مَجْمُوعُ الْخُطَبِ الْمِنْبَرِيَّةِ
((أَهَمِّيَّةُ الدَّعْوَةِ إِلَى التَّوْحِيدِ))
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَمَّا بَعْدُ:
((صَرْفُ الشَّيْطَانِ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنِ التَّوْحِيدِ))
فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ تَلَاعَبَ بِكَثِيرٍ مِنَ الْخَلْقِ فَصَرَفَهُمْ عَنْ جَادَّةِ الْحَقِّ؛ فَبَيْنَ قَوْمٍ يَغْلُونَ فِي الصَّالِحِينَ حَتَّى وَصَلُوا إِلَى تَصْوِيرِهِمْ أَصْنَامًا يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، كَمَا وَقَعَ فِي قَوْمِ نُوحٍ، إِلَى أَقْوَامٍ يَعْبُدُونَ النُّجُومَ مِنْ دُونِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَالْكَوَاكِبَ، وَاتَّخَذُوا لَهَا الْهَيَاكِلَ وَالْمَعَابِدَ، كَمَا وَقَعَ مِنَ الصَّابِئَةِ قَوْمِ إِبْرَاهِيمَ، إِلَى أَقْوَامٍ يَعْبُدُونَ الْقَمَرَ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ إِلَيْهِ تَصْرِيفَ أَحْوَالِ الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ، فَاتَّخَذُوا لِذَلِكَ مِنَ الْمَعَابِدِ مَا اتَّخَذُوهُ، إِلَى أَقْوَامٍ يَعْبُدُونَ الْأَشْجَارَ وَالْأَحْجَارَ أَصْنَامًا مَنْصُوبَةً وَأَوْثَانًا مَعْلُومَةً يُقَرِّبُونَ إِلَيْهَا الْقَرَابِينَ، وَيَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، إِلَى أَقْوَامٍ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ وَالْجِنَّ، إِلَى أَقْوَامٍ يَعْبُدُونَ الْحَيَوَانَاتِ كَمَا عَبَدُوا الْأَفْرَاسَ وَالْجِيَادَ، وَأَقْوَامٌ يَعْبُدُونَ الْبَقَرَ مِنْ دُونِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
((إِخْلَاصُ الْعِبَادَةِ للهِ وَخُطُورَةُ الشِّرْكِ))
وَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَرْسَلَ الْمُرْسَلِينَ مِنْ أَجْلِ تَصْحِيحِ الْعَقِيدَةِ، وَمِنْ أَجْلِ صَرْفِ الْعِبَادَةِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ.
وَكُلُّ أَنْبِيَاءِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَكُلُّ رُسُلِهِ -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ- إِنَّمَا جَاءُوا بِهَذَا الْأَصْلِ الْأَصِيلِ.
وَاللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- لَمَّا جَعَلَ الْخَلْقَ حُنَفَاءَ كُلَّهُمُ اجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ، فَمِنْهُمْ مَنِ انْحَرَفَ عَنِ الْجَادَّةِ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ثَبَّتَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ دَعَا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ كَبِيرٍ: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64].
فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ دَعْوَةَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ؛ أَنْ نَعْبُدَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَحْدَهُ، وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ، فَأَوْلَى بِأَنْ تَكُونَ هَذِهِ الدَّعْوَةُ دَعْوَةَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنَهُمْ فَصَارُوا أَحْزَابًا وَفِرَقًا وَجَمَاعَاتٍ.
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ}.
فَنُخْلِصُ الْعِبَادَةَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ، وَلَا نَتَّبِعُ إِلَّا نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ، وَلَا يَتَّخِذُ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ؛ فَنَتَّبِعُ النَّبِيَّ ﷺ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ مِنَ الْوَحْيَيْنِ الْمَعْصُومَيْنِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَنُخْلِصُ الْقَصْدَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِخْلَاصَ الْعِبَادَةِ للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هُوَ أَصْلُ الْأُصُولِ، وَبِهِ أَرْسَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْمُرْسَلِينَ.
وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّ مَنْ أَخَلَّ بِهَذَا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ، وَمَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- غَيْرَهُ فَإِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ لَا يَغْفِرُ لَهُ هَذَا الذَّنْبَ الْكَبِيرَ؛ فَإِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ، وَأَمَّا الشِّرْكُ فَإِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ لَا يَغْفِرُهُ لِمَنْ مَاتَ غَيْرَ تَائِبٍ مِنْهُ، {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48].
فَهَذَا الذَّنْبُ الْعَظِيمُ لَا يَغْفِرُهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لِمَنْ مَاتَ غَيْرَ تَائِبٍ مِنْهُ.
وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بَيَّنَ أَنَّهُ أَظْلَمُ الظُّلْمِ: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13].
وَبَيَّنَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّ مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- غَيْرَهُ فَإِنَّ مَأْوَاهُ -حِينَئِذٍ- النَّارُ وَبِئْسَ الْقَرَارُ.
وَبَيَّنَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّ مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ غَيْرَهُ فَإِنَّ عَمَلَهُ حَابِطٌ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ شَيْءٌ عِنْدَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، بَلْ إِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ جَعَلَ ذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ جَارِيًا عَلَى مَنْ عَصَمَهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِمَّا دُونَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65].
فَأَوْحَى اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ إِلَى الْمُرْسَلِينَ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ إِذَا وَقَعَ مِنْهُمْ فَإِنَّ الْعَمَلَ يَحْبَطُ، وَإِنَّ الْمَآلَ إِلَى الْخُسْرَانِ -عِيَاذًا بِاللهِ وَلِيَاذًا بِجَنَابِهِ الرَّحِيمِ-.
وَبَيَّنَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَنَّ الْمُشْرِكَ نَجِسٌ، وَأَنَّ نَجَاسَتَهُ هَذِهِ لَا يَخْلُصُ مِنْهَا إِلَّا بِتَوْحِيدِهِ رَبَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28].
فَالْمُشْرِكُ نَجَسٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ نَجَاسَتِهِ إِلَّا بِتَوْحِيدِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.
فَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ جَعَلَ هَذَا الْأَمْرَ الْكَبِيرَ أَصْلَ الْأُصُولِ فِي حَيَاةِ الْخَلْقِ فِي الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنَّمَا خَلَقَ الْخَلْقَ لِهَذَا الْأَمْرِ الْكَبِيرِ، وَكُلُّ إِخْلَالٍ بِهِ يُؤَدِّي إِلَى تِلْكَ النِّهَايَةِ الْعَظِيمَةِ الْمُفْظِعَةِ وَالَّتِي مَآلُهَا النَّارُ وَبِئْسَ الْقَرَارُ!
((حُدُوثُ الشِّرْكِ فِي أُمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ!))
وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، وَلِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، وَيَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ، يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ فَقُلْنَا: ((يَا رَسُولَ اللهِ! اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ)).
فَقَالَ ﷺ: ((اللهُ أَكْبَرُ! إِنَّهَا السُّنَنُ، قُلْتُمْ -وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ- كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: {اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138]، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ)).
فَالنَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ فِي ظَاهِرِهِ لَا يُعَارِضُ حَقِيقَةَ التَّوْحِيدِ، جَعَلَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، كَأَنَّمَا هَذَا الْقَوْلَ مُوَازِيًا لِمَا قَالَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: {اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}.
وَالَّذِي طَلَبَهُ هَؤُلَاءِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ أَمْرٌ فِيهِ مِنَ الْمُشَابَهَةِ لِلْمُشْرِكِينَ مَا فِيهِ؛ أَنَّ لِلْمُشْرِكِينَ ذَاتَ أَنْوَاطٍ، فَأَرَادَ هَؤُلَاءِ أَنْ يَتَّخِذُوا شَجَرَةً يَصْنَعُونَ عِنْدَهَا مَا يَصْنَعُ الْمُشْرِكُونَ عِنْدَ سِدْرَتِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِنَّهَا السُّنَنُ))، كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: ((لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ)).
قُلْنَا: ((يَا رَسُولَ اللهِ! الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟)).
قَالَ: ((فَمَنْ؟!)).
فَطَرَأَ الشِّرْكُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ، كَمَا طَرَأَ عَلَى الْأُمَمِ قَبْلَهَا، وَلَا يُنْجِي مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِتَوْحِيدِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ خَالِصًا، وَبِاتِّبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ مُجَرَّدًا.
وَأَمَّا الْإِخْلَالُ بِهَذَا الْأَصْلِ الْأَصِيلِ فَإِنَّهُ إِخْلَالٌ بِالْغَايَةِ الَّتِي لِأَجْلِهَا خَلَقَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْإِنْسَانَ.
وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَرْسَلَ الْمُرْسَلِينَ مِنْ أَجْلِ إِصْلَاحِ عَقَائِدِ الْخَلْقِ فِي الْأَرْضِ؛ فَكُلُّهُمْ دَعَوْا أَقْوَامَهُمْ إِلَى هَذَا الْأَمْرِ: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ} [هود: 84].
((إِخْلَاصُ الْعِبَادَةِ للهِ
وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمُشْرِكِينَ))
وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَصِحَّ تَوْحِيدٌ لِلْعَبْدِ إِلَّا بِالْبَرَاءَةِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمُشْرِكِينَ، وَإِلَّا بِالْخُلُوصِ مِنَ الْكُفْرِ وَالْبَرَاءَةِ مِنَ الْكَافِرِينَ؛ لِأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَرْسَلَ الْمُرْسَلِينَ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَكُلُّهُمْ جَاءُوا بِهَذَا الْأَصْلِ الْأَصِيلِ.
وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيَّنَ لَنَا هَذَا، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ؛ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ)).
فَلَمْ يَجْعَلِ النَّبِيُّ ﷺ مُجَرَّدَ قَوْلِ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) عَاصِمًا لِلدَّمِ وَالْمَالِ، وَلَمْ يَجْعَلِ النَّبِيُّ ﷺ مَعْرِفَةَ مَعْنَاهَا مَعَ التَّلَفُّظِ بِهَا عَاصِمًا لِلدَّمِ وَالْمَالِ، وَلَمْ يَجْعَلِ النَّبِيُّ ﷺ الْإِقْرَارَ بِذَلِكَ عَاصِمًا لِلدَّمِ وَالْمَالِ حَتَّى يَجْمَعَ إِلَى ذَلِكَ الْكُفْرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، ((وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)).
فَهَذَا الْأَمْرُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَإِلَّا بِالْكُفْر بِجَمِيعِ الْأَنْدَادِ وَكُلِّ الْوَسَائِطِ الَّتِي تُتَّخَذُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، مَعَ إِخْلَاصِ التَّوْحِيدِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَيَأْتِي بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ مَعًا، وَبِهِمَا أَرْسَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْمُرْسَلِينَ.
وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمَّا دَعَا الْأَقْوَامَ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَهِمُوا هَذَا الْأَمْرَ عَنْهُ، وَقَالُوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5].
فَكَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) مُقْتَضَاهَا أَنَّهُ لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللهِ.
فَهَذَا مَعْنَاهَا.
وَمُقْتَضَاهَا؛ أَنْ يَكْفُرَ الْمَرْءُ بِكُلِّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
((دَعْوَةُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى التَّوْحِيدِ وَالِاتِّبَاعِ))
النَّبِيُّ ﷺ دَعَا إِلَى هَذَا الْأَمْرِ، وَإِلَيْهِ دَعَا إِخْوَانُهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ قَبْلِهِ -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ-.
وَأَمَّا كَثِيرٌ مِنَ الْخَلْقِ فَإِنَّهُمْ يَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْأَمْرُ الْكَبِيرُ..
فَمِنْ قَائِلٍ: إِنَّ الشِّرْكَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ الْأَرْضِ بِمَجِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَيَسْتَنِدُونَ إِلَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ)).
وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ فَنَّدَهَا عُلَمَاؤُنَا -عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ-، وَقَالُوا: إِنَّمَا قَصَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى الشِّرْكِ بِاللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَمَّا أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ وَاقِعًا وَحَالًا فِي دُنْيَا اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ فَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ، بَلْ لَقَدْ عُبِدَتِ الْأَشْجَارُ، وَنُصِبَتِ الْأَضْرِحَةُ، وَارْتُكِبَ الشِّرْكُ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ ذَلِكَ إِلَى عَهْدٍ قَرِيبٍ.
فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يُجْمَعُ عَلَيْهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَا فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ)).
فَهَذِهِ شُبْهَةٌ يُلَبِّسُ بِهَا الشَّيْطَانُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْخَلْقِ، كَالشُّبْهَةِ الَّتِي اسْتَنَدَ إِلَيْهَا السَّابِقُونَ عِنْدَمَا كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّمَا نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا، وَقَدْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَصْنَعُونَ، وَقَدْ فَنَّدَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ هَذِهِ الشُّبْهَةَ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ مَا جَاءُوا بِهِ، وَبَيَّنَ أَنَّ آبَاءَهُمْ كُانُوا عَلَى ضَلَالٍ مُبِينٍ.
فَالنَّبِيُّ ﷺ دَعَا إِلَى تَجْرِيدِ التَّوْحِيدِ لِلْعَزِيزِ الْمَجِيدِ، وَإِلَى إِخْلَاصِ الْمُتَابَعَةِ لَهُ ﷺ؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ وَاحِدٌ لَا يَتَعَدَّدُ، ((وَالنَّبِيُّ ﷺ -كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- خَطَّ عَلَى الْأَرْضِ خَطًّا مُسْتَقِيمًا -فَهُوَ طَرِيقٌ وَاحِدٌ مُسْتَقِيمٌ-، وَجَعَلَ عَلَى جَانِبَيْ هَذَا الْخَطِّ الْمُسْتَقِيمِ خُطُوطًا قَصِيرَةً، وَقَالَ: ((هَذَا سَبِيلُ اللهِ، وَهَذِهِ سُبُلٌ عَلَى رَأْسِ كُلٍّ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ)).
فَالَّذِينَ لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى هَذَا الْأَمْرِ الْكَبِيرِ، وَلَا يَتَّبِعُونَ النَّبِيَّ ﷺ فِيمَا جَاءَ بِهِ إِنَّمَا يَتَّبِعُونَ تِلْكَ الشَّيَاطِينَ عَلَى رُؤُوسِ تِلْكَ السُّبُلِ، وَأَمَّا سَبِيلُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَوَاحِدٌ، وَالطَّرِيقُ وَاحِدٌ، وَالْمِنْهَاجُ وَاحِدٌ، وَالْمَنْهَجُ وَاحِدٌ، وَهُوَ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
وَالدَّعْوَةُ الْعُظْمَى إِنَّمَا هِيَ إِلَى إِصْلَاحِ عَقَائِدِ الْخَلْقِ مِنْ أَجْلِ صَرْفِ الْعِبَادَةِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَتِمَّ لِلْمُسْلِمِينَ عِزٌّ وَلَا تَمْكِينٌ فِي الْأَرْضِ حَتَّى يَعْبُدُوا اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَحَتَّى يُجَرِّدُوا التَّوْحِيدَ للهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَالذُّلُّ بَعْدُ وَاقِعٌ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ مُجَانَبَتِهِمْ لِهَذَا الْأَصْلِ الْأَصِيلِ؛ إِذْ هُوَ الَّذِي لِأَجْلِهِ خَلَقَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ، وَخَلَقَ لِأَجْلِهِ الْخَلْقَ، فَإِذَا لَمْ يُحَقِّقُوهُ وَقَعَ عَلَيْهِمْ مِنَ الذُّلِّ بِحَسَبِ مُخَالَفَتِهِمْ لِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ الْأَصِيلِ.
إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقْبَلْ فِي هَذَا الْأَمْرِ مُهَادَنَةً، وَلَمْ يَقْبَلْ فِيهِ ﷺ اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ وَاضِحًا، وَدَعَا إِلَيْهِ ﷺ وَحِيدًا لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ أَحَدٌ بَعْدُ ﷺ، وَلَمْ يَكْتَمْهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي حال، وَلَا وَهُوَ مَحْصُورٌ فِي الشِّعْبِ ثَلَاثَةَ أَعْوَامٍ، ظَلَّ يَدْعُو إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، بَلْ وَهُوَ فِي الْغَارِ لَمْ يَنْسَ هَذَا الْأَصْلَ الْعَظِيمَ، وَإِنَّ الْخَطَرَ لْمُحْدِقٌ بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ﷺ، لَمْ يَنْسَ هَذَا الْأَصْلَ الْأَصِيلَ -وَهُوَ: تَوْحِيدُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ-، وَلَمْ يَكُفَّ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ بَعْدَ أَنْ مَكَّنَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنَ الْأَمْرِ فِي الْمَدِينَةِ، بَلْ دَعَا إِلَيْهِ ﷺ.
((أَسْبَابُ هَزِيمَةِ الْأُمَّةِ وَطَرِيقُ النَّصْرِ))
وَلِذَلِكَ إِذَا مَا اسْتَغْرَبَ الْمُسْلِمُونَ مَا يَحْدُثُ لَهُمْ مِنْ وُقُوعِ الذُّلِّ بِهِمْ، وَمِنَ ارْتِفَاعِ رُؤُوسِ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ فِي دِيَارِهِمْ، وَمِنْ تَغَلُّبِ الْكُفَّارِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ بُلْدَانِهِمْ فَإِنَّهُمْ -حِينَئِذٍ- يَقِفُونَ مَشْدُوهِينَ فَيَقُولُونَ: بِأَيِّ شَيْءٍ هَذَا؟!
وَيَأْتِيهِمُ الْخَبَرُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ مِنْ أَصْحَابِ السُّنَنِ، وَرَوَاهُ غَيْرُهُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يُخْبِرُنَا فِيهِ عَنْ أَمْرٍ هُوَ مِنْ عَلَامَاتِ نُبُوَّتِهِ ﷺ، قَالَ: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا -وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَى قَصْعَتِهَا-».
فَقَالَ قَائِلٌ: ((وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟)).
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ)).
وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَحْمِلُهُ السَّيْلُ فِي طَرِيقِهِ مِنَ الزَّبَدِ وَالْوَسَخِ وَمَا يَكُونُ مِمَّا يَحْمِلُهُ الْمَاءُ فِي مَجْرَاهُ.
((بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ)).
فَقَالَ قَائِلٌ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَا الْوَهَنُ؟)).
قَالَ: ((حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ)).
فَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَا يَنْصُرُ إِلَّا مَنْ كَانَ مُوَحِّدًا مُتَّبِعًا، الَّذِينَ يُوَحِّدُونَ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَيَتَّبِعُونَ النَّبِيَّ الْكَرِيمَ ﷺ.
وَهَذَا قَدْ ظَهَرَ عَمَلِيًّا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ فِي أُولَئِكَ النَّفَرِ فِي تِلْكَ الثُّلَّةِ الْمُبَارَكَةِ الَّتِي الْتَفَّتْ حَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- -وَكَانُوا قَلِيلِينَ عَدَدًا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، وَكَانُوا الْأَكْثَرِينَ ثَبَاتًا وَإِيمَانًا وَشُمُوخًا وَاسْتِعْلَاءً، هَؤُلَاءِ كَأُسُودِ الصَّحَرَاءِ وَكَنُسُورِ الْجِبَالِ- حَمَلُوا دِينَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، حَتَّى إِنَّهُ بَعْدَ مِائَةِ عَامٍ مِنْ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ غَطَّى الْإِسْلَامُ بِكَلِمَةِ الْحَقِّ وَجْهَ الْمَعْمُورَةِ فِي الْعَالَمِ الْقَدِيمِ، فَكَانَ فِي إِسْبَانْيَا غَرْبًا إِلَى أَنْ عَبَرُوا نَهْرَ السِّنْدِ شَرْقًا، ثُمَّ كَانَ مِنْ أَقْصَى الشَّمَالِ إِلَى أَقْصَى الْجَنُوبِ، وَالدُّنْيَا كُلُّهَا قَدْ تَحَوَّلَتْ إِلَى مَعْبَدٍ فِي مِحْرَابِهِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، وَتَحَوَّلَتْ إِلَى مَسْجِدٍ فِي كُلِّ شِبْرٍ مِنْهُ سَجْدَةٌ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
هَؤُلَاءِ حَمَلُوا دِينَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ.
أَمَّا الْأَصْلُ الْأَوَّلُ: فَهُوَ إِخْلَاصُ الدِّينِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ.
وَأَمَّا الْأَصْلُ الثَّانِي: فَهُوَ أَنَّ الطَّرِيقَ وَاحِدٌ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُتَابَعَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَالنَّبِيُّ ﷺ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ)) عَنِ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شَرَاجٍ مِنْ شَرَاجِ الْحَرَّةِ.. قَالَ عُرْوَةُ: ((خَاصَمَ الزُّبَيْرُ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ في شِرَاجٍ مِنَ الْحَرَّةِ، كَانَا يَسْقِيَانِ بِهِ كِلَاهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلزُّبَيْرِ: ((اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ)).
فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! آنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟!)).
فتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: ((اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَبْلُغَ الْجَدْرَ)).
فَاسْتَوْعَى رَسُولُ اللهِ ﷺ -حِينَئِذٍ- حَقَّهُ لِلزُّبَيْرِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ أَشَارَ عَلَى الزُّبَيْرِ بِرَأيٍ سَعَةٍ لَهُ وَلِلْأَنْصَارِيِّ، فَلَمَّا أَحْفَظَ الْأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَريحِ الْحُكْمِ.
قَالَ عُرْوَةُ: قَالَ الزُّبَيْرُ: ((وَاللهِ! مَا أَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ إِلَّا فِي ذَلِكَ: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65] الْآيَةَ)).
فَخَاصَمَهُ فِي مَسِيلِ الْمَاءِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَالنَّبِيُّ ﷺ أَعَادَهُ إِلَى الْفَضْلِ وَلَمْ يَحْكُمْ لَهُ بِالْعَدْلِ، وَإِنَّمَا حَكَمَ لَهُ بِمَا هُوَ أَعْلَى وَأَفْضَلُ مِنَ الْعَدْلِ، وَهُوَ الْفَضْلُ، فَقَالَ يَا زُبَيْرُ: اسْقِ زَرْعَكَ، وَأَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ.
فَقَالَ لَهُ الْأَنْصَارِيُّ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟!
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ -وَقَدْ غَضِبَ-: ((يَا زُبَيْرُ! اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَبْلُغَ الْجَدْرَ)): اسْقِ، ثُمَّ أَمْسِكِ الْمَاءَ حَتَّى يَضْرِبَ الْجَدْرَ، ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ.
فَأَعَادَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْعَدْلِ، وَأَنْزَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَوْلَهُ: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.
وَسَبَبُ الْنُزُولِ -كَمَا تَرَى- إِنَّمَا كَانَ فِي أَمْرٍ دُنْيُوِيٍّ؛ فِي أَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِسَقْيِ الزَّرْعِ وَإِرْسَالِ الْمَاءِ وَمَا أَشْبَهَ، فَأَنْزَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هَذِهِ الْآيَةَ الْفَذَّةَ الْجَامِعَةَ: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.
لَيْسَ لِأَحَدٍ عُذْرٌ فِي مُخَالَفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ أَيْنَ أُوتِينَا؟!
وَمَا هَذَا الذُّلُّ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْنَا وَنَزَلَ بِسَاحَتِنَا؟!
وَالْأَمْرُ قَرِيبٌ؛ فَلَوْ أَنَّهُمْ نَظَرُوا فِي كَلَامِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَفِي كَلَامِ النَّبِيِّ الْأَمِينِ ﷺ لَعَلِمُوا خَبْءَ ذَلِكَ، وَلَاسْتَخْرَجُوا وَسَائِلَ النَّصْرِ، وَوَسَائِلَ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَتَاهَةِ الَّتِي دَخَلُوا فِيهَا بِسَبَبِ مَعَاصِيهِمْ، وَبِسَبَبِ اجْتِرَائِهِمْ عَلَى مُخَالَفَةِ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ.
{وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 40-41].
الَّذِي يَنْصُرُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ يَنْصُرُهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَنَصْرُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا يَكُونُ بِالْقُوَّةِ الْمَادِّيَّةِ تَتَوَجَّهُ كَيْفَمَا اتُّفِقَ، وَإِنَّمَا نَصْرُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِنَصْرِ دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
النَّبِيُّ ﷺ دَعَا إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَنَبْذِ الشِّرْكِ، وَأَقْوَامٌ يَعِيبُونَ دُعَاةَ الْإِسْلَامِ الْيَوْمَ إِذَا مَا دَعَوْا إِلَى هَذَا الْأَصْلِ الْأَصِيلِ، وَيَقُولُونَ: تُفَرِّقُونَ الْأُمَّةَ!!
وَنَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ هَذَا الَّذِي تَقُولُونَ، بَلْ إِنَّهُ ﷺ فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ، بَعَثَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَرْقًا بَيْنَ النَّاسِ؛ فَهُوَ ﷺ يُفَرِّقُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَابْنِهِ، وَبَيْنَ الِابْنِ وَأَبِيهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ بِكِتَابِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَسُنَّتِهِ ﷺ.
فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا فَرَّقَ بَيْنَ النَّاسِ، كَانُوا يُرِيدُونَ أَنْ تَظَلَّ قُرَيْشٌ مَجْمُوعَةً عَلَى جَاهِلِيَّتِهَا، وَعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَتَقْدِيسِ الْأَوْثَانِ، وَمُجَانَبَةِ التَّوْحِيدِ، فَلَمَّا جَاءَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِدَعْوَةِ الْحَقِّ، وَدَعَاهُمْ إِلَى إِخْلَاصِ الدِّينِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَنَبْذِ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- تَفَرَّقَ الْقَوْمُ، وَفُرِّقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَابْنِهِ، وَبَيْنَ الِابْنِ وَأَبِيهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَتَفَرَّقَتِ الْعَشَائِرُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الْأَصِيلِ، وَهُوَ تَوْحِيدُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
فَمُحَمَّدٌ فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ؛ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْهُدَى وَالضَّلَالِ، وَالْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالسُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ، وَأَهْلِ الرَّشَادِ وَأَهْلِ الضَّلَالِ.
مُحَمَّدٌ فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ، وَأَمَّا اجْتِمَاعُ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَى تَوْحِيدِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَدَعْوَةُ الْإِصْلَاحِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْمُرْسَلُونَ مَبْنِيَةٌ فِي أَصْلِهَا وَأَسَاسِهَا عَلَى تَوْحِيدِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، عَلَى إِخْلَاصِ الدِّينِ للهِ -جَلَّ وَعَلَا-؛ لِأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ خَلَقَ الْخَلْقَ لِهَذَا الْأَصْلِ الْأَصِيلِ، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، أَيْ: إِلَّا لِيُوَحِّدُونِي.
فَخَلَقَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ خَلْقَهُ فِي أَرْضِهِ مِنْ أَجْلِ تَوْحِيدِهِ وَحْدَهُ، وَمِنْ أَجْلِ عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ، وَمِنْ أَجْلِ إِخْلَاصِ الدِّينِ لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَكُلُّ مُخَالَفَةٍ لِهَذَا الْأَصْلِ فَإِنَّهَا مُخَالَفَةٌ لِلْغَايَةِ الَّتِي لِأَجْلِهَا أَوْجَدَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْخَلْقَ فِي الْأَرْضِ.
وَالنَّبِيُّ ﷺ مَعَ إِخْوَانِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ إِنَّمَا بُعِثُوا بِهَذَا الْأَصْلِ الْكَبِيرِ، وَدَعْوَتُهُمْ هِيَ دَعْوَةُ الْإِصْلَاحِ الْحَقِّ، دَعْوَةُ الْإِصْلَاحِ الصَّحِيحِ، وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، وَكُلُّ دَاعٍ إِلَى الْإِصْلَاحِ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْأَصْلِ الْكَبِيرِ.. كَأُولَئِكَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الِانْقِضَاضَ عَلَى السُّلْطَةِ مِنْ أَجْلِ الْإِصْلَاحِ هُمْ مُخَالِفُونَ لِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
وَأُولَئِكَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْإِصْلَاحَ عَنْ طَرِيقِ الْوَعْظِ وَالْإِرْشَادِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْأَصْلِ الَّذِي لِأَجْلِهِ أَرْسَلَ اللهُ مُحَمَّدًا ﷺ هَؤُلَاءِ مُجَانِبُونَ لِأَصْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي دَعْوَتِهِ، وَأَصْلُهُ الْأَصِيلُ هُوَ تَوْحِيدُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَمْ يَنْسَهُ النَّبِيُّ ﷺ لَحْظَةً قَطُّ؛ لَا فِي سِلْمِهِ وَلَا فِي حَرْبِهِ، وَلَا فِي حَلِّهِ وَلَا فِي تَرْحَالِهِ، وَلَا فِي بَيْتِهِ وَلَا بَيْنَ إِخْوَانِهِ، وَلَا مَعَ الْمُؤَالِفِينَ وَلَا مَعَ الْمُخَالِفِينَ ﷺ.
بَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَذِّرُ مِنْ مُخَالَفَةِ هَذَا الْأَصْلِ تَحْذِيرًا شَدِيدًا، وَيَكْفِي مَا مَرَّ ذِكْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((خَرَجُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ وَهُمْ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ، فَلَمَّا مَرُّوا عَلَى ذَاتِ أَنْوَاطٍ -وَهِيَ سِدْرَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، وَيُنِيطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ-، فَقَالَ هَؤُلَاءِ -وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ- قَالُوا: ((يَا رَسُولَ اللهِ!)).
انْظُرْ.. يَقُولُونَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ!))، فَهُمْ لَا يُكَذِّبُونَهُ، وَلَا يَشُكُّونَ فِي إِرْسَالِهِ وَنُبُوَّتِهِ ﷺ، وَإِنَّمَا اسْتَحْلَوْا هَذَا الْأَمْرَ، وَحَسُنَ فِي أَعْيُنِهِمْ، وَأَرادُوا مُشَابَهَةَ الْمُشْرِكِينَ فِيهِ، فَقَالُوا: ((يَا رَسُولَ اللهِ! اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ)).
قَالَ ﷺ: ((اللهُ أَكْبَرُ! إِنَّهَا السُّنَنُ)).
ثُمَّ نَفَّرَ مِنْ مُشَابَهَةِ الْمُشْرِكِينَ وَلَوْ فِي أَمْرٍ لَا يَمَسُّ عَقِيدَةَ الْمُسْلِمِ فِي حَقِيقَتِهَا وَلَا حَقِيقَةِ الْعَقِيدَةِ فِي ذَاتِهَا، وَإِنَّمَا قَالَ ﷺ: ((قُلْتُمْ -وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ-))،
وَأَقْسَمَ عَلَيْهَا ﷺ: كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: {اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138]))، وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ لَمَّا جَاوَزَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ وَهُمْ بَعْدُ يُشَاهِدُونَ الْآيَةَ الْعُظْمَى الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لِنَبِيِّهِ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-؛ أَنْجَاهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْ عَدُوِّهِمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ، فَلَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ، وَشَاهَدُوا إِغْرَاقَهُمْ بِأَعْيُنِهِمْ، وَأَنْجَاهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِآيَةٍ بَاهِرَةٍ بِتِلْكَ الطُّرُقِ الَّتِي جُعِلَتْ فِي وَسَطِ اللُّجَّةِ وَالْمَاءِ، وَالْمَاءُ قَائِمٌ عَلَى حَدٍّ، وَالطَّرِيقُ يَبَسٌ كَمَا وَصَفَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ، فَقَالُوا: ((يَا مُوسَى! اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ))، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَ هَؤُلَاءِ مُوَازِيًا مَعَ الْقَسَمِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ -وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ- جَعَلَهُ مُوَازِيًا لِقَوْلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ((اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ)).
ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: ((لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ)).
فَالنَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِي سِلْمِهِ وَحَرْبِهِ.
وَالدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا تَبْدَأُ وَلَا تَرْتَكِزُ إِلَّا عَلَى التَّوْحِيدِ، وَكُلُّ صَلَاحٍ فِي الْحَيَاةِ بَعْدُ إِنَّمَا يَأْتِي مِنَ الِالْتِزَامِ بِتَوْحِيدِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَتَوْحِيدُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا يَتِمُّ لِلْمُسْلِمِ إِلَّا بِالْكُفْرِ بِكُلِّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَأُمَّةُ النَّبِيِّ ﷺ كَثِيرٌ مِنْهَا يَغْفُلُ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ الْكَبِيرِ..
كَثِيرٌ مِنْهَا يَعْتَقِدُ فِي الْمَقْبُورِينَ اعْتِقَادًا شِرْكِيًّا!
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَذْبَحُ لِغَيْرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالذَّبْحُ لِغَيْرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ شِرْكٌ مُخْرِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ!
كَثِيرٌ مِنْهُمْ يُشْرِكُ بِاللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِشْرَاكًا، وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَا يَقْبَلُ أَنْ يَقَعَ مِثْلُ هَذَا فِي أُمَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَقَدْ أَرْسَلَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالتَّوْحِيدِ الْحَقِّ، وَبِالْإِخْلَاصِ فِي الْعِبَادَةِ لِوَجْهِهِ -جَلَّ وَعَلَا-.
وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ النَّصْرُ لِلْأُمَّةِ إِلَّا إِذَا خَرَجَتْ مِنْ هَذِهِ الْمَخَاضَةِ، وَإِلَّا إِذَا مَا ارْتَفَعَتْ عَنْ تِلْكَ الْحَمْأَةِ، وَعَادَتْ إِلَى النَّهْجِ الْأَقْوَمِ الَّذِي جَاءَ بِهِ نَبِيُّهَا مُحَمَّدٌ ﷺ.
وَدُعَاةُ التَّوْحِيدِ دُعَاةُ إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يُحَارِبُهُمْ -لَا الْعَوَامُّ الْجَهَلَةُ وَحْدَهُمْ-، وَإِنَّمَا يُحَارِبُهُمْ مَنْ يَنْتَمُونَ إِلَى الدَّعْوَةِ ظَاهِرًا، وَهُمْ يُكَتِّلُونَ النَّاسَ، يَقُولُونَ: كَتِّلْ أَوَّلًا ثُمَّ ثَقِّفْ!
وَهَذَا خَطَأٌ، وَإِنَّمَا عَلِّمْ أَوَّلًا ثُمَّ كَتِّلْ.
فَهَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ التَّجْمِيعَ عَلَى أَيِّ صُورَةٍ كَانَتْ، وَمَا هَكَذَا دِينُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَإِنَّمَا دِينُ مُحَمَّدٍ ﷺ: أَلَّا يُعْبَدَ إِلَّا اللهُ، وَأَلَّا يُعْبَدَ اللهُ إِلَّا بِمَا شَرَعَ، فَهُمَا أَصْلَانِ عَظِيمَانِ؛ عِبَادَةُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ بِالتَّوْحِيدِ، وَإِخْلَاصُ الْمُتَابَعَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ.
وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَرْتَفِعَ الذُّلُّ عَنِ الْأُمَّةِ إِلَّا إِذَا عَادَتْ إِلَى دِينِ رَبِّهَا -جَلَّ وَعَلَا-، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخْذَتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ؛ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ)).
فَهَذَا الذُّلُّ إِنَّمَا يَنْزِلُ بِسَبَبِ الْمُخَالَفَةِ فِي تِلْكَ الْأُمُورِ.
وَالنَّبِيُّ ﷺ -وَهُوَ حَيٌّ بَيْنَ أَصْحَابِهِ يَشْهَدُ الْمَعْرَكَةَ فِي (أُحُدٍ)- لَمَّا خَالَفَهُ مَنْ خَالَفَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنَ الرُّمَاةِ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ عَلَى الْجَبَلِ، وَأَمَرَهُمْ بِأَلَّا يُفَارِقُوا مَوَاضِعَهُمْ وَلَوْ رَأَوُا الْمُشْرِكِينَ يَرْكَبُونَ أَكْتَافَ الْمُسْلِمِينَ فِي سَاحَةِ الْمَعْرَكَةِ، فَلَمَّا جَاءَ النَّصْرُ أَوَّلًا وَرَأَى هَؤُلَاءِ مَا هُنَالِكَ تَرَكُوا مَوَاقِعَهُمْ، وَفَارَقُوا أَمْكِنَتَهُمْ، وَنَزَلُوا عَنِ الْجَبَلِ إِلَى السَّاحَةِ يُشَارِكُونَ فِي جَمْعِ الْأَسْلَابِ، فَرَكِبَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، وَكَانَتِ الْكَسْرَةُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالنَّصْرِ أَوَّلًا، وَكُلُّ ذَلِكَ بِسَبَبِ مُخَالَفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
فَإِذَا كَانَتِ الْعَاقِبَةُ عَلَى هَذَا النَّحْوِ بِالْمُخَالَفَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ مِنْ أَقْوَامٍ هُمْ أَطْهَرُ النَّاسِ قُلُوبًا بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَهُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ.. إِذَا كَانَتِ الْمُخَالَفَةُ يَتَأَتَّى مِنْ وَرَائِهَا هَذَا الْأَمْرُ الْكَبِيرُ حَتَّى جُحِشَ النَّبِيُّ ﷺ، أَيْ: جُرِحَ فِي جَنْبِهِ ﷺ، وَدَخَلَتْ حَلْقَةٌ مِنْ حَلْقَاتِ الْمِغْفَرِ فِي وَجْنَتِهِ ﷺ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، أَيْ: سِنُّهُ ﷺ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِسَبَبِ مُخَالَفَةِ أَمْرٍ وَاحِدٍ مِنْ أَوَامِرِ النَّبِيِّ ﷺ، فَكَيْفَ إِذَا صَارَ الْمُسْلِمُونَ بِحَيْثُ يَعُدُّونَ الْأَوَامِرَ الَّتِي يُطِيعُونَ فِيهَا اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَرَسُولَهُ الْكَرِيمَ ﷺ؟!
كَيْفَ إِذَا صَارَ الْمُسْلِمُونَ بِحَيْثُ يَعُدُّونَ الْأَوَامِرَ الَّتِي يُطِيعُونَ فِيهَا اللهَ وَيَتَّبِعُونَ فِيهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ؟!
{وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}؛ لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِذَا نَصَرَ الْخَلْقُ دِينَهُ فِي أَرْضِهِ عَزَّزَهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِنَصْرٍ مِنْ عِنْدِهِ، وَهَؤُلَاءِ كَمَا وَصَفَهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هَذِهِ صِفَاتُهُمْ: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ}.
وَأَقْوَامٌ قَدْ يَتَمَكَّنُونَ ظَاهِرًا؛ كَمَا يَقَعُ فِي غَزَّةَ؛ يُقِيمُ الْقَوْمُ هُنَالِكَ الْيَوْمَ مَدِينَةً لِلْإِنْتَاجِ الْإِعْلَامِيِّ تَكَلَّفَتْ خَمْسِينَ وَمِائَةَ مِلْيُونٍ مِنَ الدُّولَارَاتِ مِنْ أَجْلِ إِنْتَاجِ الْأَفْلَامِ وَالْمُسَلْسَلَاتِ!!
يُجَاهِدُونَ بِالْمُنْكَرِ وَالْمَعَاصِي فِي سَبِيلِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَيَدَّعُونَ أَنَّهُمْ فِي الرَّبَاطِ!!
{الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ}.
لَا: أَمَرُوا بِالْمُنْكَرِ، وَنَهَوْا عَنِ الْمَعْرُوفِ!
{الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ}.
السَّبِيلُ وَاحِدٌ؛ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ بِفَهْمِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَأَمَّا الْجَمَاعَاتُ وَالْفِرَقُ؛ مِنْ إِخْوَانِيَّةٍ، وَقُطْبِيَّةٍ، وَتَبْلِيغِيَّةٍ، وَسُرُورِيَّةٍ، وَصُوفِيَّةٍ قَبْرِيَّةٍ شِرْكِيَّةٍ خُرَافِيَّةٍ، كُلُّ هَذِهِ مِنَ الْفِرَقِ الْمَذْمُومَةِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ((وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةٍ كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً)).
قِيلَ: ((مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟)).
قَالَ: ((مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي)).
وَالنَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- كَانُوا عَلَى الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ، كَانُوا عَلَى الْإِخْلَاصِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِي الْعِبَادَةِ، كَانُوا عَلَى الْعِلْمِ، كَانُوا عَلَى السُّنَّةِ.
وَالْقَوْمُ الْيَوْمَ يَدْعُونَ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَفِي كَثِيرٍ مِنْ دُعَاتِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ مَا فِيهِمْ، وَفِيهِمْ مِنَ الْمُنْكَرِ مَا فِيهِمْ، وَفِيهِمْ مِنَ الْبِدْعَةِ مَا فِيهِمْ!
فَكَيْفَ يُنْصَرُ هَؤُلَاءِ؟!
إِنَّمَا هُوَ تَمْزِيقٌ لِلْأُمَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَشْتِيتٌ لِجُمُوعِهَا، وَإِنَّمَا هُوَ ثَلٌّ لِحَدِّهَا، وَثَلْمٌ لِهَذَا الْحَدِّ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِعْجَالٌ لِلذُّلِّ يَنْزِلُ بِسَاحَتِهَا.
وَلَا يُمْكِنُ أَنْ نَخْرُجَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ إِلَّا بِنَصْرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ}.
وَنَصْرُنَا لِرَبِّنَا -جَلَّ وَعَلَا- بِنَصْرِ دِينِهِ، وَدِينُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدَ رَبِّهِ، لَا مَا اخْتَرَعَتْهُ الْعُقُولُ، وَلَا مَا تَوَهَّمَتْهُ الْفُهُومُ، وَإِنَّمَا هُوَ الْوَحْيُ الْمَعْصُومُ.
نَسْأَلُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَنْ يُوَفِّقَنَا لِاتِّبَاعِهِ -بِرَحْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ-، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ:
((مَبْدَأُ الشِّرْكِ الْغُلُوُّ فِي الصَّالِحِينَ))
فَقَدْ كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ عَشَرَةُ قُرُونٍ كُلُّهُمْ عَلَى الْخَيْرِ، حَتَّى طَرَأَ عَلَيْهِمُ الشِّرْكُ بَعْدُ، وَمَبْدَأُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الصَّالِحِينَ كَانُوا يَعِظُونَهُمْ وَيَدْعُونَهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَحْدَهُ، فَلَمَّا هَلَكُوا صَوَّرُوا لَهُمْ صُوَرًا، وَجَعَلُوا لَهُمْ تَمَاثِيلَ، وَكَانَ الْجِيلُ الْأَوَّلُ لَا يَعْبُدُ تِلْكَ الْأَصْنَامَ مِنْ دُونِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، ثُمَّ جَاءَتْ أَجْيَالٌ فَاتَّخَذَتْهُمْ آلِهَةً تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَدَخَلَ الشِّرْكُ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ عَلَى الْبَشَرِيَّةِ فِي مَسِيرَتِهَا.
فَمَبْدَأُ دُخُولِ الشِّرْكِ عَلَى أُمَّةِ الْإِسْلَامِ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْغُلُوِّ فِي الصَّالِحِينَ، وَلِذَلِكَ نَفَّرَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى وَهُوَ فِي سِيَاقِ الْمَوْتِ ﷺ، فَقَبْلَ مَوْتِهِ ﷺ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ قَالَ ﷺ: ((اللهم لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ)).
فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَلَّا يَجْعَلَ قَبْرَهُ وَثَنًا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَمْ يُبْرَزْ قَبْرُهُ ﷺ.
ثُمَّ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ ضَلَالَ أَقْوَامٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، وَحَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ قَبْلَ مَوْتِهِ ﷺ بِقَلِيلٍ؛ فَإِنَّهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ بَيَّنَ ﷺ أَحْوَالَ هَؤُلَاءِ الْأَقْوَامِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، فَحَذَّرَ مِنْ صَنِيعِهِمْ ﷺ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ ﷺ.
فَالنَّبِيُّ ﷺ يُحَذِّرُ مِنَ الشِّرْكِ، وَيَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ حَتَّى وَهُوَ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْعَصِيبِ ﷺ.
النَّبِيُّ ﷺ يُحَذِّرُ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَنْ تُشْرِكَ بِاللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَأَنْ تَغْلُوَ فِي الصَّالِحِينَ؛ لِأَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ هُوَ للهِ وَلِيٌّ، وأَمَّا اتِّخَاذُ الْأَضْرِحَةِ وَالْمَقَابِرِ آلِهَةً تُسْأَلُ، وَالْإِتْيَانُ عِنْدَهَا بِالشِّرْكِ الْأَكْبَرِ، وَيَحْدُثُ هَذَا فِي الرُّبُوعِ، وَيَحْدُثُ هَذَا فِي أُمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، كَمَا يُرِيدُ دُعَاةُ السُّوءِ أَنْ يَصْمُتَ دُعَاةُ التَّوْحِيدِ عَنِ التَّحْذِيرِ وَالتَّنْفِيرِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ الْكَبِيرِ، أَنْ تَصِيرَ الْأُمَّةُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَهَذَا أَمْرٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْكُتَ عَلَيْهِ إِلَّا مَنْ كَانَ مَغْمُوزًا فِي اعْتِقَادِهِ أَوْ كَانَ مَلْمُوزًا فِي مُتَابَعَتِهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ.
أُولَئِكَ التَّبْلِيغِيُّونَ -مَثَلًا- الَّذِينَ يُبَايِعُونَ هُنَالِكَ عِنْدَ الْقُبُورِ عَلَى أَرْبَعَةِ طُرُقٍ صُوفِيَّةٍ، وَيَأْتُونَ بِالشِّرْكِ الْعَظِيمِ.. هَؤُلَاءِ يَدْعُونَ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؟!
وَالدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِنَّمَا هِيَ دَعْوَةٌ لِإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لِوَجْهِهِ.
أُولَئِكَ الْإِخْوَانِيُّونَ -مَثَلًا- الَّذِينَ لَا يُحَذِّرُونَ مِنَ الشِّرْكِ، وَالَّذِينَ يَجْعَلُونَ الْقُبُورَ مَهَابِطَ تَهْبِطُ عِنْدَهَا رَحَمَاتُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَيَقُولُ مُرْشِدُهُمُ الْأَسْبَقُ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ الذَّوْقِ وَالْمَوَاجِيدِ، وَهَذَا أَمْرٌ مَوْكُولٌ إِلَى كُلِّ إِنْسَانٍ بِحَسَبِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَهُمْ!
تَوْحِيدُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ..
لَا وَقْتَ عِنْدَ الْأُمِّةِ لِتُضَيِّعَهُ، فَعَلَى هَؤُلَاءِ أَنْ يَتَّقُوا اللهَ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ أُصُولَ الْخَوَارِجِ، وَيَخْرُجُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِأَسْيَافِهِمْ، وَالَّذِينَ يُكَفِّرُونَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَغْلُونَ فِي التَّكْفِيرِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالتَّكْفِيرُ حَقُّ اللهِ؛ فَمَنْ كَفَّرَهُ اللهُ كَفَّرْنَاهُ، وَمَنْ كَفَّرَهُ رَسُولُ اللهِ كَفَّرْنَاهُ، وَلَكِنْ لَا نَتَّبِعُ فِي ذَلِكَ الْهَوَى مِنْ دُونِ أَمْرِ اللهِ وَلَا مِنْ دُونِ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَهَؤُلَاءِ الْمُتَّبِعُونَ مِنَ الشَّبَابِ الْمُغَفَّلِينَ الَّذِينَ لَا يَتَّقُونَ اللهَ فِي أَعْمَارِهِمْ وَلَا فِي مَصِيرِ أُمَّتِهِمْ، وَيَتَّبِعُونَ الْهَوَى، وَلَا يَتَّبِعُونَ الْوَحْيَ الْمَعْصُومَ.. هَؤُلَاءِ الْمُضَلَّلُونَ الْمُغَرَّرُ بِهِمْ يَنْبَغِي عَلَيْهِمْ أَنْ يُفِيقُوا، لَا وَقْتَ عِنْدَ الْأُمَّةِ لِتُضَيِّعَهُ؛ فَإِنَّ الْعَالَمَ يَحْتَاجُهَا.
وَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ يَتَوَرَّطُونَ فِي الْمُخَالَفَةِ بِالْإِشْرَاكِ بِاللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ، الَّذِينَ يَجْهَلُونَ كَثِيرًا مِنْ مَسَائِلِ التَّوْحِيدِ مِمَّا هُوَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ فِي نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ، وَمِمَّا هُوَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي ذَاتِهِ.
((التَّوْحِيدُ أَعْلَى شُعَبِ الْإِيمَانِ))
وَنَبِيُّكُمْ ﷺ يُبَيِّنُ لَكُمْ هَذَا الْأَصْلَ الْكَبِيرَ؛ فَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ -وَأَذْكُرُ هَؤُلَاءِ لِعِلَّةٍ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً)): هَذِهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ -أَيْضًا-.
ثُمَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِالشَّكِّ رِوَايَةٌ أُخْرَى: ((الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ -أَوْ: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً)).
وَأَمَّا أَصْحَابُ السُّنَنِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ ذَكَرْتُهُمْ فَهَؤُلَاءِ أَخْرَجُوهَا ((سَبْعِينَ)) مِنْ غَيْرِ شَكٍّ.
فَعِنْدَنَا الْآنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ: ((الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ -أَوْ: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَفْضَلُهَا -كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهَا- أَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ)).
تَأَمَّلْ.. إِنَّ نَبِيَّكَ ﷺ ذَكَرَ أَنَّ أَفْضَلَ شُعَبِ الْإِيمَانِ وَأَعْلَاهَا التَّوْحِيدُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ الَّذِي تُبْنَى عَلَيْهِ كُلُّ الشُّعَبِ، فَإِذَا اخْتَلَّ هَذَا الْأَصْلُ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ شَيْءٌ مِمَّا يَأْتِي بِهِ الْعَبْدُ بَعْدُ، وَإِذَا مَا اسْتَقَامَ لَهُ هَذَا الْأَصْلُ فَإِنَّ عَمَلَهُ لَا يَحْبَطُ بِحَالٍ، بَلْ يُبَارِكُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَهُ فِيهِ إِذَا ضَمَّ إِلَيْهِ الْمُتَابَعَةَ لِلرَّسُولِ ﷺ.
فَهَذَا هُوَ أَصْلُ الْأُصُولِ يَغْفُلُ عَنْهُ الْمُسْلِمُونَ!
كَيْفَ يَغْفُلُ عَنْهُ الْمُسْلِمُونَ؟!
هَذَا أَصْلُ الْأُصُولِ.
((مَعْنَى التَّوْحِيدِ وَحَقِيقَتُهُ))
كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لَا يَتَصَوَّرُ أَنَّ الشِّرْكَ أَكْبَرُ مِنَ الزِّنَا!
يَقُولُ: كَيْفَ؟! الْفَاحِشَةُ وَمُوَاقَعَةُ الْحَرَامِ أَقَلُّ مِنْ أَنْ يُشْرِكَ الْعَبْدُ بِرَبِّهِ؟!
نَعَمْ، إِنَّ الشِّرْكَ بِاللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَكْبَرُ مِنَ الزِّنَا، وَأَكْبَرُ مِنْ إِتْيَانِ الذُّكْرَانِ مِنَ الْعَالَمِينَ، وَأَكْبَرُ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَأَكْبَرُ مِنْ قَتْلِ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْبَرُ مِنَ اغْتِصَابِ أَمْوَالِ النَّاسِ وَسَرِقَتِهِمْ، أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَالشِّرْكُ بِاللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هُوَ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ قَاطِبَةً، كَمَا أَنَّ تَوْحِيدَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هُوَ أَعْظَمُ الْحَسَنَاتِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا عَبْدٌ فِي الْحَيَاةِ.
كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لَا يَتَصَوَّرُ هَذَا، وَلِذَلِكَ تَجِدُ كَثِيرًا مِنَ الطَّيِّبِينَ يَدْعُونَ إِلَى الْتِزَامِ الْأَخْلَاقِ الطَّيِّبَةِ الْفَاضِلَةِ، وَهَذَا حَسَنٌ؛ فَإِنَّمَا ((بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ لِيُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ))، وَلَكِنْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا مَبْنِيًّا عَلَى تَوْحِيدِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْكُفْرِ بِكُلِّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، إِذَا لَمْ يَأْتِ الْعَبْدُ بِهَذَا فَلَا قِيمَةَ لِمَا يَأْتِي بِهِ بَعْدُ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَوَّلِ شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَكَمَا مَرَّ مِنْ حَدِيثِ مُسْلِمٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ)).
وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ كَبِيرَةٌ وَأَصْلٌ عَظِيمٌ، فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، وَفَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعْنَى التَّوْحِيدِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ مَنْ قَالَ وَضَمَّ إِلَى الْقَوْلِ الْبَرَاءَةَ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ وَكَفَرَ بِكُلِّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَحْرُمُ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَأَمَّا إِذَا قَالَهَا وَلَمْ يَكْفُرْ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ.. إِذَا قَالَهَا وَفَهِمَ مَعْنَاهَا، وَلَمْ يَأْتِ بِلَازِمِهَا وَمُقْتَضَاهَا، وَلَمْ يَكْفُرْ بِكُلِّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، إِذَا قَالَهَا وَأَتَى بِنَاقِضٍ مِنْ نَوَاقِضِهَا فَإِنَّهَا لَا تَنْفَعُهُ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ: كَيْفَ يَكُونُ شِرْكٌ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَهُمْ يَشْهَدُونَ أَنْ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)؟
إِذَا شَهِدَ الْعَبْدُ أَنَّهُ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وَأَتَى بِنَاقِضٍ مِنْ نَوَاقِضِهَا فَبِمَاذَا تَنْفَعُهُ؟!
هِيَ لَا تَنْفَعُهُ إِلَّا إِذَا أَتَى بِشُرُوطِهَا، وَاجْتَنَبَ نَوَاقِضَهَا، وَفَهِمَ مَعْنَاهَا، وَأَخْلَصَ فِيهَا، وَصَدَّقَ بِهَا، وَأَحَبَّهَا، وَاتَّبَعَهَا، وَإِلَّا فَلَيْسَتْ بِنَافِعَةٍ شَيْئًا لِمَنْ أَتَى بِهَا وَنَقَضَهَا.
مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، وَلَكِنْ مَا مِنْ مِفْتَاحٍ إِلَّا وَلَهُ أَسْنَانٌ، فَإِذَا جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَا أَسْنَانَ لَهُ لَمْ يُفْتَحْ لَكَ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَأْتِيَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ، وَ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) لَهَا شُرُوطٌ وَلَهَا مُقْتَضَيَاتٌ، فَيَنْبَغِي عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَى ذَلِكَ، وَأَنْ يُحَرِّرَهُ.
((التَّوْحِيدُ أَصْلُ كُلِّ دَعْوَةٍ صَحِيحَةٍ))
وَكُلُّ دَعْوَةٍ إِنَّمَا تَبْدَأُ بِهَذَا الْأَصْلِ الْأَصِيلِ حَتَّى تَكُونَ مُتَّبِعَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ.
وَالَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ الْأَقْوَامِ فِي هَذَا هُوَ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: ((عِنْدَمَا أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: ((إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ -وَفِي رِوَايَةٍ: فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللهَ -تَعَالَى-، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ)).
فَبَدَأَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الدَّعْوَةِ بِهَذَا الْأَصْلِ، وَهُوَ أَنْ تُوَحِّدُوا اللهَ، وَأَنْ تَعْبُدُوا اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَحْدَهُ.
قُلْ لِلْجَمَاعَاتِ كُلِّهَا، وَقُلْ لِلْفِرَقِ كُلِّهَا.. فَهِيَ أَوْلَى بِمَا قَالَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لِأَهْلِ الْكِتَابِ: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ} [آل عمران: 64].
قُلْ لَهُمْ: تَعَالَوْا إِلَى هَذَا، نَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ، فَلْنَتَحَاكِمْ إِلَى كِتَابِ اللهِ وَإِلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِفَهْمِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَإِلَّا فَلَنْ نَسْكُتَ عَنْكُمْ حَتَّى تَفِيئُوا إِلَى هَذَا الظِّلِّ الظَّلِيلِ، وَحَتَّى تَتَمَسَّكُوا بِهَذَا الْأَصْلِ الْأَصِيلِ؛ لِأَنَّكُمْ تَحْرِفُونَ النَّاسَ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.
هُمْ أَوْلَى بِهَذَا الْقَوْلِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: تَعَالَوْا إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ!
تَعَالَوْا إِلَى تَجْرِيدِ الْمُتَابَعَةِ لِلْمَعْصُومِ ﷺ!
وَأَمَّا أَنْ تُشْرِكُوا أَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ!
وَأَمَّا أَنْ تَسْكُتُوا عَنِ الشِّرْكِ يَقَعُ مِنْ أَتْبَاعِكُمْ!
وَأَمَّا أَنْ تُدَاهِنُوا فَلَا تُحَذِّرُوا مِنْ وُقُوعِ مَنِ اتَّبَعُكُمْ وَالنَّاسِ مِنَ الدَّهْمَاءِ وَالْعَوَامِّ؛ حَتَّى لَا يَنْفِرُوا مِنْ دَعْوَتِكُمْ -بِزَعْمِكُمْ- أَمَّا أَنْ تُدَاهِنُوا فِي هَذَا الْأَصْلِ الْأَصِيلِ فَهَذَا مُخَالِفٌ لِدَعَوَاتِ الْمُرْسَلِينَ وَلِرِسَالَاتِ النَّبِيِّينَ وَلِهَدْيِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ ﷺ.
فَمَتَى دَاهَنَ فِي هَذَا رَسُولُ اللهِ؟! حَاشَا وَكَلَّا
النَّبِيُّ ﷺ إِنَّمَا دَعَا النَّاسَ إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَمْ يَقْبَلْ فِي هَذَا مُهَادَنَةً وَلَا مُوَادَعَةً وَلَا مُوَافَقَةً بِحَالٍ، وَقَدْ عُرِضَ عَلَيْهِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُغَيِّرَ بِهِ الْأَحْوَالَ -بِقَدَرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ- مِنْ قِمَّةِ الْهَرَمِ -كَمَا يَقُولُونَ- وَلَا يَنْتَظِرُ؛ فَقَدْ عُرِضَ عَلَيْهِ الْمُلْكُ، وَكَانَ -حَاشَا للهِ- يُمْكِنُ أَنْ يَقْبَلَ، وَيُجَيِّشَ الْجَيْشَ، وَيُعِدَّ الْعُدَّةَ، فَإِذَا مَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَكَانَتْ لَهُ الْقُوَّةُ؛ حَمَلَ عَلَيْهِمْ، فَإِمَّا أَنْ تُسْلِمُوا بِحَدِّ السَّيْفِ، وَإِمَّا أَنْ نَقْطَعَ رِقَابَكُمْ، وَلَكِنْ لَمْ يَقْبَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ﷺ.
وَعُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا، وَعُرِضَ عَلَيْهِ الْمَالُ، وَعُرِضَتْ عَلَيْهِ السِّيَادَةُ؛ فَرَفَضَ هَذَا كُلَّهُ، ((إِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ))، ((قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تُفْلِحُوا)).
يَدْعُو النَّاسَ إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْ بَدْءِ الْحَيَاةِ إِلَى مُنْتَهَاهَا فِي حَيَاتِهِ الْمُبَارَكَةِ.
مِنْ بَعْدِ بَعْثَتِهِ إِلَى أَنْ قَبَضَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يَدْعُو إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، ((قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تُفْلِحُوا))، وَفِي حَالَاتِهِ كُلِّهَا ﷺ، حَتَّى وَهُوَ عَلَى فِرَاشِ الْمَوْتِ يَدْعُو إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَيَدْعُو النَّاسَ مُنْذُ بُلُوغِ الْوَاحِدِ مِنْهُمُ الْحُلُمَ وَالتَّكْلِيفَ.. يَدْعُوهُ إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فَهُوَ أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى الْعَبْدِ، وَلَيْسَ بِذَلِكَ الَّذِي يَدَّعُونَ مِنْ مَعْرِفَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، مَعْرِفَةُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِطْرِيَّةٌ لَا نَظَرِيَّةٌ؛ فَقَدْ فَطَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْخَلْقَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ.
وَكُلُّ الْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينِ الَّتِي سِيقَتْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ؛ مِنْ إِثْبَاتِ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَمِنَ التَّسَاؤُلَاتِ وَالِاسْتِفْهَامَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ لِأَهْلِ الشِّرْكِ وَالْعِنَادِ وَالْمُكَابَرَةِ إِنَّمَا كَانَتْ مِنْ أَجْلِ تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ، وَأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ هُوَ الْمُتَفرِّدُ بِذَلِكَ، فَهَذَا لَمْ يَكُنْ لِلْإِنْكَارِ، وَإِنَّمَا كَانَ لِلتَّقْرِيرِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَسُوقَهُمْ بَعْدَ التَّقْرِيرِ سَوْقًا إِلَى تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ بِعِبَادَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ.
وَأَكْفَرُ أَهْلِ الْأَرْضِ -فِرْعَوْنُ- الَّذِي قَالَ لِقَوْمِهِ: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ} [النازعات: 24]، وَادَّعَى الْأُلُوهِيَّةَ الْعُظْمَى، فَقَالَ: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي} [القصص: 38]، هَذَا الرَّجُلُ كَانَ مُكَابِرًا فِي دَعْوَاهُ هَذِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لَمَّا ذَكَرَ لَهُ مَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هُوَ الَّذِي يُجْرِي الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ الَّتِي أَجْرَاهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى يَدَيْ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-.. لَمَّا قَرَّرَ لَهُ مُوسَى ذَلِكَ لَمْ يُنْكِرْهُ: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ} [الإسراء: 102]، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَى مُوسَى؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُكَابِرًا، وَأَمَّا فِي بَاطِنِهِ وَأَمَّا فِي دَاخِلِهِ فَكَانَ مُقِرًّا بِأَنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي خَلَقَهُ، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14].
((أَيْنَ أَنْتَ مِنْ تَعَلُّمِ التَّوْحِيدِ وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهِ؟!!))
فَهَذَا الْأَصْلُ الْكَبِيرُ أَيْنَ أَنْتَ مِنْهُ؟!
وَمَا الَّذِي تَعْرِفُ عَنْهُ؟!
أَيْنَ أَنْتَ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ؟!
أَنْتَ تَقْرَأُ الْمَجَلَّاتِ وَالصُّحَفَ، وَتَتَتَبَّعُ الْأَخْبَارَ وَالنَّشْرَاتِ عَلَى مُسْتَوَى الْعَالَمِ جَمِيعِهِ، وَتَعْرِفُ مَا يَدُورُ فِي كُلِّ فِجَاجِ الْأَرْضِ وَمَا يَحْدُثُ فِيهَا، وَلَا تَعْرِفُ شَيْئًا عَنْ نَبِيِّكَ ﷺ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ لِمَاذَا أَرْسَلَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ وَمَا هِيَ دَعْوَتُهُ؟ وَمَا هُوَ دِينُهُ عَلَى التَّحْقِيقِ؟ مَا الدِّينُ الَّذِي جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى التَّحْقِيقِ؟
إِنَّما دَعَا الْخَلْقَ لِعِبَادَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ.
وَإِذَا عَلِمْتَ طَرَفًا مِنْ ذَلِكَ فَأَنْتَ بَارِدُ الْقَلْبِ أَوْ مَيِّتُهُ إِذَا مَا خُولِفَ تَحْتَ عَيْنَيْكَ، لَا يَثُورُ لَكَ ثَائِرٌ، وَلَا يَتَحَرَّكُ فِيكَ سَاكِنٌ مِنْ أَجْلِ الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ خَالَفَ فِي أَمْرِ التَّوْحِيدِ.
أَيُّ دَعْوَةٍ هَذِهِ؟!
يَا قَوْمِ! اتَّقُوا اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فِي دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَفِي سُنَّةِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ!
اتَّقُوا اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فِي دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ؛ فَإِنَّ الْعَالَمَ أَحْوَجُ مَا يَكُونُ إِلَى هَذِهِ الدَّعْوَةِ الْمُبَارَكَةِ؛ لِكَيْ يَخْرُجَ مِمَّا هُوَ فِيهِ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ وَمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ.
نَسْأَلُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَنْ يَهْدِيَنَا لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، وَأَنْ يَغْفِرَ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَأَنْ يَرْحَمَنَا، وَأَنْ يَجْمَعَ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ عَلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بِرَحْمَتِهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
المصدر: أَهَمِّيَّةُ الدَّعْوَةِ إِلَى التَّوْحِيدِ