تفريغ : كَيْفَ نُحَقِّقُ الْإِخْلَاصِ وَالتَّقْوَى؟

كَيْفَ نُحَقِّقُ الْإِخْلَاصِ وَالتَّقْوَى؟

شَهْرُ رَمَضَانَ يُعَلِّمُنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أُصُولَ الْعِبَادَةِ: كَيْفَ نْخْلِصُ الْأَعْمَالَ للهِ -جَلَّ وَعَلَا-، كَيْفَ نُحَصِّلُ التَّقْوَى؟

وَالتَّقْوَى فِي أَجْمَعِ التَّعْرِيفَاتِ هِيَ: فِعْلُ المَأْمُورَاتِ، وَتَرْكُ المَنْهِيَّاتِ، أَنْ تَفْعَلَ مَا بِهِ أُمِرْتَ، وَأَنْ تَكُفَّ عَمَّا عَنْهُ نُهِيتَ.

 فَهَذِهِ هِيَ التَّقْوَى، وَهَذَا مِنْ أَجْمَعِ مَا يَكُونُ، فَإِنْ فَعَلْتَهُ؛ فَقَدِ اِسْتَوَى ظَاهِرُكَ وَبَاطِنُكَ، وَكَانَ لَكَ مِنَ اللهِ الْمَحَلُّ الْأَسْنَى، وَكُنْتَ مِنْهُ قَرِيبًا، وَلَدَيْهِ حَبِيبًا؛ لِأَنَّكَ تَأْتِي مَا يُحِبُّهُ، وَتَذَرُ مَا يُبْغِضُهُ.

 وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يُحِبُّ أَوْلِيَاءَهُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُدَافِعُ عَنْهُمْ، وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ عُدْوَانًا عَلَيْهِمْ.

فَإِذَنْ، تُحَصَّلُ التَّقْوَى فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بِالصِّيَامِ، تَتَعَلَّمُ الصَّبْرَ فِيهِ، وَالصَّبْرُ فِيهِ إِنَّمَا يَكُونُ صَبْرًا عَلَى الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ وَالْأَمْرِ الْكَوْنِيِّ؛ لِأَنَّ أَوَامِرَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ المُنَزَّلَةَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ شَرْعِيَّةٌ وَكَوْنِيَّةٌ.

 وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ، وَخَلَقَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ، وَجَعَلَ الْأَمْرَ مُتَنَزَّلًا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، شَرْعًا وَقَدَرًا؛ لِكَيْ نَعْرِفَ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَهَذَا تَوْحِيدُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.

وَتَوْحِيدُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مُسْتَلْزِمٌ لِتَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، وَمُسْتَلْزِمٌ لِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، فَهُوَ تَوْحِيدٌ كُلُّهُ، {اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ}[الطَّلَاق: 12].

مِثْلُهُنَّ عَدَدًا لَا صِفَةً، فَشَتَّانَ مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي الصِّفَةِ وَالْكَمِّ وَالْمِقْدَارِ، وَإِنَّمَا جَعَلَ هَذِهِ سَبْعًا وَهَذِهِ سَبْعًا، فَهِيَ كَمِثْلِهَا عَدَدًا لَا صِفَةً، {اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} قَدَرًا وَشَرْعًا.

الْأَوَامِرُ الشَّرْعِيَّةُ فِيمَا يَصْلُحُ بِهِ الخَلْقُ، وَمَا يُوحِيهِ الرَّبُّ -جَلَّ وَعَلَا- لِرُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ؛ لِهِدَايَةِ النَّاسِ إِلَى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، وَهُوَ الْوَحْيُ.

 وَسُمِّيَ وَحْيًا؛ لِأَنَّهُ تَحْيَا بِهِ الْقُلُوبُ، فَالْحَيَا الَّذِي هُوَ الْمَطَرُ تَحْيَا بِهِ الْأَرْضُ بَعْدَ مَوْتِهَا إِذَا مَا أَصَابَهَا غَيْثُ السَّمَاءِ بِأَمْرِ رَبِّهَا وَخَالِقِهَا وَإِلَهِهَا، فَكَذَلِكَ الْوَحْيُ، تَحْيَا بِهِ الْقُلُوبُ المَيِّتَةُ، وَتُسْتَنْقَذُ بِهِ الْأَرْوَاحُ الشَّارِدَةُ، وَتُعَادُ بِهِ الْأَجْسَامُ عَنْ شُرُودِهَا وَنِفَارِهَا؛ لِكَيْ تُقَامَ عَلَى صِرَاطِ رَبِّهَا.

 فَيُنَزِّلُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ الْأَمْرَ الشَّرْعِيَّ، وَالْأَمْرَ الْقَدَرِيَّ الْكَوْنِيَّ فِي تَصْرِيفِ خَلْقِهِ، فِي الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتِةِ، فِي الرِّزْقِ، فِي المَعَزَّةِ وَالمَذَلَّةِ، فِي الْإِعْزَازِ وَالْإِذْلَالِ، فِي الرَّفْعِ وَالْخَفْضِ، فِي الْعَطَاءِ وَالمَنْعِ، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، لَا رَادَّ لِقَضَائِهِ وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ،  {يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} قَدَرًا وَشَرْعًا {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}[الطَّلَاق: 12].

يُعَلِّمُنَا هَذَا الشَّهْرُ بِالصِّيَامِ كَيْفَ نَصْبِرُ عَلَى أَوَامِرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الشَّرْعِيَّةِ، وَعَلَى أَقْدَارِهِ الْكَوْنِيَّةِ؛ لِأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَرَضَ عَلَيْنَا الصِّيَامَ، وَفِيهِ حِرْمَانٌ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالشَّهْوَةِ.

فِيهِ ضَبْطٌ لِلْغَرِيزَةِ مِنْ مَطْعَمٍ وَمَنْكَحٍ.

فِيهِ ضَبْطٌ لِلنَّفْسِ عَلَى صِرَاطِ اللهِ المُسْتَقِيمِ.

وَهَذَا أَمْرٌ تَتَمَلْمَلُ مِنْهُ النُّفُوسُ، وَتَجْزَعُ مِنْهُ الْقُلُوبُ إِلَّا إِذَا اِطْمَأَنَّتْ بِذِكْرِ رَبِّهَا، وَأَنَابَتْ إِلَى أَوَامِرِ نَبِيِّهَا ﷺ، فَفِي هَذَا مَشَقَّةٌ، فَيَحْتَسِبُ المَرْءُ مَا يَجِدُ مِنَ اللَّأْوَاءِ وَمِنَ الْعَنَاءِ، وَمِنَ الْعَطَشِ، وَمِنَ الجُوعِ، وَمِنَ الحِرْمَانِ...هَذَا كُلُّهُ يَحْتَسِبُهُ عِنْدَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.

 وَهُوَ يَصْبِرُ عَلَى مَا فَرَضَ عَلَيْهِ رَبُّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْ أَمْرٍ، وَيَكُونُ مُحْتَسِبًا فِيمَا أَصَابَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَرْعًا وَقَدَرًا، وَلَا يَنَالُهُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ إِلَّا الخَيْرُ. 

المصدر: وماذا بعد رمضان؟

التعليقات


فوائد مفرغة قد تعجبك


  قَضِيَّةُ الْقُدْسِ قَضِيَّةُ الْأُمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْإِسْلَامِيَّةِ
  صَفْحَاتٌ مِنْ حَرْبِ الْعَاشِرِ مِنْ رَمَضَانَ - السَّادِسِ مِنْ أُكْتُوبَر
  أَسْبَابُ التَّطَرُّفِ الْفِكْرِيِّ
  حَثُّ اللهِ وَرَسُولِهِ عَلَى العَمَلِ، وَالْبِنَاءِ، وَتَعْمِيرِ الْأَرْضِ
  الْعَمَلِ بِأَمَانَةٍ وَاجْتِهَادٍ مِنْ عَوَامِلِ الْقُوَّةِ فِي بِنَاءِ الدُّوَلِ
  رِعَايَةُ الْمُسْلِمِ لِأُسْرَتِهِ وَوَاجِبُهُ نَحْوَهَا
  دُرُوسٌ مُهِمَّةٌ مِنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لِعُمُومِ الْأُمَّةِ
  رَحْمَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَشَرِيعَتِهِ حَتَّى بِالْحَيَوَانَاتِ
  الْإِخْلَاصُ هُوَ قُطْبُ رَحَى الْعِبَادَةِ
  بَعْضُ عِلَاجَاتِ ظَاهِرَةِ الْإِرْهَابِ
  آثَارُ التَّفْرِيطِ فِي صِلَةِ الرَّحِمِ عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ
  فَوَائِدُ الْإِيمَانِ وَثَمَرَاتُهُ عَلَى الْفَرْدِ
  نَمَاذِجُ مِنْ وَرَعِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، وَالتَّابِعِينَ
  بَيَانُ فَضْلِ الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ
  الرَّدُّ عَلَى افْتِرَاءَاتِ الْمَادِّيِّينَ الْجَاهِلِينَ أَنَّ الْعُلُومَ الْعَصْرِيَّةَ وَالْمُخْتَرَعَاتِ الْحَدِيثَةَ غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ
  • شارك