُقَالُ لَهُ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ.
النَّبِيُّ ﷺ كَانَ لَا يُثْقِلُ عَلَى أَصْحَابِهِ بِالتَّكْلِيفِ أَوِ الْمَوْعِظَةِ، فَإِذَا وَعَظَهُمْ تَخَوَّلَهُمْ فِي الْمَوْعِظَةِ حَتَّى لَا يَمَلُّوا.
* مِنْ أَسَالِيبِ وَطُرُقِ النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّعْلِيمِ: طَرِيقَةُ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ، وَهِيَ أَبْلَغُ فِي تَحْصِيلِ الصَّوَابِ وَالْمُرَادِ.. طَرِيقَةُ السُّؤَالِ؛ لِيَسْتَيْقِظَ الطَّالِبُ وَيَنْتَبِهَ، ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِالْجَوَابِ الَّذِي يَتَّضِحُ الْأَمْرُ بِهِ وَلَا يَشْتَبِهُ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ؛ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟)).
قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ.
قَالَ: ((فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ.
وَعِنْدَ مُسْلِمٍ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي ((الصَّحِيحِ)): أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ أَصْحَابَهُ يَوْمًا، فَقَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟)).
قَالُوا: الْمُفْلِسُ مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ.
قَالَ: ((الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَصَدَقَةٍ, وَلَكِنَّهُ يَأْتِي وَقَدْ شَتَمَ هَذَا, وَقَذَفَ هَذَا, وَضَرَبَ هَذَا, وَسَفَكَ دَمَ هَذَا)).
* وَمِنْ أَسَالِيبِ النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّعْلِيمِ: الْمُسَاءَلَةُ وَالِامْتِحَانُ، وَهُوَ أُسْلُوبٌ يُثِيرُ انْتِبَاهَ السَّامِعِينَ، وَيُشَوِّقُ النُّفُوسَ لِلْحُصُولِ عَلَى الْجَوَابِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا، لَا تَحُتُّ وَرَقَهَا)).
فَوَقَعَ فِي نَفْسِي النَّخْلَةُ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، وَثَمَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، فَلَمَّا لَمْ يَتَكَلَّمَا، قَالَ النَّبِيُ ﷺ: «هِيَ النَّخْلَةُ».
فَلَمَّا خَرَجْتُ مَعَ أَبِي، قُلْتُ: يَا أَبَتِ، وَقَعَ فِي نَفْسِي النَّخْلَةُ.
قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَهَا؟ لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا.
قَالَ: مَا مَنَعَنِي إِلَّا لَمْ أَرَكَ، وَلَا أَبَا بَكْرٍ تَكَلَّمْتُمَا، فَكَرِهْتُ.
الْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) ، وَفِيهِ أَلْفَاظٌ سِوَى مَا ذَكَرَ الْإِمَام الْبُخَارِيُّ فِي ((الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ)).
قَوْلُهُ: ((تُؤْتِي أُكُلَهَا))؛ أَيْ: تُعْطِي ثَمَرَهَا.
قَوْلُهُ: ((لَا تَحُتُّ وَرَقَهَا))؛ أَيْ: لَا تُسْقِطُهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ((وَجَعَلْتُ أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهَا فَإِذَا أَسْنَانُ الْقَوْمِ)): ((أَسْنَانُ)): جَمْعُ سِنٍّ بِمَعْنَى عُمُرٍ؛ يَعْنِي: كِبَارَ الْقَوْمِ وَشُيُوخَهُمْ حَاضِرُونَ، أَفَأَتَكَلَّمُ أَنَا؟!
فَمَا أَعْظَمَ أَدَبَهُ!
وَمَا أَقَلَّ أَدَبَ مَنْ بَعْدَهُمْ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ!
وَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» مِنْ رِوَايَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: سَأَلَنِي النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «يَا أَبَا المُنْذِرِ! أتَدْرِي أيُّ آيَةٍ مِن كِتابِ اللهِ مَعَكَ أعْظَمُ؟».
قَالَ: قُلتُ: «{اللَّهُ لا إلَهَ إلَّا هو الحَيُّ القَيُّومُ} [البقرة:255]».
قَالَ: فَضَرَبَ في صَدْرِي، وَقَالَ: «واللهِ لِيَهْنِكَ العِلْمُ أبا المُنْذِرِ».
* وَمِنَ الْأَسَالِيبِ التَّعْلِيمِيَّةِ التَّرْبَوِيَّةِ الْعَظِيمَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ: تَصْحِيحُ الْخَطَأ لِلْمُخْطِئِ دُونَ أَنْ يُجَبِّهَهُ؛ فَالرَّسُولُ ﷺ يَأْتِي مُنَفِّذًا لِتَعَالِيمِ الدِّينِ الْأَغَرِّ، الرَّسُولُ ﷺ لَا يُجَبِّهُ أَحَدًا بِسُوءٍ أَبَدًا، يَجِدُ مَا يَسُوءُ فِي بَعْضِ إِخْوَانِهِ وَلَا يُجَبِّهُهُ بِالسُّوءِ، وَأَنَّى يَتَأَتَّى مِنْهُ سُوءٌ!! وَإِنَّمَا يَصْعَدُ الْمِنْبَرَ، فَيَقُولُ: ((مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَفْعَلُونَ كَذَا وَكَذَا!!)).
لِسَانٌ إِنَّمَا يُغْمَسُ فِي دَوَاةِ قَلْبٍ طَاهِرٍ طَيِّبٍ حُلْوٍ، فَلَا يَتَأَتَّى مِنْهُ إِلَّا كُلُّ طَيِّبٍ طَاهِرٍ حُلْوٍ.
وَأَمَّا اللِّسَانُ الْمُنْفَلِتُ، وَأَمَّا الذَّوْقُ النَّشَازُ، وَأَمَّا هَذِهِ الِاعْتِبَارَاتُ السُّلُوكِيَّةُ غَيْرُ الْمُنْضَبِطَةِ، وَأَمَّا التَّهْرِيجُ وَالتَّهْوِيشُ، وَأَمَّا الزِّيَاطُ وَالْهِيَاطُ وَالْمِيَاطُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَدْخُلُ فِي الْإِتْبَاعِ وَالْمُزَاوَجَةِ إِلَى مَا شِيتَ؛ كُلُّ ذَلِكَ وَمَا دَارَ فِي فَلَكِهِ فَهُوَ بِمَبْعَدَةٍ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ.
((الْمَنْهَجُ النَّبَوِيُّ فِي تَبَنِّي الْأَفْكَارِ الْمُبْتَكَرَةِ))
لَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُتِيحُ لِأَصْحَابِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أَنْ يُقَدِّمُوا الْحُلُولَ الْمُبْتَكَرَةَ، وَالْأَفْكَارَ الَّتِي تَقْتَرِحُ حُلُولًا؛ فَفِي قِصَّةِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ؛ لَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: ((قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا)). قَالَ: فَوَاللهِ! مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ، حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ!!
فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: ((يا نَبِيَّ اللهِ! أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ)).
وَتَتَجَلَّى إِتَاحَةُ النَّبِيِّ ﷺ الْفُرْصَةَ لِتَقْدِيمِ الْحُلُولِ الْمُبْتَكَرَةِ مَا كَانَ فِي الْأَحْزَابِ مِنْ رَأْيِ سَلْمَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ، ((فَقَبْلَ خُرُوجِ الْأَحْزَابِ وَتَوَجُّهِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ خُزَاعَةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَخْبَرُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمْرَ الْأَحْزَابِ، فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْأَحْزَابُ مِنَ الْأَمْرِ دَعَا النَّاسَ، وَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَهُمْ، وَشَاوَرَهُمْ فِي أَمْرِهِمْ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ حُرٌّ، فَقَالَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّا كُنَّا بِفَارِسَ إِذَا حُوصِرْنَا خَنْدَقْنَا عَلَيْنَا)).
فَأَعْجَبَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَكَانَتْ خُطَّةً حَكِيمَةً لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهَا الْعَرَبُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَبَادَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى تَنْفِيذِ هَذِهِ الْخُطَّةِ، فَأَمَرَ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ، وَهِيَ عَوْرَةُ الْمَدِينَةِ، لَا يَسْتَطِيعُ الْمُهَاجِمُونَ نَفَاذًا إِلَى الْمَدِينَةِ إِلَّا مِنْهَا بَيْنَ حَرَّتَيْ وَاقِمٍ وَالْوَبْرَةِ -وَالْحَرَّةُ: أَرْضٌ بِظَاهِرِ الْمَدِينَةِ بِهَا حِجَارَةٌ سُودٌ كَثِيرَةٌ-؛ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَدِينَةَ كَانَتْ مُشَبَّكَةً بِالْبُنْيَانِ، وَمُحَاطَةً بِالْحَرَّاتِ وَبَسَاتِينِ النَّخِيلِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ سِوَى الشَّمَالِ، فَاتُّخِذَ الْخَنْدَقُ فِي هَذِهِ النَّاحِيَةِ، وَقَطَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِكُلِّ عَشْرَةِ رِجَالٍ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا يَقُومُونَ بِحَفْرِهَا وَإِعْدَادِهَا)).
((إِعْمَالُ الْعَقْلِ وَإِبْدَاعُ الْفِكْرِ
بِضَوَابِطِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ))
إِنَّ الْقُرْآنَ يَدْعُو لِإِعْمَالِ الْعَقْلِ وَإِبْدَاعِ الْفِكْرِ فِي حُدُودٍ لَا يَتَخَطَّى الْعَقْلُ مَجَالَاتِهِ، دَعْوَةُ الْقُرْآنِ تَجْعَلُكَ تَطُوفُ فِي كَوْنِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ بَاحِثًا عَنْ إِبْدَاعِ خَالِقِكَ، وَجَمِيلِ صُنْعِ اللهِ فِي نَفْسِكَ، فَتَغْدُو بَيْنَ تَفَكُّرٍ وَتَدَبُّرٍ، وَسُؤَالٍ وَجَوَابٍ.. إِبْدَاعٌ إِنْسَانِيٌّ مُسَدَّدٌ بِنُورِ الْوَحْيِ؛ فَـ((الْإِسْلَامُ دِينُ عِلْمٍ وَعَقْلٍ؛ فَهُوَ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّفَ أَتْبَاعَهُ تَحْصِيلَ أَيِّ غَرَضٍ مِنْ أَغْرَاضِ الدُّنْيَا يُكَلِّفُهُمْ أَنْ يَكُونُوا عُقَلَاءَ، صَحِيحِي الْفَهْمِ، ثَاقِبِي الْفِكْرِ، حَدِيدِي الْبَصِيرَةِ، يَتَدَبَّرُونَ الْأُمُورَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا، وَيُقَلِّبُونَ وُجُوهَ الرَّأْيِ فِي مَوَارِدِهَا وَمَصَادِرِهَا، وَمَبَادِيهَا وَمَصَايِرِهَا، فَلَا تَقَعُ إِلَّا عَلَى مُقْتَضَى الْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَالْمَصْلَحَةِ وَالْوَاجِبِ.
كَمَا يُكَلِّفُهُمُ الْإِسْلَامُ أَنْ يَكُونُوا عُلَمَاءَ عَارِفِينَ بِأَسْبَابِ الْمَصَالِحِ وَطُرُقِ الْمَنَافِعِ، وَاقِفِينَ عَلَى الْحَقَائِقِ الْكَوْنِيَّةِ، مُلِمِّينَ بِتَفَاصِيلِ التَّجَارِبِ الْعَمَلِيَّةِ الَّتِي اهْتَدَى إِلَيْهَا الْبَشَرُ فِي سَابِقِ أَدْوَارِهِمْ، وَمُخْتَلَفِ أَطْوَارِهِمْ؛ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِتَصْحِيحِ الْعَقَائِدِ وَالْعِبَادَاتِ، وَتَقْوِيمِ الْأَخْلَاقِ وَالْمَلَكَاتِ، وَإِتْقَانِ أَمْرِ الْمَعَايِشِ وَالْمُعَامَلَاتِ، وَتَرْقِيَةِ شَأْنِ الصِّنَاعَاتِ وَالتِّجَارَاتِ، وَتَحْسِينِ سَائِرِ مُقَوِّمَاتِ الْحَيَاةِ.
فَالْقُرْآنُ لَمَّا دَعَا النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَلَّفَهُمْ قَبُولَهُ بِقَبُولِ تَعَالِيمِهِ وَهِدَايَتِهِ؛ كَانَ يُقِيمُ الْعَقْلَ حَكَمًا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَيَعْجَبُ مِنَ انْصِرَافِهِمْ عَنْهُ، وَإِهْمَالِهِمْ لَهُ، وَتَرْكِ الِاسْتِضَاءَةِ بِنُورِهِ، فَكَانَ يَقُولُ وَهُوَ يُحَاجُّهُمْ: {كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم: 28].
وَيَقُولُ: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2].
وَيَقُولُ: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ} [النور: 44].
{إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الرعد: 19].
وَ (الْأَبْصَارُ وَالْأَلْبَابُ): الْعُقُولُ، وَقَدْ تَكَرَّرَ {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} فِي الْقُرْآنِ بِضْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً فِي صَدَدِ التَّوْبِيخِ وَالتَّعْجِيبِ.
وَمَوَاضِعُ ذِكْرِ الْعَقْلِ وَاللُّبِّ وَمَا صِيغَ مِنْهُمَا لِاسْتِخْرَاجِ وَظَائِفِ الْعَقْلِ الْمُصَرَّحِ بِهَا وَالْمُلَمَّحِ إِلَيْهَا بَلَغَتْ فِي الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ خَمْسَةً وَسِتِّينَ مَوْضِعًا.
وَكَفَى بِهَذَا مَزِيَّةً وَمَنْقَبَةً لِلْعَقْلِ مُذْ جُعِلَ لِلدِّينِ أَصْلًا، وَلِمَصَالِحِ الدُّنْيَا عِمَادًا.
وَإِنَّمَا حُرِّمَتِ الْخَمْرُ فِي الْإِسْلَامِ؛ خَشْيَةَ أَنْ تُسَيْطِرَ عَلَى الْعَقْلِ فَتُفْسِدَهُ أَوْ تُضْعِفَهُ.
وَالْعَقْلُ مِلَاكُ سَعَادَةِ الْإِنْسَانِ، وَقِوَامُ حَيَاتِهِ.
أَمَّا الْعِلْمُ فَالْقُرْآنُ رَفَعَ مِنْ شَأْنِهِ، وَنَوَّهَ بِمَنْزِلَتِهِ بِمَا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ سَابِقٌ مِنَ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ؛ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9].
بَلْ إِذَا تَدَبَّرْنَا أَوَّلَ آيَاتِ الْقُرْآنِ نُزُولًا وَجَدْنَاهَا تَحُضُّ عَلَى الْعِلْمِ، وَتَرْفَعُ مِنْ مَكَانَتِهِ؛ قَالَ تَعَالَى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1-5].
وَقَالَ تَعَالَى: {ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} [القلم: 1].
فَقَدْ نَوَّهَ فِي الْآيَتَيْنِ بِشَأْنِ الْقَلَمِ وَالْكِتَابَةِ، وَالْعِلْمِ وَالتَّعَلُّمِ.
هَذَا الشَّأْنُ مِنْ شُؤُونِ الْحَيَاةِ وَمَصَالِحِ الدُّنْيَا هُوَ أَوَّلُ مَا فَاجَأَ بِهِ الْقُرْآنُ الْبَشَرَ الْمُخَاطَبِينَ، وَأَوْقَعَهُ فِي أَذْهَانِهِمْ؛ أَفَلَا يَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ عِلْمٍ، وَأَنَّهُ لَا يَرْضَى لِلْمُنْتَسِبِينَ إِلَيْهِ إِلَّا الْعِلْمَ؟!
وَلَا نَظُنُّ أَنَّ كَلِمَةً مِنْ كَلِمَاتِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ -عَدَا لَفْظِ الْجَلَالَةِ- تَكَرَّرَتْ فِي الْقُرْآنِ بِقَدْرِ مَا تَكَرَّرَتْ فِيهِ كَلِمَةُ (الْعِلْمِ)؛ فَالْإِسْلَامُ -إِذَنْ- دِينُ الْعِلْمِ، كَمَا أَنَّهُ دِينُ التَّوْحِيدِ.
وَلَمَّا أَرَادَ اللهُ أَنْ يُلَقِّنَ نَبِيَّهُ ﷺ دُعَاءً يَدْعُو بِهِ؛ لَقَّنَهُ أَنْ يَطْلُبَ فِي دُعَائِهِ الْمَزِيدَ مِنَ الْعِلْمِ؛ إِذْ قَالَ لَهُ تَعَالَى: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114].
الْعِلْمُ حَيَاةُ الْإِسْلَامِ، وَعِمَادُ الدِّينِ.
وَالْعِلْمُ إِذَا أُطْلِقَ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ: الْعِلْمَ النَّافِعَ الْمُوصِلَ إِلَى سَعَادَتَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)).
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
نَصِيحَةٌ لِلطُّلَّابِ مَعَ بِدَايَةِ الْعَامِ الدِّرَاسِيِّ
|
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ:
((رَجَاءُ الْأُمَّةِ فِي شَبَابِهَا))
فَإِنَّهُ عَشِيَّةَ بِدَايَةِ الْعَامِ الدِّرَاسِيِّ لَا نَجِدُ فِي النُّصْحِ أَفْضَلَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ.. عَشِيَّةَ الْإِقْبَالِ عَلَى الِاخْتِلَاطِ الْمَفْتُوحِ, وَالتَّسَيُّبِ الْمَفْضُوحِ, وَاللَّامُبَالَاةِ الَّتِي لَا حِسَابَ لَهَا, وَالرَّتْعِ فِي شَهَوَاتٍ لَا نِهَايَةَ لِحَدِّهَا.. عَشِيَّةَ ذَلِكَ كُلِّهِ لَا يَجِدُ الْإِنْسَانُ خَيْرًا مِنْ كَلَامِ نَبِيِّهِ ﷺ؛ تَذْكِيرًا لِلشَّبَابِ, وَحَضًّا لَهُمْ عَلَى الْأَخْذِ بِمَوْفُورِ الْوَقَارِ, وَالْبُعْدِ عَنْ مَوَاطِنِ الزَّلَلِ؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ قَدْ عَقَدَتْ مَنَاطَ رَجَائِهَا عَلَيْهِمْ, وَأَسْلَمَتْ زِمَامَ قِيَادِهَا إِلَيْهِمْ؛ فَأَصْبَحُوا مَأْمُونِينَ عَلَى أَمَانَةٍ جَلِيلَةٍ مِنْ أَجْلِ إِخْرَاجِ الْأُمَّةِ مِمَّا هِيَ فِيهِ مِنْ تَخَلُّفِهَا, وَبُعْدِهَا عَنِ الرَّكْبِ الَّذِي أَصْبَحَ قَائِدًا الْبَشَرِيَّةَ إِلَى وَهْدَةٍ فِي حَضِيضٍ هَابِطٍ إِلَى أَسْفَلَ سَافِلِيِنَ؛ مِنْ لَذَّاتٍ, وَشَهَوَاتٍ أُطْلِقَتْ مِنْ عِقَالِهَا بِحَيْثُ لَا يَحْبِسُهَا حَابِسٌ وَلَا يَرُدُّهَا رَادٌّ!
إِنَّ الْأُمَّةَ الْيَوْمَ تَعْقِدُ رَجَاءَهَا بِأَمْرِ رَبِّهَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- عَلَى شَبَابِهَا الَّذِي يُؤْمِنُ بِرَبِّهِ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَعُودَ الْأَمْرُ مُصَحَّحًا إِلَى سَبِيلِهِ السَّوِيِّ وَطَرِيقِهِ الْمَرْضِيِّ، بَعِيدًا عَنْ عَسْفِ الشَّهَوَاتِ, وَتَخَبُّطِ اللَّذَّاتِ, وَبَعِيدًا عَنِ الْخَبْطِ فِي أَوْدِيَةِ الضَّلَالَاتِ, وَرُجُوعًا إِلَى النَّهْجِ الْأَحْمَدِ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.
((الشَّبَابُ وَالْعَفَافُ))
لَا يَجِدُ الْمَرْءُ فِي النَّصِيحَةِ خَيْرًا مِنْ كَلَامِ رَبِّهِ, وَمِنْ وَحْيِهِ إِلَى نَبِيِّهِ ﷺ: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [النور : 33], وَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ! مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)).
وَذَكَرَ الرَّسُولُ ﷺ ذَلِكَ عِدْلًا بِعِدْلٍ وَمِثْلًا بِمِثْلٍ, وَأَتَى بِفَوَائِدَ مِمَّا يَتَحَصَّلُ عَلَيْهَا الْمَرْءُ فِي حِينِ زَوَاجِهِ عَلَى مَنْهَجِ رَبِّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ: ((فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ)), فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِالْعِدْلِ وَالْمِثْلِ كِفَاءً بِكِفَاءٍ, وَأَخْذًا بِمَا جَاءَ بِهِ خَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ ﷺ: ((فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)).
وَالْوِجَاءُ الَّذِي كَانُوا يَصْنَعُونَهُ فِي فُحُولِ إِبِلِهِمْ: أَنْ يَأْتِيَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ بِحَجَرَيْنِ يَرُضُّ الْخُصْيَتَيْنِ - خُصْيَتَيِ الْفَحْلِ - بَيْنَهُمَا رَضًّا مِنْ أَجْلِ قَطْعِ مَادَّةِ الشَّهْوَةِ وَقَتْلِ نَوَازِعِ اللَّذَّاتِ، فَأَخَذَ الرَّسُولُ ﷺ ذَلِكَ فَجَعَلَهُ وَاقِعًا, ثُمَّ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ السَّبِيلَ إِلَيْهِ مَسْلُوكًا, وَالنَّهْجَ إِلَيْهِ مَحْمُودًا وَوَاضِحًا, فَقَالَ ﷺ: ((فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ)).
إِذَنْ؛ هُمَا أَمْرَانِ فِي كِفَّتَيْنِ إِذَا مَا لَمْ يَسْتَطِعِ الْمَرْءُ أَنْ يَأْتِيَ بِأَحَدِهِمَا؛ فَلَدَيْهِ الْآخَرُ: ((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ! مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ, فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ, وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ, وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)).
النَّبِيُّ ﷺ حَضَّ الشَّبَابَ عَلَى مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ -بِرَحْمَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ- عَاصِمًا لِلشَّابِّ مِنْ أَنْ يَتَلَوَّثَ شَبَابُهُ بِمَا يَشِيِنُهُ, وَأَنْ يَتَوَرَّطَ فِي مَعْصِيَةٍ مِنْ مَعَاصِي اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-؛ بِإِطْلَاقِ الْبَصَرِ, وَالْبَطْشِ بِالْيَدِ, وَالسَّعْيِ بِالرِّجْلِ اقْتِرَافًا لِلزِّنَا وَإِن لَمْ يَسْتَوْجِبْ حَدًّا, فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا فَهُوَ مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْبَطْشُ، وَاللِّسَانُ يَزْنِي وَزِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْأُذُنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا السَّعْيُ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ)).
فَسَمَّى الرَّسُولُ ﷺ ذَلِكَ كُلَّهُ زِنًا, وَبَيَّنَ لَنَا نَبِيُّنَا ﷺ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ حَظًّا عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ مِنْ نَسْلِ آدَمَ مَنْسُولًا إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ, وَأَخَذَ بِمَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ الْأَمِينُ ﷺ فَحَبَسَ مَادَّةَ الشَّهْوَةِ مِنْ أَصْلِهَا, وَجَفَّفَ فِي مَنَابِعِهَا؛ حَتَّى لَا تَسْرِيَ الدِّمَاءُ, وَحَتَّى لَا تَشْتَعِلَ الْغَرَائِزُ بِثَوْرَةٍ عَارِمَةٍ قَدْ لَا تُكَفُّ إِلَّا بِالْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ.
وَالرَّسُولُ ﷺ يَتَكَلَّمُ بِالْوَحْيِ, وَيَنْطِقُ بِالْغَيْبِ, وَالرَّسُولُ ﷺ كَأَنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى الْآتِي مِنْ خِلَالِ سِتْرٍ شَفِيفٍ يُبِينُ عَمَّا وَرَاءَهُ؛ فَيَضَعُ الْحَوَاجِزَ, وَيَضْبِطُ الْقُيُودَ, وَيَجْعَلُ لِلْإِنْسَانِ الْمُسْلِمِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حِيَاطَةً لَهُ بِأَمْرِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.
عَشِيَّةَ الْعَامِ الدِّرَاسِيِّ, عَشِيَّةَ الِاخْتِلَاطِ الْمُبْهَمِ الْمُدَمْدَمِ بِثَوْرَةِ اللَّذَّاتِ, وَالْبُعْدِ عَنِ الْأَخْذِ بِالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حِيَاطَةً لِلنَّفْسِ عَنِ الْوُقُوعِ فِي اللَّذَّاتِ, وَإِثَارَةِ الشَّهَوَاتِ, وَالْإِقْبَالِ عَلَى الرِّسَالَةِ الَّتِي عَقَدَتِ الْأُمَّةُ رَجَاءَهَا فِي اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى تَحْقِيقِهَا مِنْ خِلَالِ شَبَابِهَا, بِإِقْبَالِهِمْ عَلَى الْعِلْمِ, وَتَوَفُّرِهِمْ بِجَهْدِهِمْ عَلَيْهِ فِي الْأَصْبَاحِ وَالْأَمْسَاءِ, وَبَذْلِ الْمَجْهُودِ, وَإِعَانَةِ الْمَكْدُودِ, وَالْأَخْذِ بِمَا أَمَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنْ تَحْصِيلِ الْقُوَّةِ إِعْدَادًا؛ لِأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَمَرَ الْأُمَّةَ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ بِإِعْدَادِ مَا اسْتَطَاعُوا مِنَ الْقُوَّةِ, وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ؛ لِأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ لَا يُحِبُّ التَّوَانِي, وَلَا يُحِبُّ الْكَسَلَ, وَلَا يُحِبُّ الْعَجْزَ, وَإِنَّمَا مَلَّكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْإِنْسَانَ الْأَسْبَابَ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَكُونَ بِهَا آخِذًا, وَلَهَا آتِيًا, وَبِهَا فِي كَوْنِ اللهِ عَامِلًا، فَإِذَا مَا وَقَعَ التَّفْرِيطُ فِي الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ؛ فَلَا يَلُومَنَّ امْرُؤٌ إِلَّا نَفْسَهُ, وَلَا تَلُومَنَّ أُمَّةٌ إِلَّا نَفْسَهَا.
((نَصِيحَةٌ لِلطُّلَّابِ عَشِيَّةَ الْعَامِ الدِّرَاسِيِّ))
فَعَشِيَّةَ الْعَامِ الدِّرَاسِيِّ لَا نَجِدُ نُصْحًا لِشَبَابِنَا الْمُقْبِلِ عَلَى عَامِهِ الدِّرَاسِيِّ الْحَمِيدِ - إِنْ شَاءَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-- إِقْبَالًا عَلَى الْعِلْمِ بِنَهَمٍ لَا يَكَادُ يَشْبَعُ مِنْهُ الْمَرْءُ مَهْمَا أُوتِيَ مِنْ عِلْمٍ, كَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ: ((مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْمٍ, وَطَالِبُ مَالٍ)).
إِنَّ الْأُمَّةَ الَّتِي عَقَدَتْ رَجَاءَهَا عَلَى رَبِّهَا بِأَخْذِ شَبَابِهَا بِأَسْبَابِ الْقُوَّةِ تَحْصِيلًا وَإِعْمَالًا لَهَا فِي كَوْنِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ لِتَعُودَ لِلْأُمَّةِ رِيَادَتُهَا, وَلِيَعُودَ لِلْأُمَّةِ سَبْقُهَا -بِفَضْلِ رَبِّهَا-, لِأَنَّ الضَّعِيفَ الْعَاجِزَ يُؤَثَّرُ فِيهِ وَلَا يُؤَثِّرُ, وَيَتَأَثَّرُ وَلَا يُؤَثِّرُ, لِأَنَّ الضَّعِيفَ الْعَاجِزَ يَكُونُ الطَّمَعُ فِيهِ قَائِمًا, وَلِأَنَّ الشَّرَّ مَتَى مَا وَجَدَ الْحَقَّ مُتَهَاوِنًا عَدَا عَلَيْهِ بجُنْدِهِ وَرَجِلِهِ وَخَيْلِهِ, وَحَاوَلَ أَنْ يَئِدَهُ فِي مَهْدِهِ -وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ-.
إِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَمَرَنَا بِإِعْدَادِ مَا نَسْتَطِيعُ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ.. أَمَرَنَا رَبُّ الْعَالَمِينَ, وَالْأَمْرُ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ مَتَى مَا أَتَى مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ صَارِفَةٍ عَنِ الْوُجُوبِ فَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ لِلْوُجُوبِ؛ فَهُوَ إِذًا أَمْرٌ وَاجِبٌ حَتْمٌ إِذَا فَرَّطَتْ فِيهِ الْأُمَّةُ عَاقَبَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي الدُّنْيَا بِذُلٍّ وَخَسْفٍ وَمَهَانَةٍ وَإِحْبَاطٍ, وَعَاقَبَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي الْآخِرَةِ جَزَاءً وِفَاقًا لِمَا فَرَّطَتْ فِيهِ مِنْ حَمْلِ الْأَمَانَةِ وَالْأَخْذِ بِتَنْفِيذِ الْأَمْرِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
إِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ يَعْلَمُ حَالَ الْعَالَمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَخْلُقَهُ, وَيَعْلَمُ حَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ حَالٍ وَحِينٍ، وَالْمُسْلِمُونَ يُنَادُونَ فِي الصَّبَاحِ وَفِي الْمَسَاءِ: أَيْنَ أَنْتَ يَا صَلَاحَ الدِّينِ؟!
وَهَذَا وَهْمٌ كَبِيرٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ لِكُلِّ عَصْرٍ دَوْلَةً وَرِجَالًا؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ فُرِضَ أَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ بَعَثَ الرَّجُلَ الْمُجَاهِدَ الصَّالِحَ رَحِمَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ, فَقَامَ فِي الْأُمَّةِ الْيَوْمَ, فَإِنَّهُ لَنْ يُجَيِّشَ الْجُيُوشَ عَلَى سَهْمٍ وَسَيْفٍ، وَلَا عَلَى رُمْحٍ وَخَيْلٍ, وَإِنَّمَا سَيَنْظُرُ فِي أَحْوَالِ الْعَالَمِ مُتَبَصِّرًا, وَيَنْظُرُ فِي أَحْوَالِ الْعَالَمِ مُعْتَبِرًا، ثُمَّ يُحَاوِلُ أَنْ يَتَمَلَّكَ أَسْبَابَ الْقُوَّةِ الَّتِي عَقَدَتِ الْأُمَّةُ رَجَاءَهَا فِي رَبِّهَا عَلَى شَبَابِهَا؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَكُونُوا لَهَا مُحَصِّلِينَ وَلَهَا مُهْتَدِينَ، مِنْ أَجْلِ أَنْ يَأْخُذُوا بِهَذَا الَّذِي يَبْدَؤُونَهُ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ الَّذِي يَأْخُذُونَ فِيهِ بِأَسْبَابِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فِي الْإِقْبَالِ عَلَى الدَّرْسِ, وَبَذْلِ الْجُهْدِ وَالْمَجْهُودِ فِي التَّحْصِيلِ، مِنْ غَيْرِ مَا شَقٍّ لِلْحَنَاجِرِ فِي هُتَافٍ وِبُهَتَافٍ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَبْدِيدٌ لِلطَّاقَاتِ, وَتَضْيِيعٌ لِلْأَوْقَاتِ, ثُمَّ يَبْقَى الْعِلْمُ يَتِيمًا لَيْسَ لَهُ مِنْ أَبٍ يَرْعَاهُ, وَلَا أُمٍّ يُمْكِنُ أَنْ تَحُوطَهُ بِعِنَايَةٍ وَلَا رِعَايَةٍ وَلَا كَلَاءَةٍ, وَيَبْقَى الْعِلْمُ مَهْجُورًا لَا يُقْبِلُ عَلَيْهِ أَحَدٌ.
((الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ وَالْمَادِّيِّ))
وَأَعْلَمُ أَنَّ إِشْكَالًا عَظِيمًا يَقَعُ فِي أَذْهَانِ وَقُلُوبِ كَثِيرٍ مِنْ شَبَابِنَا الصَّالِحِينَ, أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُقَدِّرْ لَهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَنْ يَبْدَؤُوا حَيَاتَهُمْ بِدِرَاسَةِ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ الصَّحِيحِ, وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَدَّرَ لَهُمْ بِمَقَادِيرَ كَانُوا يَرْجُونَهَا أَنْ يُقْبِلُوا مُتَوَفِّرِينَ عَلَى دَرْسِ دِينِهِمْ, وَمَعْرِفَةِ سُنَّةِ نَبِيِّهِمْ ﷺ، فَسَاقَتْهُمْ مَقَادِيرُهُمْ إِلَى حَيْثُ يَدْرُسُونَ مِنْ ذَلِكَ الْعِلْمِ الْمَادِّيِّ الَّذِي هُمْ لَهُ هَاجِرُونَ, وَعَلَيْهِ غَيْرُ مُقْبِلِينَ.
هَذَا الَّذِي يَقَعُ مِنْ هَذَا الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى عَدَمِ الِاتِّزَانِ بِالذَّبْذَبَةِ بَيْنَ مَا تَهْوَاهُ الْأَنْفُسُ وَتَهْفُو إِلَيْهِ الْأَرْوَاحُ، وَمَا هُوَ وَاقِعٌ فِي دُنْيَا اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُ دَفْعًا, وَلَا يَمْلِكُونَ لَهُ تَغْيِيرًا؛ فَيَنْصَرِفُونَ عَمَّا هُمْ بِهِ مُكَلَّفُونَ، وَعَمَّا أَرْسَلَهُ أَهْلُوهُمْ إِلَيْهِ رَاغِبِينَ طَائِعِينَ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَكُونُوا فِيهِ سَابِقِينَ, يَدَعُونَ ذَلِكَ جَانِبًا, يَجْعَلُونَهُ دَبْرَ الْآذَانِ, وَتَحْتَ الْأَقْدَامِ, وَوَرَاءَ الْأَظْهُرِ -يَتَّخِذُونَهُ ظِهْرِيًّا-, ثُمَّ يُقْبِلُونَ عَلَى الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ فِيمَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَهُمْ أَوْ غَيْرُ مَعْلُومٍ أَنَّهُ إِنَّمَا يُطْلَبُ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ الْكِفَائِيِّ لَا عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ الْعَيْنِيِّ، وَعِنْدَئِذٍ يَتَوَرَّطُونَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مَتَاهَاتٍ لَا مَخْلَصَ مِنْهَا وَلَا مَنْجَى.
وَالْأَصْلُ أَنَّ الْمُسْلِمَ مَا دَامَ قَدْ حَصَّلَ الْعِلْمَ الْفَرْضَ الَّذِي يَلْزَمُهُ فِي اعْتِقَادِهِ وَعِبَادَتِهِ وَمُعَامَلَتِهِ وَأَخْلَاقِهِ وَسُلُوكِهِ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَفَّرَ عَلَى مَا هُوَ مُقْبِلٌ عَلَيْهِ, وَعَمَّا أَقَامَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْأُمَّةَ لَنْ تَكُونَ بِجَمْعِهَا وَفِي مَجْمُوعِهَا مِنَ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يَحْذِقُونَ الْعِلْمَ الْكِفَائِيَّ يُؤَدُّونَهُ إِلَى الْأُمَّةِ، بَلْ أَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْأُمَّةَ أَمْرًا وَاضِحًا: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة : 122], فَأَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي الْعِلْمِ الْكِفَائِيِّ بِذَلِكَ.
وَأَمَّا الْعِلْمُ الَّذِي هُوَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ؛ فَلَا يَسَعُ الْمُسْلِمَ أَنْ يُفَرِّطَ فِيهِ لَحْظَةَ عَيْنٍ وَلَا أَقَلَّ مِنْهَا، فَيَنْبَغِي إِذَا مَا حَصَّلَهُ أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَى مَا أَقَامَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِيهِ, وَلَا يَتَوَرَّطَ فِي الْوُقُوعِ بِالذَّبْذَبَةِ بَيْنَ غَايَتَيْنِ يَظَلُّ كَبندُولِ السَّاعَةِ رَائِحًا وَغَادِيًا بَيْنَهُمَا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِلَ إِلَى نِهَايَةٍ مَحْمُودَةٍ, وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْقَى عَلَى قَرَارٍ مَكِينٍ, وَإِنَّمَا هُوَ الْخَبْطُ فِي أَوْدِيَةِ الظُّنُونِ، فَلَا يَصِلُ بَعْدَ أَمَدٍ مُتَطَاوِلٍ لَا إِلَى عِلْمٍ شَرْعِيٍّ حَصَّلَهُ, وَلَا إِلَى عِلْمٍ مَادِّيٍّ نَفَعَ بِهِ الْأُمَّةَ مِنْ بَعْدِ مَا حَصَّلَ الْيَقِينَ -بِفَضْلِ رَبِّهِ -جَلَّ وَعَلَا--.
وَبَعْدَ أَنْ ضَبَطَ عِبَادَتَهُ عَلَى الْمَنْهَجِ الْأَحْمَدِ الَّذِي جَاءَ بِهِ أَحْمَدُ ﷺ, وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ قَدْ صَنَعَ شَيْئًا لِنَفْسِهِ وَلَا لِأُمَّتِهِ, وَإِنَّمَا هِيَ الذَّبْذَبَةُ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ, شَيْءٌ وَاحِدٌ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَجَمِيعُ الْأَشْيَاءِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ!
وَهَذَا دِينٌ جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ لِيَضْبِطَ بِهِ الْحَيَاةَ، يَضْبِطُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِدِينِهِ الْحَيَاةَ ضَبْطًا مَتِينًا, وَيَجْعَلُ لَنَا رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- كُلَّ شَيْءٍ فِي مَوْضِعِهِ.
وَتَعْلَمُونَ -حَفِظَكُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ- أَنَّ خَالدًا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَهُوَ الْفَارِسُ الَّذِي لَمْ يُهْزَمُ قَطُّ, وَالْقَائِدُ الَّذِي لَمْ يُغْلَبْ أَبَدًا، لَا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ - لَمْ يَكُنْ أَقْرَأَ الْأَصْحَابِ, وَلَمْ يَكُنْ أَعْلَمَهُمْ بِالْفَرَائِضِ, وَلَمْ يَكُنْ أَثْبَتَهُمْ فِي دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عِلْمًا وَمَعْرِفَةً وَإِحَاطَةً بِمَا أَتَى بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَإِنَّمَا كَانَ فِي مَجَالِهِ سَابِقًا, وَكَانَ حَيْثُ جَعَلَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ رَائِدًا، مُسْتَفْرِغًا لِلْجَهْدِ فِيمَا أَقَامَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِيهِ.
إِنَّهَا إِشَارَاتٌ لَا يَفْهَمُهَا إِلَّا الْحَاذِقُونَ, وَلَا يَتَبَصَّرُهَا إِلَّا الْمُسْتَبْصِرُونَ.
((نُصْحُ الشَّبَابِ بِعِفَّةِ يُوسُفَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- ))
لَا نَرَى عَشِيَّةَ هَذَا الْأَمْرِ -الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مُقْبِلًا عَلَيْنَا بِزَمَانِهِ- لَا نَرَى إِلَّا وَصِيَّةَ نَبِيِّنَا ﷺ: ((وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)).
لَا نَجِدُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مُمَثَّلَةً فِي جُمُوعِ شَبَابِهَا, وَفِي تِلْكَ الْقُطْعَانِ الشَّارِدَةِ مِنْ تِلْكَ الْأَجْنَاسِ الَّتِي تَتَحَفَّزُ فِيهَا الْغَرِيزَةُ لِكَيْ تَثُورَ ثَوَرَانَهَا, لَا نَجِدُ لِهَذِهِ الْقُطْعَانِ الشَّارِدَةِ عَنْ مَنْهَجِ رَبِّهَا خَيْرًا مِنْ كَلَامِ رَبِّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [النور : 33].
وَالْعِفَّةُ: شَيْءٌ سِوَى الْكَبْتِ, فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَا كَبَتَ الْغَرِيزَةَ؛ فَإِنَّ هُنَالِكَ مُدَافَعَةً, كَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكْبَحَ جِمَاحَ سَيَّارَتِكَ، وَقَدْ أَقَمْتَهَا عَلَى أَقْصَى سُرْعَاتِهَا, ثُمَّ أَنْتَ تُعْمِلُ لَهَا مَعَ ذَلِكَ عَظِيمَ كَابِحَاتِهَا؛ فَتَظَلُّ فِي صِرَاعٍ دَائِمٍ مُلْتَهِبٍ، وَأَمَّا إِذَا مَا كُفَّتْ كَفًّا رَفِيقًا, وَأَمَّا إِذَا مَا أُخِذَ بِيَدِهَا أَخْذًا شَفِيقًا؛ فَهَذِهِ هِيَ الْعِفَّةُ الَّتِي أَمَرَ بِهَا رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-, هِيَ أَمْرٌ مَحْمُودٌ, وَلَيْسَتْ بِثَوَرَانِ غَرِيزَةٍ مَكْبُوتَةٍ مَتَى مَا رُفِعَ غِطَاؤُهَا, وَمَتَى مَا أَفْلَتَتْ مِنْ عِقَالِهَا؛ صَارَتْ إِلَى تَدْمِيرٍ لَا تُحْمَدُ عُقْبَاهُ, بِتَلْوِيثِ نَفْسٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَعُودَ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ إِلَى سَالِفِ عَهْدِهَا.
لَا نَجِدُ لِلْأُمَّةِ مُمَثَّلَةً فِي شَبَابِهَا -أَمَامِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الزَّمَانِيَّةِ الَّتِي هِيَ مُقْبِلَةٌ عَلَيْهَا بِجُمُوعِ قُطْعَانِ شَبَابِهَا- خَيْرًا مِنَ التَّذْكِيرِ بِقِصَّةِ يُوسُفَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-؛ فَإِنَّهُ قَدْ ضُرِبَ مِثَالًا فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ, لَا عَلَى الْعِفَّةِ وَحْدَهَا, وَإِنَّمَا عَلَى قُدْرَةِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَحْيَا نَظِيفًا وَسَطَ الْوَحْلِ, وَأَنْ يَظَلَّ مُحْتَفِظًا بِنَظَافَةِ وَطَهَارَةِ قَلْبِهِ وَجَسَدِهِ وَثِيَابِهِ وَهُوَ مُخَالِطٌ لِوُحُولٍ مُتَرَاكِمَاتٍ، وَهُوَ سَائِرٌ فِي طُرُقٍ مُدْلَهِمَّاتٍ بِظُلُمَاتِهَا, فَإِنَّهُ فِي وَسَطِ مُجْتَمَعٍ كَافِرٍ بِرَبِّهِ -جَلَّ وَعَلَا-، عَارِمٍ بِغَرِيزَتِهِ، مُنْفَلِتٍ بِزِمَامِ شَهْوَتِهِ.. يَظَلُّ عَلَى حِفَاظِهِ بِعَهْدِ رَبِّهِ -جَلَّ وَعَلَا- قَائِمًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبيِّنَا وَسَلَّمَ-.
يَضْرِبُهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِثَالًا لَا لِلشَّابِّ الْمُسْلِمِ وَأُنْمُوذَجًا, وَإِنَّمَا يَضْرِبُهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِثَالًا لِجُمُوعِ الْأُمَّةِ فِي كُلِّ حِينٍ وَحَالٍ: أَنَّهُ لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ, وَأَنَّهُ مَهْمَا كَانَتِ الْأَحْوَالُ سَيِّئَةً, وَمَهْمَا كَانَتِ اللَّذَّاتُ مُنْفَلِتَةً؛ فَإِنَّ الْمَرْءَ قَادِرٌ بِإِيمَانِهِ بِرَبِّهِ, وَاعْتِصَامِهِ بِدِينِهِ, وَحِيَاطَتِهِ لِقَلْبِهِ وَعَقْلِهِ وَرُوحِهِ.. قَادِرٌ -بِأَمْرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ- عَلَى أَنْ يَظَلَّ نَظِيفًا غَيْرَ مُلَوَّثٍ, وَأَنْ يَظَلَّ عَفِيفًا غَيْرَ مُتَلَوِّثٍ.
لِأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ لَمَّا بَيَّنَ لَنَا الْمِحْنَاتِ مِحْنَةً تِلْوَ مِحْنَةٍ تُحِيطُ بِيُوسُفَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-؛ إِذْ يُحِيطُ بِهِ كَيْدُ الْإِخْوَةِ؛ إِذْ يُحِيطُ بِهِ مَجْمُوعٌ مُلَاصِقٌ لَهُ مِنْ أَقَارِبِهِ؛ إِذْ يُحِيطُ بِهِ مَا يُحِيطُ بِهِ مِنَ الْكَيْدِ الْكَائِدِ وَالْحِقْدِ الْحَاقِدِ وَالْحسَدِ الْحَاسِدِ لَا لِشَيْءٍ إِلَّا لِأَنَّ أَبَاهُ قَدْ تَوَسَّمَ فِيهِ خَيْرًا, يَعْلَمُ أَنَّهُ امْتِدَادٌ لِلنُّبُوَّةِ فِي آلِ يَعْقُوبَ مِنْ بَعْدِهِ, يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ سَيُؤْتِيهِ مِنَ الْفَضْلِ مَا لَا يُقَادَرُ قَدْرُهُ وَلَا يَعْلَمُ مِقْدَارَهُ إِلَّا اللهُ الَّذِي يُعْطِيهِ، يَعْلَمُ ذَلِكَ؛ فَيُقَرِّبُهُ وَيُحِبُّهُ, وَقَدْ مَاتَتْ أُمُّهُ صَغِيرًا، يَتَعَرَّضُ لِلْعَسْفِ وَالْكَيْدِ مُنْذَ نُعُومَةِ الْأَظْفَارِ، ثُمَّ يُتَّهَمُ بِالسَّرِقَةِ.
وَالشَّرِيعَةُ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا يَعْقُوبُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: هُوَ أَنَّهُ مَنْ سَرَقَ فَثَبَتَتْ سَرِقَتُهُ صَارَ عَبْدًا لَمَنْ سُرِقَ مِنْهُ الْمَسْرُوقُ، فَلَمَّا أَرَادَتْ عَمَّتُهُ – وَكَانَتْ لَهُ رَاعِيَةً مِنْ بَعْدِ وَفَاةِ أُمِّهِ رَاحِيلَ بِنْتُ لَابَانَ, وَهُوَ خَالُ يَعْقُوبَ -عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْلِيمِ - لَمَّا كَانَتْ تَحُوطُهُ, وَأَرَادَ يَعْقُوبُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ صَغِيرًا -لَمَّا يَكْتَمِلْ نُمُّوُهُ بَعْدُ ﷺ- لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ, وَأَرَادَتْ هِيَ أَنْ تَحُوزَهُ؛ جَاءَتْ بِمِنْطَقَةٍ كَانَتْ لِإِبْرَاهِيمَ يَتَوَارَثُهَا آلُ إِسْحَاقَ؛ فَكَانَتْ عِنْدَهَا؛ فَشَدَّتِ الْمِنْطَقَةَ عَلَى وَسَطِهِ, ثُمَّ رَدَّتْهُ بِرِدَائِهِ, وَأَلْبَسَتْهُ ثِيَابَهُ, ثُمَّ اعْتَمَلَ الْأَمْرُ فِي نَفْسِهَا لَا عَلَى سَبِيلِ الشَّكِّ, وَإِنَّمَا عَلَى سَبِيلِ الْيَقِينِ -تَعْلَمُ السَّارِقَ الْمَزْعُومَ حَقًّا وَيَقِينًا- ثُمَّ أَشَاعَتْ أَنَّهَا فَقَدَتْ شَيْئًا، ثُمَّ أَخَذَتْ تَبْحَثُ هَاهُنَا وَهُنَالِكَ حَتَّى وَقَعَتْ عَلَى الْمَسْرُوقِ قَدْ لُفَّ عَلَى وَسَطِ يُوسُفَ صَغِيرًا -عَلَيْهِ السَّلَامُ-.
وَعِنْدَئِذٍ لَمْ يَجِدْ يَعْقُوبُ بُدًّا مِنْ أَنْ يَدَعَهُ عِنْدَهَا حَتَّى تَقْضِيَ مِنْهُ لُبَانَاتِهَا, ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ بَعْدُ؛ فَكَانَ عِنْدَهُ يَشِبُّ شَيْئًا فَشَيْئًا يُقَرِّبُهُ وَيَحُوطُهُ, وَأَمَّا إِخْوَتُهُ الْكِبارُ الَّذِينَ كَانُوا مَفْتُولِي السَّوَاعِدِ قَدْ طَرَّتْ شَوَارِبُهُمْ, وَاسْتَقَامَتْ عَلَى الْأَرْضِ قَامَاتُهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُعْجِبْهُمْ هَذَا الْأَمْرُ؛ فَكَادُوا لَهُ كَيْدًا حَتَّى أَلْقَوْهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يُرَاوِدُونَ عَنْهُ أَبَاهُ بِالْحِيلَةِ وَالْخَتْلِ وَالْمَكْرِ وَالْخِدَاعِ؛ فَكَانَتْ أَوَّلُ مِحْنَةٍ فِي حَيَاةِ يُوسُفَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-.
وَلَكَ أَنْ تَتَصَوَّرَ إِذْ يُجَرِّدُونَهُ مِنْ ثَوْبِهِ بِغَيْرِ مَا رَحْمَةٍ هُنَالِكَ, ثُمَّ يَأْخُذُونَهُ لِكَيْ يُلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ، جُبٍّ هُنَالِكَ عِنْدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، يَنْزِلُ الْمَطَرُ مَا يَنْزِلُ, فَيَبْقَى فِيهِ مِنَ الْمَاءِ مَا يَبْقَى, وَرُبَّمَا ظَلَّ جَافًّا شُهُورًا مُتَتَابِعَاتٍ, وَالسَّيَّارَةُ الَّذِينَ يَرُوحُونَ وَيَغْدُونَ, يَسِيرُونَ قَافِلِينَ وَذَاهِبِينَ يَمُرُّونَ عَلَى الْجُبِّ, فَرُبَّمَا أَرَادَ مَاتِحُهُمُ الَّذِي يُلْقِي الدَّلْوَ فِي الْبِئْرِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُخْرِجَ الْمَاءَ, لَرُبَّمَا جَسُّوا نَبْضَ الْبِئْرِ بِمَائِهِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُخْرِجُوا مِنْهُ مَاءً بِهِ يَتَزَوَّدُونَ, وَعَلَيْهِ يَتَبَلَّغُونَ فِي صَحْرَاءَ قَاحِلَةٍ هِيَ أَجْدَبُ مِنْ كَفِّ اللَّئِيمِ, جَعَلُوا يُوسُفَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ, لَكَ أَنْ تَتَخَيَّلَ يُوسُفَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَهُوَ يُلْقَى فِي الْجُبِّ يُحَاوِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِطِيَّتِهِ، يُحَاوِلُ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِالْحِجَارَةِ الْمَطْوِيَّةِ بِعُمْقِ هَذَا الْبِئْرِ فِي رَأْسِ هَامَتِهِ, وَهُمْ يَأْبَوْنَ إِلَّا أَنْ يُحَرِّكُوا يَدَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى يُلْقَى هُنَالِكَ فِي غَيَابَةِ الْبِئْرِ.
ثُمَّ تَأْتِي السَّيَّارَةُ بَعْدَ حِينٍ يَتَعَلَّقُ فِي الدَّلْوِ؛ فَيَخْرُجُ؛ فَيَقَعُ فِي الْمِحْنَةِ الثَّانِيَةِ: فِي مِحْنَةِ الرِّقِّ تَتَدَاوَلُهُ الْأَيْدِي بَيْعًا وَشِرَاءً عَبْدًا رَقِيقًا, وَهُوَ الْحُرُّ الْكَرِيمُ كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ الْأَمِينُ ﷺ, ثُمَّ يُبَاعُ بَيْعَ الرَّقِيقِ حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَ عَزِيزِ مِصْرَ.
وَهَاهُنَا أَمْرٌ يَنْبَغِي أَنْ يُتَفَطَّنَ إِلَيْهِ: فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبَاطِلِ يَضَعُونَ لِلْمَرْأَةِ الْمِصْرِيَّةِ بِسِمَاتِهَا وَشِيَاتِهَا وَنَفْسِيَّاتِهَا, يَجْعَلُونَ لِلْمَرْأَةِ الْمِصْرِيَّةِ مِثَالًا وَنُمُوذَجًا فِي امْرَأَةِ الْعَزِيزِ, وَيَجْعَلُونَ فِي خَيَالَاتِهِمُ الْمَرِيضَةِ هَذَا النُّمُوذَجَ مَضْرُوبًا لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِصْرِيَّةٍ، وَهَذَا وَهْمٌ عَجِيبٌ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ الْمِصْرِيَّةَ مَتَى مَا كَانَتْ فِي بِيئَةِ عَفَافٍ عَفَّتْ, وَمَتَى مَا كَانَتْ فِي بِيئَةٍ غِيْرِ عَفِيفَةٍ اسْتَعَفَّتْ عَلَى قَدْرِ الْمُسْتَطَاعِ وَعَلَى حَسَبِ الطَّاقَةِ, وَالْمُوَفِّقُ هُوَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
فَعِنْدَمَا يَأْتِي أَهْلُ الْأَهْوَاءِ لِكَيْ يَضْرِبُوا الْمِثَالَ لِلْمَرْأَةِ الْمِصْرِيَّةِ بِامْرَأَةْ الْعَزِيزِ يُغَالِطُونَ التَّارِيخَ؛ لِأَنَّ التَّارِيخَ قَدْ أَثْبَتَ, وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ قَدْ أَشَارَ أَنَّ هَذِهِ الْفَتْرَةَ فِي حَيَاةِ الْمِصْرِيِّينَ لَمْ تَكُنَ خَالِصَةً لِلْمِصْرِيِّينَ, وَإِنَّمَا كَانُوا مُنْحَازِينَ إِلَى الْجَنُوبِ فِيمَا بَيْنَ الْأُسْرَةِ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ وَالْأُسْرَةِ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ مِنَ الْأُسَرِ الْحَاكِمَةِ فِي مِصْرَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَلِذَلِكَ لَا تَجِدُ الْقُرْآنَ يُشِيرُ إِلَى حَاكِمِ مِصْرَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بِلَقَبِ فِرْعَوْنَ وَإِنَّمَا يَقُولُ: (الْمَلِكُ), يَقُولُ: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ} [يوسف : 43], {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} [يوسف : 54] فَلَمَّا أَطْلَقَ الْقُرْآنُ ذَلِكَ دَلَّنَا ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ الْوَاقِعِ التَّارِيخِيِّ أَنَّ الْأُسَرَ الَّتِي كَانَتْ تَحْكُمُ مِصْرَ لَمْ تَكُنْ قَائِمَةً فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بِحَيْثُ تَتَعَامَلُ فِي الْحُكْمِ مَعَ يُوسُفَ وَلَا مَعَ غَيْرِ يُوسُفَ، وَإِنَّمَا كَانَ الرُّعَاةُ الَّذِينَ نَبَزَهُمُ الْمِصْرِيُّونَ بِلَقَبِ (الْهُكْسُوس) -وَهُوَ لَفْظٌ مِصْرِيٌّ قَدِيمٌ يَعْنِي الْخَنَازِيرَ أَوْ رُعَاةَ الْخَنَازِيرِ- سَمَّوْا أُولَئِكَ الرُّعَاةَ الْعَمَالِقَةَ الْعَمَالِيقَ الَّذِينَ احْتَلُّوا مِصْرَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مُدَّةَ قَرْنٍ وَنِصْفٍ، لَمْ يَكُنِ الَّذِي يَتَرَبَّعُ عَلَى دَسْتِ الْمُلْكِ فِي مِصْرَ, وَلَمْ يَكُنِ الْعَزِيزُ وَلَا امْرَأَتُهُ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ, وَإِنَّمَا كَانَ الْمِصْرِيُّونَ وَالْمِصْرِيَّاتُ بِمَبْعَدَةٍ عَنْ هَذَا كُلِّهِ.
فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ أُنْمُوذَجَ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ أُنْمُوذَجًا لِلْمَرْأَةِ الْمِصْرِيَّةِ يَظُنُّ بِوَهَمِهِ أَنَّهَا كَذَلِكَ, وَأَنَّهَا سَهْلَةُ الْمُتَنَاوَلِ, وَأَنَّهَا ثَائِرَةٌ بِشَهَوَاتِهَا عَارِمَةٌ بِغَرِيزَتِهَا؛ فَقَدْ أَبْعَدَ النَّجْعَةَ, وَافْتَرَى عَلَى الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.
إِنَّ الْمِحْنَةَ الَّتِي تَلَتْ مِحْنَةَ الرِّقِّ مِنْ بَعْدِ مِحْنَةِ كَيْدِ الْإِخْوَةِ وَالْإِلْقَاءِ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ هِيَ: مِحْنَةُ الْغِوَايَةِ وَثَوْرَةِ الشَّهْوَةِ بِالْغَرِيزَةِ الْمَشْبُوبَةِ بِمُتَابَعَةِ الْمَرْأَةِ -امْرَأَةِ الْعَزِيزِ- لِيُوسُفَ يَشُبُّ تَحْتَ عَيْنَيْهَا, وَكَانَ مَا كَانَ مِمَّا قَصَّهُ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ.
يُوسُفُ فِي شَبَابِهِ وَقُوَّتِهِ, وَامْرَأَةٌ كَانَتْ أَجْمَلَ أَهْلِ عَصْرِهَا, ثُمَّ يَتَأَتَّى مِنْ يُوسُفَ إِبَاءٌ مُطْلَقٌ, وَلَا هَمَّ هُنَالِكَ؛ لِأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَحِزْبَهُ؛ وَلِأَنَّ الشَّيْطَانَ الرَّجِيمَ وَحِزْبَهُ, كِلَاهُمَا شَهِدَ لِيُوسُفَ بِأَنَّهُ مَا هَمَّ.
اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يَقُولُ: {كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24].
اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَرَفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ، وَيَشْهَدُ أَنَّهُ مِنَ الْمُخْلَصِينَ.
وَالشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ يَقُولُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 82-83].
وَهُوَ مِنَ الْمُخْلَصِينَ كَمَا قَالَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ؛ فَشَهِدَ لَهُ الشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ, وَشَهِدَ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ, وَلَا طَرِيقَ لَهُ إِلَيْهِ, وَإِنَّمَا هُوَ خَالِصٌ مُخْلَصٌ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
{وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۚ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ} [يوسف 26 : 29].
وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَائِلُ الْعَزِيزَ أَمْ كَانَ شَاهِدًا مِنْ أَهْلِهَا؛ لَا ضَيْرَ أَنَّ الْمُؤَدَّى وَاحِدٌ بِفَضْلِ اللهِ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-, وَيَبْقَى اللَّفْظُ يَرِنُّ رَنِينَهُ فِي الْآذَانِ آذَانِ الْقُلُوب الَّتِي تُلْقِي بِآذَانِهَا إِلَى رَبِّهَا مُصْغِيَةً وَمُسْتَمِعَةً, {إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ} [يوسف : 29].
فَهَذَا اعْتِرَافٌ عَلَى حَسَبِ دَلِيلِ مُحَقِّقٍ فِي الْمَسْأَلَةِ تَحْقِيقًا مَادِّيًّا دَقِيقًا بِأَمْرٍ مَنْطِقِيٍّ لَا يَقْبَلُ الرَّدَّ، {فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ} [يوسف : 28], وَالْقَدُّ: هُوَ الشَّقُّ وَالْقَطْعُ طُولًا، فَلَمَّا كَانَتْ مُتَتَبِّعَةً لِأَثَرِهِ, وَكَانَ مُنْدَفِعًا كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ، وَهِيَ تَتَعَلَّقَ بِهِ تَعَلُّقَهَا, وَتَجْذُبُهُ إِلَيْهَا قَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ كَمَا قَالَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ: {فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} [يوسف : 28].
وَشَهِدَ النِّسْوَةُ اللَّائِي حَرَّضْنَهُ وَرَاوَدْنَهُ عَنْ نَفْسِهِ وَحَرَّضْنَهُ عَلَى الْمَرْأَةِ لِكَيْ يُؤَدِّيَ لَهَا لُبَانَاتِهَا، شَهِدْنَ عِنْدَمَا أَبَى يُوسُفُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَنْ يَخْرُجَ مِنَ السِّجْنِ بَعْدَ مَا أَوَّلَ الرُّؤْيَا - رُؤْيَا الْمَلِكِ -, وَأَرَادَ الْمَلِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنَ السِّجْنِ, فَأَبَى أَنْ يَخْرُجَ إِلَّا بَعْدِ فَتْحِ مَلَفِّ الْقَضِيَّةِ وَالتَّحْقِيقِ فِيهَا مِنْ جَدِيدٍ؛ حَتَّى يَخْرُجَ لَا بِأَمْرِ مَلَكِيٍّ يَصِيرُ عَفْوًا مَعَ بَقَاءِ الْجُرْمِ مُعَلَّقًا وَالْقَضِيَّةُ تَظَلُّ مُتَذَبْذِبَةً مِنْ غَيْرِ حَسْمٍ, أَبَى أَنْ يَخْرُجَ إِلَّا أَنْ يَتَأَتَّى بُرْهَانٌ قَاطِعٌ، {مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} [يوسف : 50].
وَاسْتَدْعَى الْمَلِكُ النِّسْوَةَ, وَفَتَحَ مَلَفَّ الْقَضِيَّةِ فِيهَا يُحَقِّقُ مِنْ جَدِيدٍ {مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ۚ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ} [يوسف : 51].
وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تُفِيدُ الْعُمُومَ {مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ}: مُطْلَقَ سُوءٍ لَمْ نَعْلَمْهُ عَنْهُ لَا فِي ذَاتِهِ بِمُشَاهَدَةٍ وَرُؤْيَةٍ, وَلَا بِسَمَاعٍ تَتَنَاقَلُهُ الْأَسْمَاعُ وَتَلُوكُهُ الْأَلْسُنُ.
حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ شَهِدَتْ بِبَرَاءَتِهِ فِي مَجْلِسِ الْمَلِكِ، ثُمَّ اعْتَذَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ تَقُولُ: {الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف: 51-53].
الظَّاهِرُ وَالرَّاجِحُ أَنَّ السِّيَاقَ هَاهُنَا لِكَلَامِ الْمَرْأَةِ, وَإِنَّهَا لَمُحِبَّةٌ تُرِيدُ أَنْ تَسْتَنْفِرَ نَخْوَةَ الرَّجُلِ الَّذِي أَحَبَّتْهُ, وَأَلْقَتْ بِجَسَدِهَا وَفَتَنَتْهُ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ يَدَيْهِ، إِلَى الرَّجُلِ الَّذِي اسْتَعْلَى عَنْ شَهَوَاتِهَا, وَالَّذِي لَمْ يَعْبَأْ بِفِتْنَتِهَا وَغَرِيزَتِهَا الْمَشْبُوبَةِ بِثَوْرَةِ جَسَدِهَا, فَهِيَ تَقُولُ: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ}, أَيْ: يُوسُفُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- {أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ}، فَكَأَنَّهَا آمَنَتْ بِمَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ؛ إِذْ لَا يُعْقَلُ أَنَّ يُوسُفَ عِنْدَمَا يَدْخُلُ السِّجْنَ يُقْبِلُ عَلَى صَاحِبَيْهِ ثُمَّ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي السِّجْنِ مِنْ بَعْدُ، يَدْعُو بِدِعَايَةِ التَّوْحِيدِ الْخَالِصَةِ، لَا يَذُبُّهُ عَنْ ذَلِكَ وَلَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَدَائِهِ لِهَذِهِ الْمُهِمَّةِ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ عَسْفٍ وَمَا هُوَ فِيهِ مِنْ ظُلْمٍ وَاقِعٍ عَلَى رَأْسِهِ؛ إِذْ مَا جَرِيمَتُهُ الَّتِي أَلْقَتْ بِهِ فِي غِيَابَةِ السِّجْنِ؟!
مَا هِيَ إِلَّا الْعَفَافُ..
وَمَا هِيَ إِلَّا الْبُعْدُ عَنِ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ..
وَمَا هِيَ إِلَّا الِاسْتِعْلَاءُ فَوْقَ شَهْوَةِ الْجَسَدِ وَثَوْرَتِهِ..
هَذَا الَّذِي أَدَّى بِهِ فِي الْمُنْتَهَى إِلَى ذَلِكَ السَّجْنِ بِكُلِّ مَا فِيهِ.
{وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} [يوسف: 100].
انْظُرْ إِلَى قَوْلِهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ}؛ لِيَدُلَّ دَلَالَةً رَفِيقَةً بِلَمْسَةٍ عَابِرَةٍ لَا شَكْوَى فِيهَا وَلَا أَنَّةَ تَسْمَعُ مِنْ وَرَائِهَا أَنَّهُ كَانَ يُعَانِي فِي السِّجْنِ مَا يُعَانِي، وَالسِّجْنُ شَدِيدٌ لَا مَحَالَةَ وَإِنْ كَانَ فِي قَصْرٍ مُنِيفٍ، وَإِنْ كَانَ فِي قَصْرٍ مَشِيدٍ.
{وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} [يوسف : 100].
فَهِيَ تَسْتَثِيرُ فِيهِ مَكَامِنَ النَّخْوَةِ مِنْ نَفْسِهِ، {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} [يوسف : 52], وَأَنَّ الْفَتْرَةَ الَّتِي كَانَ فِيهَا عَنِّي بَعِيدًا مَا زِلْتُ فِيهَا مُقِيمَةً عَلَى مَحَبَّتِهِ, مَا زِلْتُ فِيهَا عَاقِدَةً لِأَوَاصِرِ مَوَدَّتِهِ, ثُمَّ إِنَّهَا تَأْتِي مِنَ الْمَكْمَنِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ يُوسُفُ دَفْعَهُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: وَهِيَ أَنَّهَا أَلْقَتْ بِزِمَامِ قَلْبِهَا للهِ -جَلَّ وَعَلَا-، {وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} [يوسف : 52].
فَذِكْرُهَا للهِ -جَلَّ وَعَلَا- فِي هَذَا الْمَقَامِ لَهُ مِنَ الدَّلَالَةِ وَالْوَشْيِ مَا لَهُ مِنْ هَذِهِ الدَّلَالَةِ الَّتِي تَكَادُ تَكُونُ ظَاهِرَةً, وَمِنْ هَذَا الْوَشْيِ الْمُعْجِبِ النَّضِيرِ الَّذِي يَرْتَاحُ إِلَيْهِ قَلْبُ يُوسُفَ مِنْ بَعْدِ أَنْ يُلْقَى فِي مَسَامِعِهِ.
حَتَّى الْمَرْأَةُ شَهِدَتْ غَيْرَ مُتَحَرِّزَةٍ أَنَّهَا رَاوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ قَالَتْ: {الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ} [يوسف : 51].
هَكَذَا يَأْتِي الْحَقُّ بِغَيْرٍ تَحَرُّزٍ, وَمِنْ غَيْرِ مَا تَجَمُّلٍ -لَا تَتَجَمَّلُ مُطْلَقًا -, وَإِنَّمَا تَقُولُ غَيْرَ هَيَّابَةٍ وَلَا وَجِلَةٍ وَلَا خَجِلَةٍ وَلَا مُسْتَحْيِيَةٍ: {الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [يوسف : 51].
فَشَهِدَتِ الْمَرْأَةُ، وَشَهِدَتِ النِّسْوَةُ, وَشَهِدَ الشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ مِنْ بَعْدِ مَا شَهِدَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
فَلَيْسَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسِمَ يُوسُفَ بِالْهَمِّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِمَّا مِنْ حِزْبِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-, وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ حِزْبِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ, وَكِلَا الْحِزْبَيْنِ قَدْ صَرَّحَا بِأَنَّ يُوسُفَ مَا هَمَّ, وَأَنَّهُ مَا أَتَى مِنْهُ شَيْءٌ.
النِّعْمَةُ قَدْ تَكُونُ فِتْنَةً وَتَكُونُ امْتِحَانًا وَابْتِلَاءً؛ لِأَنَّ يُوسُفَ عِنْدَمَا صَارَتْ مَقَالِيدُ الْأُمُورِ بِيَدِهِ, وَعِنْدَمَا أَصْبَحَ مُتَصَرِّفًا -بِأَمْرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ- فِي لُقْمَةِ الْعَيْشِ فِي مِصْرَ بِطُولِهَا وَعَرْضِهَا وَفِي الدُّوَلِ الْمُحِيطَةِ بِهَا؛ صَرَّفَ الْأَمْرَ تَصْرِيفًا حَسَنًا حَتَّى إِنَّهُ مِنْ بَعْدِ مَا لُمَّ الشَّمْلُ, وَأَتَتْ لَمَّةُ الْإِخْوَةِ مَعَ أَبِيهِ وَخَالَتِهِ, وَسَمَّاهَا الْقُرْآنُ أُمًّا؛ لِأَنَّ الْخَالَةَ أُمٌّ، {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [يوسف: 100].
عِنْدَمَا أَتَى الْأَمْرُ مُسْتَقِرًّا عَلَى هَذِهِ النِّهَايَةِ فِي مُجْتَمَعٍ مُضْطَرِبٍ قَدِ انْفَلَتَتْ شَهَوَاتُهُ, وَانْطَلَقَتْ مِنَ الْعِقَالِ غَرَائِزُهُ, يَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجَ كَانَ ذَا دَمٍ بَارِدٍ لَا نَخْوَةَ عِنْدَهُ وَلَا غَيْرَةَ مُطْلَقًا, حَتَّى إِنَّهُ عِنْدَمَا رَأَى مَا رَأَى مِنَ الْبُرْهَانِ الْقَاطِعِ وَالدَّلِيلِ السَّاطِعِ عَلَى أَنَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ تُرَاوِدُ فَتَاهُ عَنْ نَفْسِهِ ﷺ؛ لَمْ يُحَرِّكْ سَاكِنًا, وَإِنَّمَا أَقْبَلَ بِدَمٍ بَارِدٍ يَقُولُ: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا} [يوسف: 29], وَأَمَّا أَنْتِ أَيَّتُهَا الْخَاطِئَةُ فَاسْتِغْفِرِي لِذَنْبِكِ، وَلَا يَزِيدُ!
وَيَجْعَلُ هَذَا الدَّرِيسَ هُنَالِكَ عِنْدَ النَّارِ الْمَشْبُوبَةِ, وَلَا يَحْتَرِزُ وَلَا يَضَعُ حِجَابًا وَلَا حَاجِزًا, ثُمَّ عِنْدَمَا سَارَتِ الْقَالَةُ, وَتَنَاقَلَتِ الْأَلْسُنُ مَا كَانَ مِنَ الْمَرْأَةِ, لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ مِنْ شَيْءٍ عِنْدَهَا يَتَفَتَّقُ بِهِ ذِهْنُهَا إِلَّا أَنْ تَعْتَدَّ لَهُنَّ مُتَّكَئًا وَتُهَيِّئَ لَهُنَّ مَوْطِنًا, ثُمَّ تُؤْتِي كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا, وَتَضَعُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ فَاكِهَةً تُقَطَّعُ أَوْ تُقَشَّرُ, ثُمَّ فَلْيَخْرُجْ يُوسُفُ وَهُوَ كَارِهٌ لِكَيْ يَمْضِيَ بَيْنَ صُفُوفِ النِّسْوَةِ {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} [يوسف: 31].
{أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ}: وَانْظُرْ إِلَى لَفْظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ لَمْ يَقُلْ وَقَطَعْنَ أَيْدِيَهُنَّ, وَإِنَّمَا قَالَ: {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ}, وَتَضْعِيفُ الْمَبْنَى يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى، فـ(قَطَّعْنَ) سِوَى (قَطَعْنَ)، و {غَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ} سِوَى (أَغْلَقَتِ الْأَبْوَابَ)، فَهُوَ مُبَالَغَةٌ وَحِيَاطَةٌ فِي الْأَخْذِ بِالْأَمْرِ.
{وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} [يوسف : 31].
وَانْقَلَبَتِ الصُّورَةُ هَاهُنَا إِلَى مُرَاوَدَةٍ جَمَاعِيَّةٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ تُرِيدُ أَنْ تَسْتَحْوِذَ عَلَى إِعْجَابِ يُوسُفَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-, تُرِيدُ أَنْ تَسْتَمِيلَهُ إِلَيْهَا, ثُمَّ هُنَّ -رِعَايَةٌ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي كُنَّ فِيهِ, وَأَخْذًا بِمَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِنَّ مِنْ رِعَايَةِ حَقِّ الضِّيَافَةِ عَلَيْهِنَّ- أَخَذْنَ يَدْفَعْنَهُ دَفْعًا؛ لِيُقِمْنَهُ عَلَى مُرَاوَدَةِ الْمَرْأَةِ؛ اسْتِجَابَةً لَهَا, وَأَخْذًا بِتَلْبِيَةِ رَغَبَاتِهَا, وَعِنْدَئِذٍ يَضِيقُ الْخَنَاقُ عَلَيْهِ جِدًّا, وَيَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْمُجْتَمَعَ الْمُتَعَفِّنَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْيَا فِيهِ الْمَرْءُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ؛ فَيَدْعُو رَبَّهُ -جل وعلا- أَنْ يَنْتَشِلَهُ مِنْ هَذِهِ الْوَهْدَةِ، يَقُولُ: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ} [يوسف: 33].
وَإِذًا؛ أَمَامَ تَوَعُّدِ الْمَرْأَةِ {قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} [يوسف: 32], أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا, وَأَعَدَّتْ لَهُنَّ فَخًّا فَوَقَعْنَ فِيهِ, وَاصْطَدْنَهُ جَمِيعًا، حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ لَتَتَشَفَّى فِيهِنَّ تَقُولُ: هَذَا الَّذِي لَمْ تَحْتَمِلْنَ مِنْهُ بَصَّةً وَاحِدَةً -وَهِيَ فَصِيحَةٌ فَلَا تَجْزَعْ- هَذَا الَّذِي لَمْ تَحْتَمِلْنَ مِنْهُ بَصَّةً وَاحِدَةً فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ يَتِيمٍ أَحْيَا مَعَهُ فِي الصَّبَاحِ وَفَي الْمَسَاءِ, وَيَخْلُو مَعَهُ الْجَوُّ مُقْفِرًا, فَلَا يَكُونُ هُنَالِكَ حَتَّى فِي الْمَخْدَعِ إِلَّا أَنَا وَهُوَ؛ فَكَيْفَ الصَّبْرُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الَّذِي لَمْ تَصْبِرْنَ مِنْهُ عَلَى نَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى أَقْبَلْتُنَّ مُتَبَلِّهَاتٍ فِي حُبِّهِ, وَاقِعَاتٍ فِي شَرَكِ مَوَدَّتِهِ وَهَوَاهُ؟!
هَذَا الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ، {قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ} [يوسف: 32-33].
يَدُلُّكَ هَذَا فِي هَذِهِ الْمِحَنِ الْمُتَتَالِيَاتِ, ثُمَّ مَا كَانَ مِنْ مِحْنَةِ الرَّخَاءِ الْمُطْلَقِ, وَالسُّلْطَانِ الْكَامِلِ, وَتَصْرِيفِ الْأُمُورِ بِزِمَامِهَا قَدْ أُلْقِيَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَحْدَهُ, ثُمَّ يُلَمُّ الشَّمْلُ بَعْدَ مِحْنَةٍ عَنِيفَةٍ جِدًّا تَتَصَارَعُ فِيهَا النَّفْسُ بِرَغَبَاتِهَا بَيْنَ الْإِقَامَةِ عَلَى دِينِ رَبِّهَا وَالتَّشَفِّي وَإِنْفَاذِ الِانْتِقَامِ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهُ وَفِيهِ, إِذْ جَاءَ إِخْوَتُهُ إِلَيْهِ, وَصَارُوا فِي قَبْضَتِهِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَخَذَ يُذْهِبُهُمْ وَيُجِيئُهُمْ, وَيَرُوحُ بِهِمْ وَيَغْدُو بِهِمْ, وَيَجْعَلُهُمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ غَادِينَ رَائِحِينَ، وَالرَّجُلُ الشَّيْخُ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ يَعْقُوبُ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ قَدِ ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ.
ثُمَّ يَتَأَتَّى الْفَرَجُ مِنَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عِنْدَمَا يَذْهَبُ الْإِخْوَةُ بِقَمِيصِ يُوسُفَ, يَذْهَبُونَ بِهِ إِلَيْهِ, وَيَقُولُ الشَّيْخُ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ: {إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ} [يوسف: 94].
وَالْفَنَدُ: هُوَ الْخَرَفُ مِنْ شَيْخُوخَةٍ أَوْ مِنْ مَرَضٍ, وَهُوَ لَفْظٌ مُوحٍ بِمَا كَانَ يَلْقَاهُ مِمَّنْ حَوْلَهُ، إِذْ إِنَّهُمْ يَجْتَرِئُونَ عَلَى رَمْيِهِ بِالْفَنَدِ بِالْخَرَفِ مِنْ شَيْخُوخَةٍ أَوْ مِنْ مَرَضٍ، {لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ (94) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95) فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [يوسف: 94-96].
اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ بِمَا يُرِيدُ، مَا كَانَ مِنْ يُوسُفَ بَعْدَ أَنِ انْتَهَى الْأَمْرُ وَاجْتَمْعَ الشَّمْلُ, وَجَاءَتْ لَمَّةُ الْإِخْوَةِ، وَسَجَدُوا لَهُ, وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ, وَتَحَقَّقَتِ الرُّؤْيَا إِلَّا أَنْ يُلْقِيَ بِزِمَامِ الْقَلْبِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ، {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101].
يَتَبَدَّدُ كُلُّ شَيْءٍ, وَيَذْهَبُ كُلُّ مُلْكٍ, وَيَعُودُ الْأَمْرُ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}, هِيَ تَرْنِيمَةُ الْعَبْدِ الصَّالِحِ الْمُخْبِتِ بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِ وَمَوْلَاهُ.
وَتَلْمَحُ فِي الْقِصَّةِ طُمَأْنِينَةَ الْقَلْبِ الْمُؤْمِنِ, فَلَا تَجِدُ مِنْ يُوسُفَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- انْفِعَالًا, وَلَا تَجِدُ مِنْهُ شَهْوَةً فِي انْتِقَامٍ لَمَّا جَعَلَ اللهُ إِخْوَتَهُ الَّذِينَ كَانُوا سَبَبَ الْبَلَاءِ كُلِّهِ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي قَلْبِهِ شَهْوَةً لِانْتِقَامٍ, وَإِنَّمَا هِيَ الطُّمَأْنِينَةُ الرَّاضِيَةُ؛ وَهُوَ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ, وَهُوَ فِي قَيْدِ الرِّقِّ, وَهُوَ فِي ثَوْرَةِ غَرِيزَةِ الْمَرْأَةِ تُلَاحِقُهُ بِالشَّهْوَةِ, وَهُوَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْمُرَاوَدَةِ مِنَ النِّسْوَةِ, ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي غَيَابَةِ السِّجْنِ, ثُمَّ وَهُوَ عَلَى دَسْتِ الْحُكْمِ وَفِي سُدَّةِ الْمُلْكِ, فِي كُلِّ ذَلِكَ لَا تَجِدُ مِنْهُ إِلَّا الطُّمَأْنِينَةَ - طُمَأْنِينَةَ الْمُؤْمِنِ الرَّاضِي بِقَضَاءِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ-.
((الْعَفَافُ مُسْتَطَاعٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ))
هَذِهِ الْقِصَّةُ كَمَا تَرَى تَدُلُّ الْمُسْلِمَ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَفِي كُلِّ زَمَانٍ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَعِيشَ عَفِيفًا فِي وَسَطٍ لَا عِفَّةَ فِيهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَحْيَا -بِفَضْلِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ- نَظِيفًا فِي وَسَطِ قَدْ تَجَمَّعَتِ الْأَوْسَاخُ فِيهِ, وَلَكِنْ فَلْيُعَلِّقِ الْمَرْءُ قَلْبَهُ بِاللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
لَا نَجِدُ عَشِيَّةَ الْعَامِ الدِّرَاسِيِّ الْجَدِيدِ إِلَّا أَنْ نُذَكِّرَ شَبَابَنَا بِرَجَاءِ أُمَّتِهِ فِيهِ أَنْ يَكُونُوا مُقْبِلِينَ عَلَى تَحْصِيلِ الْعِلْمِ تَحْصِيلًا دَائِبًا لَا هَوَادَةَ فِيهِ وَلَا تَوَانٍ, وَإِنَّمَا بِإِقْبَالٍ وَاسْتِفْرَاغٍ لِلْجُهْدِ وَالطَّاقَةِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَرْفَعَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْأُمَّةَ رَفْعًا حِسِّيًّا مَادِّيًّا؛ إِذْ هِيَ مَرْفُوعَةٌ دُنْيَا وَآخِرَة فِي مِيزَانِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
نَسْأَلُ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ- أَنْ يَرْزُقَنَا الْعِفَّةَ, وَأَنْ يُجِمِّلَنَا بِالْعَفَافِ, وَأَنْ يَحْسِمَ عَنَّا غِوَايَةَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ, إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
اللهم يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ وَيَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ اهْدِ الشَّبَابَ الْحَائِرَ الْمِسْكِينَ، اللهم اهْدِ الشَّبَابَ الْحَائِرَ الْمِسْكِينَ، اللهم اهْدِ الشَّبَابَ الْحَائِرَ الْمِسْكِينَ.
اللهم خُذْ بِنَوَاصِيهِمْ إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ، اللهمّ خُذْ بِنَوَاصِيهِمْ إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ.
اللهم ثَبِّتْ أَقْدَامَنَا, وَاهْدِ قُلُوبَنَا, وَبَيِّضْ وُجُوهَنَا, وَثَقِّلْ مَوَازِينَنَا, وَاشْرَحْ صُدُورَنَا, وَأَصْلِحْ بَالَنَا, اللهم اسْلُلْ سَخِيمَةَ صُدُورِنَا.
اللهم احْرُسْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا وَمِنْ خَلْفِنَا وَعَنْ أَيْمَانِنَا وَعَنْ شَمَائِلِنَا وَمِنْ فَوْقِنَا, وَنَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ نُغْتَالَ مِنْ تَحْتِنَا.
اللهم يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ هَيِّئْ لِلْأُمَّةِ أَمْرَ رُشْدٍ يُعَزُّ فِيهِ أَهْلُ الطَّاعَةِ وَيُذَلُّ فِيهِ أَهْلُ الْمَعْصِيَةِ، وَيُقْضَى فِيهِ بِكِتَابِكَ وَسُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ.
اللهم اسْتُرْ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ, وَآمِنْ رَوْعَاتِ الْمُسْلِمِينَ, وَاحْقِنْ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ, اللهم سَلِّمْ وَطَنَنَا وَجَمِيعَ أَوْطَانِ الْمُسْلِمِينَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.. ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.. ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
اللهم سَلِّمْ وَطَنَنَا وَجَمِيعَ أَوْطَانِ الْمُسْلِمِينَ, وَاحْرُسْ أَرْضَنَا وَجَمِيعَ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ, وَيَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ، اللهم احْرُسْ أَرْضَنَا وَجَمِيعَ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ, وَطَهِّرْ هَذِهِ الْأَرْضَ الْمُبَارَكَةَ يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ مِنْ كُلِّ غَازٍ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ يَا عَزِيزُ يَا عَزِيزُ يَا عَزِيزُ، اللهم أَغِثْنَا اللهم أَغِثْنَا اللهم أَغِثْنَا.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
المصدر: الْإِبْدَاعُ وَالِابْتِكَارُ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ