الْمَفَاهِيمُ الصَّحِيحَةُ لِلْهِجْرَةِ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ

الْمَفَاهِيمُ الصَّحِيحَةُ لِلْهِجْرَةِ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ

((الْمَفَاهِيمُ الصَّحِيحَةُ لِلْهِجْرَةِ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

((الْهِجْرَةُ إِلَى الْحَبَشَةِ أَوَّلُ هِجْرَةٍ فِي الْإِسْلَامِ))

«فَلَمَّا اشْتَدَّ أَذَى الْمُشْرِكِينَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ، وَفُتِنَ مِنْهُمْ مَنْ فُتِنَ حَتَّى قِيلَ لِأَحَدِهِمْ -أَيْ: لِبَعْضِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا وُجُوهَهُمْ وَقُلُوبَهُمْ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ-: اللَّاتُ وَالْعُزَّى إِلَهُكَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ.

وَحَتَّى إِنَّ الْجُعَلَ -وَهُوَ دَابَّةٌ سَوْدَاءُ كَالْخُنْفُسَاءِ مِنْ دَوَّابِّ الْأَرْضِ، قِيلَ هُوَ أَبُو جِعْرَانَ- لَيَمُرُّ بِهِمْ، فَيَقُولُونَ لِمَنْ أَسْلَمَ: وَهَذَا إِلَهُكَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟!! فَيَقُولُ: نَعَمْ .

وَمَرَّ عَدُوُّ اللَّهِ أَبُو جَهْلٍ بِسُمَيَّةَ أُمِّ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَهِيَ تُعَذَّبُ، وَكَذَلِكَ يُعَذَّبُ زَوْجُهَا وَابْنُهَا، فَطَعَنَهَا بِحَرْبَةٍ فِي فَرْجِهَا حَتَّى قَتَلَهَا!! .

فَلَمَّا اشْتَدَّ الْبَلَاءُ؛ أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهُمْ بِالْهِجْرَةِ الْأُولَى إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ .

وَكَانَ أَهْلُ هَذِهِ الْهِجْرَةِ الْأُولَى اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا وَأَرْبَعَ نِسْوَةٍ.

ثُمَّ كَانَتِ الْهِجْرَةُ الثَّانِيَةُ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَفِيهَا نَحْوُ ثَمَانِينَ رَجُلًا وَبِضْعَ عَشْرَةَ امْرَأَةً، فَانْحَازَ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى مَمْلَكَةِ أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ آمِنِينَ.

فَلَمَّا عَلِمَتْ قُرَيْشٌ بِذَلِكَ بَعَثَتْ فِي أَثَرِهِمْ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ بِهَدَايَا وَتُحَفٍ مِنْ بَلَدِهِمْ إِلَى النَّجَاشِيِّ؛ لِيَرُدَّهُمْ عَلَيْهِمْ، فَأَبَى ذَلِكَ النَّجَاشِيُّ عَلَيْهِمْ، فَوَشَوْا إِلَيْهِ أَنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ فِي عِيسَى: إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ.

فَاسْتَدْعَى الْمُهَاجِرِينَ إِلَى مَجْلِسِهِ، وَمُقَدَّمُهُمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى؟

فَتَلَا عَلَيْهِ جَعْفَرٌ صَدْرًا مِنْ سُورَةِ {كهيعص}، فَأَخَذَ النَّجَاشِيُّ عُودًا مِنَ الْأَرْضِ، فَقَالَ: مَا زَادَ عِيسَى عَلَى هَذَا وَلَا هَذَا الْعُودَ . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ.

فَسَلَفُنَا مِنْ أَصْحَابِ نَبِيِّنَا ﷺ السَّابِقِينَ أُوذُوا فِي اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِيذَاءً عَظِيمًا، عُذِّبُوا وَطُورِدُوا، وَخَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَدُورِهِمْ وَمُمْتَلَكَاتِهِمْ مُهَاجِرِينَ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَلَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْبِحَارِ، وَإِنَّمَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الصَّحَرَاءِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ رَكِبُوا الْبَحْرَ عَلَى مَتْنِهِ، وَشَقُّوا عُبَابَهُ إِلَى الضَّفَّةِ الْأُخْرَى إِلَى الْحَبَشَةِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَفِرُّوا بِدِينِهِمْ، وَمِنْ أَجْلِ أَنْ يَعْبُدُوا رَبَّهُمْ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بَعِيدًا عَنْ إِيذَاءِ قُرَيْشٍ لَهُمْ.

لَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْتَشِرُ، أَجْمَعُوا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَلَّا يُبَايِعُوهُمْ، وَلَا يُنَاكِحُوهُمْ، وَلَا يُكَلِّمُوهُمْ، وَلَا يُجَالِسُوهُمْ حَتَّى يُسَلِّمُوا إِلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ.

وَكَتَبُوا بِذَلِكَ صَحِيفَةً وَعَلَّقُوهَا فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، فَانْحَازَ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ إِلَى الشِّعْبِ إِلَّا أَبَا لَهَبٍ، فَإِنَّهُ ظَاهَرَ قُرَيْشًا.

وَحُبِسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ فِي شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ نَحْوَ ثَلَاثِ سِنِينَ .

وَعَانَوْا مِنَ الْجُوعِ عَنَاءً شَدِيدًا حَتَّى أَكَلُوا أَوْرَاقَ الْأَشْجَارِ، ثُمَّ ثَنَّوْا بِلِحَاءِ الْأَشْجَارِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَقَعَ مِنَ الْمَجَاعَةِ الْعَظِيمَةِ، وَظَلُّوا مَحْصُورِينَ فِي الشِّعْبِ، مُقَاطَعِينَ مِنْ قُرَيْشٍ ثَلَاثَ سِنِينَ.

وَلَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ، ثُمَّ مَاتَتْ خَدِيجَةُ، وَبَيْنَهُمَا يَسِيرٌ، اشْتَدَّ الْبَلَاءُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ سُفَهَاءِ قَوْمِهِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الطَّائِفِ -إِلَى ثَقِيفٍ-؛ رَجَاءَ أَنْ يُؤْوُوهُ وَيَنْصُرُوهُ، وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، فَلَمْ يَنْصُرُوهُ بَلْ آذَوْهُ، وَكَانَ مَعَهُ مَوْلَاهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَأَقَامَ بَيْنَهُمْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ لَا يَدَعُ أَحَدًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ إِلَّا جَاءَهُ وَكَلَّمَهُ.

فَقَالُوا: اخْرُجْ مِنْ بَلَدِنَا، وَأَغْرَوْا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ، فَجَعَلُوا يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى دَمِيَتْ قَدَمَاهُ، فَانْصَرَفَ رَاجِعًا مِنَ الطَّائِفِ إِلَى مَكَّةَ مَحْزُونًا، وَدَخَلَهَا فِي جِوَارِ الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكًا .

وَهَذَا إِيذَاءٌ عَظِيمٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ!!

وَأَرْسَلَ رَبُّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَيْهِ مَلَكَ الْجِبَالِ يَسْتَأْمِرُهُ أَنْ يُطْبِقَ الْأَخْشَبَيْنِ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَالْأَخْشَبَانِ جَبَلَاهَا اللَّذَانِ هِيَ بَيْنَهُمَا، قَالَ: ((لَا، بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ يُخْرِجُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا))  » . كما في ((الصحيحين))، فَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، مَا أَحْلَمَهُ، وَمَا أَشْفَقَهُ، وَمَا أَرْأَفَهُ!

 ((الْهِجْرَةُ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ))

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! لَقَدْ شَرَعَ اللهُ الْهِجْرَةَ لِنَبِيَّهِ ﷺ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ آذَوْهُ وَآذَوْا أَصْحَابَهُ فَلَطَفَ اللهُ بِهِمْ وَأَمَرَهُمْ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ.

وَكَانَ ذَلِكَ إِيذَانًا بِنُصْرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَظُهُورِ الدِّينِ وَقِيَامِ أَوَّلِ دَولَةٍ فِي الْإِسْلَامِ وَخِزْيِ الْكَفَرَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ. وَالْهِجْرَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إِلَى غَيرِ مَكَّةَ بَاقِيَةٌ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ.

«أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَبَادَرَ النَّاسُ إِلَى ذَلِكَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ، وَامْرَأَتُهُ أُمُّ سَلَمَةَ، وَلَكِنَّهَا احْتُبِسَتْ دُونَهُ، ثُمَّ خَرَجَتْ بَعْدَ السَّنَةِ بِوَلَدِهَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَشَيَّعَهَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْكُفْرِ، ثُمَّ خَرَجَ النَّاسُ أَرْسَالًا مُتَتَابِعِينَ.

وَمَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِقَامَةِ الْمُسْلِم بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ إِذَا قَدَرَ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنْ بَيْنِهِمْ، وَقَالَ: ((أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ)).

قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! لِمَ؟

قَالَ: ((لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا)) . وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

وَلَمْ يَبْقَ بِمَكَّةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعَلِيٌّ بِأَمْرِهِ لَهُمَا، وَإِلَّا مَنِ احْتَبَسَهُ الْمُشْرِكُونَ كَرْهًا، وَقَدْ أَعَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ جِهَازَهُ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ، وَأَعَدَّ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- جِهَازَهُ.

وَذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي ((الْمُسْتَدْرَكِ)) : عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِجِبْرَائِيلَ: ((مَنْ يُهَاجِرُ مَعِي؟)).

قَالَ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيق.

وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبِي بَكْرٍ مُتَقَنِّعًا نِصْفَ النَّهَارِ فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِيهِ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ: ((أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ)).

فَقَالَ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.

فَقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ))؛ يَعْنِي فِي الْهِجْرَةِ.

فَقَالَ أبو بكر: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((نَعَمْ)).

فَقَالَ أبو بكر: فَخُذْ بِأَبِي وَأُمِّي إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((بِالثَّمَنِ)) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَنَلْحَظُ هَا هُنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي هَذِهِ الطَّاعَاتِ الْعَظِيمَةِ -كَمَا فِي الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ- لَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدٍ فِيهَا يَدًا، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -وَمَنْزِلَتُهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَا هِيَ- لَمَّا قَالَ: خُذْ بِأَبِي وَأُمِّي إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُ: ((بِالثَّمَنِ)).

وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَرْضِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا مَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَدْ أَبَى إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ مَأْخُوذَةً بِثَمَنِهَا.

مَضَى النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ إِلَى غَارِ ثَوْرٍ، فَدَخَلَاهُ، وَكَانَا قَدِ اسْتَأْجَرَا عَبْدَ اللهِ بْنَ أُرَيْقِطٍ اللَّيْثِيَّ، وَكَانَ هَادِيًا خِرِّيتًا مَاهِرًا بِالطَّرِيقِ، وَكَانَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ، وَأَمِنَاهُ عَلَى ذَلِكَ، وَسَلَّمَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثٍ.

وَجَدَّتْ قُرَيْشٌ فِي طَلَبِهِمَا، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى بَابِ الْغَارِ، فَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) : أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى مَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا.

فَقَالَ ﷺ: ((يَا أبا بكر! مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ يَبِيتُ مَعَهُمَا فِي الْغَارِ، ثُمَّ يُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ، وَيَسْتَمِعُ مَا يُقَالُ بِمَكَّةَ، ثُمَّ يَأْتِيهِمَا بِالْخَبَرِ.

قَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الْجِهَازِ، وَوَضَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا، فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الْجِرَابِ، فَبِذَلِكَ لُقِّبَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ.

وَلَمَّا يَئِسَ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الظَّفَرِ بِهِمَا جَعَلُوا لِمَنْ جَاءَ بِهِمَا دِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَجَدَّ النَّاسُ فِي الطَّلَبِ؛ طَمَعًا فِي الدِّيَةِ؛ أَيْ فِي الْجُعْلِ الَّذِي جَعَلَتْهُ قُرَيْشٌ لِمَنْ أَتَى بِهِمَا، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، فَلَمَّا مَرُّوا بِحَيِّ بَنِي مُدْلِجٍ مُصْعِدِينَ مِنْ قُدَيْدٍ، بَصُرَ بِهِمْ رَجُلٌ مِنَ الْحَيِّ، فَوَقَفَ عَلَى الْحَيِّ، فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ آنِفًا بِالسَّاحِلِ أَسْوِدَةً مَا أُرَاهَا إِلَّا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ.

فَفَطِنَ لِلْأَمْرِ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ، فَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ الظَّفَرُ لَهُ خَاصَّةً، فَقَالَ: بَلْ هُمْ فُلَانٌ وَفُلَانٌ خَرَجَا فِي طَلَبِ حَاجَةٍ لَهُمَا، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا، ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ خِبَاءَهُ، وَقَالَ لِخَادِمِهِ: اخْرُجْ بِالْفَرَسِ مِنْ وَرَاءِ الْخِبَاءِ وَمَوْعِدُكَ وَرَاءَ الْأَكَمَةِ -وَالْأَكَمَةُ: الشَّيْءُ الْمُرْتَفِعُ قَلِيلًا.

ثُمَّ أَخَذَ رُمْحَهُ وَخَفَضَ عَالِيَهُ يَخُطُّ بِهِ الْأَرْضَ حَتَّى رَكِبَ فَرَسَهُ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُمْ وَسَمِعَ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَلْتَفِتُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ قَدْ رَهِقَنَا -أَيْ: لَحِقَنَا وَأَدْرَكَنَا وَاقْتَرَبَ مِنَّا- فَدَعَا عَلَيْهِ ﷺ فَسَاخَتْ يَدَا فَرَسِهِ فِي الْأَرْضِ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الَّذِي أَصَابَنِي بِدُعَائِكُمَا، فَادْعُوَا اللَّهَ لِي، وَلَكُمَا عَلَيَّ أَنْ أَرُدَّ النَّاسَ عَنْكُمَا، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأُطْلِقَ، وَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا، فَكَتَبَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ بِأَمْرِهِ ﷺ فِي أَدِيمٍ.

* رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ:

بَلَغَ الْأَنْصَارَ مَخْرَجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ، وَقَصْدُهُ الْمَدِينَةَ، فَكَانُوا يَخْرُجُونَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى الْحَرَّةِ يَنْتَظِرُونَهُ أَوَّلَ النَّهَارِ، فَإِذَا اشْتَدَّ حَرُّ الشَّمْسِ رَجَعُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ ثَانِي عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ عَلَى رَأْسِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنَ النُّبُوَّةِ، خَرَجُوا عَلَى عَادَتِهِمْ.

فَلَمَّا حَمِيَ حَرُّ الشَّمْسِ رَجَعُوا، وَصَعِدَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ لِبَعْضِ شَأْنِهِ، فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ مُبَيِّضِينَ يَزُولُ بِهِمُ السَّرَابُ، فَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا بَنِي قَيْلَةَ! هَذَا صَاحِبُكُمْ قَدْ جَاءَ، هَذَا جَدُّكُمُ الَّذِي تَنْتَظِرُونَهُ.

فَبَادَرَ الْأَنْصَارُ إِلَى السِّلَاحِ لِيَتَلَقَّوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَسُمِعَتِ الرَّجَّةُ وَالتَّكْبِيرُ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ فَرَحًا بِقُدُومِهِ، وَخَرَجُوا لِلِقَائِهِ، فَتَلَقَّوْهُ وَحَيَّوْهُ بِتَحِيَّةِ النُّبُوَّةِ، فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ بِقُبَاءَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَأَسَّسَ مَسْجِدَ قُبَاء، وَهُوَ أَوَّلُ مَسْجِدٍ أُسِّسَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ.

فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ رَكِبَ بِأَمْرِ اللَّهِ لَهُ، فَأَدْرَكَتْهُ الْجُمُعَةُ فِي بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، فَجَمَّعَ بِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي فِي بَطْنِ الْوَادِي.

ثُمَّ رَكِبَ، فَأَخَذُوا بِخِطَامِ رَاحِلَتِهِ، هَلُمَّ إِلَى الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ وَالسِّلَاحِ وَالْمَنَعَةِ، فَقَالَ: ((خَلُّوا سَبِيلَهَا -يَعْنِي النَّاقَةَ- فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ)) ،

فَسَارَتْ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى مَوْضِعِ مَسْجِدِهِ -أَيْ: إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بُنِيَ فِيهِ الْمَسْجِدُ- الْيَوْمَ وَبَرَكَتْ -أَيِ: النَّاقَةُ- وَلَمْ يَنْزِلْ عَنْهَا حَتَّى نَهَضَتْ وَسَارَتْ قَلِيلًا، ثُمَّ الْتَفَتَتْ فَرَجَعَتْ فَبَرَكَتْ فِي مَوْضِعِهَا الْأَوَّلِ، فَنَزَلَ عَنْهَا وَذَلِكَ فِي بَنِي النَّجَّارِ أَخْوَالِهِ ﷺ.

وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ تَوْفِيقِ اللَّهِ لَهَا، فَإِنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى أَخْوَالِهِ يُكْرِمُهُمْ بِذَلِكَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُكَلِّمُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي النُّزُولِ عَلَيْهِمْ، وَبَادَرَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ إِلَى رَحْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَدْخَلَهُ بَيْتَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((الْمَرْءُ مَعَ رَحْلِهِ))، وَجَاءَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ فَأَخَذَ بِزِمَامِ رَاحِلَتِهِ، فَكَانَتْ عِنْدَهُ .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَأُمِرَ بِالْهِجْرَةِ وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} [الْإِسْرَاءِ: 80] .

قَالَ قَتَادَةُ: «أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَخْرَجَ صِدْقٍ, وَنَبِيُّ اللَّهِ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ إِلَّا بِسُلْطَانٍ، فَسَأَلَ اللَّهَ سُلْطَانًا نَصِيرًا» .

وَأَرَاهُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- دَارَ الْهِجْرَةِ وَهُوَ بِمَكَّةَ، فَقَالَ: ((قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، أُرِيتُ سَبْخَةً ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ)) .

قَالَ الْبَرَاءُ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلَا يُقْرِئَانِ النَّاسَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ جَاءَ عَمَّارٌ وَبِلَالٌ وَسَعْدٌ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي عِشْرِينَ رَاكِبًا، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَمَا رَأَيْتُ النَّاسَ فَرِحُوا بِشَيْءٍ كَفَرَحِهِمْ بِهِ، حَتَّى رَأَيْتُ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَالْإِمَاءَ يَقُولُونَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺقَدْ جَاءَ . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((الصَّحِيحِ)).

* بِنَاءُ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ:

شَرَعَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: بَرَكَتْ نَاقَةُ النَّبِيِّ ﷺ مَوْضِعَ مَسْجِدِهِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ يُصَلِّي فِيهِ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مِرْبَدًا لسهل وسهيل -غُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ- كَانَا فِي حِجْرِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَسَاوَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْغُلَامَيْنِ بِالْمِرْبَدِ لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا.

فَقَالَا: بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.

فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَابْتَاعَهُ مِنْهُمَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وَكَانَ جِدَارًا لَيْسَ لَهُ سَقْفٌ، وَقِبْلَتُهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيُجَمِّعُ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

وَكَانَ فِيهِ شَجَرَةُ غَرْقَدٍ وَنَخْلٌ وَقُبُورٌ لِلْمُشْرِكِينَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقُبُورِ فَنُبِشَتْ، وَبِالنَّخْلِ وَالشَّجَرِ فَقُطِعَتْ، وَصُفَّتْ فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، وَجَعَلَ طُولَهُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ إِلَى مُؤَخَّرِهِ مِئَةَ ذِرَاعٍ، وَالْجَانِبَيْنِ مِثْلَ ذَلِكَ أَوْ دُونَهُ، وَجَعَلَ أَسَاسَهُ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، ثُمَّ بَنَوْهُ بِاللَّبِنِ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْنِي مَعَهُمْ، وَيَنْقُلُ اللَّبِنَ وَالْحِجَارَةَ بِنَفْسِهِ وَيَقُولُ:

اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَهْ=فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ

وَكَانَ يَقُولُ:

هَذَا الْحِمَالُ لَا حِمَالَ خَيْبَرَ=هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرْ

* الْمُؤَاخَاةُ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ:

ثُمَّ آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ عَلَى الْمُوَاسَاةِ، وَيَتَوَارَثُونَ بَعْدَ الْمَوْتِ دُونَ ذَوِي الْأَرْحَامِ إِلَى حِينِ وَقْعَةِ بَدْرٍ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- قَوْلَهُ: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال: 75]؛ رَدَّ التَّوَارُثَ إِلَى الرَّحِمِ دُونَ عَقْدِ الْأُخُوَّةِ.

وَلَوْ آخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ لَكَانَ رَفِيقُهُ فِي الْهِجْرَةِ وَأَنِيسُهُ فِي الْغَارِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَحَقَّ النَّاسِ بِأُخُوَّتِهِ، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ آخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أبا بكر خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ)).

وَفِي لَفْظٍ: ((وَلَكِنْ أَخِي وَصَاحِبِي)) » .

عِبَادَ اللَّهِ؛ إِنَّ هِجْرَةَ النَّبِيِّ ﷺ حَدَثٌ فَذٌّ مَتَفِرِّدٌ فِي تَارِيخِ الْبَشَرِيَّةِ؛ إِذْ فَرَقَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهَا بَيْنَ عَهْدَيْنِ؛ بَيْنَ عَهْدٍ كَانَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ وَالْمُسْتَضْعَفُونَ مَعَهُ فِي حَالِ اسْتِضْعَافٍ وَخَوْفٍ وَفِي حَالِ مُطَارَدَةٍ وَإِيذَاءٍ إِلَى حَالِ عِزٍّ وَمَنَعَةٍ.

وَأَخَذَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَصَافَّ لَا تَرْقَى إِلَيْهَا النُّجُومُ، وَرَفَعَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ذِكْرَ نَبِيِّهِ ﷺ وَأَعَزَّهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، وَرَفَعَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ كَلِمَةَ الدِّينِ حَتَّى أَصْبَحَتْ كَلِمَةُ الْكُفْرِ صَاغِرَةً كَمَا هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ وَعَلَى الدَّوَامِ.

 ((مَعْنَى الْهِجْرَةِ وَأَدِلَّتُهَا وَشُرُوطُهَا))

الْهِجْرَةُ فِي اللُّغَةِ: هِيَ التَّرْكُ وَالْخُرُوجُ مِنْ بَلَدٍ أَو أَرْضٍ أَو نَحْوِ ذَلِكَ.

وَفِي الشرعِ: مُفَارَقَةُ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَمُفَارَقَةُ دَارِ الْخَوْفِ إِلَى دَارِ الْأَمَانِ، وَتُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى تَرْكِ الْمُنْكَرَاتِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5].

وَلَا شَكَّ أَنَّ لِذِكْرِ الْهِجْرَةِ مُنَاسَبَةً وَثِيقَةً فِي الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ، فَحِينَمَا يَتَبَرَّأُ الْإِنْسَانُ مِنْ الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ فَإِنَّهُ يَتَبَرَّأُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ، وَإِذَا تَبَرَّأَ مِنْ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ، وَكَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُقِيمَ شَعَائِرَ الدِّينِ كَانَ لِزَامًا عَلَيهِ وَمِنْ مُتَمِّمَاتِ الْبَرَاءَةِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَلَدِهِ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ؛ لِيَعْبُدَ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا-، وَيُقِيمَ شَعَائِرَ اللهِ تَعَالَى، وَيَتَّبِعَ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ.

وَالْهِجْرَةُ شَأْنُهَا عَظِيمٌ، وَلَكِنْ هَذِهِ الْهِجْرَةُ الْوَاجِبَةُ لَا تَكُونُ وَاجِبَةً إِلَّا بِشُرُوطٍ، وَالْهِجْرَةُ تَكُونُ مِنْ بَلَدِ الْإِشْرَاكِ إِلَى بَلَدِ الْإِسْلَامِ، وَبِلَادُ الْإِشْرَاكِ هِيَ الْبِلَادُ الَّتِي لَا يُقَامُ بِهَا شَعَائِرُ الْإِسْلَامِ.

وَتُسَمَّى هَذِهِ بِلَادَ إِشْرَاكٍ، فَقَدْ يُقِيمُ أَقَلِّيَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي بِلَادِ الشِّرْكِ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُقِيمُوا بَعْضَ الدِّينِ، وَلَكِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْإِسْلَامُ شَامِلًا وَعَامًّا فِي تِلْكَ الْبِلَادِ، فَالْبِلَادُ تُسَمَّى بِلَادَ الشِّرْكِ.

لَكِنْ مِنْ حَيثُ حُكْمُ الْهِجْرَةِ وَوُجُوبُهَا فَسَيَأْتِي ذِكْرُ شُرُوطِ الْوُجُوبِ لِلْهِجْرَةِ مِنْ تِلْكَ الْبِلَادِ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ.

النَّبِيُّ ﷺ أَمَرَ بِالْهِجْرَةِ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَبَيَّنَ أَنَّهَا فَرِيضَةٌ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْعِبَادَةِ مِنْ حَيثُ التَّشْرِيعُ:

الْوُجُوب، وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكُونُ مُسْتَحَبَّةً؛ إِذْ قَدْ يَكُونُ الْبَقَاءُ فِي بِلَادِ الشِّرْكِ مُسْتَحَبًّا، وَكُلُّ هَذَا بِحَسَبِ الْحَالِ.

وَقَدْ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْهِجْرَةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ:

أَمَّا مِنَ الْكِتَابِ؛ فَقَولُهُ سُبْحَانَه: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا}، فَلَامَهُم اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- لِعَدَمِ هِجْرَتِهِمْ، وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ أَوقَعُوا الظُّلْمَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَأَثِمُوا بِذَلِكَ.

قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 97-99].

وَأَمَّا شُرُوطُ وُجُوبِ الْهِجْرَةِ:

فَأَوَّلُهَا: الْقُدْرَةُ عَلَى الْهِجْرَةِ، فَإِذَا كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُهَاجِرَ كَأَنْ يَكُونَ فِي بِلَادِ الْإِشْرَاكِ وَيَكُونَ الْخُرُوجُ مِنْ تِلْكَ الْبِلَادِ مَمْنُوعًا، أَو كَأَنْ يَكُونَ عَلَيهِ حَظْرٌ أَو نَحْوُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ فِي حَقِّهِ الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْهُ، وَالْوَاجِبَاتُ تَسْقُطُ بِالْعَجْزِ.

يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَولُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيهِ: ((إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ)) .

وَمَوْطِنُ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ مِنْ الْآيَاتِ الَّتِي مَرَّتْ قَولُهُ: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا}، وَهَذَا فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْأَمْرَ مَفْسُوحٌ وَوَاسِعٌ فِي الْهِجْرَةِ بِخِلَافِ الْعَاجِزِ، فَلَيسَ مَعَهُ سَعَةٌ يَسْتَطِيعُ مَعَهَا الْهِجْرَةَ.

فَأَوَّلُ شَرْطٍ لِوُجُوبِ الْهِجْرَةِ: الْقُدْرَةُ عَلَيهَا.

الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ غَيرَ مُسْتَطِيعٍ مِنْ إِظْهَارِ دِينِهِ، قَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ يَسْتَطِيعُ الْهِجْرَةَ، وَلَكِنَّهُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ يَقُولُ: أَسْتَطِيعُ أَنْ أُظْهِرَ دِينِي، أُصَلِّي فِي الْمَسَاجِدِ وَآتِي بِجَمِيعِ شَرَائِعِ الدِّينِ، وَلَا يَكُونُ هُنَاكَ شَيءٌ يُعِيقُ عَنْ تَطْبِيقِ الدِّينِ، فَالْهِجْرَةُ غَيرُ وَاجِبَةٍ حِينَئِذٍ فَيَنْتَقِلُ مِنَ الْوُجُوبِ إِلَى الْاسْتِحْبَابِ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْبِلَادُ بِلَادَ شِرْكٍ أَو بِلَادَ فِسْقٍ.

لَكِنْ إِذَا قَالَ: أَنَا أَسْتَطِيعُ الْهِجْرَةَ وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُظْهِرَ دِينِي، فَحِينَئِذٍ يُقَالُ لَهُ: لَا زَالَ الْأَمْرُ عَلَيكَ وَاجِبًا مِنْ حَيثُ الْهِجْرَةُ.

وَمَوطِنُ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ مِنَ الْآيَاتِ السَّابِقَةِ قَولُهُ تَعَالَى: {قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ}، وَ{مُسْتَضْعَفِينَ}؛ يَعْنِي: أَذِلَّاءَ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُقِيمُوا شَعَائِرَ الدِّينِ.

إِذَنْ؛ مِمَّا سَبَقَ نَعْرِفُ أَنَّ الْهِجْرَةَ لَا تَجِبُ إِلَّا بِشَرْطَينِ: الْأَوَّلُ الْقُدْرَةُ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَالثَّانِي عَدَمُ التَّمَكُّنِ مِنْ إِظْهَارِ شَعَائِرِ الدِّينِ، حِينَئِذٍ تَكُونُ الْهِجْرَةُ وَاجِبَةً، أَمَّا إِذَا اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ هَذَينِ الشَّرْطَينِ فَإِنَّهَا تَنْتَقِلُ إِلَى الِاسْتِحْبَابِ.

الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: الْقُدْرَةُ عَلَى الْهِجْرَةِ.

الثَّانِي: عَدَمُ التَّمَكُّنِ مِنْ إِظْهَارِ شَعَائِرِ الدِّينِ.

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ- : ((نَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ الْكَرِيمَةُ عَامَّةً فِي كُلِّ مَنْ أَقَامَ بَينَ ظَهْرَانَيِ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْهِجْرَةِ وَلَيسَ مُتَمَكِّنًا مِنْ إِقَامَةِ الدِّينِ، فَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُرْتَكِبٌ حَرَامًا بِالْإِجْمَاعِ وَبِنَصِّ هَذِهِ الْآَيَةِ)).

* أَصْنَافُ النَّاسِ فِي الْهِجْرَةِ:

وَعَلَيهِ، يُمْكِنُ تَصْنِيفُ النَّاسِ فِي الْهِجْرَةِ مِنْ بِلَادِ الشِّرْكِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ:

الصِّنْفُ الْأَوَّلُ: مَنْ تَجِبُ عَلَيهِ الْهِجْرَةُ، وَهُوَ مَنْ تَوفَّرَ فِيهِ الشَّرْطَانِ السَّابِقَانِ، الْقُدْرَةُ عَلَى الْهِجْرَةِ وَعَدَمُ التَّمَكُّنِ مِنْ إِظْهَارِ شَعَائِرِ الدِّينِ.

الصِّنْفُ الثَّانِي: مَنْ لَا هِجْرَةَ عَلَيهِ، وَهُوَ الْعَاجِزُ عَنِ الْهِجْرَةِ.

وَالْعَاجِزُ عَنِ الْهِجْرَةِ عِدَّةُ أَصْنَافٍ: إِمَّا لِمَرَضٍ فَلَا يَسْتَطِيع، أَو لَيسَ عِنْدَهُ مَالٌ يَذْهَبُ بِهِ، أَو مُكْرَهٌ عَلَى الْإِقَامَةِ فِي بِلَادِ الشِّرْكِ؛ فَحِينَئِذٍ لَا تَجِبُ عَلَيهِ الْهِجْرَة لِأَنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- قَالَ: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا}.

الصِّنْفُ الثَّالِثُ: مَنْ تُسْتَحَبُّ لَهُ الْهِجْرَة، وَهُوَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْهِجْرَةِ لَكِنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ إِظْهَارِ دِينِهِ.

إِذَنْ؛ عَرَفْنَا أَنَّ الْهِجْرَةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً أَو مُسْتَحَبَّةً، وَقَدْ يَكُونُ عَدَمُ الْهِجْرَةِ مُسَتْحَبًّا فِي حَقِّ أَشْخَاصٍ مُعَيَّنِينَ، كَأَنْ يَحْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ عَيْنًا لَهُمْ هُنَاكَ، يَعْنِي يَحْتَاجُونَ مَنْ يَتَفَقَّدُ أَحْوَالَ الْمُشْرِكِينَ وَيُخْبِرُهُمْ وَيُعْطِيهِمْ أَخْبَارَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْحَقِيقَةِ مَع بَيَانِ خُطَطِهِمْ وَمَكَائِدِهِمْ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْأَمْرُ مُسْتَحَبًّا.

أَمَّا إِذَا كَانَ أَمْرُ الْبَقَاءِ لَا يَنْطَبِقُ إِلَّا عَلَيهِ وَكَانَ الْأَمْرُ حَتْمًا لِلْمُسْلِمِينَ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْبَقَاءُ وَاجِبًا عَلَى حَسَبِ وُجُوبِ أَو احْتِيَاجِ الْمُسْلِمِينَ.

لَو أَنَّ شَخْصًا تَحَقَّقَتْ فِيهِ شُرُوطُ وُجُوبِ الْهِجْرَةِ وَلَمْ يُهَاجِرْ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يُعَدُّ عَاصِيًا ظَالِمًا لِنَفْسِهِ كَمَا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى؛ لَكِنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ دَائِرَةِ الْإِسْلَامِ بِتَرْكِهِ الْهِجْرَةَ.

قَالَ الْبَغَوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- : ((سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآَيَةِ فِي الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِمَكَّةَ لَمْ يُهَاجِرُوا، فَنَادَاهُم اللهُ بِاسْمِ الْإِيمَانِ)).

وَهَذَا هُوَ الْمَحْكِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ -رَحِمَهُمُ اللهُ-.

وَأَمَّا مَا يَدُلُّ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنَ السُّنَّةِ فَقَولُهُ ﷺ: ((لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا)) .

وَبِهَذَا يَكُونُ قَدْ دَلَّ عَلَى الْهِجْرَةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ.

وَأَمَّا حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ ﷺ: ((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ)). وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ؛ فَمَعْنَاهُ: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَقَدْ فُتِحَتْ.

فَالْمَقْصُودُ بِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ: ((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ))؛ أَي: لَا هِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ بَعْدَ فَتْحِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ بِالْفَتْحِ تَحَوَّلَتْ مَكَّةُ مِنْ كَونِهَا دَارَ كُفرٍ إِلَى دَارِ إِسْلَامٍ، وَلَمَّا صَارَتْ دَارَ إِسْلَامٍ انْتَهَى وُجُوبُ الْهِجْرَةِ مِنْهَا، أَو اسْتِحْبَابُ الْهِجْرَةِ مِنْهَا.

وَأَمَّا الْهِجْرَةُ مِنْ بَلَدِ الشِّرْكِ إِلَى بَلَدِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ مُسْتَمِرَّةٌ؛ لِقَولِهِ ﷺ: ((لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا))، وَلِلْعُمُومِ الْوَارِدِ فِي قَولِ رَبِّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ}.

((أَنْوَاعُ الْهِجْرَةِ))

الْهِجْرَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْهَجْرِ، وَهُوَ نَوعَان:

هَجْرٌ عَلَى وَجْهِ التَّأْدِيبِ: وَهُوَ هَجْرُ مَنْ يُظْهِرُ الْبِدَعَ وَالْمُنْكَرَاتِ، وَالْمَقْصُودُ بِهِ زَجْرُ الْمَهْجُورِ وَتَأْدِيبُهُ بِسَبَبِ مَعْصِيَتِهِ، وَصَرْفُ الْعَامَّةِ عَنْ مِثْلِ حَالِهِ، فَإِنْ كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي ذَلِكَ رَاجِحَةً كَانَ مَشْرُوعًا، فَقَدْ هَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَصَاحِبَيهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-  بِسَبَبِ تَخَلُّفِهِمْ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ مِنْ غَيرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ.

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْهَجْرِ فَائِدَةٌ أَو كَانَتْ فِيهِ مَفْسَدَةٌ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْهَجْرُ؛ لِذَلِكَ لَمْ يَهْجُرِ النَّبِيُّ ﷺ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي مَكَّةَ وَلَمْ يَهْجُرْ رُؤُوسَ الْمُنَافِقِينَ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ بْنِ سَلُولَ وَنُظَرَائِهِ لِمَا فِي هَجْرِهِمْ مِنَ الْمَفْسَدَةِ الرَّاجِحَةِ.

وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ فَالتَّأْلِيفُ لِبَعْضِ النَّاسِ أَنْفَعُ مِنَ الْهَجْرِ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَأَلَّفُ أَقْوَامًا وَيَهْجُرُ آخَرِينَ.

هَذَا هُوَ النَّوعُ الْأَوَّلُ مِنْ نَوعَيِ الْهَجْرِ، الْهَجْرُ عَلَى وَجْهِ التَّأْدِيبِ لِلْمُبْتَدِعِ وَلِمُظْهِرِ الْمُنْكَرَاتِ وَلِغَيرِ ذَلِكَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ وَالزَّجْرَ.

النَّوعُ الثَّانِي: الْهَجْرُ بِمَعْنَى التَّرْك؛ أَي بِمَعْنَى تَرْكِ الْمُنْكَرَاتِ، وَمِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}.

وَقَولُهُ تَعَالَى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا}؛ أَي لَا يَشْهَدِ الْمُنْكَرَاتِ لِغَيرِ حَاجَةٍ كَالْإِنْكَارِ.

وَمِنَ التَّرْكِ هَجْرُ الْبِلَادِ -يَعْنِي أَرْضَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ- فَيَهْجُرُ الْمُقَامَ بَينَ أَظْهُرِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْفَاسِقِينَ، وَمِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}.

لَقَدْ كَانَتْ هِجْرَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ مَكَّةَ وَغَيرِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ وَاجِبَةً قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ؛ لِأَجْلِ أَنْ يُكَثِّرَ الْمُسْلِمُ الْمُهَاجِرُ سَوَادَ الْمُؤْمِنِينَ وَيُقَلِّلَ سَوَادَ الْكُفَّارِ، وَمِنْ أَجْلِ أَلَّا يُفْتَتَنَ فِي دِينِهِ، وَلِيَتَفَقَّهَ وَيَتَعَلَّمَ.

وَمَنْ تَرَكَهَا مَع الْقُدْرَةِ عَلَيهَا فَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُتَوَعَّدٌ بِمَا جَاءَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ} إِلَى قَولِهِ تَعَالَى: {فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}.

وَمَنْ نَوَى الْهِجْرَةَ وَلَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ.

ثُمَّ نُسِخَ الْوُجُوبُ بَعْدَ الْفَتْحِ وَصَارَتِ الْبِلَادُ كُلُّهَا بِلَادَ إِسْلَامٍ، مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَغَيرُهَا مِنَ الْجَزِيرَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، لَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ)).

وَقَولُهُ: ((لَا هِجْرَةَ)) أَي مِنْ مَكَّةَ، فَنُسِخَتِ الْهِجْرَةُ مِنْ مَكَّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ فِي عُمُومِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ إِذَا تَوَفَّرَتِ الشُّرُوطُ إِذَا كَانَتْ مِنْ بِلَادِ الشِّرْكِ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَإِذَا خَافَ عَلَى دِينِهِ الْفِتْنَةَ أَو كَانَتْ مِنْ بِلَادِ الْمَعَاصِي إِلَى بِلَادِ الطَّاعَةِ أَو مِنْ بِلَادٍ تَظْهَرُ فِيهَا الْبِدْعَةُ إِلَى بِلَادٍ تَظْهَرُ فِيهَا السُّنَّةُ.

وَبِلَادُ الشِّرْكِ هِيَ الَّتِي تَظْهَرُ فِيهَا شَعَائِرُ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ وَلَا تُقَامُ فِيهَا شَعَائِرُ الْإِسْلَامِ عَلَى وَجْهٍ عَامٍّ شَامِلٍ، وَقَدْ مَرَّتِ الشُّرُوطُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تَتَوَفَّرَ حَتَّى تَكُونَ الْهِجْرَةُ وَاجِبَةً.

 ((الْحَثُّ عَلَى الْهِجْرَةِ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ))

إِنَّ الْهِجْرَةَ -عِبَادَ اللهِ- مِنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﷺ، حَيْثُ قَالَ: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات: 99].

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِعَشِيرَتِهِ الْأَقْرَبِينَ: إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى أَرْضٍ غَيْرِ أَرْضِكُمْ، يَخْتَارُهَا لِي رَبِّي، سَيْهَدِينِي إِلَى حَيْثُ أَمَرَنِي بِالْهِجْرَةِ، وَهِيَ أَرْضُ الشَّامِ.

وَذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- -بَعْدُ- بِهَاجَرَ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ إِلَى مَكَّةَ، وَهِيَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَيْسَ فِيهَا سَكَنٌ وَلَا مَسْكَنٌ وَلَا مَاءٌ وَلَا زَرْعٌ وَلَا غَيْرُهُ، وَزَوَدَهُمَا بِسِقَاءٍ فِيهِ مَاءٌ، وَجِرَابٍ فِيهِ تَمْرٌ، وَوَضَعَهُمَا عِنْدَ دَوْحَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ مَحِلِّ بِئْرِ زَمْزَم، ثُمَّ قَفَّى عَنْهُمَا.

فَلَمَّا كَانَا فِي الثَّنِيَّةِ بِحَيْثُ يُشْرِفُ عَلَيْهِمَا دَعَا اللهَ تَعَالَى فَقَالَ: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37] إِلَى آخِرِ الدُّعَاءِ.

وَالْهِجْرَةُ -أَيْضًا- مِنْ شَرِيعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ؛ فَلَمَّا اشْتَدَّ أَذَى الْمُشْرِكِينَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ، وَفُتِنَ مِنْهُمْ مَنْ فُتِنَ، وَلَمَّا اشْتَدَّ الْبَلَاءُ؛ أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهُمْ بِالْهِجْرَةِ الْأُولَى إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، ثُمَّ كَانَتِ الْهِجْرَةُ الثَّانِيَةُ إِلَى الْحَبَشَةِ أَيْضًا.

ثُمَّ شَرَعَ اللهُ الْهِجْرَةَ لِنَبِيَّهِ ﷺ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ آذَوْهُ وَآذَوْا أَصْحَابَهُ.

وَأَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَبَادَرَ النَّاسُ إِلَى ذَلِكَ.

قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100].

وَمَنْ يُهَاجِرْ مِنْ بَلَدِ الْكُفْرِ إِلَى بَلَدِ الْإِسْلَامِ؛ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ، يَجِدْ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ إِلَيْهَا مُتَحَوَّلًا وَأَرْضًا غَيْرَ أَرْضِهِ الَّتِي تَرَكَ، يَنَالُ فِيهَا الْعِزَّةَ وَالرِّزْقَ الْوَسِيعَ.

وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى مُهَاجَرِهِ فَقَدْ ثَبَتَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَلَا يَضُرُّهُ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إِلَى مُهَاجَرِهِ.

وَكَانَ اللهُ غَفُورًا لِمَنْ تَابَ مِنْ عِبَادِهِ رَحِيمًا بِهِمْ.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 41-42].

وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ، تَارِكِينَ أَهْلَهُمْ وَبَلَدَهُمْ وَمَسَاكِنَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أُوذُوا وَعُذِّبُوا وَلَمْ يَجِدُوا وَسِيلَةً يَكُفُّونَ بِهَا عَنْ أَنْفُسِهِمْ ظُلْمَ الطُّغَاةِ الْمُتَجَبِّرِينَ مِنْ أَئِمَّةِ الْكُفْرِ؛ لَنُسْكِنَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا دَارًا حَسَنَةً، وَلَأَجْرُ اللهِ الَّذِي يُفِيضُهُ عَلَيْهِمْ فِي الْآخِرَةِ أَعْظَمُ وَأَفْضَلُ مِمَّا أَعْطَاهُمْ فِي الدُّنْيَا، لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ مَا أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، لِأَنَّهُمْ لَوْ عَلِمُوا لَزَادُوا فِي الْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ وَالصَّبْرِ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ.

هَؤَلَاءِ الْمُهَاجِرُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ هُمُ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلَى الْعَذَابِ وَمُفَارَقَةِ الْوَطَنِ، وَعَلَى الْجِهَادِ وَبَذْلِ الْأُنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَعَلَى رَبِّهِمْ وَحْدَهُ يَتَوَكَّلُونَ فِي أُمُورِهِمْ كُلِّهَا مَعَ الْقِيَامِ بِالْأَسْبَابِ الْمُسْتَطَاعَةِ الْمَادِّيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ؛ طَاعَةً لِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى وَنَهْيِهِ.

وَعَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي حَفْصٍ: عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى؛ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: ((الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)): الْأَعْمَالُ صَالِحَةٌ أَوْ فَاسِدَةٌ، أَوْ مَقْبُولَةٌ أَوْ مَرْدُودَةٌ، أَوْ مُثَابٌ عَلَيْهَا أَوْ غَيْرُ مُثَابٍ عَلَيْهَا؛ بِالنِّيَّاتِ؛ فَيَكُونُ خَبَرًا عَنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَهُوَ أَنَّ صَلَاحَ الْأَعْمَالِ وَفَسَادَهَا بِحَسَبِ صَلَاحِ النِّيَّاتِ وَفَسَادِهَا.

وَقَوْلُهُ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ: ((وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى))؛ إِخْبَارٌ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ عَمَلِهِ إِلَّا مَا نَوَاهُ بِهِ؛ فَإِنْ نَوَى خَيْرًا حَصَلَ لَهُ خَيْرٌ، وَإِنْ نَوَى بِهِ شَرًّا حَصَلَ لَهُ شَرٌّ.

فَالْعَمَلُ فِي نَفْسِهِ صَلَاحُهُ وَفَسَادُهُ وَإِبَاحَتُهُ بِحَسَبِ النِّيَّةِ الْحَامِلَةِ عَلَيْهِ الْمُقْتَضِيَةِ لِوُجُودِهِ, وَثَوَابُ الْعَامِلِ وَعِقَابُهُ وَسَلَامَتُهُ بِحَسَبِ نِيَّتِهِ الَّتِي بِهَا صَارَ الْعَمَلُ صَالِحًا أَوْ فَاسِدًا أَوْ مُبَاحًا.

فَيَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَهْتَمَّ بِصَلَاحِ نِيَّتِهِ، وَأَلَّا يَنْوِيَ إِلَّا مَا يُقَرِّبُهُ إِلَى اللهِ وَإِلَى جَنَّتِهِ، وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- يَهْتَمُّونَ بِصَلَاحِ نِيَّاتِهِمْ, فَقَالَ مُعَاذٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((وَاللَّهِ، إِنِّي لَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي، كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي)).

وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: ((فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)).

لَمَّا ذَكَرَ ﷺ أَنَّ الْأَعْمَالَ بِحَسَبِ النِّيَّاتِ، وَأَنَّ حَظَّ الْعَامِلِ مِنْ عَمَلِهِ نِيَّتُهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِثَالًا مِنْ أَمْثِلَةِ الْأَعْمَالِ الَّتِي صُورَتُهَا وَاحِدَةٌ، وَيَخْتَلِفُ صَلَاحُهَا وَفَسَادُهَا بِاخْتِلَافِ النِّيَّاتِ, فَالْهِجْرَةُ عَمَلٌ وَاحِدٌ، لَكِنِ اخْتَلَفَ حُكْمُهَا بِاخْتِلَافِ نِيَّةِ مَنْ قَامَ بِهَا.

وَأَصْلُ الْهِجْرَةِ: هِجْرَانُ بَلَدِ الشِّرْكِ، وَالِانْتِقَالُ مِنْهُ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ؛ كَمَا كَانَ الْمُهَاجِرُونَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ يُهَاجِرُونَ مِنْهَا إِلَى مَدِينَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ هَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ مِنْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ إِلَى النَّجَاشِيِّ.

فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ هَذِهِ الْهِجْرَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النِّيَّاتِ وَاخْتِلَافِ الْمَقَاصِدِ بِهَا؛ فَمَنْ هَاجَرَ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ حُبًّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ, وَرَغْبَةً فِي تَعَلُّمِ دِينِ الْإِسْلَامِ, وَإِظْهَارِ دِينِهِ؛ حَيْثُ كَانَ يَعْجِزُ عَنْهُ فِي دَارِ الشِّرْكِ؛ فَهَذَا هُوَ الْمُهَاجِرُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ حَقًّا، وَكَفَاهُ شَرَفًا وَفَخْرًا أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ مَا نَوَاهُ مِنْ هِجْرَتِهِ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ.

وَلِهَذَا الْمَعْنَى اقْتُصِرَ فِي جَوَابِ هَذَا الشَّرْطِ عَلَى إِعَادَتِهِ بِلَفْظِهِ؛ لِأَنَّ حُصُولَ مَا نَوَاهُ بِهِجْرَتِهِ نِهَايَةُ الْمَطْلُوبِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ مِنْ دَارِ الشِّرْكِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لِطَلَبِ دُنْيَا يُصِيبُهَا, أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ, فَالْأَوَّلُ تَاجِرٌ، وَالثَّانِي خَاطِبٌ، وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِمُهَاجِرٍ.

وَفِي قَوْلِهِ ﷺ: ((إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ))؛ تَحْقِيرٌ لِمَا طَلَبَهُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَاسْتِهَانَةٌ بِهِ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْهُ بِلَفْظِهِ, وَأَيْضًا فَالْهِجْرَةُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ وَاحِدَةٌ؛ فَلَا تَعَدُّدَ فِيهَا؛ فَلِذَلِكَ أَعَادَ الْجَوَابَ فِيهَا بِلَفْظِ الشَّرْطِ.

وَالْهِجْرَةُ لِأُمُورِ الدُّنْيَا لَا تَنْحَصِرُ فَقَدْ يُهَاجِرُ الْإِنْسَانُ لِطَلَبِ دُنْيَا مُبَاحَةٍ تَارَةً، وَمُحَرَّمَةٍ أُخْرَى, وَأَفْرَادُ مَا يُقْصَدُ بِالْهِجْرَةِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا لَا تَنْحَصِرُ؛ فَلِذَلِكَ قَالَ: ((فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ))؛ يَعْنِي كَائِنًا مَا كَانَ.

 ((مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْهِجْرَةِ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ))

قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} [الذاريات: 50].

لَقَدْ أَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالْفِرَارِ إِلَيْهِ؛ أَيِ: الْفِرَارِ مِمَّا يَكْرَهُهُ اللهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، إِلَى مَا يُحِبُّهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَرِارٍ مِنَ الْجَهْلِ إِلَى الْعِلْمِ، وَمِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ، وَمِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَمِنَ الْغَفْلَةِ إِلَى الذِّكْرِ.

فَمَنِ اسْتَكْمَلَ هَذِهِ الْأُمُورَ، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الدِّينَ كُلَّهُ، وَزَالَ عَنْهُ الْمَرْهُوبُ، وَحَصَلَ لَهُ غَايَةُ الْمُرَادِ وَالْمَطْلُوبِ.

وَسَمَّى اللهُ الرُّجُوعَ إِلَيْهِ فِرَارًا؛ لِأَنَّ فِي الرُّجُوعِ لِغَيْرِهِ أَنْوَاعَ الْمَخَاوِفِ وَالْمَكَارِهِ، وَفِي الرُّجُوعِ إِلَيْهِ أَنْوَاعَ الْمَحَابِّ وَالْأَمْنِ وَالسُّرُورِ وَالسَّعَادَةِ وَالْفَوْزِ، فَيَفِرُّ الْعَبْدُ مِنْ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ إِلَى قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ.

وَكُلُّ مَنْ خِفْتَ مِنْهُ فَرَرْتَ مِنْهُ إِلَّا اللهَ تَعَالَى؛ فَإِنَّهُ بِحَسَبِ الْخَوْفِ مِنْهُ يَكُونُ الْفِرَارُ إِلَيْهِ.

 ((مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْهِجْرَةِ:

هَجْرُ الشِّرْكِيَّاتِ إِلَى التَّوْحِيدِ))

مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْهِجْرَةِ: هَجْرُ الشِّرْكِيَّاتِ إِلَى التَّوْحِيدِ؛ فَالتَّوْحِيدُ أَسَاسُ دِينِنَا، وَهُوَ مَبْنَى عَقِيدَتِنَا، وَنَحْنُ أَحْوَجُ النَّاسِ إِلَى أَنْ نَتَعَلَّمَهُ، وَإِلَى أَنْ نَتَدَارَسَهُ، وَأَنْ نُبَيِّنَهُ لِلنَّاسِ، وَأَنْ نَدْعُوَهُمْ إِلَيْهِ.

وَاللهُ -جَلَّ وَعَلَا- أَنْزَلَ الْكُتُبَ، وَأَرْسَلَ اللهُ الرُّسُلَ، وَمَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ إِلَّا لِصَرْفِ الْعِبَادَةِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ هُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، فَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ ﷺ، جَاءَ بِدِينِ الْإِسْلَامِ، وَدِينُ الْإِسْلَامِ هُوَ دِينُ التَّوْحِيدِ.

تَعَلَّمُوا مَعْنَى ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))، وَمَعْنَاهَا: ((لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللهُ))، مَعْنَاهَا: ((إِفْرَادُ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- بِالْعِبَادَةِ وَحْدَهُ)).

الدِّينَ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ، عَلَى كَلِمَةِ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))، عَلَيْهَا أُسِّسَتِ الْمِلَّةُ، وَلِأَجْلِهَا خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ، وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ، وَنَبَّأَ الْأَنْبِيَاءَ.

وَلِأَجْلِهَا نُصِبَتْ سُوقُ الْجِهَادِ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ، مِنْ أَجْلِهَا خَلَقَ اللهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ.

وَمِنْ أَجْلِهَا يُقِيمُ السَّاعَةَ، وَتُنْصَبُ الْمَوَازِينُ، وتَتَطَايَرُ الصُّحُفُ، فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ مِنْ أَمَامَ، وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ؛ كُلُّ هَذَا لِأَجْلِ ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)).

{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]؛ أَيْ: إِلَّا لِيُوَحِّدُونِي، وَهُوَ مَعْنَى ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) أَيْ: لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللهُ.

هَذَا التَّوْحِيدُ هُوَ تَوْحِيدُ الْإِلَهِيَّةِ، مَبْنِيٌّ عَلَى إِخْلَاصٍ فِي التَّأَلُّهِ للهِ -جَلَّ وَعَلَا-: مِنَ الْمَحَبَّةِ، وَالْخَوْفِ، وَالرَّجَاءِ، وَالتَّوَكُّلِ، وَالرَّغْبَةِ، وَالرَّهْبَةِ؛ يَنْبَنِي عَلَى إِخْلَاصِ الْعِبَادَاتِ للهِ -جَلَّ وَعَلَا- مِنْ ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ، فَتُصْرَفُ كُلُّهَا للهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا يُجْعَلُ فِيهَا شَيْءٌ لِغَيْرِهِ: لَا لِمَلَكٍ مُقَرَّبٍ، وَلَا لِنَبِيٍّ مُرْسَلٍ؛ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمَا.

عِبَادَ اللهِ! الْأَمْرُ كَبِيرٌ؛ بَلْ كَبِيرٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْحَيَاةِ الْبَاقِيَةِ؛ مَنْ لَقِيَ رَبَّهُ مُشْرِكًا عَذَّبَهُ بِالنَّارِ، وَأَبَّدَهُ فِيهَا؛ فَلَا خُرُوجَ لَهُ مِنْهَا أَبَدًا: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48].

فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي مَعْرِفَةِ الْعَقِيدَةِ.. فِي مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ؛ خَاصَّةً مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ أَنْوَاعِ التَّوْحِيدِ، عَلَيْهِ أَنْ يُحَرِّرَهُ.

تَوْحِيدُ الْإِلَهِيَّةِ؛ يَنْبَغِي عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَعْرِفَهُ مَعْرِفَةَ تَحْقِيقٍ، وَأَنْ يَعْتَقِدَهُ، وَأَنْ يُحَوِّلَهُ إِلَى وَاقِعٍ يَعِيشُهُ؛ وَإِلَّا تَوَرَّطَ فِي الشِّرْكِ تَوَرُّطًا -عِيَاذًا بِاللهِ وَلِيَاذًا بِجَنَابِهِ الرَّحِيمِ-.

احْذَرُوا الشِّرْكَ وَاجْتَنِبُوهُ؛ قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5].

وَاخْصُصِ الشِّرْكَ بِالْهَجْرِ الْكَامِلِ، وَابْتَعِدْ عَنْ كُلِّ الْوَثَنِيَّاتِ وَالشِّرْكِيَّاتِ، وَلَا تَقْتَرِبْ مِنْ شَيْءٍ مِنْهَا مُطْلَقًا، وَدُمْ عَلَى هَجْرِ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ.

وَالْقُرْآنُ كُلُّه فِي التَّوْحِيدِ وَحُقُوقِهِ وَجَزَائِهِ، وَفِي شَأْنِ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ وجَزَائِهِمْ» ؛ لِذَلِكَ كَثُرَ التَّحْذِيرُ مِنَ الشِّرْكِ بِاللهِ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.

وَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ وَفِي الْأَمْرِ بِالتَّوْحِيدِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَهُوَ الشِّرْكُ؛ قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].

وَأَمَر اللهُ تَعَالَى بِإِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ، وَنَهَى عَنِ الشِّرْكِ بِهِ؛ فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: 36].

وِعِبَادَةُ اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ وَعَدَمُ الشِّرْكِ بِهِ هُوَ حَقُّ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى عِبَادِهِ؛ كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ النَّبِيُّ فِي قَوْلِهِ: ((حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ: أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)). أَخْرَجَاهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» .

وَقَدْ وَرَدَ فِي كَثِيرٍ مِنْ آيَاتِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ النَّهْيُ عَنِ الشِّرْكِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ -جَلَّ وَعَلَا-: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يونس: 105].

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ الْمُشْرِكَ مُوَزَّعُ الْقَلْبِ، مُقَلْقَلُ الْبَالِ، لَا يَهْدَأُ لَهُ ضَمِيرٌ، وَلَا يَسْتَقِرُّ عَلَى حَالٍ؛ لِأَنَّ الشِّرْكَ يُحَرِّمُ عَلَى صَاحِبِهِ دُخُولَ الْجَنَّةِ، وَيُوجِبُ لَهُ النَّارَ وَالْخُلُودَ فِيهَا، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ؛ فَهُوَ فِي الْحَيَاةِ كَالْأَنْعَامِ؛ بَلْ هُوَ أَضَلُّ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ.

 ((مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْهِجْرَةِ:

هَجْرُ الْبِدَعِ إِلَى السُّنَّةِ وَالِاتِّبَاعِ))

لَقَدْ دَلَّتْ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمُتَابَعَتِهِ، قَالَ تَعَالَى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7].

وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} [النساء: 80].

وَقَالَ تَعَالَى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].

وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].

وَقَالَ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: 31].

فَهَذِهِ الْآيَاتُ دَالَّةٌ عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ سَيِّدِ الأنبياء ﷺ.

وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا مِنْهَا:

حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، إِلاَّ مَنْ أَبَى».

«أَبَى»؛ يَعْنِي: امْتَنَعَ وَرَفَضَ.

قِيلَ: وَمَنْ يَأْبَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى».

وَمِنْهَا: حَدِيثُ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- الَّذِي أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ؛ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ منه فَهُوَ رَدٌّ»؛ يَعْنِي: فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ.

يَعْنِي: مَنْ أَحْدَثَ فِي الْإِسْلَامِ مَا لَيْسَ مِنَ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ، وَلَمْ يَشْهَدْ لَهُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ دِينِ اللهِ فَهُوَ مَرْدُودٌ وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»؛ يَعْنِي: فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ إِذَا لَمْ يَكُنْ صَوَابًا مُوَافِقًا لِشَرِيعَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ.

الشَّرْعُ الَّذِي جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مَا فِيهِ مِمَّا أَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهِ أَمْرَ إِيجَابٍ أَوْ أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ، وَمَا نَهَى اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَنْهُ أَمْرًا لَازِمًا وَاجِبًا فَكَانَ حَرَامًا، أَوْ غَيْرَ لَازِمٍ فَكَانَ مَكْرُوهًا.

هَذِهِ الشَّرِيعَةُ بِأَوَامِرِهَا وَنَوَاهِيهَا وَمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ, إِذَا أَخَذَ بِهَا الْإِنْسَانُ كَانَتْ سَبَبًا فِي تَزْكِيَتِهِ، وَفِي طَهَارَةِ قَلْبِهِ وَاسْتِقَامَةِ حَيَاتِهِ، وَنَفْيِ الْقَلَقِ وَالْوَسَاوِسِ عَنْ ذِهْنِهِ وَعَنْ قَلْبِهِ وَعَنْ ضَمِيرِهِ، وَاسْتَقَامَتْ قَدَمَاهُ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، لِمَاذَا؟

لِأَنَّ مَا شَرَعَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْ أَوَامِرِ الْعِبَادَاتِ فِيهِ مَادَّةُ التَّطْهِيرِ وَمَادَّةُ التَّزْكِيَةِ، وَأَمَّا الْعِبَادَاتُ الَّتِي يَخْتَرِعُهَا الْعِبَادُ، فَإِنَّهَا تَخْلُو مِنْ مَادَّةِ التَّطْهِيرِ وَمِنْ مَادَّةِ التَّزْكِيَةِ.

عِبَادَ اللهِ! ((اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا؛ فَقَدْ كُفِيتُمْ))، ((فَإِنَّا نَقْتَدِي وَلَا نَبْتَدِي، وَنَتَّبِعُ وَلَا نَبْتَدِعُ، وَلَنْ نَضِلَّ مَا تَمَسَّكْنَا بِالْأَثَرِ)) كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

وَقَالَ أُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((عَلَيْكُمْ بِالسَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ عَلَى سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ ذَكَرَ الرَّحْمَنَ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، فَتَمَسُّهُ النَّارُ أَبَدًا، وَإِنَّ اقْتِصَادًا فِي سُنَّةٍ وَخَيْرٍ، خَيْرٌ مِنَ اجْتِهَادٍ فِي خِلَافِ سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ)) .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: ((عَلَيْكَ بِالِاسْتِقَامَةِ، اتَّبِعْ وَلَا تَبْتَدِعْ، اتِّبِعِ الْأَثَرَ الْأَوَّلَ وَلَا تَبْتَدِعْ)) .

 ((مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْهِجْرَةِ:

هَجْرُ الْمَعَاصِي وَالْآثَامِ))

لَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِجْرَةِ الْمَعَاصِي وَالْآثَامِ؛ فَقَالَ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: ((وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ)).

إِنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ جَعَلَ بَابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحًا إِلَى أَنْ تَطْلُعَ مِنْهُ الشَّمْسُ، وَهُوَ إِلَى الْغَرْبِ .

فَالْبَدَارَ الْبَدَارَ!! وَالْعَجَلَةَ الْعَجَلَةَ بِالتَّوْبَةِ وَإِلَيْهَا!! وَإِلَّا؛ فَإِنَّ الْمَوْتَ يَأْتِي فَجْأَةً، كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ.

إِنَّ الْمَوْتَ يَأْتِي بَغْتَةً، وَإِنَّ الْمَرْءَ لَعَلَّهُ لَا يُرَاجِعُ، وَلَعَلَّ الْإِنْسَانَ تَأْتِيهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ عَلَى حَالةٍ مِنْ حَالَاتِ الْمَعْصِيَةِ، لَعَلَّ الْمَوْتَ يَأْتِيهِ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَيَلْقَى اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فِي أَسْوَأِ حَالٍ!!

وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ غَفَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَكَانَ يُعَدُّ لَهُ ﷺ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ أَنْ يَقُولَ سَبْعِينَ مَرَّةً.. مِئَةَ مَرَّةٍ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» .

فَيَسْتَغْفِرُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فِي كُلِّ حِينٍ وَحَالٍ، وَعَلَى كُلِّ صِفَةٍ، لَا يُغَادِرُ مَقَامَ التَّوْبَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْمَقَامَاتِ عِنْدَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَمِنْ ذَلِكَ: هَجْرُ أَمَاكِنِ الْمَعَاصِي؛ فَقَدْ قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68].

وَإِذَا رَأَيْتَ -أَيُّهَا الرَّسُولُ- الْمُشْرِكِينَ يَتَكَلَّمُونَ فِي آيَاتِنَا بِالسُّخْرِيَةِ وَالِاسْتِهْزَاءِ فَلَا تَقْعُدْ مَعَهُمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي حَدِيثٍ خَالٍ مِنَ السُّخْرِيَةِ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِآيَاتِنَا.

وَإِذَا أَنْسَاكَ الشَّيْطَانُ وَقَعَدْتَ مَعَهُمْ ثُمَّ تَذَكَّرْتَ فَغَادِرْ مَجْلِسَهُمْ وَلَا تَقْعُدْ مَعَ هَؤُلَاءِ الْمُعْتَدِينَ.

وَقَالَ رَبُّنَا -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72].

ذَكَرَ اللهُ مِنْ صِفَاتِ عِبَادِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمْ لَا يَحْضُرُونَ الْبَاطِلَ كَمَجَالِسِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالضَّلَالِ، وَلَا يُخْبِرُونَ بِالْبَاطِلِ وَالْكَذِبِ.

وَأَنَّهُمْ إِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ -مَعْنَى اللَّغْوِ: مَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَلَا يُحَصِّلُ مِنْهُ الْمَرْءُ فَائِدَةً وَلَا نَفْعًا- إِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا مُرُورًا عَابِرًا، حَالَةَ كَوْنِهِمْ كِرَامًا فِي أَنْفُسِهِمْ؛ إِذْ لَا يُهِينُوهَا بِالْهُبُوطِ إِلَى السَّفَاسِفِ وَمُحَقَّرَاتِ الْأُمُورِ، وَهُمْ يُدْرِكُونَ قِيمَةَ الْوَقْتِ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَأْسُ مَالِهِمْ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، فَيَخْشَوْنَ أَنْ يَخْسَرُوا مَقَادِيرَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِمْ دُونَ تَحْقِيقِ رِبْحٍ وَفِيرٍ بِعَمَلٍ صَالِحٍ.

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ))  فِي الَّذِي قَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ: قَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ مَعَ أَنَّهُ عَمِلَ أَعْمَالًا صَالِحَةً تَوَّجَهَتْ إِرَادَتُهُ لِلْهِجْرَةِ مِنْ أَرْضِهِ -وَهِيَ أَرْضُ سُوءٍ- وَذَهَبَ مُهَاجِرًا إِلَى الْأَرْضِ الطَّيِّبَةِ فَقُبِضَ فِي الطَّرِيقِ.

هَذَا عَمَلٌ صَالِحٌ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ؛ فَقَدْ ذَهَبَ مُهَاجِرًا إِلَى رَبِّهِ.

 ((مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْهِجْرَةِ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-:

هَجْرُ آفَاتِ الْقُلُوبِ وَاللِّسَانِ))

اعْلَمُوا -عِبَادَ اللهِ- أَنَّ طَهَارَةَ الْقَلْبِ هِيَ أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ حَرْفُهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ شَأْنُهَا.

طَهَارَةُ الْقَلْبِ مِمَّا يَعْلَقُ بِهِ مِنْ تِلْكَ الشَّائِبَاتِ الَّتِي تَكُونُ قَاطِعَةً عَنِ الْوُصُولِ إِلَى مَرْضَاةِ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ؛ فَعَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَطْهِيرِ قَلْبِهِ، وَأَنْ يُفَتِّشَ فِيهِ.

* وَعَلَيْنَا أَنْ نَهْجُرَ آفَاتِ اللِّسَانِ كُلَّهَا؛ فَقَدْ رَهَّبَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْغِيبَةِ وَالْفُحْشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ وَالْكَذِبِ.

 ((مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْهِجْرَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى:

هَجْرُ أَكْلِ الْحَرَامِ))

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْهِجْرَةِ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: هَجْرُ أَكْلِ الْحَرَامِ؛ فَإِنَّ أَكْلَ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، قَالَ تَعَالَى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188].

وَلَا يَأْكُلْ بَعْضُكُمْ مَالَ بَعْضٍ دُونَ وَجْهٍ مِنَ الْحَقِّ؛ كَالْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ، وَالْغَصْبِ، وَالسَّرِقَةِ، وَالْغِشِّ، وَالتَّغْرِيرِ، وَالرِّبَا وَنَحْوِ ذَلِكَ.

فَلَا يَسْتَحِلَّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ إِلَّا لِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي شَرَعَهَا اللهُ؛ كَالْمِيرَاثِ وَالْهِبَةِ، وَالْعَقْدِ الصَّحِيحِ الْمُبِيحِ لِلْمِلْكِ.

وَلَا يُنَازِعْ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فِي الْمَالِ وَهُوَ مُبْطِلٌ، وَيَرْفَعْ إِلَى الْحَاكِمِ أَوِ الْقَاضِي؛ لِيَحْكُمَ لَهُ، وَيَنْتَزِعَ مِنْ أَخِيهِ مَالَهُ بِشَهَادَةٍ بَاطِلَةٍ، أَوْ بَيِّنَةٍ كَاذِبَةٍ، أَوْ رِشْوَةٍ خَبِيثَةٍ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ.

فَإِنَّ أَكْلَ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، فَلْيَمْتَثِلْ كُلُّ عَبْدٍ أَمْرَ اللهِ بِاجْتِنَابِ أَكْلِ الْأَمْوَالِ بِالْبَاطِلِ؛ فَإِنَّهُ مُحَرَّمٌ بِكُلِّ حَالٍ، لَا يُبَاحُ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ.

 ((مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْهِجْرَةِ إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-:

هَجْرُ الْفَوَاحِشِ وَالنَّظَرِ وَالسَّمَاعِ الْمُحَرَّمِ))

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْهِجْرَةِ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: هَجْرُ الْفَوَاحِشِ وَالنَّظَرِ وَالسَّمَاعِ الْمُحَرَّمِ؛ فَإِنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ هُوَ دِينُ الطَّهَارَةِ، دِينُ طَهَارَةِ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ عَلَى السَّوَاءِ، أَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِطَهَارَةِ الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ وَالْأَنْفُسِ.

وَأَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِطَهَارَةِ الْأَبْدَانِ وَالثِّيَابِ وَالْأَمْكِنَةِ، وَهُوَ دِينُ الْعِفَّةِ وَدِينُ الْعَفَافِ، يَنْفِي الْفَاحِشَةَ وَيُحَارِبُهَا وَيَسُدُّ الْمَسَالِكَ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَيْهَا.

{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف: 33].

لَقَدْ ضَرَبَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَنَا الْأَمْثَالَ بِأَطْهَرِ الْقُلُوبِ عَلَى الْأَرْضِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ؛ فَقَالَ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب: 53].

وَالضَّمِيرُ هَاهُنَا: يَعُودُ إِلَى الْأَصْحَابِ -أَصْحَابِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ وَإِلَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِذَا سَأَلْتُمْ يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ} أَيْ: سَأَلْتُمْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ {مَتَاعًا} فِيمَا يَكُونُ مِنْ أَوَانِي الدُّنْيَا الَّتِي تُسْتَعْمَلُ فِي حَاجَاتِهَا.

{وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ}: مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ سُؤَالٌ هَكَذَا عَلَى صَوْتٍ يُسْمَعُ وَإِجَابَةٍ تَأْتِي بِلَا مَزِيدٍ، {ذَلِكُمْ}: يَعْنِي ذَلِكُمُ السُّؤَالُ عَلَى ذَلِكَ النَّحْوِ الْمَذْكُورِ؛ بِالسُّؤَالِ صَوْتًا مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ وَلَا دُخُولٍ، {أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ} يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، {وَقُلُوبِهِنَّ} يَا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ الْأَمِينِ.

فَهَذِهِ أَطْهَرُ الْقُلُوبِ طُرًّا؛ وَمَعَ ذَلِكَ أَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عِنْدَ السُّؤَالِ بِهَذَا الِاحْتِرَازِ الْمَتِينِ؛ لِأَنَّهُنَّ قُدْوَةٌ وَأُسْوَةٌ لِسَائِرِ النِّسَاءِ، وَكَذَلِكَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ قُدْوَةٌ وَأُسْوَةٌ لِسَائِرِ الرِّجَالِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.

يَقُولُ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- فِي حَقِّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُنَّ-: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا} [الأحزاب: 32].

فَأَخْبَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ نِسَاءَ النَّبِيِّ الْأَمِينِ ﷺ أَنَّهُنَّ لَسْنَ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْنَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ}: بِاللِّينِ فِيهِ وَتَرْقِيقِ النَّبْرَةِ، فَنَهَى اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَنِ الْخُضُوعِ بِالْقَوْلِ؛ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ.

وَأَمَرَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَضِّ الْبَصَرِ؛ فَقَالَ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}؛ يَعْنِي: إِذَا أَتَتْ نَظْرَةُ الْفَجْأَةِ فَاصْرِفْ بَصَرَكَ، وَهَذَا وَاجِبٌ وَفَرْضٌ.

{وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ}، قَوْلًا وَاحِدًا؛ فَهَذَا لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ تَبْعِيضٍ، وَإِنَّمَا هُوَ كُلٌّ يُؤْتَى بِهِ كُلًّا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ.

{وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ}، ثُمَّ {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ.

تَحْسَبُ أَنَّ النَّظَرَ إِذَا مَا سُرِّحَ فِي مَحَارِمِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَظَرًا؛ فِي صُورَةٍ صَامِتَةٍ مَطْبُوعَةٍ، أَوْ صُورَةٍ نَاطِقَةٍ مُشَاهَدَةٍ مُبْصَرَةٍ، تَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا كَنَزْتَهُ لِنَفْسِكَ دُنْيَا وَآخِرَةً، وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا حَصَّلْتَهُ لَكَ ذُخْرًا، وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ حُزْتَهُ لَدَيْكَ كَنْزًا مَكْنُوزًا؟!

وَاهِمٌ أَنْتَ يَا صَاحِبِي!!

فَيَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَعُودَ مِنْ قَرِيبٍ، وَأَنْ نَفْزَعَ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَنْ نَتْرُكَ الْمَعَاصِيَ جَانِبًا، وَأَنْ نُغَادِرَ هَذَا الْفُحْشَ الْفَاحِشَ الَّذِي تَعُجُّ بِهِ الدُّنْيَا.

عِبَادَ اللهِ! أَلَا إِنَّ فِي أَحْدَاثِ الْهِجْرَةِ مَا يَدْعُونَا إِلَى أَنْ نَكُونَ مُهَاجِرِينَ مِنَ اللَّحْظَةِ وَفِي التَّوِّ؛ مُهَاجِرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ إِلَى الطَّاعَاتِ، وَمِنَ الْآثَامِ وَالْمَعَاصِي إِلَى الِارْتِمَاءِ عَلَى جَنَبَاتِ الرَّحَمَاتِ وَإِلَى الْعَوْدَةِ إِلَى رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، عَسَى اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا مِنَ اتِّبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْفَى نَصِيبٍ، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْنَا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا.

اللَّهُمَّ أَخْرِجْنَا مِنْ ذُلِّ الْمَعْصِيَةِ إِلَى عِزِّ الطَّاعَةِ.

وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-, صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَومِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((عَامٌ شَهِيدٌ وَعَامٌ جَدِيدٌ))

فَفِي ((الضِّيَاءِ اللَّامِعِ)) : ((أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّنَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ نَسْتَقْبِلُ عَامًا جَدِيدًا إِسْلَامِيًّا هِجْرِيًّا، ابْتَدَأَ عَقْدُ سَنَوَاتِهِ مِنْ أَجَلِّ مُنَاسَبَةٍ فِي الْإِسْلَامِ؛ أَلَا وَهِيَ هِجْرَةُ النَّبِيِّ ﷺ، الَّتِي ابْتَدَأَ بِهَا تَكْوِينُ دَوْلَةٍ إِسْلَامِيَّةٍ فِي أَوَّلِ بَلَدٍ إِسْلَامِيٍّ مُسْتَقِلٍّ يَحْكُمُهُ الْمُسْلِمُونَ.

وَلَمْ يَكُنِ التَّارِيخُ مَعْمُولًا بِهِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، حَتَّى كَانَتْ خِلَافَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَاتَّسَعَتْ رُقْعَةُ الْإِسْلَامِ وَاحْتَاجَ النَّاسُ إِلَى التَّأْرِيخِ فِي أُعْطِيَاتِهِمْ وَغَيْرِهَا.

فَفِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ مِنْ خِلَافَتِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّهُ يَأْتِينَا مِنْكَ كُتُبٌ لَيْسَ لَهَا تَأْرِيخٌ، فَجَمَعَ عُمَرُ الصَّحَابَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- فَاسْتَشَارَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرِّخُوا كَمَا تُؤَرِّخُ الْفُرْسُ بِمُلُوكِهَا، كُلَّمَا هَلَكَ مَلِكٌ أَرَّخُوا بِوِلَايَةِ مَنْ بَعْدَهُ، فَكَرِهَ الصَّحَابَةُ ذَلِكَ.

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرِّخُوا بِتَارِيخِ الرُّومِ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ أَيْضًا.

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرِّخُوا مِنْ مَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ.

وَقَالَ آخَرُونَ: مِنْ مَبْعَثِهِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: مِنْ هِجْرَتِهِ.

فَقَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((الْهِجْرَةُ فَرَّقَتْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فَأَرِّخُوا بِهَا، فَأَرَّخُوا مِنَ الْهِجْرَةِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ.

ثُمَّ تَشَاوَرُوا مِنْ أَيِّ شَهْرٍ يَكُونُ ابْتِدَاءُ السَّنَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مِنْ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ الشَّهْرُ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ الشَّهْرُ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا.

وَاخْتَارَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّهُ شَهْرٌ حَرَامٌ يَلِي شَهْرَ ذِي الْحِجَّةِ الَّذِي يُؤَدِّي الْمُسْلِمُونَ فِيهِ حَجَّهُمُ الَّذِي بِهِ تَمَامُ أَرْكَانِ دِينِهِمْ، وَكَانَتْ فِيهِ بَيْعَةُ الْأَنْصَارِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالْعَزِيمَةُ عَلَى الْهِجْرَةِ، فَكَانَ ابْتِدَاءُ السَّنَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْهِجْرِيَّةِ مِنَ الشَّهْرِ الْحَرَامِ الْمُحَرَّمِ).

((حَالُ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ!!))

فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ يُوَدِّعُ الْمُسْلِمُونَ عَامًا هِجْرِيًّا عَلَى مَا فِيهِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَسُرُورٍ وَحُزْنٍ، وَخَوْفٍ وَأَمَانٍ، وَسَعَةٍ فِي الْعَيْشِ وَضِيقٍ، وَيَسْتَقْبِلُونَ عَامًا جَدِيدًا لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ سِوَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- مُسْتَقْبَلَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ، وَلَكِنَّ الْأَحْوَالَ مُخِيفَةٌ تُنْذِرُ بِنَتَائِجَ مُدَمِّرَةٍ، فَإِنَّ سُنَّةَ اللهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ وَاحِدَةٌ، {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۖ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} [محمد: 10].

إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ فِي حَالٍ يُرْثَى لَهَا؛ إِضَاعَةٍ لِلصَّلَوَاتِ، وَاتِّبَاعٍ لِلشَّهَوَاتِ، وَمَنْعٍ لِلزَّكَوَاتِ، وَانْتِهَاكٍ لِلْحُرُمَاتِ، وَتَفْرِيطٍ فِي الْوَاجِبَاتِ!!

كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَضَاعَ شَبَابَهُ فِي اللَّهْوِ، وَإِهْدَارِ الْوَقْتِ، وَالتَّسَكُّعِ فِي الْبِلَادِ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ كَأَنَّهُ حَيْرَانُ، لَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يَقْتُلَ الْوَقْتَ بِإِضَاعَتِهِ هُنَا وَهُنَاكَ!!

وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ نَسُوا آخِرَتَهُمْ بِمَا انْشَغَلُوا بِهِ مِنْ أُمُورِ دُنْيَاهُمْ، فَآثَرُوا مَا خُلِقَ لَهُمْ عَلَى مَا خُلِقُوا لَهُ، آثَرُوا الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، كَأَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ غَالِبًا: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى: 16-17].

تَجِدُهُمْ مُنْشَغِلِينَ غَايَةَ الِانْشِغَالِ بِالْمُضَارَبَاتِ التِّجَارِيَّةِ مِنْ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ، وَتَأْجِيرٍ وَبِنَاءٍ، جَعَلُوا هَذَا أَكْبَرَ هَمِّهِمْ، حَتَّى وَإِنْ حَضَرُوا لِلْعِبَادَةِ فَإِنَّ غَالَبَهُمْ حَاضِرُ الْجِسْمِ غَائِبُ الْقَلْبِ!!

وَمِنَ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ مَنْ قَامَ بِمُحَادَّةِ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ، يَدْعُو إِلَى ضِدِّ مَا دَعَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ، وَالْبُعْدِ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ!!

تَجِدُهُ يَدْعُو إِلَى أَسْبَابِ الْفُحْشِ وَالْفُجُورِ، يَدْعُو إِلَى اخْتِلَاطِ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ، وَإِلْغَاءِ الْفَوَارِقِ إِمَّا بِصَرِيحِ الْقَوْلِ وَإِمَّا بِالتَّخْطِيطِ الْمَاكِرِ الْبَعِيدِ وَالْعَمَلِ مِنْ وَرَاءِ السِّتَارِ، وَهَذَا عَيْنُ الْمُحَادَّةِ لِلشَّرِيعَةِ، وَهَذَا فَتْحٌ لِبَابِ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ.

وَلَوْ تَأَمَّلْتَ حَالَ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ لَرَأَيْتَ أَمْرًا مُرَوِّعًا مُحْزِنًا لِكُلِّ مُؤْمِنٍ غَيُورٍ عَلَى دِينِهِ، خَائِفٍ مِنْ عُقُوبَةِ رَبِّهِ، وَلِهَذَا ظَهَرَتْ بَوَادِرُ الْعُقُوبَاتِ، فَكَثُرَتِ الْحَوَادِثُ الْكَوْنِيَّةُ مِنَ الزَّلَازِلِ وَالْفَيَضَانَاتِ وَالْإِعْصَارَاتِ وَالْأَوْبِئَةِ وَغَيْرِهَا، وَكَثُرَتِ الْفِتَنُ الدِّينِيَّةُ وَالدُّنْيَوِيَّةُ، وَحَاقَ بِبَعْضِ النَّاسِ مَا ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} [الأنعام: 65].

وَنَحْنُ مُقْبِلُونَ عَلَى عَامٍ جَدِيدٍ -عَلَى الرَّغْمِ مِمَّا عَلَيْهِ حَالُ الْمُسْلِمِينَ- نَرَى فِي الْمُسْلِمِينَ طَلِيعَةَ خَيْرٍ وَإِقْبَالٍ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَتَجْدِيدٍ لِمَا انْدَرَسَ مِنْهُ، وَتَقَدُّمٍ بِالْمُسْلِمِينَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ نَبِيُّهُمْ ﷺ وَخُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، يَدِينُونَ بِالنَّصِيحَةِ للهِ تَعَالَى، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ، يَدْعُونَ إِلَى سَبِيلِ رَبِّهِمْ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَيُجَادِلُونَ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ مَنْ جَادَلَ.

وَهَذَا مِصْدَاقُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: ((لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ)) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

وَإِنَّنَا لَنَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَعُمَّ شُعُوبَ الْمُسْلِمِينَ بِالصَّلَاحِ وَالْفَلَاحِ وَالنَّصْرِ الْعَزِيزِ وَالْفَتْحِ الْمُبِينِ.

((نَصَائِحُ غَالِيَةٌ فِي نِهَايَةِ عَامٍ هِجْرِيٍّ وَاسْتِقْبَالِ آخَرَ))

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ! اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَاشْكُرُوهُ، وَاسْأَلُوهُ أَنْ يُعِينَكُمْ عَلَى ذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ وَحُسْنِ عِبَادَتِهِ، وَأَنْ يُحْسِنَ لَكُمُ الْمُسْتَقْبَلَ وَالْخِتَامَ.

وَاعْلَمُوا أَنَّ الْغَبْنَ كُلَّ الْغَبْنِ فِي خُسْرَانِ الْعُمُرِ وَالْأَوْقَاتِ، وَأَنَّ كُلَّ وَقْتٍ يَمُرُّ عَلَيْكَ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللهِ فَإِنَّهُ خَسَارَةٌ وَنَدَامَةٌ، فَالرَّابِحُ مَنِ اغْتَنَمَ عُمُرَهُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، وَتَزَوَّدَ فِيهِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ؛ لِيَسْعَدَ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَبَعْدَ الْمَمَاتِ، وَالْخَاسِرُ مَنْ فَرَّطَ فِي الْأَوْقَاتِ، وَأَهْمَلَهَا وَتَهَاوَنَ بِالْوَاجِبَاتِ الَّتِي أَوْجَبَ اللهُ عَلَيْهِ وَضَيَّعَهَا.

فَاعْرِفُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- قَدْرَ الْأَوْقَاتِ وَاغْتَنِمُوهَا، وَانْظُرُوا إِلَى سُرْعَةِ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي وَانْقِضَائِهَا فَأَدْرِكُوهَا، تَرَوْا أَنَّ الْأَوْقَاتَ تُطْوَى خَلْفَكُمْ طَيًّا، وَأَنَّ كُلَّ لَحْظَةٍ تُقَرِّبُكُمْ مِنَ الْآخِرَةِ شَيْئًا فَشَيْئًا.

فَهَذَا الْعَامُ الَّذِي تُوَدِّعُوهُ قَدْ قَارَبَ عَلَى الِانْتِهَاءِ كُلُّهُ بِأَيَّامِهِ وَلَيَالِيهِ، وَخَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَسُرُورِهِ وَأَحْزَانِهِ، وَقَدْ مَرَّ عَلَيْكُمْ وَكَأَنَّهُ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ، وَهَكَذَا بَقِيَّةُ الْحَيَاةِ سَتَنْقَضِي عَلَى وَقْتِ مَا مَضَى مِنَ الْأَيَّامِ.

وَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ تَقْصِدُونَ بِهِ وَجْهَ اللهِ، مُتَّبِعُونَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ عَمَلٌ صَالِحٌ تُؤْجَرُونَ عَلَيْهِ، حَتَّى الْأُمُور الْعَادِيَّة إِذَا قَصَّدْتُمْ بِهَا وَجْهَ اللهِ صَارَتْ عِبَادَةً للهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

فَإِذَا أَنْفَقَ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ يَبْتَغِي وَجْهَ اللهِ أُثِيبَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِذَا أَدْخَلَ السُّرُورَ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ كَانَ ذَلِكَ أَجْرًا لَهُ عِنْدَ اللهِ.

وَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ))  مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ: تَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ)).

وَقَالَ: ((إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ))؛ يَعْنِي إِتْيَانَ زَوْجَتِهِ.

قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟

قَالَ ﷺ: ((أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ)) . وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

فَأَبْوَابُ الْخَيْرِ -وَللهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ- كَثِيرَةٌ كَثِيرَةٌ، وَالْفَضَائِلُ لِمَنْ قَامَ بِهَا وَافِرَةٌ غَزِيرَةٌ.

فَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ، وَتَبَصَّرُوا أَمْرَكُمْ، وَتَفَكَّرُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي كُلُّ شَيْءٍ فِيهَا آيَةٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِدَارِ قَرَارٍ!

تَفَكَّرُوا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي الَّتِي تَسِيرُونَ بِهَا إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ حَتَّى يَنْتَهِيَ سَفَرُكُمْ، فَطُوبَى لِعَبْدٍ انْتَهَزَ فُرَصَهَا بِمَا يُقَرِّبُ إِلَى مَوْلَاهُ!

طُوبَى لِعَبْدٍ اتَّعَظَ بِمَا فِيهَا مِنْ تَقَلُّبَاتِ الْأُمُورِ وَالْأَحْوَالِ، وَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى مَا للهِ فِيهَا مِنْ حِكَمٍ بَالِغَةٍ وَأَسْرَارٍ!

أَلَمْ تَرَوْا إِلَى هَذِهِ الشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ مِنْ مَشْرِقِهَا ثُمَّ تَغِيبُ فِي مَغْرِبِهَا، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ} [النور: 44].

وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لَيْسَتْ دَارَ بَقَاءٍ، وَإِنَّمَا هِيَ طُلُوعٌ ثُمَّ غُيُوبٌ وَزَوَالٌ، أَلَمْ تَنْظُرُوا إِلَى الشُّهُورِ يُهِلُّ فِيهَا الْهِلَالُ كَمَا يُولَدُ الْأَطْفَالُ، ثُمَّ يَنْمُو رُوَيْدًا رُوَيْدًا كَمَا تَنْمُو الْعُقُولُ وَالْأَجْسَامُ حَتَّى إِذَا تَكَامَلَ نُمُوُّهُ انْحَطَّ إِلَى النَّقْصِ وَالِاضْمِحْلَالِ، وَهَكَذَا الْإِنْسَانُ فِي حَيَاتِهِ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ.

أَلَمْ تَتَفَكَّرُوا فِي هَذِهِ الْأَعْوَامِ الَّتِي خَلَّفْتُمُوهَا؟! إِذَا أَدْرَكْتُمْ أَوَّلَهَا تَطَلَّعْتُمْ إِلَى آخِرِهَا تَطَلُّعَ الْبَعِيدِ، ثُمَّ تَمُرُّ بِكُمْ أَيَّامُهَا سِرَاعًا، فَتَنْصَرِمُ كَلَمْحِ الْبَصَرِ، فَإِذَا أَنْتُمْ فِي آخِرِ الْعَامِ، وَهَكَذَا أَعْمَارُكُمْ تَسْتَقْبِلُونَهَا غَضَّةً طَرِيَّةً، فَتَنْقَضِي عَلَيْكُمْ فِي شَيْبُوبَةٍ وَإِدْبَارٍ.

إِنَّكُمْ تُوَدِّعُونَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ عَامًا مَاضِيًا شَهِيدًا، وَتَسْتَقْبِلُونَ عَامًا مُقْبِلًا جَدِيدًا، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي مَاذَا أَوْدَعَ الْإِنْسَانُ فِي عَامِهِ الْمَاضِي الشَّهِيدِ، وَمَاذَا يَسْتَقْبِلُ بِهِ هَذَا الْعَامَ الْجَدِيدَ؟!!

لَقَدْ مَضَتِ الْأَعْوَامُ وَكَأَنَّهَا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ، كَأَنَّنَا لَمْ نُوجَدْ إِلَّا فِي هَذَا الْأَوَانِ، مَضَتْ بِمَا فِيهَا مِنْ خَيْرَاتٍ وَشُرُورٍ، وَأَحْزَانٍ وَسُرُورٍ، وَعَمَلٍ وَكَسَلٍ، وَعِلْمٍ وَجَهْلٍ، وَفَقْرٍ وَغِنًى، مَضَتْ بِهَذِهِ الْأُمُورِ وَكَأَنَّ شَيْئًا مَا مَضَى، وَلَكِنْ مَنْ هُوَ الْكَاسِبُ فِي هَذِهِ الْغَمَرَاتِ؟!!

إِنَّ الْكَاسِبَ حَقًّا هُوَ مَنْ أَمْضَاهَا فِي طَاعَةِ اللهِ، وَاجْتَنَبَ فِيهَا مَعَاصِيَ اللهِ، وَسَارَ مُخْلِصًا للهِ مُتَّبِعًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97].

إِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَحْرِصُونَ جُهْدَهُمْ عَلَى حِفْظِ الْأَمْوَالِ، يَحْرِصُونَ عَلَى تَحْصِيلِهَا وَتَنْمِيَتِهَا، ثُمَّ يَحْرِصُونَ عَلَى تَصْرِيفِهَا وَحِفْظِهَا، فَلَا يُضَيِّعُونَ مِنْهَا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، وَلَا يُفَوِّتُونَ فُرْصَةً يَظُنُّونَ أَنَّ بِهَا شَيْئًا مِنَ الْمَالِ وَلَوْ يَسِيرًا.

وَلَكِنَّهُمْ فِي أَعْمَارِهِمُ النَّفِيسَةِ مُفَرِّطُونَ مُهْمِلُونَ! تَمُرُّ بِهِمُ السَّاعَاتُ وَالْأَيَّامُ، بَلِ الشُّهُورُ وَالْأَعْوَامُ وَقَدْ ضَيَّعُوا أَكْثَرَهَا هَمَلًا، وَلَمْ يُودِعُوهَا مِنْ صَالِحِ الْأَعْمَالِ عَمَلًا، {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 99-100]، فَيَنْدَمُ حِينَ لَا يَنْفَعُ النَّدَمُ، وَيَتَمَنَّى حِينَ لَا يَنْفَعُ التَّمَنِّي.

وَعَظَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا فَقَالَ: ((اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ)). أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((الشُّعَبِ)) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

فَالشَّبَابُ قُوَّةٌ وَعَزِيمَةٌ وَإِقْدَامٌ، فَإِذَا شَابَ الْإِنْسَانُ ضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، وَوَهَنَتْ عَزِيمَتُهُ، وَعَجَزَ إِقْدَامُهُ.

وَالصِّحَّةُ قُوَّةٌ وَانْبِسَاطٌ، فَإِذَا مَرِضَ الْإِنْسَانُ وَهَنَ جِسْمُهُ، وَضَعُفَتْ نَفْسُهُ، وَضَاقَتْ عَلَيْهِ الْأُمُورُ.

وَالْغِنَى رَاحَةٌ وَفَرَاغٌ، فَإِذَا افْتَقَرَ الْإِنْسَانُ تَعِبَ فِي تَحْصِيلِ الْمَالِ، وَانْشَغَلَ بِذَلِكَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْأَعْمَالِ.

فَبَادِرُوا -أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ- أَعْمَارَكُمْ، وَاعْتَبِرُوا مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْهَا بِمَا مَضَى، فَإِنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ وَكُلَّ حَاضِرٍ ذَاهِبٌ.

فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ رَبَّكُمْ هُوَ الَّذِي فَطَرَ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ بِقُدْرَتِهِ، وَأَوْدَعَ فِيهَا مَصَالِحَهَا بِحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، فَلَقَدْ خَلَقَ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا، {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 33-34].

لَقَدْ سَخَّرَ اللهُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لِمَصَالِحِنَا الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، فَرَتَّبَهُمَا اللهُ تَعَالَى يَجْرِيَانِ فِي فَلَكِهِمَا بِانْتِظَامٍ بَدِيعٍ وَسَيْرٍ سَرِيعٍ، فَمُنْذُ خَلَقَهُمَا اللهُ تَعَالَى وَهُمْا فِي فَلَكِهِمَا لَا يَخْرُجَانِ عَنْهُ قِيدَ أُنْمُلَةٍ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى، لَا يَرْتَفِعَانِ وَلَا يَنْخَفِضَانِ وَلَا يَزُولَانِ، حَتَّى يَأْذَنَ اللهُ تَعَالَى بِفَنَاءِ الْعَالَمِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَخْرُجُ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، وَلَكِنَّهُ {لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158].

لَقَدْ سَخَّرَ اللهُ تَعَالَى الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَجَعَلَهُمَا مِيقَاتًا لِلزَّمَانِ، فَعَلَى سَيْرِ الشَّمْسِ يَتَرَتَّبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالْفُصُولُ، فَإِنَّ الشَّمْسَ كُلَّمَا ارْتَفَعَتْ فِي السَّمَاءِ ازْدَادَتْ حَرَارَتُهَا فَصَارَ الْجَوُّ حَارًّا، وَكُلَّمَا انْحَدَرَتْ إِلَى الْجَنُوبِ مِنَّا وَبَعُدَتْ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ انْخَفَضَتْ دَرَجَةُ حَرَارَتِهَا بِسَبَبِ بُعْدِهَا عَنْ مُسَامَتَةِ الرُّؤُوسِ فَصَارَ الْجَوُّ بَارِدًا، وَمَا سَيْرُهَا هَذَا إِلَّا بِإِذْنِ رَبِّهَا وَخَالِقِهَا.

أَمَّا الْقَمَرُ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدَّرَهُ مَنَازِلَ، كُلَّ لَيْلَةٍ فِي مَنْزِلٍ، وَعَلَى اخْتِلَافِ هَذِهِ الْمَنَازِلِ يَخْتَلِفُ نُورُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ دَقِيقًا خَفِيًّا، لَا يَزَالُ يَكْبُرُ شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى يَكُونَ فِي نِصْفِ الشَّهْرِ بَدْرًا جَلِيًّا، ثُمَّ يَأْخُذُ فِي النَّقْصِ حَتَّى يَعُودَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [يس: 38].

((لَا تَظْلِمُوا فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَنْفُسَكُمْ!))

لَقَدْ جَعَلَ اللهُ الزَّمَانَ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ وَهِيَ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَشَهْرٌ مُفْرَدٌ وَهُوَ رَجَبٌ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ.

فَهَذِهِ الشُّهُورُ الْأَرْبَعَةُ مُحْتَرَمَاتٌ مُعَظَّمَاتٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، خَصَّهُنَّ اللهُ تَعَالَى بِالنَّهْيِ عَنْ ظُلْمِ النَّفْسِ فِيهِنَّ، فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} [التوبة: 36].

فَنَهَانَا رَبُّنَا تَعَالَى أَنْ نَظْلِمَ فِيهِنَّ أَنْفُسَنَا، وَالنَّهْيُ عَنْ ظُلْمِ النَّفْسِ يَشْمَلُ جَمِيعَ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ، لَكِنَّ لِهَذِهِ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ خُصُوصِيَّةً؛ يَكُونُ ظُلْمُ النَّفْسِ فِيهَا أَشَدَّ، وَلِذَلِكَ نَهَى اللهُ عَنِ الظُّلْمِ فِيهَا بِخُصُوصِهَا، فَاحْتَرِمُوهَا وَعَظِّمُوهَا وَاجْتَنِبُوا فِيهَا ظُلْمَ النَّفْسِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، فَإِنْ سَأَلْتُمْ مَا هُوَ ظُلْمُ النَّفْسِ؟

فَظُلْمُ النَّفْسِ يَكُونُ بِشَيْئَيْنِ؛ إِمَّا تَرْكٌ لِمَا أَوْجَبَ اللهُ، وَإِمَّا فِعْلٌ لِمَا حَرَّمَ اللهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ ظُلْمٌ لِلنَّفْسِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ أَمَانَةٌ عِنْدَكَ، عَلَيْكَ أَنْ تَرْعَاهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا، فَتَسْلُكَ بِهَا مَا فِيهِ سَعَادَتُهَا وَصَلَاحُهَا، وَتَتَجَنَّبَ بِهَا مَا فِيهِ شَقَاؤُهَا وَفَسَادُهَا، قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 1-10].

 ((الْهِجْرَةُ هِجْرَتَانِ))

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! إِنَّ هِجْرَةَ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي بَدَأَهَا الرَّسُولُ ﷺ فِي السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ صَفَرٍ مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ مِنَ النُّبُوَّةِ -مِنَ الْبَعْثَةِ- بِتَحَرُّكِهِ ﷺ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى بَيْتِ صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، هَذِهِ الْهِجْرَةُ الْفَذَّةُ الْعَظِيمَةُ مَا زَالَتْ مُمْتَدَّةً فِي الْأُمَّةِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، يَقُولُ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ: «وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَنْهُ».

وَلِذَلِكَ كَانَ السَّابِقُونَ الصَّالِحُونَ السَّالِفُونَ -عَلَيْهِمْ رَحْمَةُ اللَّهِ أَجْمَعِينَ-، كَانَ هَؤُلَاءِ بِالْهِجْرَةِ الْعَظِيمَةِ إِلَى اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنَ الذُّنُوبِ إِلَى الطَّاعَةِ وَمِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الْإِنَابَةِ.. كَانُوا مُوَفَّقِينَ حَقًّا.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

 

المصدر:الْمَفَاهِيمُ الصَّحِيحَةُ لِلْهِجْرَةِ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  ماذا لو حكم الإخوان مصر؟
  نَبْذُ الْإِسْلَامِ لِلْعُنْفِ وَالْعُنْصُرِيَّةِ وَالْكَرَاهِيَةِ
  قَضَاءُ حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ مِنْ نَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ
  الرد على الملحدين:دلالة الآيات الكونية على خالقها ومبدعها
  نَصَائِحُ الْنَّبِيِّ الأَمِين لِتُجَّارِ المُسْلِمِين
  شعار الفاتيكان .. النجاسة من الإيمان !!
  الْمَالُ الْحَرَامُ، وَأَثَرُهُ الْمُدَمِّرُ عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ
  مفتاح دعوة المرسلين
  حب الوطن الإسلامي، وفضل الدفاع عنه، ومنزلة الشهادة في سبيل الله
  السير إلى الله والدار الآخرة
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان