مُخْتَصَرُ أَحْكَامِ الْأُضْحِيَةِ


((مُخْتَصَرُ أَحْكَامِ الْأُضْحِيَةِ))

وَالنَّبِيُّ ﷺ دَلَّنَا عَلَى أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَغْفُلُ عَنْهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الطَّيِّبِينَ, فَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ رَغَّبَ فِي الْأُضْحِيَةِ، وَحَثَّ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ، وَفِعْلِهِ، وَإِقْرَارِهِ ﷺ.

*حُكْمُ الْأُضْحِيَةِ:

وَالْأَظْهَرُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْأُضْحِيَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْقَادِرِ عَلَيْهَا، وَهَذَا مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِلَيْهِ مَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- أَنَّ الْأُضْحِيَةَ وَالْإِضْحِيَّةَ، وَكَذَلِكَ الضَّحِيَّةُ وَالْأَضْحَاتُ، فَفِيهَا أَرْبَعُ لُغَاتٍ- وَاجِبَةٌ عَلَى الْقَادِرِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِمَنْ كَانَ قَادِرًا.

وَالصَّوَابُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْقَادِرِ عَلَيْهَا.

فَرَغَّبَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا وَأَتَى بِهَا فِعْلًا، وَحَثَّ عَلَيْهَا قَوْلًا، وَأَقَرَّهَا إِقْرَارًا ﷺ، فَثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّتُهَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّتُهَا بِالسُّنَّةِ بِجَمِيعِ صُوَرِهَا: قَوْلًا، وَفِعْلًا، وَإِقْرَارًا، وَبِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ.

*إِذَا أَهَلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ؛ فَلَا يَأْخُذُ الْمُضَحِّي مِنْ ظُفُرِهِ، وَلَا مِنْ شَعْرِهِ شَيْئًا:

وَحَضَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَمْرٍ يَغْفُلُ عَنْهُ النَّاسُ يَتَعَلَّقُ بَهَذِهِ الشَّعِيرَةِ الظَّاهِرَةِ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ} [الحج:32]، وَمِنْ شَعَائِرِ اللهِ الظَّاهِرَةِ، وَمِنْ سُنَنِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الَّتِي سَنَّهَا لَنَا نَبِيُّنَا ﷺ سُنَّةً شَرْعِيَّةً فِي دِينِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- تُتَّبَعُ -وَهِيَ وَاجِبَةٌ- هَذِهِ الْأُضْحِيَةُ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَ كَمَا فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)): ((أَنَّهُ إِذَا أَهَلَّ هِلَالُ الْحِجَّةِ، وَكَانَ لِأَحَدِكُمْ ذِبْحٌ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ ظُفُرِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ)).

وَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا النَّهِيَ لِلتَّحِرِيمِ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا كَانَ مُضَحِّيًا؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ الْأَخْذَ إِذَا أَهَلَّ هِلَالُ الْحِجَّةِ وَدَخَلَ الشَّهْرُ، أَلَّا يَأْخُذَ مِنْ ظُفُرِهِ وَلَا مِنْ شَعْرِهِ شَيْئًا مَا دَامَ مُضَحِّيًا؛ حَتَّى يُضَحِّيَ.

فَالنَّبِيُّ ﷺ نَهَى عَنْ هَذَا الْأَمْرِ، وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ.

وَإِذَا نَوَى الْأُضْحِيَّةَ فِي أَثْنَاءِ الْعَشْرِ أَمْسَكَ عَنْ ذَلِكَ مِنْ حِينِ نِيَّتِهِ؛ وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِيمَا أَخَذَهُ قَبْلَ النِّيَّةِ.

لَمْ يَنوِ أنْ يُضَحِّيَ وَقَدْ دَخَلَتِ الْعَشْرُ؛ فَأَخَذَ مِنْ شَعْرِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْ ظُفُرِهِ، ثُمَّ جَاءَتِ النِّيَّةُ بِالْأُضْحِيَّةِ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ، وَلْيُمْسِكْ مِنْذُ نَوَى.

وَالْحِكْمَةُ فِي هَذَا النَّهْيِ: أَنَّ الْمُضَحِّيَ لَمَّا شَارَكَ الْحَاجَّ فِي بَعْضِ أَعْمَالِ النُّسُكِ؛ وَهُوَ التَّقَرُّبُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِذَبْحِ الْقُرْبَانِ, شَارَكَهُ فِي بَعْضِ خَصَائِصِ الْإِحْرَامِ مِنَ الْإِمْسَاكِ عَنِ الشَّعْرِ، وَنَحْوِهِ.

وَهَذَا الْحُكْمُ خَاصٌّ بِمَنْ يُضَحِّي، أَمَّا مَنْ يُضَحَّى عَنْهُ؛ فَلَا يَتَعَلَّقُ هَذَا الْحُكْمُ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ))، وَلَمْ يَقُلْ: أَوْ يُضَحَّى عَنْهُ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُضَحِّي عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالْإِمْسَاكِ عَنْ ذَلِكَ.

فَالنَّبِيُّ ﷺ بَيَّنَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُشَارَكَةِ الْمَادِيَّةِ فِي الْأُضْحِيَّةِ، وَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ عَلَى السُّبُعِ، فَالْبَدَنَةُ لِسَبْعَةٍ وَكَذَلِكَ الْبَقَرَةُ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ زَادَ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ.

وَلَكِنَّ الْمُشَارَكَةَ فِي الْأَجْرِ لَيْسَتْ كَالْمُشَارَكَةِ فِي النَّاحِيَةِ الْمَادِيَّةِ فِي الْأُضْحِيَّةِ، فَإِنَّ الْمُشَارَكَةَ فِي الْأَجْرِ يَدْخُلُ فِيهَا مَنْ لَا يُعَدُّ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا قَالَ عَنْ فُلَانٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ؛ دَخَلَ فِيهِمُ الْأَحْيَاءُ وَالْأَمْوَاتُ، دَخَلَ فِيهِمُ الْحَاضِرُونَ وَالْغَائِبُونَ، وَذَلِكَ فَضْلٌ مِنَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَاللهُ تَعَالَى ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.

فَالْمُشَارَكَةُ فِي الْأَجْرِ شَيْءٌ، وَالْمُشَارَكَةُ فِي الْقِيمَةِ الْمَادِيَّةِ شَيْءٌ آخَرُ، وَيَنْبَغِي عَلَى الْإِنْسَانِ أَلَّا يَخْلِطَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمُشَارَكَتَيْنِ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: ((عَنْ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ))، فَهَؤُلَاءِ لَمْ يَأْمُرْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْإِمْسَاكِ عَنِ الْأَخْذِ مِنَ الشَّعْرِ وَالظُّفُرِ، وَإنَّمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ؛ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْأَخْذِ مِنَ الظُّفُرِ وَمِنَ الشَّعْرِ وَمِنْ بَشَرَةِ الْإِنْسَانِ؛ مِنْ جِلْدٍ زَائِدٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ إِلَّا إِذَا كَانَ بَقَاؤُهُ يَضُرُّ، أَوْ يَأْتِي بِمَزِيدِ أَلَمٍ فَإِنَّهُ يُزَالُ بِلَا حَرَجٍ.

النَّبِيُّ ﷺ بَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ إِنَّمَا يَخُصُّ الْمُضَحِّيَ لَا المُضَحَّى عَنْهُ، فَأَهْلُ الْبَيْتِ يَأْخُذُونَ مِنْ أَشْعَارِهِمْ, وَيَأْخُذُونَ مِنْ أَظْفَارِهِمْ وَمِنْ أَبْشَارِهِمْ، كَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ فَيمَا هُوَ مَمْنُوعٌ عَلَى الْمُضَحِّي.

((وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ)) وَلَمْ يَقُلْ: أَوْ يُضَحَّى عَنْهُ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُضَحِّيِ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالْإِمْسَاكِ عَنْ ذَلِكَ.

وَعَلَى هَذَا فَيَجُوزُ لِأَهْلِ الْمُضَحِّي أَنْ يَأْخُذُوا فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ مِنَ الشَّعْرِ وَالظُّفُرِ وَالْبَشَرَةِ، وَإِذَا أَخَذَ مَنْ يُرِيدُ الْأُضْحِيَّةَ شَيْئًا مِنْ شَعْرِهِ أَوْ ظُفُرِهِ أَوْ بَشْرَتِهِ، فَعَلَيهِ أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَلَا يَعُودُ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ عَنِ الْأُضْحِيَّةِ كَمَا يَظُنُّ بَعْضُ الْعَوَّامِّ.

 فَإِذَا أَخَذَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا، أَوْ سَقَطَ الشَّعْرُ بِلَا قَصْدٍ؛ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَإِنِ اِحْتَاجَ إِلَى أَخْذِهِ فَلَهُ أَخْذُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ مِثْلُ أَنْ يَنْكَسِرَ ظُفُرُهُ فَيُؤْذِيهِ فَيَقُصُّهُ، أَوْ يَنْزِلَ الشَّعْرُ فِي عَيْنَيْهِ فَيُزِيلُهُ، أَوْ يَحْتَاجَ إِلَى قَصِّهِ لِمُدَاوَاةِ جُرْحٍ وَنَحْوِهِ.

النَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ الْمُسْلِمَ فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ مِنَ الْعَامِ فِي حَالَةٍ نَفْسِيَّةٍ مُتَأَهِّبَةٍ كَالْمُحْرِمِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ؛ فَمَنْ نَوَى أَنْ يُضَحِّيَ وَأَهَلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ -سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِرُؤْيَةٍ أَوْ بِإِكْمَالِ مَا كَانَ قَبْلَهُ- فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَبَدًا أَنْ يَأْخُذَ -كَالْمُحْرِمِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ- مِنْ شَعْرِهِ أَوْ مِنْ ظُفُرِهِ أَوْ مِنْ بَشَرَتِهِ، فَيَكُونُ الْإِنْسَانُ مُتَهَيِّئًا مُتَحَفِّزًا.

بَلْ إِنَّهُ يَكُونُ فِي هَذِهِ الْحَالِ عَلَى حَالٍ جُزْئِيَّةٍ -فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ- تَجْعَلُهُ مُتَأَهِّبًا مُتَحَفِّزًا بِمَا لَا يَكُونُ عَلَيْهِ الْحَاجُّ؛ لِأَنَّ الْحَاجَّ يُهِلُّ بِالْحَجِّ فِي يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ -حِينَئِذٍ- يَكُونُ مُحْرِمًا مِنَ الْيَوْمِ الثَّامِنِ، ثُمَّ يَظَلُّ كَذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْعِيدِ، ثُمَّ يُحِلُّ مِنْ إِحْرَامِهِ، وَأَمَّا هَذَا فَيَظَلُّ الْمُدَّةَ كُلَّهَا عَشْرَةَ أَيَّامٍ حَتَّى يَذْبَحَ لَا يَأْخُذُ مِنْ ظُفُرِهِ وَلَا مِنْ شَعْرِهِ وَلَا بَشَرِهِ شَيْئًا، وَإِنْ أَخَذَ فَقَدْ وَقَعَ فِيمَا حَرَّمَ اللهُ، يَتُوبُ إِلَى اللهِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.

*ذَبْحُ الْأُضْحِيَّةِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِثَمَنِهَا:

قَالَ الْعَلَّامَةُ الصَّالِحُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَذَبْحُ الْأُضْحِيَّةِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِثَمَنِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَمَلُ النَّبِيِّ ﷺ وَعَمَلُ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُ؛ وَلِأَنَّ الذَّبْحَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ تَعَالَى، فَلَوْ عَدَلَ النَّاسُ عَنْهُ إِلَى الصَّدَقَةِ لَتَعَطَّلَتْ تِلْكَ الشَّعِيرَةُ.

وَلَوْ كَانَتِ الصَّدَقَةُ بِثَمَنِ الْأُضْحِيَّةِ أَفْضْلَ مِنْ ذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ لَبَيَّنَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأُمَّتِهِ بِقَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَدَعُ بَيَانَ الْخَيْرِ لِلْأُمَّةِ، بَلْ لَوْ كَانَتِ الصَّدَقَةُ مُسَاوِيَةً لِلْأُضْحِيَّةِ لَبَيَّنَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ مِنْ عَنَاءِ الْأُضْحِيَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ ﷺ لِيَدَعَ بَيَانَ الْأَسْهَلِ لِأُمَّتِهِ مَعَ مُسَاوَاتِهِ لِلْأَصْعَبِ، وَلَقَدْ أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ فِي بَيْتِهِ شَيْءٌ».

فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ! نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا فِي الْعَامِ الْمَاضِي؟

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا، فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانَ فِي النَّاسِ جُهْدٌ فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((الذَّبْحُ فِي مَوْضِعِهِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِثَمَنِهِ -قال-: وَلِهَذَا لَوْ تَصَدَّقَ عَنْ دَمِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ بِأَضْعَافِ أَضْعَافِ الْقِيمَةِ لَمْ يَقُمْ مَقَامَهُ، وَكَذَلِكَ الْأُضْحِيَّةُ)).

*الْأُضْحِيَّةُ مَشْرُوعَةٌ فِي حَقِّ الْأَحْيَاءِ:

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((الْأَصْلُ فِي الْأُضْحِيَّةِ أَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ فِي حَقِّ الْأَحْيَاءِ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يُضَحُّونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ، وَأَمَّا مَا يَظُنُّهُ بَعْضُ الْعَامَّةِ مِنَ اخْتِصَاصِ الْأُضْحِيَّةِ بِالْأَمْوَاتِ فَلَا أَصْلَ لَهُ)).

بَلْ إِنَّهُ إِنْ ضَحَّى عَنْ نَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ؛ دَخَلَ فِي ذَلِكَ الْأَحْيَاءُ وَالْأَمْوَاتُ، وَفَضْلُ اللهِ لَا حَدَّ لَهُ.

*وَقْتُ الْأُضْحِيَةِ:

وَالْأُضْحِيَةُ إِنَّمَا تَبْدَأُ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِيدِ فِي الْأَمْصَارِ عِنْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ، أَوْ بِمُرُورِ زَمَنٍ يُوَازِي ذَلِكَ فِي الْأَمَاكِنِ الَّتِي لَا يُصَلَّى فِيهَا الْعِيدُ كَأَهْلِ الْبَوَادِي وَغَيْرِهِمْ.

فَلَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَذْبَحُ قَبْلَ الْوَقْتِ إِنَّمَا قَدَّمَ لِأَهْلِهِ لَحْمًا، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؛ فَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ.

وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ -لَمَّا انْصَرَفَ- مَنْ كَانَ قَدْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَنْ يُعِيدَ غَيْرَهَا مَكَانَهَا، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ الزَّمَنَ الَّذِي تَقَعُ فِيهَا هَذِهِ الشَّعِيرَةُ الْعَظِيمَةُ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَبْدَأُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَالْخُطْبَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا مَا فَرَغَ قَدَّمَ أُضْحِيَتَهُ ﷺ، وَكَانَ يَأْتِي بِهَا مَذْبُوحَةً هُنَالِكَ عِنْدَ الْمُصَلَّى، وَيَبْدَأُ النَّاسُ فِي الذَّبْحِ بَعْدُ.

فَالْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَنْتَظِرَ إِلَى مَا بَعْدَ الْخُطْبَةِ إِلَى بَعْدِ ذَبْحِ الْإِمَامِ إِنْ كَانَ ذَابِحًا مُضَحِّيًا عِنْدَ الْمُصَلَّى، ثُمَّ يُضَحِّي النَّاسُ بَعْدُ.

وَيَمْتَدُّ أَوَانُ الذَّبْحِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهُوَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ، فَإِنَّ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَهُوَ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ الْعِيدِ- هُوَ الْحَادِي عَشَرَ، وَيَأْتِي بَعْدُ الثَّانِي عَشَرَ، وَالثَّالِثَ عَشَرَ، وَقَبْلَ ذَلِكَ: الْيَوْمُ الْعَاشِرُ، وَهُوَ يَوْمُ الْعِيدِ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ.

فَزَمَانُ النَّحْرِ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ، هِيَ: مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِيدِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهُوَ رَابِعُ أَيَّامِ الْعِيدِ فِي عُرْفِ الْمُعَاصِرِينَ، وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.

كَانَتْ تُذْبَحُ ضُحًى، وَهَذَا هُوَ الْأَفْضَلُ، وَأَنْ يَقَعَ الذَّبْحُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ ضُحًى، وَمِنْهُ اشْتُقَّ اسْمُهَا؛ فَهِيَ الْأُضْحِيَّةُ وَهِيَ الْأُضْحَاتُ، وَالضَّحِيَّةُ وَالْإِضْحِيَّةُ، وَكُلُّ ذَلِكَ إِنَّمَا اُشْتُقَّ مِنْ وَقْتِ الضُّحَى، وَأَدْنَى الْمُلَابَسَاتِ كَانَ الْعَرَبُ يَأْخُذُونَ مِنْهَا تَسْمِيَةً كَمَا سَمَّوُا الدَّفْعَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، وَمَا يَكُونُ هُنَالِكَ مِنَ الْجَمْعِ، سَمَّوْهَا (جَمْعًا)؛ لِأَنَّ الْحَجِيجَ عِنْدَمَا يُفِيضُونَ مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ يَجْتَمِعُونَ هُنَالِكَ فِي الْمُزْدَلِفَةِ؛ فَسُمِّيَتْ (جَمْعًا)، وَهِيَ الْمُزْدَلِفَةُ وَالْمَشْعَرُ الْحَرَامُ, فَإِذَنْ هَذِهِ تُذْبَحُ ضُحًى.

لَكِنْ لَوْ حَصَلَ لَهُ عُذْرٌ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ مِثْلَ أَنْ تَهْرُبَ الْأُضْحِيَّةُ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ فَلَمْ يَجِدْهَا إِلَّا بَعْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ، أَوْ يُوَكِّلُ مَنْ يَذْبَحُهَا فَيَنْسَى الْوَكِيلُ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ، فَلَا بَأْسَ حِينَئِذٍ أَنْ يَذْبَحَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لِلْعُذْرِ، وَقِيَاسًا عَلَى مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا إِذَا اسْتَيْقَظَ أَوْ ذَكَرَهَا.

وَيَجُوزُ ذَبْحُ الْأُضْحِيَّةِ فِي الْوَقْتِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَالذَّبْحُ فِي النَّهَارِ أَوْلَى، وَيَوْمُ الْعِيدِ بَعْدَ الْخُطْبَةِ أَفْضَلُ، وَكُلُّ يَوْمٍ أَفْضَلُ مِمَّا يَلِيهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُبَادَرَةِ إِلَى فِعْلِ الْخَيْرِ.

*شُرُوطُ الْأُضْحِيَّةِ:

وَشُرُوطُ الْأُضْحِيَّةِ سِتَّةٌ سِوَى الْإِخْلَاصِ؛ فَالْإِخْلَاصُ شَرْطٌ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ وَالنِّيَّاتِ جِمِيعِهَا.

1*الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ, وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؛ ضَأْنُهَا وَمعْزُهَا؛ لِقَولِهِ تَعَالَى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 34].

2*الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ تَبْلُغَ الْأُضْحِيَّةُ السِّنَّ الْمَحْدُودَ شَرْعًا، بِأَنْ تَكُونَ جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ، أَوْ ثَنِيَّةً مِنْ غَيْرِ الضَّأْنِ.

وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي «صَحِيحِهِ» مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ (ض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً -وَهِيَ الثَّنِيَّةُ فَمَا فَوْقَهَا- إِلَّا أَنْ تَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ».

وَالجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ: مَا تَمَّ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ.

وَالثَّنِيُّ مِنَ الْإِبِلِ: مَا تَمَّ لَهُ خَمْسُ سِنِينَ.

وَالثَّنِيُّ مِنَ الْبَقَرِ: مَا تَمَّ لَهُ سَنَتَانِ.

وَالثَّنِيُّ مِنَ الغَنَمِ: مَا تَمَّ لَهُ سَنَةٌ.

فَلَا تَصِحُّ الأُضْحِيَّةُ بِمَا دُونَ الثَّنِيِّ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالغَنَمِ، وَلَا بِمَا دُونَ الجَذَعِ مِنَ الضَّأْنِ.

3*الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ خَالِيَةً مِنَ الْعُيُوبِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْإِجْزَاءِ، وَهِيَ: الْعَوَرُ البَيِّنُ، وَالْمَرَضُ الْبَيِّنُ، وَالْعَرَجُ الْبَيِّنُ، وَالْهُزَالُ الْمُذِيبُ لِلْمُخِّ, وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ مِنَ الْعُيُوبِ مِنْ بَابِ أَوْلَى.

4*الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ مِلْكًا لِلْمُضَحِّي، أَوْ مَأْذُونًا لَهُ فِيهَا مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ أَوْ مِنْ قِبَلِ الْمَالِكِ.

فَتَصِحُّ تَضْحِيَةُ وَلِيِّ الْيَتِيمِ لَهُ مِنْ مَالِهِ إِذَا جَرَتِ العَادَةُ بِهِ, وَكَانَ يَنْكَسِرُ قَلْبُهُ بِعَدَمِ الْأُضْحِيَّةِ، وَتَصِحُّ تَضْحِيَةُ الْوَكِيلِ عَنْ مُوَكِّلِهِ بِإِذْنِهِ.

5*الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَلَّا يَتَعَلَّقَ بِهَا حَقٌّ لِغَيْرِهِ, فَلَا تَصِحُّ التَّضْحِيَةُ بِالْمَرْهُونِ.

6*وَالشَّرْطُ السَّادِسُ: أَنْ تَقَعَ فِي الْوَقْتِ الْمَحْدُودِ شَرْعًا؛ وَهُوَ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِيدِ يَوْمَ النَّحْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ -وَهُوَ الْيَّوْمُ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ-.

فَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلَاةِ الْعَيدِ، أَوْ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَوْمَ الثَّالِثَ عَشَرَ، لَمْ تَصِحَّ أُضْحِيَّتُهُ.

وَيَجُوزُ ذَبْحُ الْأُضْحِيَّةِ فِي الْوَقْتِ الْمَحْدُودِ شَرْعًا؛ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا؛ وَالذَّبْحُ نَهَارًا أَوْلَى، وَيَوْمَ الْعِيدِ بَعْدَ الْخُطْبَةِ أَفْضَلُ، وَكُلُّ يَوْمٍ أَفْضَلُ مِمَّا يَلِيهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُبَادَرَةِ إِلَى فِعْلِ الْخَيْرِ.

*وَالْأَفْضَلُ مِنَ الْأَضَاحِي مِنْ حَيْثُ الْجِنْسُ: الْإِبِلُ ثُمَّ الْبَقَرُ -إِنْ ضَحَّى بِهَا كَامِلَةً-، ثُمَّ الضَّأْنُ، ثُمَّ الْمَعْزُ، ثُمَّ سُبُعُ الْبَدَنَةِ، ثُمَّ سُبُعُ الْبَقَرَةِ.

*وَالْأَفْضَلُ مِنَ الْأَضَاحِي مِنْ حَيْثُ الصِّفَةُ: الْأَسْمَنُ، الْأَكْثَرُ لَحْمًا، الْأَكْمَلُ خِلْقَةً، الْأَحْسَنُ مَنْظَرًا.

فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) عَنْ أَنَسٍ (ض) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: ((كَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ)).

الْكَبْشُ: الْعَظِيمُ مِنَ الضَّأْنِ.

الْأَمْلَحُ: مَا خَالَطَ بَيَاضَهُ سَوَادٌ، فَهُوَ أَبْيَضُ فِي سَوَادٍ.

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (ض) قَالَ: ((ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ فَحِيلٍ، يَنْظُرُ فِي سَوَادٍ، وَيَأْكُلُ فِي سَوَادٍ وَيَمْشِي فِي سَوَادٍ)). أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: ((حَسَنٌ صَحِيحٌ)).

وَالْفَحِيلُ: الْفَحْلُ.

وَمَعْنَى: ((يَأْكُلُ فِي سَوَادٍ... إِلَى آخِرِهِ)): أَنَّ شَعْرَ فَمِهِ وَعَيْنَيْهِ وَأَطْرَافِهِ أَسْوَدُ.

*الْمَكْرُوهُ مِنَ الْأَضَاحِي:

الْعَضْبَاءُ: وَهِيَ مَا قُطِعَ مِنْ أُذُنِهَا أَوْ قَرْنِهَا النِّصْفُ فَأَكْثَرُ.

الْمُقَابَلَةُ: وَهِيَ الَّتِي شُقَّتْ أُذُنُهَا عَرْضًا مِنَ الْأَمَامِ.

الْمُدَابَرَةُ: الَّتِي شُقَّتْ أُذُنُهَا عَرْضًا مِنَ الْخَلْفِ.

الشَّرْقَاءُ: الَّتِي شُقَّتْ أُذُنُهَا طُولًا.

الْخَرْقَاءُ: الَّتِي خُرِقَتْ أُذُنُهَا.

الْمُصْفَرَةُ: هِيَ الَّتِي قُطِعَتْ أُذُنُهَا حَتَّى ظَهَرَ صِمَاخُهَا، وَقِيلَ: الْمَهْزُولَةُ الَّتِي لَمْ تَصِلْ إِلَى حَدٍّ تَفْقِدُ فِيهِ مُخَّ عِظَامِهَا.

الْمُسْتَأْصَلَةُ: وَهِيَ الَّتِي ذَهَبَ قَرْنُهَا كُلُّهُ.

الْبَخْقَاءُ: وَهِيَ الَّتِي بُخِقَتْ عَيْنُهَا فَذَهَبَ بَصَرُهَا، وَبَقِيَتِ الْعَيْنُ بِحَالِهَا.

الْمُشَيَّعَةُ: وَهِيَ الَّتِي لَا تَتْبَعُ الْغَنَمَ؛ لِضَعْفِهَا إِلَّا بِمَنْ يُشَيِّعُهَا فَيَسُوقُهَا لِتَلْحَقَ. وَأَيْضًا الْمُشَيِّعَةُ: وَهِيَ الَّتِي تَتَأَخَّرُ خَلْفَ الْغَنَمِ؛ لِضَعْفِهَا فَتَكُونُ كَالْمُشَيِّعَةِ لَهُنَّ.

فَهَذِهِ هِيَ الْمَكْرُوهَاتُ الَّتِي وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بَالنَّهْيِ عَنِ التَّضْحِيَةِ بِمَا تَعَيَّبَ بِهَا، أَوْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِاجْتِنَابِهَا.

وَيَلْحَقُ بِهَا:

*الْبَتْرَاءُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْمَعْزِ، وَهِيَ الَّتِي قُطِعَ نِصْفُ ذَنَبِهَا فَأَكْثَرُ.

*وَكَذَلِكَ مَا قُطِعَ مِنْ إِلْيَتِهِ أَقَلُّ مِنَ النِّصْفِ.

*وَكَذَلِكَ مَا سَقَطَ بَعْضُ أَسْنَانِهِ.

*وَمَا قُطِعَ شَيْءٌ مِنْ حَلَمَاتِ ثَدْيِهَا.

فَإِذَا ضَمَمْتَ هَذِهِ الْمَكْرُوهَاتِ إِلَى مَا مَرَّ؛ فَإِنَّ الْمَكْرُوهَاتِ تَصِيرُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ.

*عَمَّنْ تُجْزِئُ الْأُضْحِيَّةُ الْمُضَحَّى بِهَا؟

الْأُضْحِيَةُ الْوَاحِدَةُ تُجْزِئُ مِنَ الْغَنَمِ عَنِ الرَّجُلِ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَمَنْ شَاءَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، إِذَا نَوَى ذَلِكَ، لَا أَنْ يَشْتَرِكُوا فِيهَا بِدَفْعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِثَمَنِهَا؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ، فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ)).

فَقَالَ لَهَا: ((يَا عَائِشَةُ! هَلُمِّي الْمُدْيَةَ -أَيْ أَعْطِينِي السِّكِّينَ-)). فَفَعَلَتْ، ثُمَّ أَخَذَهَا، وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ -أَيْ أَخَذَ يَسْتَعِدُّ لِذَبْحِهِ-، ثُمَّ قَالَ: ((بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ (ض): ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ، أَحَدِهِمَا عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِهِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَعَنْ أُمَّتِهِ جَمِيعًا)). رَوَاهُ أَحْمَدُ.

وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ (ض) قَالَ: ((كَانَ الرَّجُلُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.

فَإِذَا ضَحَّى الرَّجُلُ بِالْوَاحِدَةِ مِنَ الْغَنَمِ -الضَّأْنِ أَوِ الْمَعْزِ- عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ أَجْزَأَ عَنْ كُلِّ مَنْ نَوَاهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ مِنْ حَيٍّ وَمَيِّتٍ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا يَعُمُّ أَوْ يَخُصُّ؛ دَخَلَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ كُلُّ مَنْ يَشْمَلُهُ هَذَا اللَّفْظُ عُرْفًا أَوْ لُغَةً، وَهُوَ فِي الْعُرْفِ لِمَنْ يَعُولُهُمْ مِنَ الزَّوْجَاتِ، وَالْأَوْلَادِ وَالْأَقَارِبِ، وَفِي اللُّغَةِ: لِكُلِّ قَرِيبٍ لَهُ مِنْ ذُرِيَّتِهِ، وَذُرِيَّةِ أَبِيهِ، وَذُرِيَّةِ جَدِّهِ، وَذُرِيَّةِ جَدِّ أَبِيهِ.

وَيُجْزِئُ سُبُعُ الْبَعِيرِ، أَوْ سُبُعُ الْبَقَرَةِ عَمَّنْ تُجْزِئُ عَنْهُ الْوَاحِدَةُ مِنَ الْغَنَمِ، فَلَوْ ضَحَّى الرَّجُلُ فِي سُبُعِ بَعِيرٍ أَوْ سُبُعِ بَقَرَةٍ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ سُبُعَ الْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ قَائِمًا مَقَامَ الشَّاةِ فِي الْهَدْيِ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ فِي الْأُضْحِيَةِ؛ لِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْهَدْيِ فِي هَذَا.

وَلَا تُجْزِئُ الْوَاحِدَةُ مِنَ الْغَنَمِ عَنْ شَخْصَيْنِ فَأَكْثَرَ، يَشْتَرِيَانِهَا فَيُضَحِّيَانِ بِهَا؛ لِعَدَمِ وُرُودِ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

 كَمَا لَا يُجْزِئُ أَنْ يَشْتَرِكَ ثَمَانِيَةٌ فَأَكْثَرُ فِي بَعِيرٍ أَوْ بَقَرَةٍ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ تَوْقِيفِيَّةٌ لَا يَجُوزُ فِيهَا تَعَدِّي الْمَحْدُودِ كَمِيَّةً وَكَيْفِيَّةً، وَهَذَا فِي غَيْرِ الِاشْتِرَاكِ فِي الثَّوَابِ، فَقَدْ وَرَدَ التَّشْرِيكُ فِيهِ بِدُونِ حَصْرٍ، وَلَا حَرَجَ عَلَى فَضْلِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

فَفَرِّقْ بَيْنَ الِاشْتِرَاكِ فِي الثَّوَابِ، وَالِاشْتِرَاكِ فِي الثَّمَنِ، فَأَمَّا الِاشْتِرَاكُ فِي الثَّوَابِ فَلَا حَرَجَ فِيهِ عَلَى فَضْلِ اللهِ، وَأَمَّا الِاشْتِرَاكُ فِي الثَّمَنِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعَةٍ فِي بَدَنَةٍ أَوْ بَعِيرٍ أَوْ بَقَرَةٍ؛ لِأَنَّهُ بِهَذَا وَرَدَتِ النُّصُوصُ.

*كَيْفِيَّةُ تَوْزِيعِ الْأُضْحِيَّةِ:

وَيُشْرَعُ لِلْمُضَحِّي أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ، وَأَنْ يُهْدِيَ، وَيَتَصَدَّقَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآئِسَ الْفَقِيرَ}، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ}.

فَالْقَانِعُ: السَّائِلُ الْمُتَذَلِّلُ، وَالْمُعْتَرُّ: الْمُتَعَرِّضُ لِلْعَطِيَّةِ بِدُونِ سُؤُالٍ، وَقِيلَ: عَكْسُ ذَلِكَ: أَنَّ الْقَانِعَ الَّذِي لَا يَسْأَلُ، وَأَمَّا الْمُعْتَرُّ: فَإِنَّهُ الَّذِي يَعْتَرِضُ النَّاسَ بِالسُّؤَالٍ.

وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ (ض) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)).

 وَالْإِطْعَامُ يَشْمَلُ الْهَدِيَّةَ لِلْأَغْنِيَاءِ، وَالصَّدَقَةَ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((كُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ -رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى- فِي مِقْدَارِ مَا يُؤْكَلُ، وَيُهْدَى وَيُتَصَدَّقُ بِهِ، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ وَاسِعٌ.

وَالْمُخْتَارُ أَنْ يَأْكُلَ ثُلُثًا، وَيُهْدِيَ ثُلُثًا، وَيَتَصَدَّقَ بِثُلُثٍ ، وَمَا جَازَ أَكْلُهُ مِنْهَا جَازَ ادِّخَارُهُ، وَلَوْ بَقِيَ مُدَّةً طَوِيلَةً إِذَا لَمْ يَصِلْ إِلَى حَدٍّ يَضُرُّ أَكْلُهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَامَ مَجَاعَةٍ فَلَا يَجُوزُ الِادِّخَارُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمَّا وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي عَهْدِهِ.

فَقَالَﷺ: ((مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَفِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ)).

 فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا فِي الْعَامِ الْمَاضِي، فَقَالَ ﷺ: ((كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا، فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانَ فِي النَّاسِ جُهْدٌ فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا)). وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ.

عَلَيْكَ أَنْ تَجْتَهِدَ فِي أَنْ تُقَدِّمَ قُرْبَانًا لِرَبِّكَ أَفْضَلَ مَا عِنْدَكَ {إِنَّمَا يَتَقَبَّلَ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}

وَمَهْمَا قَدَّمْتَ مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ يُخْلِفُهُ.

وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- لَمَّا ذُكِرَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ مِثْلِ هَذَا، وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَقِيقَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ الرَّجُلَ لَا يَجِدُ مَا يَعُقُّ بِهِ عَنْ وَلَدِهِ، أَفَيَسْتَدِينُ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَعُقَّ عَنْ وَلَدِهِ؟

قَالَ: نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ يُؤَدِّيَ اللهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِسُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

 

المصدر: فَضَائِلُ عْشَرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَحْكَامُ الْأُضْحِيَّةِ، وَفِقْهُ الْمَقَاصِدِ

التعليقات


فوائد مفرغة قد تعجبك


  الْوَعْيُ بِتَحَدِّيِ الْإِرْهَابِ وَكَيْفِيَّةِ مُوَاجَهَتِهِ
  شَهَادَاتُ الْمُنْصِفِينَ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِرَحْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْإِسْلَامِ
  وَاجِبُ الْعُلَمَاءِ تَعْلِيمُ الْمُسْلِمِينَ طَبِيعَةَ عَدُوِّهِمْ
  مِنْ مُوجِبَاتِ الْعِتْقِ مِنَ النَّارِ: ذِكْرُ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-
  سَعَةُ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَكَمَالُهَا
  نِعْمَةُ دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ
  مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْهِجْرَةِ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ
  فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَنْ يَتَعَلَّمَ كَيْفَ يَحُجُّ
  نِدَاءٌ إِلَى طُلَّابِ الْعِلْمِ
  رِسَالَةٌ أَخِيرَةٌ مُهِمَّةٌ وَجَامِعَةٌ إِلَى الأُمَّةِ المِصْرِيَّةِ خَاصَّةً
  حَالُ الْمُسْلِمِ فِي شَهْرِ الْحَصَادِ
  فَضْلُ صَوْمِ عَاشُوَرَاءَ
  حَضَارَةُ الْعُنْصُرِيَّةِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ!!
  مَرَاتِبُ النَّاسِ فِي طُولِ الْأَمَلِ وَقِصَرِهِ
  مَعْنَى الزَّكَاةُ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان