مَا صَحَّ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ

مَا صَحَّ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ

((مَا صَحَّ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ .

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((أَحَادِيثُ ثَابِتَةٌ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ))

فَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَصْحَابِ -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا- مِنْ طُرُقٍ شَتَّى يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا: عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، وَعَائِشَةَ -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَطَّلِعُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَى خَلْقِهِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ».

وَهَذَا الْحَدِيثُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ، لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ، وَلَا رَيْبَ فِيهِ.

وَأَمَّا طَرِيقُ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي «الشُّعَبِ» بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْهُ، عَنِ الرَّسُولِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَطَّلِعُ اللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- إِلَى خَلْقِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ؛ فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنينَ، وَيُمْلِي لِلْكَافِرِينَ، وَيَدَعُ -أَيْ:  يَتْرُكُ- أَهْلَ الْحِقْدِ بِحِقْدِهِمْ حَتَّى يَدَعُوهُ». وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ» بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِثْلُهُ .

وَأَنْتَ إِذَا مَا نَظَرْتَ إِلَى مَا صَحَّ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَجَدْتَ النَّبِيَّ ﷺ يُقَرِّرُ: «أَنَّ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- يَطَّلِعُ إِلَى خَلْقِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيُمْلِي لِلْكَافِرِينَ، وَيَدَعُ أَهْلَ الْحِقْدِ بِحِقْدِهِمْ حَتَّى يَدَعُوهُ».

وِفِي الْحَدِيثِ الَّذِي تَكَاثَرَتْ طُرُقُهُ حَتَّى صَارَتْ بِهِ إِلَى جَادَّةِ الصِّحَةِ -بِلَا رَيْبٍ وَلَا شَكٍّ-: «يَطَّلِعُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَى خَلْقِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ».

وَالْحَدِيثَانِ -كَمَا تَرَى- يَكَادَانِ يَنْطَبِقَانِ مَعْنًى، يَغْفِرُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ؛ فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيَدَعُ -بِالْإِمْلَاءِ- الْكَافِرِينَ فِيمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ كُفْرٍ وَشِرْكٍ، وَيَدَعُ أَهْلَ الْحِقْدِ بِحِقْدِهِمْ حَتَّى يَدَعُوهُ.

فَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» : ((أَنَّ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ - كَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ- يُفَتِّحُ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ فِي كُلِّ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ؛ فَيَغْفِرُ اللهُ - رَبُّ الْعَالَمِينَ - لِلْمُؤْمِنِينَ إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ - كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ بَغْضَاءُ - فَيَقُولُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: أَنْظِرَا -أَيْ: أَجِّلَا، أَيْ: دَعَا، أَيْ: اتْرُكَا- هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا)).

فَلَا يَنْعَمَانِ بِالْغُفْرَانِ الَّذِي يَلْحَقُ غَيْرَ الْمُشَاحِنِينَ فِي كُلِّ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ, إِذْ تُفَتَّحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ, وَإِذْ تَهُبُّ نَسَمَاتُ نَفَحَاتِ رَحَمَاتِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

إِنَّ الْعُلَمَاءَ -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ- يَصِيرُونَ فِي جُمْلَتِهِمْ إِلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَامَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيِّ -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ- سَوَاءٌ فِي «الْعَارِضَةِ»، أَوْ فِي «الْأَحْكَامِ» يَقُولُ: ((إِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ حَدِيثٌ يُسَاوِي سَمَاعَهُ)).

وَأَمَّا الشَّيْخُ الْإِمَامُ -رَحِمَهُ اللهُ- فَإِنَّهُ فِي «السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ»  بَعْدَ مَا تَتَبَّعَ مُسْتَقْرِئًا طُرُقَ الْحَدِيثِ فَأَرْبَتْ عَلَى ثَمَانِيَةِ طُرُقٍ, نَظَرَ فِيهَا وَبَحَثَ فِيهَا مُسْتَقْصِيًا مُسْتَقْرِئًا حَتَّى خَلُصَ فِي الْمُنْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَمِنْ هَذَا الِاسْتِقْصَاءِ تَعْلَمُ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَنَّه لَمْ يَصِحّ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ حَدِيثٌ، إِنَّمَا أُوتُوا مِنْ عَدَمِ بَذْلِ الْجَهْدِ فِي اسْتِقْصَاءِ الطُرُقِ وَتَتَبُّعِهَا، كَمَا تَرَى فِيمَا بَيْنَ يَدَيْكَ)).

فَهَذَا مَا قَالَهُ -رَحِمَهُ اللهُ-.

وَعَلَيْهِ فَإِنَّ الصَّنْعَةَ الْحَدِيثِيَّةَ تَقْضِي فِي الْمُنْتَهَى بِأَنَّه صَحَّ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ أَحَادِيثُ مِنْهَا: مَا هُوَ مَذْكُورٌ بِطُرُقِهِ عَنْ جُمْلَةٍ مِنَ الْأَصْحَابِ: « أَنَّ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- يَطَّلِعُ لَيْلَةَ النِّصْفِ إِلَى خَلْقِهِ, فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ».

ثُمَّ مَا قَالَهُ أَبُو ثَعْلَبَةَ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ يَطَّلِعُ إِلَى خَلْقِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ, وَيُمْلِي لِلْكَافِرِينَ, وَيَدَعُ أَهْلَ الْحِقْدِ بِحِقْدِهِمْ حَتَّى يَدَعُوهُ».

 ((لَيْلَةُ النِّصْفِ لَيْلَةُ الْمَغْفِرَةِ لِلْمُوَحِّدِينَ))

النَّبِيُّ ﷺ دَلَّنَا عَلَى أَنَّ لَيْلَةَ النِّصْفِ لَيْلَةٌ شَرِيفَةٌ يُعْطِي فِيهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْ قَبَسَاتِ أَنْوَارِ رَحَمَاتِهِ خَلْقَهُ, وَأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَا يُفِيضُ هَذَا الْعَطَاءَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَلَا عَلَى الْمُشَاحِنِينَ, وَإِنَّمَا جَمَعَهُمَا فِي قَرَنٍ، وَيَا بُؤْسَ مَا جُمِعَ!!

وَقَدْ جَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْمُشْرِكَ مَعَ الْمُشَاحِنِ فِي خَنْدَقٍ وَاحِدٍ, فَلَا يَغْفِرُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ -مَعَ عُمُومِ الْمَغْفِرَةِ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ- لَا يَغْفِرُ لِمُشْرِكٍ وَلَا لِمُشَاحِنٍ, مَنْ عِنْدَهُ الْبَغْضَاءُ فِي قَلْبِهِ, وَمَنِ انْطَوَى صَدْرُهُ عَلَى الْغِلِّ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ، فَهَذَا بِمَبْعَدَةٍ عَنِ الْمَغْفِرَةِ.

وَفِي «صَحِيحِ سُنَنِ ابْنِ مَاجَه»  عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَنْ أَفْضَلُ النَّاسِ؟

فقال ﷺ: ((كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ -كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ هَذَا أَفْضَلُ النَّاسِ-)).

فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، صَدُوقُ اللِّسَانِ عَرَفْنَاهُ, فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ الَّذِي لَا إِثْمَ فِيهِ وَلَا بَغْيَ وَلَا غِلَّ فِيهِ وَلَا حَسَدَ» .

فَأَفْضَلُ الْأَعْمَالِ عِنْدَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَفْضَلُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- سَلَامَةُ الصَّدْرِ، وَمَنْ كَانَ عَنِ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ مُنَزَّهًا وَمِنْ ذَلِكَ مُبَرَّئًا.

وَأَمَّا مَنِ انْطَوَى قَلْبُهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ بِمَبْعَدَةٍ مِنَ الْمَغْفِرَةِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ مَعَ عُمُومِ الْمَغْفِرَةِ لِأَهْلِ الْأَرْضِ, إِلَّا لِلْمُشْرِكِ الَّذِي يُشْرِكُ بِاللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَعَهُ غَيرَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُغْفَرُ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ لَا دُنْيَا وَلَا آخِرَةَ, إِذَا مَا مَاتَ عَلَى ذَلِكَ فَلَمْ يَتُبْ مِنْهُ مُنِيبًا مُوَحِّدًا.

وَكَذَلِكَ الَّذِي انْطَوَى قَلْبُهُ عَلَى الشَّحْنَاءِ, عَلَى الْبَغْضَاءِ, عَلَى الْغِلِّ, عَلَى الْحَسَدِ, فَهَذَا مَترُوكٌ مُهْمَلٌ, وَهَذَا بِمَبْعَدَةٍ أَنْ يَنَالَهُ شَيْءٌ مِنْ عُمُومِ الْمَغْفِرَةِ الَّتِي تَتَنَزَّلُ عَلَى الْخَلْقِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.

 ((سُبُلُ صَلَاحِ الْقَلْبِ وَثَمَرَتُهُ))

كَيْفَ يَصْلُحُ الْقَلْبُ؟

يَصْلُحُ الْقَلْبُ بِالْخُلُوصِ مِنَ الشِّرْكِ، وَالْبِدْعَةِ، وَالْحِقْدِ، وَمَذْمُومِ الْخِصَالِ.. هَذَا صَلَاحُ الْقَلْبِ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ رَتَّبَ الْجَزَاءَ عَلَى الشَّرْطِ: «إِذَا صَلَحَتْ؛ صَلَحَ»، «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً»: قِطْعَةٌ مِنَ اللَّحْمِ بِمِقْدَارِ مَا يُمْضَغُ -صَغِيرَةٌ هِيَ-، «إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».

هُنَا جَزَاءٌ قَدْ رُتِّبَ عَلَى شَرْطِهِ؛ فَلَا صَلَاحَ إِلَّا بِصَلَاحٍ، لَا صَلَاحَ لِلْجَسَدِ لَا صَلَاحَ لِلْحَيَاةِ إِلَّا بِصَلَاحِ الْقَلْبِ -كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّـهِ ﷺ-، وَإِذَا فَسَدَ الْقَلْبُ فَسَدَ الْجَسَدُ وَفَسَدَتِ الْحَيَاةُ.

كَيْفَ صَلَاحُ الْقَلْبِ -إِذَنْ-؟

بِخُلُوصِهِ مِنَ الشِّرْكِ، وَخُلُوصِهِ مِنَ الْبِدْعَةِ، وَخُلُوصِهِ مِنَ الْحِقْدِ وَمَذْمُومِ الْخِصَالِ.

النَّبِيُّ ﷺ رَتَّبَ الْغُفْرَانَ عَلَى هَذِهِ الْخِصَالِ فِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ -وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ- أَنَّهُ: «إِذَا كَانَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ اطَّلَعَ اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ إِلَى خَلْقِهِ، فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيُمْلِي لِلْكَافِرِينَ، وَيَدَعُ أَهْلَ الْحِقْدِ بِحِقْدِهِمْ حَتَّى يَدَعُوهُ».

وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمَرْوِيِّ عَنْ جُمْلَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَطَّلِعُ اللَّـهُ -عَزَّ وَجَلَّ- إِلَى خِلْقِهِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ».

فَهَذِهِ هِيَ الْخِصَالُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَبْرَأَ مِنْهَا الْقَلْبُ؛ لِيَتَحَصَّلَ عَلَى الْغُفْرَانِ، قَبْلَ دُنُوِّ النِّهَايَةِ الَّتِي لَا تُعْلَمُ، الَّتِي تَقُولُ الشَّوَاهِدُ إِنَّهَا دَانِيَةٌ -وَإِنْ غَفَلَ عَنْ دُنُوِّهَا الْغَافِلُونَ-، الَّتِي تَقُولُ الظَّوَاهِرُ إِنَّهَا قَرِيبَةٌ -وَإِنِ اسْتَبْعَدَتْهَا الظُّنُونُ وَاسْتَبْعَدَتْهَا الْأَوْهَامُ-.

قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ النِّهَايَةُ، مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَحَصَّلَ عَلَى الْغُفْرَانِ فَدُونَهُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّـهِ ﷺ.

إِنَّ اللَّـهَ -جَلَّ وَعَلَا- لَا يَغْفِرُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِينَ، لَا يَغْفِرُ إِلَّا لِلْمُوَحِّدِينَ، لَا يَغْفِرُ إِلَّا لِأَصْحَابِ طَهَارَةِ الْقَلْبِ، وَنَقَاءِ الرُّوحِ، وَصَفَاءِ النُّفُوسِ.

أَمَّا الَّذِينَ يَتَلَوَّثُونَ بِالْأَحْقَادِ وَالْأَحْسَادِ.. أَمَّا الَّذِينَ تَجْرِي فِي عُرُوقِهِمْ تِلْكَ الْأُمُورُ مِنْ مَذْمُومِ الْخِصَالِ؛ فَهُمْ عَنِ الْغُفْرَانِ بِمَبْعَدَةٍ!!

يَقُولُ رَسُولُ اللَّـهِ ﷺ: «فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ...»، «فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ...»؛ فَالْمُشْرِكُ لَا يُغْفَرُ لَهُ، الْمُؤْمِنُ يُغْفَرُ لَهُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.

«فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيُمْلِي لِلْكَافِرِينَ، وَيَدَعُ أَهْلَ الْحِقْدِ بِحِقْدِهِمْ حَتَّى يَدَعُوهُ»، «فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ».

مَذْمُومُ الْخِصَالِ، وَرَدِيءُ الصِّفَاتِ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْكَلْبِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِ السَّبُعِيَّةِ الَّتِي تَتَوَثَّبُ فِي النُّفُوسِ الْبَشَرِيَّةِ، وَالَّتِي لَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ لَأَبْصَرَتْ بَصَائِرُ الْبَصَائِرِ عَنْ أَمْرٍ عَجِيبٍ؛ فَمَا بَيْنَ كَلْبٍ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ يُكَشِّرُ عَنْ أَنْيَابِهِ، وَمَا بَيْنَ سَبُعٍ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ قَدْ تَوَثَّبَ لِلِانْقِضَاضِ عَلَى فَرِيسَةٍ يَهْتَبِلُ الْفُرْصَةَ لِلِانْقِضَاضِ عَلَيْهَا، بِأَخْلَاقٍ كَلْبِيَّةٍ، وَأَخْلَاقٍ سَبُعِيَّةٍ، وَأَخْلَاقٍ خِنْزِيرِيَّةٍ.

وَأَمَّا الْأَخْلَاقُ النَّبَوِيَّةُ فَلَا تَكُونُ إِلَّا لِلْأَفْذَاذِ مِنَ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ -اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْهُمْ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ-.

«فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ»؛ فَلَا بُدَّ لِمَنْ أَرَادَ الْغُفْرَانَ أَنْ يَتَخَلَّى عَنِ الشِّرْكِ، وَأَنْ يَحْذَرَهُ، وَأَنْ يُجَانِبَهُ، وَأَنْ يُحَادَّهُ، وَأَنْ يُشَاقَّهُ -ظَاهِرًا وَبَاطِنًا-.

«أَوْ مُشَاحِنٍ»؛ لِأَنَّ اللَّـهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ لَا يُحِبُّ الشَّحْنَاءَ، إِنَّ اللَّـهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فِيمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَمَّا يُحِبُّهُ مِنْ خِصَالِ بَنِي آدَمَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّـهَ -جَلَّ وَعَلَا- يُحِبُّ مَعَالِيَ الْخِصَالِ -يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ- وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا».

تَدْرِي مَا سَفْسَافُهَا؟

قَدْ تَنْزَلِقُ فِي ذَلِكَ قَدَمُكَ، بِتِلْكَ الشَّبَكَةِ الْمَلْعُونَةِ، مِنْ تِلْكَ الشَّبَكَةِ الَّتِي تُنْصَبُ لَكَ لِتَدْخُلَ فِي فِخَاخِهَا، هِيَ شَبَكَةٌ كَشَبَكَةِ الْعَنْكَبُوتِ، تَأْتِي الذُّبَابَةُ مُؤَمِّلَةً، فَإِذَا مَا وَقَعَتْ لَا تَسْتَطِيعُ فَكَاكًا.

نَعَمْ! قَدْ تَنْزَلِقُ الْقَدَمُ، فَمَا يَزَالُ يَجُرُّكَ خُلُقٌ ذَمِيمٌ؛ لِيُوَرِطَّكَ فِي خُلِقٍ ذَمِيمٍ، لِيُقِيمَكَ عَلَى خُلُقٍ ذَمِيمٍ، لِيَنْحَدِرَ بِكَ إِلَى خُلُقٍ ذَمِيمٍ، وَلَا تَسْتَطِيعُ مِنْ ذَلِكَ فَكَاكًا، وَلَا عَنْهُ انْصِرَافًا، وَلَا مِنْهُ خَلَاصًا.

وَيَزَالُ الْمَرْءُ فِي تِلْكَ الدَّوَّامَةِ الْمَلْعُونَةِ مِنْ حَطِيطِ وَسَافِلِ الْخِصَالِ، لَا يَسْتَطِيعُ وَإِنَّهُ لَيُؤَمِّلُ، لَا يَسْتَطِيعُ وَإِنَّهُ لَيَرْجُو، لَا يَسْتَطِيعُ وَإِنَّهُ لَيُحَاوِلُ؛ لِأَنَّهُ فَقَدَ الطَّرِيقَ، وَمَنْ فَقَدَ الطَّرِيقَ وَأَضَلَّهُ الطَّرِيقُ فَلَيْسَ عَلَى طَرِيقٍ؛ وَإِنَّمَا هُوَ حَائِرٌ تَائِهٌ فِي الْمَتَاهَةِ لَا يُفِيقُ، وَإِنَّمَا عَلَى الْآخِرَةِ يُفِيقُ.

وَيْحَ ابْنَ آدَمَ؛ مَا أَغْفَلَهُ!

وَيْحَ ابْنَ آدَمَ! وَإِنَّهُ لَعَلَى مِثْلِ الْجَمْرِ يَتَلَدَّدُ؛ لِأَنَّهُ يَهْتَبِلُ الْفُرْصَةَ لِاقْتِنَاصِ لَذَّةٍ، وَالتَّوَثُّبِ لِلْحُصُولِ عَلَى شَهْوَةٍ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ عَلَى مَنْطِقِ الذُّبَابِ, الْمِسْكِينُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ عَلَى مَنْطِقِ الذُّبَابِ؛ يَقِفُ عَلَى حَافَةِ الْإِنَاءِ فِيهِ الْعَسَلُ يَقُولُ: مَنْ يُوَصِّلُنِي إِلَيْهِ وَلَهُ دِرْهَمَانِ؟!!

فَإِذَا وَقَعَ فِيهِ قَالَ: مَنْ يُخْرِجُنِي مِنْهُ وَلَهُ أَرْبَعَةٌ؟!!

فَيَا أَصْحَابَ الْمَنْطِقِ الذُّبَابِيِّ! حَنَانَيْكُمْ!! دُونَكُمُ الطَّرِيقَ، دَلَّكُمْ عَلَيْهِ مَنْ هُوَ بِكُمْ شَفِيقٌ، وَبِكُمْ رَحِيمٌ رَفِيقٌ ﷺ: «إِنَّ اللَّـهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا».

السَّفْسَافُ كَالْعَسَلِ فِي ظَاهِرِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِيهِ فَهُوَ كَالذُّبَابِ فِي ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْهُ وَلَا أَنْ يَنْفَكَّ عَنْهُ.

فَحَذَارِ، فَحَذَارِ.. فَحَذَارِ أَنْ تَتَوَرَّطَ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْعُمُرَ قَصِيرٌ!!

كُنْ عَلَى عَقِيدَةٍ صَحِيحَةٍ، كَمَا قَالَ الرَّسُولُ: «فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ»، «وَيَدَعُ أَهْلَ الْحِقْدِ بِحِقْدِهِمْ حَتَى يَدَعُوهُ»؛ فَعَلَيْكَ أَنْ تَتَخَلَّصَ فِي عُبُودِيَّةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ: مِنَ الشِّرْكِ، وَمِنَ الْبِدْعَةِ، وَمِنَ الْحِقْدِ خَاصَّةً -فَإِنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ-: «وَيَدَعُ -يَتْرُكُ- أَهْلَ الْحِقْدِ بِحِقْدِهِمْ حَتَّى يَدَعُوهُ».

الْحِقْدُ مَا هُوَ؟

الْإِنْسَانُ إِذَا مَا اسْتُغْضِبَ فَلَمْ يَغْضَبْ فَهُوَ حِمَارٌ -كَمَا قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ-، وَلَكِنْ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ فَيَجْعَلُ غَضَبَهُ عَلَى مِقْيَاسِ الشَّرْعِ نَافِذًا، وَيَجْعَلُ أَثَرَهُ بِمِقْيَاسِ الشَّرْعِ فَاعِلًا، الَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ هُوَ الرَّجُلُ حَقًّا.

«لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرْعَةِ...» يَعْنِي: الَّذِي يَصْرَعُ النَّاسَ وَلَا يَصْرَعُونَهُ؛ «وَإِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»، فَهَذَا هُوَ الشَّدِيدُ حَقًّا.

فَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَا يَتَمَاسَكُ، مُتَهَالِكَ الْبُنْيَانِ، تَنْخَرُ فِي جَسَدِهِ الْأَمْرَاضُ، نَعَمْ! تَأْكُلُ حِينًا كَبِدَهُ حَتَّى لَا تَدَعَ فِيهِ خَلِيَّةً فَاعِلَةً لَا يَسْتَقِيمُ بِعَمَلِهَا حَيَاةٌ، وَيَعْدُو أَحْيَانًا عَلَى قَلْبِهِ فَيَأكُلُهُ أَكْلًا حَتَّى لَا يَدَعَ فِيهِ شَيْئًا.

النَّاسُ لَا تَحْيَا بِالْأَجْسَادِ؛ تَحْيَا بِالْقُلُوبِ.. بِالْأَرْوَاحِ.

إِنَّمَا هِيَ الْأَرْوَاحُ وَحَيَاةُ الْقُلُوبِ، بِرَصِيدٍ يَحْيَا بِهِ الْمَرْءُ، يَبْذُلُ بِهِ الْمَرْءُ، بِكَلِمَةٍ صَالِحَةٍ، وَعَمَلٍ مُطْمَئِنٍّ عَلَى قَرَارٍ، بِعَقِيدَةٍ ثَابِتَةٍ، فَإِذَا جَاءَ الْمَوْتُ جَاءَتِ الشَّهَادَةُ -إِنْ شَاءَ اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ-، وَالْأَمْرُ بَعْدُ بِيَدِ اللـَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمُنْتَهى، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.

فَاللَّهُمَّ مُنَّ بِحُسْنِ الْخَاتِمَةِ، مُنَّ بِحُسْنِ الْخَاتِمَةِ، مُنَّ بِحُسْنِ الْخَاتِمَةِ؛ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

يَكْرَهُ السَّفَاسِفَ، وَهَذَا الْحِقْدُ مَا هُوَ؟

الْغَضَبُ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْمَرْءُ لَهُ إِنْفَاذًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مُخْرِجًا؛ كُظِمَ -لَا دِينًا؛ وَإِنَّمَا عَجْزًا-؛ يَصِيرُ حِقْدًا، يَسْتَثْقِلُ بِهِ الْمَرْءُ الْمَحْقُودَ عَلَيْهِ -يَسْتَثْقِلُهُ-، يَكْرَهُ النِّعْمَةَ الْوَاصِلَةَ إِلَيْهِ، يَتَمَنَّى لَهُ الْهَلَاكَ، وَيَكْرَهُ لَهُ الْخَيْرَ، يَحْقِدُ عَلَيْهِ، كَالْجَمَلِ إِذَا أَنْفَذَ غَضَبَهُ مِنْ بَعْدِ كَظْمِهِ -وَكَانَ قَبْلُ كَظِيمًا-، فَإِذَا أُطْلِقَ -فَإِذَا أُطْلِقَ- فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُنْفِذُ غَضَبَهُ حِقْدًا مَسْمُومًا.

يُقَالُ فِي الْمَثَلِ: ((فُلَانٌ أَحْقَدُ مِنْ جَمَلٍ))؛ فَيُنْفِذُ حِقْدَهُ بِغَيْرِ وَعْيٍ، حِقْدٌ مَجْنُونٌ.

يَقُولُ الْمَأْمُونُ ﷺ: «وَيَدَعُ أَهْلَ الْحِقْدِ بِحِقْدِهِمْ حَتَّى يَدَعُوهُ»، نَعَمْ! لَيْسُوا أَهْلًا لِلْمَغْفِرَةِ، لَيْسُوا أَهْلًا لِلِاطِّلَاعِ عَلَيْهِمْ؛ «يَطَّلِعُ اللَّـهُ إِلَى خَلْقِهِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ».

وَفِي الْحَدِيثِ -حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ-: «إِنَّ اللَّـهَ -عَزَّ وَجَلَّ- إِذَا كَانَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ اطَّلَعِ إِلَى خَلْقِهِ، فَيْغَفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيُمْلِي لِلْكَافِرِينَ، وَيَدَعُ أَهْلَ الْحِقْدِ».

يَطَّلِعُ وَيَتْرُكُ، يَتْرُكُ أَهْلَ الْحِقْدِ، مَحَلٌّ نَجِسٌ بِقَلْبٍ نَجِسٍ حَوَى زِبَالَةَ الصِّفَاتِ، وَقُمَامَةَ الْعَادَاتِ, وَأَتَى بِأَحَطِّ دَرَكَاتِ الْأَخْلَاقِ وَالْخِصَالِ وَالشِّيَاتِ.

«فَيَدَعُ أَهْلَ الْحِقْدِ بِحِقْدِهِمْ حَتَّى يَدَعُوهُ».

أَيَّتُهَا الْقُلُوبُ الشَّارِدَةُ وَالْأَرْوَاحُ النَّافِرَةُ! إِلَى أَيْنَ.. إِلَى أَيْنَ؟!!

إِنَّ الصَّفْحَ وَالتَّسَامُحَ، وَالصَّبْرَ وَالْوَفَاءَ وَالْبَذْلَ -كُلُّ أُولَئِكَ- خِصَالٌ مَحْمُودَةٌ وَشِيَاتٌ مَرْمُوقَةٌ، كُلُّ أُولَئِكَ غَايَاتٌ تَتَقَطَّعُ دُونَ بُلُوغِهَا الْأَعْنَاقُ.

قَدْ يَعْلَمُ الْمَرْءُ فِي نَفْسِهِ خَلَلًا بِاخْتِلَالِ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْخَيْرِ فِيهِ، نَعَمْ! بِاخْتِلَالِ صِفَةٍ يَضَعُ الْيَدَ عَلَيْهَا عِنْدَ تَفْتِيشِهِ فِي أَطْوَاءِ قَلْبِهِ وَمَطَاوِيهِ، فيَضَعُ الْيَدَ عَلَيْهَا هُنَا، هُنَا خَلَلٌ يَحْتَاجُ إِصْلَاحًا، وَلَا يُصْلِحُ الْقُلُوبَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَهَا.

هُنَا, هَذَا الْخَلَلُ قَدْ يَلْتَهِمُ الْحَيَاةَ وَلَا يُصْلَحُ، قَدْ يُمْضِي الْمَرْءُ عُمْرَهُ فِي إِصْلَاحِ خَلَلٍ وَاحِدٍ فِي مَنْظُومَةِ الْأَخْلَاقِ.

((النَّبِيُّ ﷺ وَالصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- الْأُسْوَةُ فِي الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ))

إِنَّ مَنْظُومَةَ الْأَخْلَاقِ مَنْظُومَةٌ مُتَكَامِلَةٌ؛ فَإِنَّ الْقِيَمَ لَا تَتَبَعَّضُ، وَالْأَخْلَاقُ لَا تَتَجَزَّأُ، نَعَمْ لَا عَلَى اعْتِبَارِ الْمَجْمُوعِ وَلَا عَلَى اعْتِبَارِ الْأَزْمَانِ وَالْحَالَاتِ.

الْقِيَمُ لَا تَتَبَعَّضُ، الْأَخْلَاقُ لَا تَتَجَزَّأُ، لَا عَلَى اعْتِبَارِ الْمَجْمُوعِ بِمَعْنَى: أَنَّ الْعَبْدَ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ وَفِيًّا وَهُوَ خَائِنٌ، يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ مُخْلِصًا وَهُوَ غَدَّارٌ، يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ بَذُولًا وَهُوَ شَحِيحٌ بَخِيلٌ، يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ مُحَصِّلًا لِخُلُقٍ فَاقِدًا لِبَقِيَّةِ الْأَخْلَاقِ.

لَا تَتَجَزَّأُ الْقِيَمُ، كُلٌّ فَاعِلٌ بِحَيَاةٍ، فَإِذَا مَا تَجَزَّآ صَارَا كَائِنًا مُشَوَّهًا لَا يَمُتُّ بِصِلَةٍ إِلَى الْأَخْلَاقِ.

الْقِيَمُ لَا تَتَجَزَّأُ، وَالْأَخْلَاقُ لَا تَتَبَعَّضُ، لَا بِاعْتِبَارِ الْمَجْمُوعِ وَلَا بِاعْتِبَارِ الْحَالَاتِ، يَعْنِي: تَأَتِي الْفُرْصَةُ السَّانِحَةُ لِلْخِيَانَةِ وَالْمَرْءُ عَلَى خُلُقِ الْوَفَاءِ، فَيُنَحِّيهِ جَانِبًا وَيُوَاقِعُ الْخِيَانَةَ، ثُمَّ يَرْتَدِي لَبُوسَ الْوَفَاءِ!

لَا؛ لَا بِاعْتِبَارِ الْحَالَاتِ وَلَا بِاعْتِبَارِ الْأَزْمَانِ: أَنْ يَكُونَ أُسْبُوعًا وَفِيًّا وَأُسْبُوعًا عَلَى الْغَدْرِ مُقِيمًا، أَنْ يَكُونَ أُسْبُوعًا مُخْلِصًا وَأُسْبُوعًا عَلَى الشِّرْكِ وَالْكُفْرَانِ قَائِمٌ وَدَائِمٌ وَمُقِيمٌ!

لَا تَتَبَعَّضُ لَا عَلَى اعْتِبَارِ الْمَجْمُوعِ وَلَا عَلَى اعْتِبَارِ الْأَزْمَانِ وَالْحَالَاتِ.

فَإِذَا نَظَرْتَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَجَدْتَ الْأَخْلَاقَ كُلَّهَا مَجْمُوعَةً بِجَمْعِهَا مِنْ جَمِيعِ أَقْطَارِهَا فِيهِ ﷺ.

وَمَجَالُ الْعَظَمَةِ فِيهِ جَعَلَتْ أَقْطَابَ الْقَائِمِينَ عَلَى عَظَمَتِهِ بِمُفْرَدِهَا مُنْحَازَةً إِلَيْهِ دَائِرَةً فِي فَلَكِهِ وَحَوْلَهُ ﷺ؛ فَتَجِدُ عُمَرَ، بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ، مَعَ عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ.

تَجِدُ الصَّحَابَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- مِمَّنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ، وَمِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمِمَّنْ شَهِدَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ.

تَجِدُ الصَّحَابَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- مِمَّن كَانَ سَابِقًا إِلَى دِينِ اللَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أَوَّلًا، تَجِدُ الصَّحَابَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-؛ تَجِدُ كُلًّا فِيهِ مِنْ مَجَالِ الْعَظَمَةِ مَا قَدْ تَفَرَّدَ بِهِ؛ فَهَذَا أَبُو بَكْرٍ نَمُوذَجٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ، وَهَذَا عُمَرُ نَمُوذَجٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ، وَهَذَا عُثْمَانُ نَمُوذَجٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ، وَهَذَا عَلِيٌّ.. وَهَكَذَا.

فِي كُلٍّ مِنْ هَؤُلَاءِ عَظَمَةٌ مُتَفَرِّدَةٌ وَقَعَتْ عَلَى مَا يُوَازِيها لَا مَا يُسَاوِيها، وَلَا مَا يُمَاثِلُهَا، وَلَا مَا يُنَاظِرُهَا فِي رَسُولِ اللَّـهِ ﷺ، فَاجْتَمَعَ هَذَا كُلُّهُ فِيهِ؛ فَأَيُّ كَمَالٍ؟!!

وَالْمَرْءُ يُحَاوِلُ إِذَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَوْطِنِ الْخَلَلِ فِيهِ -فِي قَلْبِهِ-، فِي قَلْبِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَالَ: «إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ» دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُهْتَمَّ بِالْقَلْبِ فَوْقَ الِاهْتِمَامِ بِالْجَسَدِ: أَنْ يُفَتَّشَ فِيهِ، وَأَنْ يُبْحَثَ فِي أَحْوَالِهِ وَتَقَلُّبَاتِهِ؛ حَتَّى يَسْتَطِيعَ الْإِنْسَانُ أَنْ يَعْلَمَ أَيْنَ الْخَلَلُ، وَحَتَّى يَدْرِيَ مِنْ أَيْنَ يَبْدَأُ الْإِصْلَاحَ فِي الْقَلْبِ الَّذِي تَدَاعَى -أَوْ أَوْشَكَ عَلَى التَّدَاعِي-، فِي الْقَلْبِ الَّذِي تَصَدَّعَ فَشَارَفَ التَّهَالُكَ مُتَهَدِّمًا؛ حَتَّى يَسْتَطِيعَ الْإِنْسَانُ أَنْ يَعْلَمَ أَيْنَ هُوَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ.

النَّبِيُّ ﷺ كُلُّ ذَلِكَ مَجْمُوعٌ فِيهِ ﷺ؛ فَأَيُّ عَظَمَةٍ؟!!

لَا يُمْكِنُ أَنْ تَتَصَوَّرَهُ، إِنْ شِئْتَ الْكَمَالَ فِي كُلِّ خَصْلَةٍ مَحْمُودَةٍ عَلَى أَتَمِّ مَا تَكُونُ فِي بَشَرٍ فَهِيَ عَلَى رَسُولِ اللَّـهِ ﷺ قَائِمَةٌ مَاثِلَةٌ بَائِنَةٌ ظَاهِرَةٌ -بَاِئِنَةٌ مِنَ الظُّهُورِ، لَا مِنَ الْبَيْنِ وَالْبُعْدِ وَإِنَّمَا مِنَ الظُّهُورِ؛ فَقَدْ بَانَتْ فِيهِ لَا مِنْهُ وَلَا عَنْهُ ﷺ-.

((الْخُلُوصُ مِنَ الشِّرْكِ وَطَهَارَةُ الْقَلْبِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ))

إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَدُلُّنَا عَلَى عِبَادَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ:

*إِيمَانٌ بِاللَّـهِ رَبِّ العَالَمِينَ، خُلُوصٌ مِنَ الشِّرْكِ: مِنْ شِرْكِ الْمُعْتَقَدِ، مِنْ شِرْكِ الضَّمِيرِ، مِنْ شِرْكِ الْقَلْبِ، مِنْ شِرْكِ اللِّسَانِ، مِنْ شِرْكِ الْجَوَارِحِ، خُلُوصٌ مِنَ الشِّرْكِ جُمْلَةً ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَإِلَّا فَلَا غُفْرَانَ.

«فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ»، «يَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ»، تَحْقِيقُ الْإِيمَانِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ، الْخُلُوصُ وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعْقَدَ عَلَيْهِ الْخِنْصَرُ أَوَّلَ مَا يُعْقَدُ عِنْدَ عَدِّ الْخِصَالِ وَعِنْدَ السَّيْرِ إِلَى الْكَرِيمِ الْمُتَعَالِ، فَهَذَا أَوَّلًا.

*هَذِهِ الْعِبَادَةُ تَسْتَتْبِعُ حَتْمًا طَهَارَةَ الْقَلْبِ مِنَ الْحِقْدِ؛ إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ الْمَاءُ وَالنَّارُ فِي يَدٍ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمَرْءُ الْمَاءَ وَالنَّارَ قَدِ اجْتَمَعَا فِي يَدٍ، لَا يُمْكِنُ لِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ.

وَكَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ الطُّهْرُ وَالنَّجَاسَةُ فِي مَحَلٍّ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ النُّورُ وَالظَّلَامُ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ الْحِقْدُ وَالْإِيمَانُ فِي قَلْبٍ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ التَّوْحِيدُ وَالشِّرْكُ فِي قَلْبٍ أَبَدًا.

«وَيَدَعُ أَهْلَ الْحِقْدِ بِحِقْدِهِمْ حَتَّى يَدَعُوهُ» وَقَدِ اطَّلَعَ اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ إِلَى خَلْقِهِ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ بِجَانِبٍ وَبِمَبْعَدَةٍ؛ فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَى هَذَا الْأَمْرِ، أَنْ يَخْرُجَ مِنْ حَيِّزِ التَّهْرِيجِ، ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: 88].

نَعَمْ! ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾؛ فَالْمَوْتُ أَقْرَبُ لِأَحَدِكُمْ مِنْ شَرَاكِ نَعْلِهِ.

نَعَمْ! إِنَّ الْمَوْتَ قَدْ تَبْقَى لَهُ أَنْفَاسٌ مَعْدُودَةٌ، وَكَمْ مِنْ صَحِيحٍ مَاتَ، وَكَمْ مِنْ عَلِيلٍ بَرَأَ وَشُفِيَ، كَمْ مِنْ صَحِيحٍ هَلَكَ، وَكَمْ مِنْ عَلِيلٍ نَجَا، وَلَا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ إِلَّا اللَّـهُ.

 ((بِدَعٌ وَضَلَالَاتٌ مُخْتَرَعَةٌ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ))

عِبَادَ اللهِ! هَذَا مَا صَحَّ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، لَا مَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ الشِّيعَةُ, وَلَا مَا يَتَقَصَّى عَلَى آثَارِهِمْ فِيهِ قَصًّا الْمُتَصَوِّفَةُ, إِذْ يَجْتَمِعُونَ فِي الْمَسَاجِدِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ فِي صَلَاةِ  الْمَغْرِبِ, يَقُومُ قَائِمُهُمْ بَعْدَ الصَّلَاةِ يُصَلُّونَ مَا يُسَمَّى بِـ (صَلَاةِ الرَّغَائِبِ)!!

وَهِيَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ، وَفِي أَوَّلِ رَجَبٍ، وَهِيَ صَلَاةٌ أَلْفِيَّةٌ لِمَنِ اسْتَطَاعَهَا مِنْهُمْ، وَكَانَ فِي بِدْعَتِهِ جَلْدًا وَعَلَيْهَا مُقِيمًا, وَيُصَلُّونَ مِئَةَ رَكْعَةٍ, كُلُّ رَكْعَةٍ تُصَلَّى بِسُورَةِ الْإِخْلَاصِ عَشْرًا عَشْرًا، فَهَذِهِ أَلْفٌ، فَهِيَ صَلَاةٌ أَلْفِيَّةٌ!!

لَمْ يَتَّبِعْهَا وَلَمْ يَأْخُذْ بِهَا وَلَمْ يَفْعَلْهَا خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﷺ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، وَإنَّمَا هِيَ عَمَلٌ مُحْدَثٌ مُبْتَدَعٌ.

وَيَا لَلَّهِ الْعَجَب! كَيْفَ يُتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِمَا لَمْ يَشْرَعْ؟!!

وَكَيْفَ يُتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِالضَّلَالَةِ؟!!

وَهَذَا نَبِيُّكُمْ ﷺ، صَحَّ عَنْهُ قَوْلُهُ: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ, وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» .

فَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ﷺ, وَإِنَّمَا جَمَعَ ذَلِكَ إِلَى ذَلِكَ فَهُوَ حَصَبُ النَّارِ- نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ.

وَأَخْرَجَ الطُّرْطُوشِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي كِتَابِ «الْحَوَادِثِ وَالْبِدَعِ»  أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- -الْإِمَامِ- قَالَ: ((إِنَّ أَوَّلَ مَا أُحِدَثَتْ صَلَاةُ الرَّغَائِبِ -الَّتِي تُصَلَّى فِي أَوَّلِ رَجَبٍ وَفِي النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ- أَوَّلَ مَا أُحِدَثَتْ فِي أَوَّلِ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعْمَائَةٍ مِنْ هِجْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ-

قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ رَجُلٌ يُقَالَ لَهُ (ابْنُ أَبِي الْحَمْرَاءِ)، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى, وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ؛ فَصَلَّى بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَائْتَمَّ بِهِ رَجُلٌ وَأَحْرَمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَرَاءَهُ  ثَانٍ, فَمَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ حَتَّى كَانَتْ جَمَاعَةً عَظِيمَةً.

ثُمَّ جَاءَ مِنَ السَّنَةِ الَّتِي تَلَتْ فَصَلَّى كَمَا صَلَّى فِي السَّنَةِ الْفَائِتَةِ, ثُمَّ اسْتَطَابَتْ عِنْدَنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ تِلْكَ الصَّلَاةُ, يُصَلِّيهَا النَّاسُ فِي مَسَاجِدِهِمْ, وَيُصَلُّونَهَا فِي دُورِهِم وَفِي بِيُوتِهِمْ)).

فَهَذَا أَوَّلُ الْعَهْدِ بِإِحْدَاثِ تِلْكَ الْبِدْعَةِ فِي الْقَرْنِ الْخَامِسِ مِنْ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ, وَبَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الْمُفَضَّلَةِ, وَمَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ دِينًا فَلَنْ يَكُونَ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ دِينًا.

وَأَمَّا الدُّعَاءُ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ- فَهُوَ مِنْهُ بَرِيءٌ, وَهُوَ مِنْهُ بَرَاءٌ, وَعَبْدُ اللهِ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْ أَنْ يَتَوَرَّطَ -وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْأَصْحَابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- فِي الِافْتِئَاتِ عَلَى الشَّرْعِ الْأَغَرِّ، وَفِي الْإِتْيَانِ بِالْإِحْدَاثِ فِي دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَبِإِلْصَاقِ شَيْءٍ بِدِينِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ ﷺ.

وَمَا خَانَ أَمِينٌ قَطُّ, وَلَكِنِ اؤْتُمِنَ غَيْرُ أَمِينٍ فَخَانَ, وَلَا يُؤْتَى النَّاسُ قَطُّ مِنْ قِبَلِ عُلَمَائِهِمْ، وَإِنَّمَا يُسْتَفْتَى غَيْرُ عَالِمٍ فَيُفْتِي بِالْخَطَأِ لَا بِالصَّوَابِ.

وَحِينَئِذٍ يُؤْتَى النَّاسُ كَذَلِكَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو الَّذِي أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ : «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ, وَإِنَّمَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» .

هَذَا الدُّعَاءُ الَّذِي يَأْخُذُ بِهِ النَّاسُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ؛ يَحْسَبُونَ -تَبَعًا لِلشِّيعَةِ وَلِلضُّلَّالِ مِمَّنْ حَادُوا عَنْ صِرَاطِ مُحَمَّدٍ ﷺ- أَنَّ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ هِيَ الَّتِي أَنْزَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِيهَا قَوْلَهُ: ﴿حم* وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الدُّخَانُ :1- 2], ثُمَّ يَقُولُ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ*فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدُّخَانُ :3- 4].

فَيَظُنُّ الظَّانُّ أَنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ الْمُبَارَكَةَ هِيَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ, وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ لَمَّا ذَكَرَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ بَعْدَمَا ذَكَرَ مَا ذَكَرَ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ؛ تَحَدِّيًا لِلْعَرَبِ بِهَذَا الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَهُمْ أَرْبَابُ الْفَصَاحَةِ وَأُولُوا الْبَيَانِ, ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ إِنَّمَا تَكَلَّمَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ الَّتِي عِنْدَكُمْ مَعْشَرَ الْبُلَغَاءِ وَأَهْلَ الْفَصَاحَةِ.

اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ.. اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ تَكَلَّمَ بِهَذَا الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ هَكَذَا, وَيَتَحَدَّاكُمْ بِهِ وَعِنْدَكُمْ أَبْجَدِيَّتُكُم, فَإِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ حَقًّا فَلْتُقْبِلُوا عَلَيْهَا وَلْتَقْبَلُوا التَّحَدِّيَ, وَلْتَأْتُوا بِمِثْلِ أَقْصَرِ سُورَةٍ مِنْهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ -الْكِتَابَ الْمُبِينَ-, ثُمَّ قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾, فَعَادَ الضَّمِيرُ إِلَى الْقُرْآنِ الْمَذْكُورِ, إِلَى الْكِتَابِ الْمُبِينِ, إِلَى الذِّكْرِ الْحَكِيمِ, ثُمَّ قَالَ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر : 1].

وَلَم يَأْتِ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هَاهُنَا بِهَذِهِ الْكِنَايَةِ ذَاكِرًا قَبْلَهَا مَا تَعُودُ عَلَيْهِ ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر : 1], فَالضَّمِيرُ فِي ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾ ضَمِيرُ النَّصْبِ, ضَمِيرُ الْمَفْعُولِيَّةِ، لَا ضَمِيرُ الْفَاعِلِيَّةِ ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾: رَبُّنا -جَلَّ وَعَلَا- ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾ أَيْ: الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ, هَذَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ ضَمِيرُهُ هَاهُنَا ضَمِيرُ النَّصْبِ, هَاهُنَا ضَمِيرُ الْمَفْعُولِيَّةِ.

فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ يَعُودُ، وَلَيْسَ هُنَالِكَ مِنْ مَذْكُورٍ قَبْلَهُ يَعُودُ إِلَيْهِ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ؟

وَإنَّمَا جَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ذَلِكَ كَذَلِكَ, وَجَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هَذَا الَّذِي يُعَادُ عَلَيْهِ -وَهُوَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ- مُسْتَغْنِيًا عَنِ الذِّكْرِ لِشُهْرَتِهِ, وَمُسْتَغْنِيًا عَنِ الذِّكْرِ لِذِكْرِهِ وَعَظَمَتِهِ, فَقَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- إِذْ لَا يَلْتَبِسُ ذَلِكَ عَلَى فَهْمِ أَحَدٍ, وَلَا يَدْخُلُ ذَلِكَ بِاللَّبْسِ عَلَى عَقْلِ أَحَدٍ-: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾, وَيَسْمَعُ السَّامِعُ فَيَفْهَمُ أَنَّ الْمَعْنِيَّ هَهُنَا بِالْإِنْزَالِ هُوَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: 1-5].

فَهَذِهِ اللَّيْلَةُ لَيْلَةٌ ذَاتُ قَدْرٍ، ذَاتُ شَرَفٍ, أَوْ هِيَ لَيْلَةٌ ذَاتُ تَقْدِيرٍ؛ إِذْ الْقَدْرُ هُوَ التَّقْدِيرُ كَمَا قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- فِي مَطْلَعِ سُورَةِ الدُّخَانِ: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ*فِيهَا﴾ -أَيْ: فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْمُبَارَكَةِ- ﴿يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان : 3-4] إِذْ جَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ التَّقْدِيرَ الْأَزَلِيَّ الَّذِي كَتَبَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِيهِ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ, كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إِذْ خَلَقَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَوَّلَ مَا خَلَقَ الْقَلَمَ, فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: مَا أَكْتُبُ أَيِّ رَبِّ؟ قال: اكْتُبْ مَقَادِيرَ الْأَشْيَاءِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .

فَجَرَى الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ بِمَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, وَعِلْمُ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- سَابِقٌ لَا سَائِقٌ, لَا يَسْتَلْزِمُ الْجَبْرَ وَلَا يَكُونُ لَهُ لَازِمًا وَإِنَّما هُوَ صِفَةُ انْكِشَافٍ, فَكَتَبَ الْقَلَمُ مَا هُوَ كَائِنٌ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ, ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ ((التَّقْدِيرُ الحَوْلِيُّ)) بَعْدَ التَّقْدِيرِ الْعُمُرِيِّ الْأَوَّلِ وَالتَّقْدِيرِ العُمُرِيِّ الثاني, ثُمَّ أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ ((التَّقْدِيرُ الْيَوْمِيُّ)).

وَفِي هَذَا الَّذِي تَرَى مِنْ هَذَا التَّقْدِيرِ الْحَوْلِيِّ؛ يَقُولُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان : 4], يَعْنِي: فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ قَدْرٍ وَشَرَفٍ, وَفِيهَا يَصِيرُ مَنْ كَانَ خَامِلًا أَرَادَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَهُ الرِّفْعَةَ, وَأَرَادَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَهُ الْعِزَّةَ, وَأَرَادَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهِ الْعَطَاءَ وَالْحُبُورَ؛ فَهَذَا يَصِيرُ ذَا قَدْرٍ مِنْ بَعْدِ ضَعَتِهِ وَمِنْ بَعْدِ تَنَزُّلِهِ.

وَفِيهَا يَتَزَوَّجُ الْخَلْقُ مَا يَتَزَوَّجُونَ بَيْنَهَا ثُمَّ يُولَدُ لَهُمْ, وَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ قَدْ نَزَلَ الْإِذْنُ بِقَبْضِ رُوحِهِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ؛ فَلَا يَدُورُ الْحَوْلُ حَتَّى يَكُونَ مَا يَكُونُ, وَمَا يَحُجُّ مِنْ حَاجٍّ وَلَا يَعْتَمِرُ مِنْ مُعْتَمِرٍ إِلَّا وَكُلُّ ذَلِكَ يَجْعَلُهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي النُّسْخَةِ الْحَوْلِيَّةِ الَّتِي تَتَنَزَّلُ بِهَا الْمَلَائِكَةُ الْمُكَرَّمُونَ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ.

ثُمَّ ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾[الرحمن: 29]: تَقْدِيرٌ يَوْمِيٌّ، وَيُبْدِي رَبُّكَ -جَلَّ وَعَلَا- فِي كَوْنِهِ مَا يَشَاءُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

فِي التَّقْدِيرِ الْعُمُرِيِّ الْأَوَّلِ الَّذِي يَحْدَثُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْعُمُرِ -وَقَدْ حَدَثَ- إِذْ حَدَثَ فِي عَالَمِ الذَّرِّ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾[الأعراف : 172].

فَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَشْهَدَنَا فِي عَالَمِ الذَّرِّ عَلَى أَنْفُسِنَا، فَهَذَا هُوَ التَّقْدِيرُ الْعُمُريُّ الْأَوَّلُ.

وَأَمَّا التَّقْدِيرُ الْعُمُريُّ الثَّانِي فَفِي جَوْفِ الرَّحِمَ بَعْدَ أَرْبَعِينَ فِي أَرْبَعِينَ فِي أَرْبَعِينَ, فَيَأْتِي الْمَلَكُ وَيَكْتُبُ مَا شَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.

ثُمَّ فِي هَذَا التَّقْدِيرِ السَّنَوِيِّ يَذْهَبُ كَثِيرٌ مِنَ الْخَلْقِ جَهْلًا -وَرُبَّمَا لَا قَصْدَ فِيهِ, وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ سُوءِ تَلَقِّي الْعِلْمِ وَالْاضْطِرَابِ فِيهِ- يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ, وَإنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْ رَمَضَانَ ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾: أَيْ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ- ﴿فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ [الدخان : 3].

﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾[القدر : 1], ثُمَّ ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان : 4] مِنْ أَمْرِ هَذَا التَّقْدِيرِ.

فَيَقِفُ الْوَاقِفُ فِي مَسْجِدٍ مِنْ مَسَاجِدِ الْمُسْلِمِينَ يُقْبِلُ عَلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ -بِزَعْمِهِ!-: اللهم، يَا ذَا الْمَنِّ -وَلَا يُمَنُّ عَلَيْهِ- وَيَا ذَا الْفَضْلِ -وَلَا يُتَفَضَّلُ عَلَيْهِ- إِنْ كُنْتَ قَدْ كَتَبْتَنِي عِنْدَكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ شَقِيًّا أَوْ مَطْرُودًا أَوْ مَحْرُومًا فَامْحُ ذَلِكَ وَأَثْبِتْ غَيْرَهُ!

 إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَشَدَّقُونَ بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.

وَإِنَّمَا اللَّيْلَةُ الَّتِي يُفْرَقُ فِيهَا كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ هِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ التَّقْدِيرِ.

*اخْتِصَاصُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ بِصِيَامٍ أَوْ بِقِيَامٍ بِدْعَةٌ:

الْحَدِيثُ الَّذِي أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه فِي ((سُنَنِهِ)) عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- عَلَّمَهُ ﷺ مِنْ لَدُنْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يُبَلِّغُهُ، لَا يَكْتُمُهُ, وَإِنَّما يُؤَدِّيهِ أَدَاءً لِلْأَمَانَةِ وَنُصْحًا لِلْأُمَّةِ، فَيَقُولُ: «إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا, وَصُومُوا نَهَارَهَا» . فَهَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ, فِي سَنَدِهِ ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ, قَالَ فَيهِ الْإِمَامَانِ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ -رَحِمَهُمَا اللهُ -جَلَّ وَعَلَا--: «كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ» -يَعْنِي: ابْنَ أَبِي سَبْرَةَ- .

فَكَانَ يَكْذِبُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيَضَعُ الْأَحَادِيثَ, وَهَذَا حَدِيثٌ مَكْذُوبٌ مَوْضُوعٌ لَا يَصِحُّ بِشَيْءٍ مِنْ وُجُوهِ الصِّحَةِ, بَلْ إِنَّه لَا يَقْعُدُ عَنْ مَرْتَبَةِ الضَّعْفِ إِذْ يَتَنَزَّلُ إِلَى مَرْتَبَةِ الْوَضْعِ وَالْكَذِبِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.

فَلَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ تَخْصِيصُهَا بِالْقِيَامِ شَيْءٌ لَمْ يَأْتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ-.

وَأَمَّا صِيَامُ النِّصْفِ فَإِنْ كَانَ تَخْصِيصًا لِتَوَهُّمِ مَزِيدِ فَضْلٍ؛ فَهَذَا ابْتِدَاعٌ فِي دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَمْ يَأْتِ بِهِ أَثَرٌ مِنْ كِتَابٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا مِنْ فِعْلِ صَاحِبٍ، وَلَا إِجْمَاعِ أُمَّةٍ.

وَأَمَّا إِنْ كَانَ يَصُومُ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْأَيَّامِ الْغُرِّ الْبِيضِ فَهَذِهِ بِذَاتِهَا قَدْ وَرَدَ فِيهَا النَّصُّ الصَّحِيحُ, وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ حَرِيصًا عَلَى أَنْ يَصُومَ الْأَيَّامَ الْبِيضَ.

فَإِنْ وَقَعَ هَذَا الْيَوْمُ فِي عَادَةِ مَنْ يَصُومُ الْأَيَّامَ الْغُرَّ الْبِيضَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ هِجْرِيٍّ مُبَارَكٍ فَهَذَا كَذَلِكَ, وَإِلَّا فَقَدْ وَقَعَ فِي ابْتِدَاعٍ؛ إِذْ يَحْسَبُ مُتَوَهِّمًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَضَّ عَلَى ذَلِكَ, وَقَدْ مَرَّ ذِكْرُ حَالِ الْحَدِيثِ، إِذْ هُوَ حَدِيثٌ مَكْذُوبٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ: «إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا, وَصُومُوا نَهَارَهَا» . هَذَا كَذِبٌ مَصْنُوعٌ مُخْتَلَقٌ مَوْضُوعٌ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.

وَأَيْضًا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ هَكَذَا؛ تَخْصِيصُهَا بِالْقِيَامِ شَيْءٌ لَمْ يَأْتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.

((وَظِيفَةُ دِينِ اللهِ فِي الْحَيَاةِ))

عِبَادَ اللهِ! لَمْ يَصِحَّ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَّا عُمُومُ الْمَغْفِرَةِ لِأَهْلِ الْأَرْضِ خَلَا مَا كَانَ مُشْرِكًا أَوْ كَانَ مُشَاحِنًا؛ لِأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ لَا يُحِبُّ إِلَّا مَنْ كَانَ صَدُوقَ اللِّسَانِ، مَخْمُومَ الْقَلْبِ، لَا إثمَ فِيهِ وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ فِيهِ وَلَا حَسَدَ؛ لِأَنَّ الدِّينَ مَا أَتَى إِلَّا مِنْ أَجْلِ أَنْ يُغَيِّرَ النَّاسَ.

فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ عَاجِزًا بِالدِّينِ عَنِ التَّغْيِيرِ؛ فَأَيَّ شَيْءٍ أَفَادَهُ الدِّينُ إِذَنْ؟!!

إِنَّمَا وَظِيفَةُ الدِّينِ فِي الْحَيَاةِ أَنْ يُغَيِّرَ الْمَرْءَ مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ ضَلَالٍ وَانْحِرَافٍ، وَسُوءِ سِيرَةٍ، وَسُوءِ طَوِيَّةٍ، وَسُوءِ قَصْدٍ, يُغَيِّرَهُ الدِّينُ إِلَى مَا يُحِبُّهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَيَرْضَاهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا.

فَإِذَا كَانَ عَاجِزًا عَنِ التَّغْيِيرِ؛ فَقُلْ لِي بِرَبِّكَ: فَأْيَّ شَيْءٍ أَفَادَهُ دِيْنُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟!!

وَبِأَيِّ شَيْءٍ مِنْ دِيْنِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ اسْتَفَادَ وَانْتَفَعَ؟!!

*أَثَرُ الدِّينِ وَالْإِيمَانِ عَلَى الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-:

أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ كَانَتْ أَهْوَاؤُهُمْ الْغَرَزِيَّةُ الطَّبِيعِيَّةُ الَّتِي هِيَ مَرْكُوزَةٌ فِي طَبَائِعِهِمْ لَا يَسْتَطِيعُ الْوَاحِدُ مَعَهَا حِيْلَةً, وَلَا يَسْتَطِيعُ لَهَا دَفْعًا, وَإِنَّمَا يَسِيرُ عَلَى مُقْتَضَاهَا مِنْ غَيْرِ مَا تَثْرِيبٍ عَلَيْهِ وَلَا لَوْمٍ لِفِعْلِهِ, وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُوُاخَذًا عَلَى شَيْءٍ يَأْتِي بِهِ مِمَّا جَرَتْ بِهِ جِبِلَّتُهُ فِي أَمْرِ مَطْعُومٍ وَمَشْرُوبٍ وَمَا أَشْبَهَ مِمَّا جَعَلَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ حَلَالًا فِي دُنْيَا اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

بَلْ يَضْرِبُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْمَثَلَ فِيهِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ؛ إِذْ قُدِّمَ لَهُ ضِبَابٌ -جَمْعُ (ضَبٌ) وَهُوَ حَيَوَانٌ جَبَلِيٌّ مُعَقَّدُ الذَّنَبِ- فَقُدِّمَ إِلَيْهِ ذَلِكَ عَلَى مَائِدَتِهِ ﷺ.

فَلَمَّا هَمَّ بِأَنْ يَهْوِيَ إِلَى ذَلِكَ آخِذًا بِهِ، قَالَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ دَاخِلٍ -وَكَانَ مَعَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا- قَدْ تَحَلَّقُوا حَوْلَ طَعَامِ نَبِيِّهِم ﷺ فَأَتَى الصَّوْتُ: أَلَا تُخْبِرُونَ النَّبِيَّ ﷺ بِمَا هُوَ آكِلٌ؟

فَقَالَ: وَمَا هُوَ؟

قَالُوا: هَذِهِ ضِبَابٌ يَا رَسُولَ الله؛  فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ وَتَنَحَّى جَانِبًا, كَانَ خَالِدٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عِنْدَ خَالَتِهِ فِي بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: حَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟

فَقَالَ: ((لَا، وَلَكِنَّهُ طَعَامٌ لَمْ أَجِدْهُ بِدِيارِ قَوْمِي؛ فَأَجِدُ نَفْسِي تَعَافُهُ)) .

فَأَجِدُ نَفْسِي تَكْرَهُهُ؛ لِأَنِّي لَمْ أَعْتَدْ عَلَيْهِ وَلَمْ أَتَعَوَّدْ عَلَى النَّظَرِ إِلَى مِثْلِهِ فَضْلًا عَنِ الْإِقْبَالِ عَلَيْهِ طَاعِمًا وَآكِلًا-.

وَحِينَئِذٍ لَمَّا أَخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ مَنْ لَا يَعَافُهُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا امْتَنَعَ عَنْهُ لَا مِنْ أَجْلِ الْحُرْمَةِ وَإِنَّمَا مِنْ أَجْلِ الطَّبْعِ وَالْجِبِلَّةِ، وَأَنَّهُ يَعَافُهُ -لَا أَكْثَرَ-، أَهْوَى إِلَيْهِ خالدٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فَأَكَلَهُ -رَضِيَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَنْهُ وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ-.

إِذَنْ؛ أَمْرُ الْجِبِلَّةِ أَمْرٌ مُقَرَّرٌ مُحْتَرَمٌ فِي الشَّرْعِ, وَمَعَ ذَلِكَ تَجِدُ أَصْحَابَ نَبِيِّنَا ﷺ تَسْتَقِيمُ غَرَائِزُهُمْ.. تَسْتَقِيمُ جِبِلَّاتُهُمْ عَلَى جِبِلَّةِ مُحَمَّدٍ, وَهِيَ أَعْدَلُ فِطْرَةٍ قَضَاهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ خَلْقًا قطُّ ﷺ.

وَهَذَا أَنَسٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يَقُولُ: ((لَمْ أَكُنْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ))، وَإِنَّمَا كَانَ يُعَافُهَا وَيَكْرَهُهَا, وَإِذَا مَا طُبِخَتْ فِي بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ - وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ - رُبَّمَا لَمْ يَقْرُبِ الْبَيْتَ حَتَّى تَذْهَبَ رَائِحَتُهَا طُرًّا, وَمَعَ ذَلِكَ يَقُولُ: ((وَلَكِنِّي لَمَّا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُحِبُّهَا وَيَتَتَبَّعُهَا فِي جَوَانِبِ الصَّحْفَةِ فِي جَوَانِبِ الْقَصْعَةِ -كَانَ النَّبِيُّ يُحِبُّ الدُّبَّاءَ وَيَتَتَّبَّعُهَا ﷺ فِي جَوَانِبِ الْقَصْعَةِ- قَالَ: لَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ  وَعَلِمْتُهُ صِرْتُ أُحِبُّهَا, فَهِيَ مِنْ أَحَبِّ الْأَكْلِ إِلَيَّ, مِنْ أَحَبِّ الطَّعَامِ إِلَيَّ)) .

فَانْظُرْ كَيْفَ اسْتَقَامَتِ الْفِطْرَةُ هَاهُنَا عَلَى الْفِطْرَةِ السَّوِيَّةِ الْمُسْتَقِيمَةِ أَعْدَلِ فِطْرَةٍ قَطُّ وَهِيَ فِطْرَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ شَيْءٌ مِنْ إِلْزَامٍ, وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَقَرَّبًا بِهِ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, وَإِنَّمَا هِيَ الْمَحَبَّةُ.

وَإِنَّمَا هِيَ الْمَحَبَّةُ تَتَغَلْغَلُ فِي ثَنَايَا ذَرَّاتِ خَلَايَا الْبَدَنِ حَتَّى يَسْتَقِيمَ الْأَمْرُ عَلَى أَمْرِ الْمَحْبُوبِ الْأَكْبَرِ وَعَلَى أَمْرِ الْمُحَبِّ الْأَعْظَمِ ﷺ, وَحِينَئِذٍ تَقْتَرِبُ فِطْرَةٌ مِنْ فِطْرَةٍ, وَتَسْتَقِيمُ قَدَمٌ عَلَى قَدَمٍ, وَحِينَئِذٍ تَسْتَقِيمُ الْجَادَّةُ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا وَلَا يَضِلُّ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ.

فَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ أَصْحَابُهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أَكْرَمَ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ, كَانَ الصَّحَابَةُ يَتَأَثَّرُونَ مُحَمَّدًا ﷺ, وَيَتَتَبَّعُونَ أَحْوَالَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﷺ -وَرَضِيَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَنْهُمْ-.

فَلَا تُصَدِّقْ أَبَدًا أَنَّ وَاحِدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يُمْكِنُ أَنْ يُخَالِفَ النَّبِيَّ عَامِدًا, وَلَا تُصَدِّقْ أَبَدًا -فَهُوَ أَبْعَدُ عَنِ التَّصْدِيقِ وَأَوْغَلُ فِي الْخَيَالِ وَفِي أَوْدِيَةِ الْوَهَمِ- لَا تُصَدِّقْ أَبَدًا أَنَّ وَاحِدًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَلْصَقَ بِالدِّينِ مَا لَيْسَ فِيهِ أَوِ اقْتَصَّ مُنْقِصًا مِنَ الدِّينِ مَا هُوَ فِيهِ فَذَلِكَ كَذَلِكَ -أَيْ: الزِّيَادَةُ فِي الدِّينِ وَالْحَذْفُ مِنْهُ- حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ.

وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ أَكْرَمُ وَأَعْلَى كَعْبًا، وَأَنْقَى صَدْرًا، وَأَصْفَحُ عِنْدَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ لَا يَقْرَبُونَهَا أَبَدًا.

اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ اخْتَارَهُمْ لِمُحَمَّدٍ ﷺ, تَرَكُوا مَا تَرَكَ, وَأَخَذُوا بِمَا أَخَذَ, وَتَكَلَّمُوا بِمَا قَالَ, وَأَدَّوُا الْأَمَانَةَ, وَنَصَحُوا الْأُمَّةَ, فَرِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.

أَسْأَلُ اللهَ - جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ - أَنْ يَحْشُرَنَا فِي زُمْرَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ, صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَومِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((شَهْرُ الْحَصَادِ وَسُنَّةُ الصَّوْمِ فِيهِ))

فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا  عَنِ الحِبِّ بْنِ الْحِبِّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَعَنْ أَبِيهِ وَعَنْ أُمِّهِ أُمِّ أَيْمَنَ حَاضِنَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَيْمَنُ هُوَ أَخُو أُسَامَةَ لِأُمِّهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَعَنْ أُمِّهِ وَعَنْ أَبِيهِ- قَالَ: «قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا لِي أَرَاكَ تَصُومُ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ مَا لَا تَصُومُ فِي غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ -يَعْنِي خَلَا رَمَضَانَ-؟!!

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَذَا شَهْرٌ يَغْفُلُ عَنْهُ أَكْثَرُ النَّاسِ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ, تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي فِيهِ وَأَنَا صَائِمٌ» .

هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ يُوَضِّحُ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْأَعْمَالَ تُرْفَعُ الرَّفْعَ السَّنَوِيَّ, تُرْفَعُ الْأَعْمَالُ رَفْعًا يَوْمِيًّا - كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ - إِذْ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَلَائِكَةٌ كَمَا أَخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَفِي صَلَاةِ الْعَصْرِ, تُرْفَعُ الْأَعْمَالُ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هَكَذَا يَوْمِيًّا.

ثُمَّ تُعْرَضُ عَلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ -كَمَا مَرَّ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ- أَنَّهَا تُعْرَضُ عَلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, وَيَغْفِرُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ إِلَّا لِمُشْرِكٍ، وَرَجُلٍ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيَقُولُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: أَجِّلَا هَذَيْنِ -أَنْظِرَا هَذَيْنِ- حَتَّى يَصْطَلِحَا, فَهَذَا عَرْضٌ أُسْبُوعِيٌّ فِي كُلِّ يَوْمِ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ.

ثُمَّ يَأْتِي الْعَرْضُ السَّنَوِيُّ عَلَى رَبِّ الْعِزَّةِ بِأَعْمَالِ خَلْقِهِ -جَلَّ وَعَلَا- فِي شَهْرِ شَعْبَانَ كما أخبرَ خليلُ الرَّحمنِ محمدٌ ﷺ: هذا شهرٌ يَغْفُلُ عنه أكثرُ النَّاسِ إذ إنَّه يقعُ بينَ رجبٍ وَرَمَضَانَ.

فَيَقُولُ نَبِيُّنَا ﷺ: إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ يَقَعُ بَيْنَ شَهْرَيْنِ مَعْلُومَيِ الْقَدْرِ, مَعْرُوفَيِ الْفَضْلِ عِنْدَ النَّاسِ كَافَّةً, وَعَلَيْهِ: ((فَيَغْفُلُ عَنْهُ أَكْثَرُ النَّاسِ, ثُمَّ إِنَّهُ تُعْرَضُ فِيهِ الْأَعْمَالُ وَتُرْفَعُ, وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ)). هَذَا كَلَامُهُ ﷺ.

يُحِبُّ نَبِيُّكُمْ ﷺ مَعَ كَمَالِ تَمَامِ عَمَلِهِ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلُهُ عَلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَهُوَ صَائِمٌ, فَكَيْفَ لَا يُحِبُّ الْمَرْءُ وَلَا يَحْرِصُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلُهُ فِي هَذَا الشَّهْرِ عَلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَهُوَ صَائِمٌ كَمَا كَانَ الشَّأْنُ عِنْدَ نَبِيِّهِ ﷺ؟!!

((الْعِبَادَةُ الثَّابِتَةُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ))

عِبَادَ اللهِ! مَا هُنَالِكَ مِنَ الْعِبَادَةِ -فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ- فَقَدْ وضَّحَهَا الْحَدِيثُ الْعَظِيمُ: «إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ».

وَإِذَنْ، فَإِنَّ الْعِبَادَةَ الْجَلِيلَةَ الَّتِي يَحْرِصُ عَلَيْهَا الْمَرْءُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ وَفِي كُلِّ لَيَالِي الْعَامِ؛ بَلْ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ مِنْ لَحْظَاتِ الْعُمُرِ الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هِبَةً لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ فِي دُنْيَاهُ؛ يَحْرِصُ الْإِنْـسَانُ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُبَرَّءًا مِنَ الشِّرْكِ مُنَزَّهًا عَنْهُ؛ لِأَنَّ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- قَدْ مَضَتْ مَشِيئَتُهُ بِأَلَّا يَغْفِرَ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ, فَلَا يَغْفِرُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْ هَذَا الدِّيوَانِ شِيْئًا -وَلَوْ كَانَ يَسِيرًا- وَلَا يَسِيرَ فِيهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ.

إِلَّا أَنَّ الْمَرْءَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَرِيصًا فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ عَلَى أَنْ يَكُونَ طَاهِرَ الجَنَانِ، مُبَرَّأَ الْأَرْكَانِ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاقِعًا فِيمَا يُغْضِبُ الْعَزِيزَ الدَّيَّانَ, بَلْ يَكُونُ بَاحِثًا عَنْ مَرْضَاةِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ.

عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِي الْخَلَاصِ مِنَ الشِّرْكِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا بِتَصْفِيَةِ الْقَلْبِ مِمَّا يَعْلَقُ بِهِ مِنَ الشَّوَائِبِ، وَمَا يَجُرُّ إِلَيْهِ الشِّرْكُ مِنْ تِلْكَ الْمَادَّةِ الْقَذِرَةِ بِالحَمْئَةِ الْمَسْنُونَةِ؛ مِنْ تِلْكَ الشَّحْنَاءِ بِالْبَغْضَاءِ، بِالْغِلِّ، بِالْحَسَدِ. 

وَيَا لله! هَلْ تَجِدُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَقِيَّ الْفِطْرَةِ سَوِيَّ الطَّوِيَّةِ يُمْكِنُ أَنْ يَنْطَوِيَ بَاطِنُهُ عَلَى مِثْلِ هَذَا القَذَرِ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟!

«وَلَا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» كَمَا قَالَ الرَّسُولُ ﷺ .

لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُم إِيمَانًا صَحِيحًا كَامِلًا مُعْتَبَرًا فِي مِيزَانِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَقْبُولًا عِنْدَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ, فَكَيْفَ بِتِلْكَ الْمَادَّةِ الْقَذِرَةِ مِنَ الشَّحْنَاءِ, مِنَ الحِقْدِ, مِنَ الْغِلِّ, مِنَ الْحَسَدِ, مِنَ الْبَغْضَاءِ, تَنْطَوِي عَلَيْهَا نَفْسٌ مُشَوَّهَةٌ حَتَّى يَتَشَوَّهَ الظَّاهِرُ تَبَعًا؟!!

وَيَا للهِ! وَاللهِ لَوْ كُشِفَ الْحِجَابُ لَرَأَيْتَ هُنَاكَ نُفُوسًا وَرَاءَ تِلْكَ الْمَادَّةِ الْعَظْمِيَّةِ الْجِلْدِيَّةِ اللَّحْمِيَّةِ نُفُوسًا سَبُعِيَّةً وَنُفُوسًا كَلْبِيَّةً, إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَجْنَاسِ الْحَيَوَانَاتِ, كُلٌّ عَلَى حَسَبِ مَا صَارَ إِلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْمِيزَاتِ الَّتِي تَمَيَّزَتْ بِهَا تِلْكَ الْحَيَوَانَاتِ, فَنَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُطَهِّرَنَا مِنَ المَعَائِبِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

الْعِبَادَةُ الْعَظِيمَةُ -عِبَادَ اللهِ- فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ إِنَّمَا هِيَ بِتَخْلِيَةِ الْقَلْبِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مُبَرَّءًا مِنْ كُلِّ عَيْبٍ, مُنَزَّهًا مِنْ كُلِّ شِرْكٍ, مُوَحِّدًا رَبَّهُ -جَلَّ وَعَلَا- تَوْحِيدًا صَحِيحًا بِالِانْطِرَاحِ بَيْنَ يَدَيْهِ, وَبِالِانْطِرَاحِ عَلَى عَتَبَاتِ رَحَمَاتِهِ رَاجِيًا مَا عِنْدَهُ مِنَ الْفَضْلِ, خَائِفًا مِمَّا لَدَيْهِ مِنَ الْعِقَابِ وَالْعَذَابِ أَنْ يَنْزِلَ بِسَاحَتِهِ, رَاجِيًا وَخَائِفًا, مُقْبِلًا لَا مُدْبِرًا, مُتْقَصِّيًا أَثَرَ نَبِيِّهِ ﷺ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا, بَعِيدًا عَنْ كُلِّ حِقْدٍ وَغِشٍّ وَحَسَدٍ, مُنَقِّيًا لِذَاتِهِ مِنْ دَاخِلِهَا, مَخْمُومَ الْقَلْبِ كَمَا قَالَ رَسُولُ الرَّبِّ مُحَمَّدٌ ﷺ: «أَفْضَلُ النَّاسِ مَنْ كَانَ صَدُوقَ اللِّسَانِ مَخْمُومَ الْقَلْبِ, الَّذِي لَا يَنْطَوِي عَلَى إِثْمٍ وَلَا بَغْيٍ, التَّقِيُّ النَّقِيُّ الَّذِي لَا إِثْمَ فِيهِ وَلَا بَغْيَ, وَلَا غِلَّ فِيهِ وَلَا حِقْدَ وَلَا حَسَدَ» .

هَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنْ نَبِيِّكُمْ ﷺ يُوَضِّحُ أَفْضَلَ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ وَأَكْرَمَ النَّاسِ فِي مِيزَانِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَنْ هَذَّبَ النَّفْسَ وَصَفَّاهَا, وَرَقَّ الْقَلْبَ وَأَعْلَاهُ عَلَى مَنْهَجِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كِتَابًا وَسُنَّةً, وَأَمَّا مَنْ دَسَّاهَا فَقَدْ خَابَ كَمَا قَرَّرَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ.

عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يُصْلِحَ مَا أَفْسَدَهُ, وَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَصِلَ مَا قَطَعَهُ, وَعَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَكُونَ مُتَوَقِّيًا حَذِرًا.

 ((دَرْبُ الْحَيَاةِ مَلِيءٌ بِأَشْوَاكِهَا!!))

هَذَا دَرْبُ الْحَيَاةِ مَلِيءٌ بِأَشْوَاكِهَا, مَلِيءٌ بِأَشْوَاكِ الْحَيَاةِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الخَلْقِ, فِي التَّعَامُلِ مَعَ الخَلْقِ المُفْضِي حَتْمًا إِلَى شَحْنَاءَ لَا يُحِبُّهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَلَا يَرْضَاهَا, إِلَى أَحْقَادٍ وَأَحْسَادٍ, إِلَى هُمُومٍ وَغُمُومٍ, إِلَى ظُلْمٍ وَطُغْيَانٍ وَعُدْوَانٍ.

وَكَذَا التَّعَامُلُ مَعَ الْبَشَرِ, كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ الْأَوَّلُ:

عَوَى الذِّئْبُ فَاسْتَأْنَسْتُ بِالذِّئْبِ إِذْ عَوَى  ***  وَصَــوَّتَ إِنْسَــانٌ فَكِـدتُّ أَطِيــرُ

هَكَذَا, هَكَذَا فِي دَرْبِ الْحَيَاةِ، فِي أَشْوَاكِهَا, فَعَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَكُونَ مُتَوَقِّيًا, وَأَنْ يُعْطِيَ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ, وَأَنْ يَأْخُذَ بِزِمَامِ الْقَلْبِ بِيَدٍ مِنْ حَدِيدٍ، حَتَّى يُقِيمَهُ عَلَى صِرَاطِ رَبِّنَا الْحَمِيدِ؛ حَتَّى لَا يَزِلَّ وَلَا يَضِلَّ, وَحَتَّى لَا يَأْخُذَ الهَوَى بِزِمَامِ قَلْبِهِ، فَيُطَوِّحَ بِهِ فِي مَطَارِحَ لَا تَلِيقُ بِمُؤْمِنٍ أَبَدًا؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مُحْسِنًا, فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ لِلْغُفْرَانِ رَاجِيًا.

فَهَذَا هَذَا -عِبَادَ اللهِ!-.

فَلَيْلَةُ النِّصْفِ فِيهَا هَذَا الْفَضْلُ, فِيهَا عُمُومُ الْمَغْفِرَةِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ.

فَاللهم! طَهِّرْنَا وَبَرِّئْنَا مِنَ الشِّرْكِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.

اللهم! طَهِّرْنَا مِنَ الشَّحْنَاءِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.

اللهم! أحسنْ أحوالَنَا, وأخلص نياتِنَا.

اللهم! أَحْسِنْ أَحْوَالَنَا, أَحْسِنْ أَحْوَالَنَا, وحَسِّنْ أَعْمَالَنَا, وَأَخْلِصْ نِيَّاتِنَا لِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ! وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ! وَيَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ.

اللهم! أَحْيِنَا ما عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لَنَا, وَتَوَفَّنَا إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لَنَا.

اللهم! أَحْيِنَا مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لَنَا, وَتَوَفَّنَا إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لَنَا.

اللهم! أَحْسِنْ خَاتِمَتَنَا يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ!

اللهم! إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنَا الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ, نَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطْنَا الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ.

اللهم! طَهِّرْ قُلُوبَنَا, طَهِّرْ قُلُوبَنَا.

اللهم! طَهِّرْ قُلُوبَنَا, طَهِّرْ قُلُوبَنَا, بَلِّغْنَا مِمَّا يُرْضِيكَ آمَالَنَا, بَلِّغْنَا مِمَّا يُرْضِيكَ آمَالَنَا.

اللهم! ثَبِّتْ أَقْدَامَنَا, وَاهْدِ قُلُوبَنَا, اهْدِ قُلُوبَنَا, اهْدِ قُلُوبَنَا.

اللهم! اسْلُلْ سَخِيمَةَ قُلُوبِنَا, اسْلُلْ سَخِيمَةَ قُلُوبِنَا.

اللهم! اسْلُلْ حِقْدَ قُلُوبِنَا, اسْلُلْ حَسَدَ قُلُوبِنَا, اسْلُلْ غِلَّ قُلُوبِنَا.

اللهم! اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ, وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلْذَّينَ آمَنُوا.

اللهم! لَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلْذَّينَ آمَنُوا. اللهم! لَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلْذَّينَ آمَنُوا.

اللهم! خُذْ بِأَيدِينَا إِلَيْكَ, وَأَقْبِلْ بِقُلُوبِنَا عَلَيْكَ.

اللهم! يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ! وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ! وَيَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ! وَيَا ذَا الْقُوَّةِ الْمَتِينِ! اللهم! أَدْرِكْ أُمَّةَ نَبِيِّكَ ﷺ.

اللهم! أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ أَبْنَائِهَا, أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ أَبْنَائِهَا.

اللهم اجْمَعْ شَمْلَ الْمُسْلِمِينَ, اجْمَعْ شَمْلَ الْمُسْلِمِينَ, وَحِّدْ صُفُوفَ الْمُسْلِمِينَ.

اللهم اسْتُرْ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ, وَآمِنْ رَوْعَاتِ الْمُسْلِمِينَ.

اللهم! آمِنْ رَوْعَاتِ الْمُسْلِمِينَ.

اللهم احْقِنْ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ.

اللهم سَلِّمْ وَطَنَنَا وَجَمِيعَ أَوْطَانِ الْمُسْلِمِينَ, سَلِّمْ وَطَنَنَا وَجَمِيعَ أَوْطَانِ الْمُسْلِمِينَ, وَطَهِّرْ أَرْضَ الْمُسْلِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ! مِنْ كُلِّ غَازٍ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ.

يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ! وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ! وَيَا ذَا الْقُوَّةِ الْمَتِينِ! أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ حُكَّامًا وَمَحْكُومِينَ, وَاجْمَعِ الْجَمِيعَ عَلَى طَاعَتِكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ!

اللهم! خُذْ بِأَيدِينَا إِلَيْكَ, وَأَقْبِلْ بِقُلُوبِنَا عَلَيْكَ.

اللهم! احْرُسْنَا بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ, وَبِرُكْنِكَ الَّذِي لَا يُضَامُ, وَبِقُدْرَتِكَ عَلَيْنَا, لَا نَهْلِكُ وَأَنْتَ رَجَاؤُنَا.

اللهم! اخْتِمْ لَنَا بِخَاتِمَةِ السَّعَادَةِ أَجْمَعِينَ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.

 

المصدر:مَا صَحَّ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  مَخَاطِرُ التَّطَرُّفِ الْفِكْرِيِّ وَالِانِفْلَاتِ الْأَخْلَاقِيِّ
  إنَّهم قَتَلَةُ الحُسين - رضي الله عنه -
  الرد على الملحدين:مبحث عن الطبيعة ما هي؟ وما هي مفاهيمها؟ وما حقيقة تأثيرها؟
  مختصر الرد على أهل الإلحاد
  الْوَفَاءُ بِالْعُقُودِ وَالْعُهُودِ
  التكفير .. أصوله وضوابطه
  بين الحياة والموت
  رَمَضَانُ شَهْرُ الِانْتِصَارَاتِ وَقَضِيَّةُ فِلَسْطِينَ قَضِيَّةُ الْأُمَّةِ
  عيد الفطر لعام 1437هـ .. اتقوا الظلم
  فَضْلُ تَعْلِيمِ الْعِلْمِ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان