الْمَالُ الْحَرَامُ، وَأَثَرُهُ الْمُدَمِّرُ عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ

الْمَالُ الْحَرَامُ، وَأَثَرُهُ الْمُدَمِّرُ عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ

((الْمَالُ الْحَرَامُ، وَأَثَرُهُ الْمُدَمِّرُ عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ))

الْخُطْبَةُ الْأُولَى:

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّـهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّـهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ - صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عِمران: 102].

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّـهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النِّسَاء: ١].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الْأَحْزَاب: ٧٠-٧١].

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وعلى آلِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((أَمَرَ اللهُ الْمُرْسَلِينَ، وَالْمُؤْمِنِينَ بِالْأَكْلِ مِنَ الْحَلَالِ)):

فَإِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- سَوَّى بَيْنَ الْمُرْسَلِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ فِي وُجُوبِ الْأَكْلِ مِنَ الْحَلَالِ وَاجْتِنَابِ الْحَرَامِ؛ فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المُؤْمِنُون: 51].

فَأَمَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْمُرْسَلِينَ بِالْأَكْلِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْأَمْرِ بِمَا الْمَرْءُ مَأْمُورٌ بِهِ كَمَا فِي قَوْلِ رَبِّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ} [الأَحْزَاب: 1].

فَيَأْمُرُهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِالتَّقْوَى، وَهُوَ إِمَامُ الْمُتَّقِينَ، وَهُوَ مَوْصُوفٌ بِهَا، وَيَأْمُرُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْمُرْسَلِينَ بِالْأَكْلِ مِنَ الْحَلَالِ، وَهُمْ آكِلُونَ مِنْهُ، ثُمَّ أَتْبَعَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْأَمْرَ بِالْأَكْلِ مِنَ الْحَلَالِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ بِالْأَمْرِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ.

فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْأَكْلَ مِنَ الْحَلَالِ مُعِينٌ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أَكَلَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَعَانَهُ ذَلِكَ -بِفَضْلِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ- عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَعَمَلُ الصَّالِحِ هُوَ مَا كَانَ للهِ خَالِصًا، وَعَلَى قَدَمِ النَّبِيِّ سَائِرًا ﷺ.

{يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا}: وَأَتْبَعَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ذَلِكَ الْأَمْرَ الْكَبِيرَ بِالتَّهْدِيدِ وَالتَّحْذِيرِ {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}.

 وَفِي ضِمْنِهِ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ لِمَنْ خَالَفَ، فَأَكَلَ مِمَّا فِيهِ حُرْمَةٌ أَوْ مِمَّا لَيْسِ بِطَيِّبٍ فِي حَقِيقَتِهِ أَوْ مِمَّا حُصِّلَ مِنْ وَجْهٍ لَا يَلِيقُ بِمُحَصِّلِهِ.

 فَذَكَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ قَدْ صَرَفَ الْأَمْرَ إِلَى الْمُرْسَلِينَ؛ فَمَنْ دُونَهُمْ أَوْلَى بِانْصِرَافِ الْأَمْرِ إِلَيْهِمْ.

فَإِذَا قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِلْمُرْسَلِينَ: {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ}؛ فَإِنَّ مَنْ دُونَهُمْ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ، وَإِذَا جَاءَ التَّحْذِيرُ وَالتَّشْدِيدُ {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} فِي حَقِّ الْمُرْسَلِينَ؛ فَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ دُونَهُمْ أَوْلَى وَأَجْدَرُ.

فَأَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْمُؤْمِنِينَ بِأَكْلِ الطَّيِّبَاتِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ} [البَقَرة: 172]: فَوَجَّهَ الْأَمْرَ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ بِالْأَكْلِ مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقَهُمُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وَأَمَرَهُمْ بِالشُّكْرِ.

*إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا:

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا أَخْرَجَ ذَلِكَ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا)) .

فَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الطَّيِّبُ: وَهُوَ الْمُنَزَّهُ الْمُبَرَّئُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَنَقْصٍ، وَمِنْ كُلِّ مَا هُوَ ضِدُّ الطَّيِّبِ -وَضِدُّ الطَّيِّبِ الْخَبِيثُ-.

((إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا)): إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ فِي ذَاتِهِ، وَطَيِّبٌ فِي صِفَاتِهِ، وَطَيِّبٌ فِي أَفْعَالِهِ، وَطَيِّبٌ فِي أَسْمَائِهِ، فَلَهُ -جَلَّ وَعَلَا- الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ، وَاللهُ -جَلَّ وَعَلَا- مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ.

((إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا)): لَا يَقْبَلُ إِلَّا مَا كَانَ طَيِّبًا فِي ذَاتِهِ، لَيْسَ بِخَبِيثٍ، وَإِلَّا مَا كَانَ طَيِّبًا فِي تَحْصِيلِهِ، فَلَيْسَ بِحَرَامٍ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ طَيِّبًا فِي ذَاتِهِ، وَيُكْتَسَبُ اكْتِسَابًا تَلْحَقُهُ الْحُرْمَةُ فِيهِ؛ فَيَكُونُ حَرَامًا لِلْكَسْبِ، لَا حَرَامًا لِلذَّاتِ.

 فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الْمَيْتَةِ أَوْ مِنْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ؛ قِيلَ: هَذَا مُحَرَّمٌ لِذَاتِهِ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ بِحُرْمَةِ ذَاتِهِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إِذَا مَا اغْتَصَبَ شَاةً؛ فَالْحُرْمَةُ تَلْحَقُ الْكَسْبَ هَاهُنَا، وَلَا تَلْحَقُ الذَّاتَ.

((إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا)): لَا يَقْبَلُ إِلَّا مَا كَانَ طَيِّبًا فِي ذَاتِهِ، فَلَيْسَ بِخَبِيثٍ، وَإِلَّا مَا كَانَ طَيِّبًا فِي كَسْبِهِ، فَلَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا فِيهِ شُبْهَةٌ.

 ((وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [المؤمنون: 51]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172])).

فَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ التَّسْوِيَةَ فِي هَذَا الْأَمْرِ الْكَبِيرِ، وَهُوَ أَكْلُ الْحَلَالِ، وَمُجَانَبَةُ الْحَرَامِ، وَالْبُعْدُ عَنِ الْخَبَائِثِ، وَتَحَرِّي الطَّيِّبِ الطَّاهِرِ.

 فَأَمَرَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، وَفِي هَذَا رَفْعٌ لِشَأْنِ الْمُؤْمِنِينَ؛ إِذْ أَمَرَهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الصَّفْوَةَ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُمُ الْمُرْسَلُونَ، إِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ.

*الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِي الْآيَةِ هُوَ الشُّكْرُ للهِ عَلَى نِعَمِهِ:

إِذَا جَمَعْتَ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ وَجَدْتَ أَنَّ الْأَمْرَ يَنْصَرِفُ إِلَى الشُّكْرِ فِي حَقِيقَتِهِ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المُؤمِنُون: 51]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا للهِ} [البَقَرة: 172].

فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ هُنَا هُوَ شُكْرُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَمَرَ الْمُرْسَلِينَ بِأَمْرٍ أَمَرَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ.

وَالْمُؤْمِنُونَ مَأْمُورُونَ هَاهُنَا بِأَنْ يَأْكُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وَأَنْ يَشْكُرُوا للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَكِنَّهُمْ مَأْمُورُونَ أَيْضًا بِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمُؤْمِنُونَ قَدْ أُمِرُوا بِأَكْلِ الطَّيِّبَاتِ وَعَمَلِ الصَّالِحِ، وَقَدْ جَاءَ مُبْهَمًا؛ لِيَدُلَّ عَلَى كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ، ثُمَّ هُوَ الشُّكْرُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَكَثِيرًا مَا يُخْطِئُ النَّاسُ فِي مَعْنَى الشُّكْرِ، وَكَثِيرًا مَا يَظُنُّونَ أَنَّ لَوْكَ اللِّسَانِ ضَرْبًا بِهِ بَيْنَ الْأَشْدَاقِ حَمْدًا وَشُكْرًا يُعَدُّ تَوْفِيَةً للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَمْدًا وَشُكْرًا، وَهُوَ مِنَ الْوَهْمِ -مِنْ وَهْمِ الْوَاهِمِينَ-.

فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَكُونُ شَاكِرًا حَتَّى يَعْتَرِفَ بِالنِّعْمَةِ بِاطِنًا، وَيَلْهَجُ بِالثَّنَاءِ عَلَى الْمُسْدِيهَا إِلَيْهِ بِاللِّسَانِ ظَاهِرًا، وَيَأْتِي الرُّكْنُ الْعَظِيمُ وَهُوَ أَنْ يُصَرِّفَهَا فِي مَرْضَاةِ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِهَا وَأَسْدَاهَا إِلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهَذَا فَلَا يُعَدُّ شَاكِرًا.

{كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا للهِ}: فَهَذَا هُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ الَّذِي أَمَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِهِ الْمُرْسَلِينَ.

((أَكْلُ الْحَرَامِ مِنْ أَعْظَمِ قَوَاطِعِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ)):

ثُمَّ ضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ مَثَلًا عَمَلِيًّا؛ لِيُقَرِّبَ الْمَسْأَلَةَ إِلَى الْأَذْهَانِ، وَلَيْجَعْلَهَا حَاضِرَةً فِي الْجَنَانِ، عَصِيَّةً عَلَى النِّسْيَانِ، قَالَ: ((ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ)): وَالسَّفَرُ مَظِنَّةُ إِجَابَةِ دُعَاءِ الدَّاعِينَ، وَالْإِطَالَةُ فِيهِ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَذَلِكَ.

((ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ)): شُعِّثَ شَعْرُهُ؛ لِقِلَّةِ الْعِنَايَةِ بِهِ، انْشِغَالًا بِمَا هُوَ بِصَدَدِهِ، مَعَ الْغَبَرَةِ الَّتِي تَلْحَقُهُ مِنْ أَثَرِ السَّفَرِ وَوَعْثَائِهِ، وَهُوَ مَشْغُولٌ عَمَّا لَحِقَهُ مِنَ الشَّعَثِ وَالْغَبَرَةِ بِدُعَاءِ رَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مُقْبِلًا عَلَيْهِ، وَهَذَا أَيْضًا بِالْمَذَلَّةِ للهِ -جَلَّ وَعَلَا- مِنْ مَظِنَّةِ إِجَابَةِ دُعَاءِ الدَّاعِينَ.

((ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَر، يَمُدُّ يَدَيْهِ)): يَمُدُّ يَدَيْهِ:وَهَذَا مِنْ مَظِنَّةِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ أَيْضًا.

 وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ حَيِّيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَمُدَّ إِلَيْهِ يَدَيْهِ فَيَرُدَّهُمَا صِفْرًا)) . فَإِذَا مَدَّ يَدَيْهِ إِلَى رَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، فَذَلِكَ حَرِيٌّ بِأَنْ يُجِيبَ اللهُ الْكَرِيمُ دُعَاءَهُ.

فَهُوَ ((يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ)): وَالرُّبُوبِيَّةُ بِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ أَحْرَى، فَيَذْكُرُ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- دَاعِيًا إِيَّاهُ بِهَذَا الْوَصْفِ الْكَرِيمِ، وَبِهَذَا الِاسْمِ الْجَلِيلِ بِاسْمِ الرَّبِّ الثَّابِتِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَأَمَّا الْوَصْفُ الَّذِي انْطَوَى عَلَيْهِ الِاسْمُ، فَإِنَّ مَنْ نَادَى بِهِ حَرِيٌّ أَنْ يُجَابَ نِدَاؤُهُ، وَأَنْ يُغَاثَ إِذَا اسْتَغَاثَ، ((يَا رَبِّ يَا رَبِّ))، وَيُكَرِّرُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ.

وَلَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ أَمْرًا يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى الْإِجَابَةِ: ((يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَقَدْ غُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!)).

فَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ اسْتِبْعَادَ اسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ ((فَأَنَّى يُسْتَجَابَ لِذَلِكَ؟)): فَكَيْفَ يُسْتَجَابُ لِمَنْ هَذَا شَأْنُهُ وَهَذِهِ حَالُهُ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَدْعُو رَبَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ذَاكِرًا إِيَّاهُ بِاسْمِهِ الْجَلِيلِ ((الرَّبُّ))، وَبِوَصْفِهِ الْعَظِيمِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَهُوَ يُطِيلُ مَعَ ذَلِكَ السَّفَرَ، وَلَكِنَّهُ لَا يُسْتَجَابُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى نَفْسِهِ فِي إِجَابَةِ رَبِّهِ دُعَاءَهُ؛ إِذْ أَتَى بِمَطْعَمٍ حَرَامٍ وَمَشْرَبٍ حَرَامٍ، وَمَلْبَسٍ حَرَامٍ، وَقَدْ غُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ.

فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ قَوَاطِعِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ أَنْ يَكُونَ الْمَرْءُ آكِلًا مِنْ حَرَامٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّ ((كُلَّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ)) ، وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ اللَّحْمَ الَّذِي نَبَتَ مِنَ السُّحْتِ مُحَرَّمٌ عَلَى الْجَنَّةِ.

وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَأْكُلُ مِنَ الْحَرَامِ، وَيَشْرَبُ مِنَ الْحَرَامِ، وَيَلْبَسُ مِنَ الْحَرَامِ، وَهَذَا يَكُونُ مِنْ كَسْبِهِ.

 وَغُذِيَ مِنَ الْحَرَامِ، فَيُغَذَّى وَيُطْعَمُ مِنْ كَسْبِ الْحَرَامِ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يُطْعِمُ أَهْلَهُ الْحَرَامَ، وَيَغْذُوهُمْ بِهِ، بَلْ وَيَتَخَلَّقُ جَنِينُ امْرَأَتِهِ فِي رَحِمِهَا مِنْ حَرَامٍ يَغْذُوهَا بِهِ، فَيَظَلُّ هَكَذَا مُغْتَذِيًا عَلَيْهِ، حَتَّى يَشُبَّ بَعْدُ، وَلَحْمُهُ كُلُّهُ مِنَ الْحَرَامِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ((كُلَّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ)).

ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ -وَهُمَا الْغِذَاءُ-، قَالَ: ((وَغُذِيَ مِنْ حَرَامٍ)): فَأَفْرَدَ هَذَا نَاحِيَةً؛ لِأَنَّ مَا ذُكِرَ أَوَّلًا يَكُونُ مِنْ كَسْبِ الْإِنْسَانِ، مَطْعَمُهُ مِنْ حَرَامٍ، وَمَشْرَبُهُ مِنْ حَرَامٍ بِكَسْبِهِ فِي تَحْصِيلِ الْحُرْمَةِ وَارْتِكَابِ الْجَرِيمَةِ، وَالْوُقُوعِ عَلَى مَا حَرَّمَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ تَحْصِيلًا وَكَسْبًا.

ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْبُطُونِ دَفْعًا، ثُمَّ يَقْطَعُ عَلَى نَفْسِهِ طَرِيقَ إِجَابَةِ دُعَائِهِ إِذَا دَعَا رَبَّهُ، وَلَوْ أَتَى بِكُلِّ آدَابِ الدُّعَاءِ كَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ.

فَإِنَّهُ مَعَ مَا أَتَى بِهِ مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ، وَمَا هُوَ مَظِنَّةُ الْإِجَابَةِ عِنْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ، أَخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ أَنَّهُ لَا يُسْتَجَابُ لَهُ، بَلِ اسْتَبْعَدَ جِدًّا أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ، فَقَالَ: ((وَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟)) ﷺ.

فَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْكَسْبَ تَحْصِيلًا، وَالدَّفْعَ فِي الْبُطُونِ أَكْلًا وَشُرْبًا، ثُمَّ ذَكَرَ اِغْتِذَاءَ الْغَيْرِ عَلَى مَا حَرَّمَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنَ الْكَسْبِ الَّذِي لَمْ يُشْرَعْ، يُحَصِّلُهُ غَيْرُ مَنِ اغْتَذَى عَلَيْهِ، قَالَ: ((وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ)).

 وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ الْجُرْمِ، وَعَظِيمِ الْإِثْمِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ مَنْ يَقَعُ عِنْدَمَا يَأْكُلُ مِنَ الْحَرَامِ، وَيَشْرَبُ مِنَ الْحَرَامِ، وَيَلْبَسُ مِنَ الْحَرَامِ، وَيُطْعِمُ الْمَرْأَةَ مِنَ الْحَرَامِ، وَيُخَلَّقُ الْجَنِينُ فِي الرَّحِمِ مِنَ الْحَرَامِ.

ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ عَلَى الثَّدْيِ رَاضِعًا لَبَانَ الْحَرَامِ، ثُمَّ يَشُبُّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَطْعَمٍ حَرَامٍ وَمَشْرَبٍ حَرَامٍ، ثُمَّ يَشْكُو النَّاسُ بَعْدُ مِنْ خَيْبَةِ الْأَوْلَادِ، وَمِنْ عَدَمِ اسْتِقَامَةِ الْمِنْهَاجِ، وَهُمْ أَوْلَادُ حَرَامٍ عَلَى هَذَا النَّحْوِ وَتِلْكَ الصِّفَةِ!! وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا.

((هَدَايَا الْمُوَظَّفِينَ - الْجُمُعَةُ 5 مِنْ رَبِيع الْأَوَّلِ 1431هـ / 19-2-2010م)).

 ((النَّبِيُّ ﷺ عَلَّمَ الْأُمَّةَ الْوَرَعَ فِي الْمُعَامَلَاتِ)):

إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَنَا عَنْ أَصْلِ الْوَرَعِ فِي الْمُعَامَلَاتِ، فَقَالَ: ((دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ)) .

 ((دَعْ مَا يَرِيبُكَ)): فَسَّرَهُ فِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فَقَالَ: ((الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ)) .

((دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ)): الَّذِي لَا تَكُونُ مِنْهُ عَلَى بَيِّنَةٍ أَنَّهُ حَلَالٌ فَلَا تَمُدَّ يَدَكَ إِلَيْهِ، وَلَا تَتَطَلَّعَنَّ إِلَيْهِ، بَلْ عُدَّهُ مَعْدُومًا لَا وُجُودَ لَهُ، وَاضْرِبْ عَنْهُ صَفْحًا، وَاطْوِ عَنْهُ كَشْحًا، وَيَمِّمْ طَرِيقَ الْخَيْرِ لَا تَلْوِي عَلَى شَيْءٍ.

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ)): وَهَذَا أَصْلٌ أَصِيلٌ فِي الْوَرَعِ، بَلْ هُوَ قَاعِدَتُهُ الَّتِي عَلَيْهَا يَنْبَنِي.

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ضَارِبًا الْمَثَلَ الْوَاقِعِيَّ لِلْوَرَعِ: ((إِنِّي لَأَدْخُلُ بَيْتِي فَأَجِدُ التَّمْرَةَ عَلَى فِرَاشِي، فَأَرْفَعُهَا إِلَى فِيَّ، ثُمَّ أَخَافُ أَوْ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ مِنْ حَرَامٍ فَأَطْرَحُهَا))  ﷺ.

 كَانَ يَجِدُ التَّمْرَةَ مَسْقُوطَةً عَلَى فِرَاشِهِ -وَمَسْقُوطَةً بِمَعْنَى سَاقِطَةً، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {حِجَابًا مَسْتُورًا} [الإسراء: 45]: أَيْ حِجَابًا سَاتِرًا، فَمَسْتُورٌ بِمَعْنَى سَاتِرٌ، وَمَسْقُوطَةٌ بِمَعْنَى سَاقِطَةٌ-.

فَيَدْخُلُ بَيْتَهُ، فَيَجِدُ عَلَى فِرَاشِهِ التَّمْرَةَ، وَإِنَّهُ لَجَائِعٌ ﷺ، وَكَانَ يَقُولُ: ((إِنِّي مُنْذُ ثَلَاثٍ مَا دَخَلَ بَطْنِي مَا يُقِيتُ -وَيَعِيشُ عَلَيْهِ- ذُو كَبِدٍ رَطْبَةٍ ﷺ )) .

وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُخْرِجُهُ الْجُوعُ مِنْ بَيْتِهِ، كَمَا أَخْرَجَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، فَيَقُولُ: ((مَا أَخْرَجَكُمَا فِي هَذِهِ السَّاعَةِ؟)).

يَقُولَانِ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَخْرَجَنَا إِلَّا الْجُوعُ.

يَقُولُ: ((أَنَا وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ مَا أَخْرَجَنِي إِلَّا الْجُوعُ ﷺ )) .

فَيَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِهِ، لَا يُظَنُّ أَنَّ شَيْئًا فِيهِ شُبْهَةٌ يُمْكِنُ أَنْ يَتَسَلَّلَ هَكَذَا إِلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَكِنْ مَعَ أَنَّ الْحُرْمَةَ لَا يُمْكِنُ الْقَطْعُ بِهَا إِلَّا بِيَقِينٍ، غَيْرَ أَنَّ الْوَرَعَ يَعْمَلُ هَاهُنَا عَمَلَهُ، يَرْفَعُهَا إِلَى فِيهِ، وَإِنَّهُ لَجَائِعٌ، ثُمَّ يَطْرَحُهَا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَالصَّدَقَةُ لَا تَحِلُّ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ.

((نَمَاذِجُ مِنْ وَرَعِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، وَالتَّابِعِينَ)):

النَّبِيُّ ﷺ عَلَّمَ الْأُمَّةَ الْوَرَعَ، وَعَلَى نَهْجِهِ وَدَرْبِهِ سَارَ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ.

*وَرَعُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-:

أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ: ((أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ لَهُ غُلَامٌ عَلَى الْخَرَاجِ -يَعْنِي كَانَ مُكَاتَبًا، وَكَانَ صَنَاعَ الْيَدِ ذَا مِهْنَةٍ، فَتَرَكَهُ يَعْمَلُ، يُؤَدِّي إِلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ إِلَى أَمَدٍ دِرْهَمًا أَوْ دِرْهَمَيْنِ، فَإِذَا انْقَضَى الْأَمَدُ فَهُوَ حُرٌّ.

وَهِيَ الْمُكَاتَبَةُ الْمَعْرُوفَةُ لِمَنْ دَرَى خَبَرَهَا-، فَكَاتَبَهُ فَكَانَ عَلَى الْخَرَاجِ، فَكَانَ يَأْتِيهِ بِخَرَاجِهِ طَعَامًا، فَأَتَاهُ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَهُ، وَكَانَ جَائِعًا، فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ: أَعَلِمْتَ مُنْذُ الْيَوْمِ مَا أَكَلْتَ؟

قَالَ: وَمَا هُوَ؟

قَالَ: إِنِّي كُنْتُ قَدْ تَكَهَّنْتُ لِامْرِئٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِكَهَانَةٍ، وَلَا أُحْسِنُهَا وَإِنَّمَا خَدَعْتُهُ، فَمَرَرْتُ بِهِ الْيَوْمَ، فَأَعْطَانِي الْحُلْوَانَ، فَجِئْتُ إِلَيْكَ بِالطَّعَامِ مِنْهُ.

فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَلَى نَفْسِهِ، يُدْخِلُ يَدَهُ فِي جَوْفِهِ، يُرِيدُ أَنْ يَطْرَحَ اللُّقْمَةَ، وَهِيَ لَا تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ!! فَدَعَا بِطَسْتٍ، وَأَرَادَ أَنْ يَسْتَقِيءَ فَلَمْ يُفْلِحْ.

فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا إِذَا أَسَغْتَهُ بِمَاءٍ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَكَانَ يَشْرَبُ، وَيُدْخِلُ أُصْبُعَهُ فِي حَلْقِهِ حَتَّى طَرَحَهَا-رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

فَقَالُوا: سُبْحَانَ اللهِ!! يَعْنِي وَهَلْ هَذَا يَلْزَمُكَ؟! يَتَعَجَّبُونَ.

فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((وَكُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ))، فَخَشِيتُ أَنْ يَنْبُتَ فِي لَحْمِي شَيْءٌ مِنْهَا)) .

وَمَا تَعَمَّدَ شَيْئًا وَمَا عَلَيْهِ مِنْ جَرِيرَةٍ، وَلَكِنَّهُ صِدِّيقُ الْأُمَّةِ الْأَكْبَرُ، وَصَاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغَارِ.

وَقَدْ أَخْرَجَ طَرَفًا مِنْ ذَلِكَ بِتَفْصِيلٍ أَبُو نُعَيْمٍ فِي ((الْحِلْيَةِ)) فِيمَا صَنَعَ الصِّدِّيقُ -رَضِيَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهُ-، وَإِنَّهُ لَعَنَاءٌ وَأَيُّ عَنَاءٍ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مُتَوَرِّعٌ عَلَى قَدَمِ النَّبِيِّ ﷺ، يَتَّقِي الشُّبُهَاتِ.

*وَرَعُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-:

وَأَمَّا عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِيمَا أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((الشُّعَبِ))، أَنَّهُ جِيءَ إِلَى عُمَرَ يَوْمًا بِلَبَنٍ فَاسْتَجَادَهُ، وَقَدْ شَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ سَأَلَ عَنْهُ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ؟

فَقَالَ مَنْ سَقَاهُ: كُنْتُ الْيَوْمَ بِظَاهِرِ الْبَادِيَةِ، فَمَرَرْتُ بِإِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَوَجَدْتُهَا عَلَى وُرُودٍ، وَقَدْ حَلَبُوهَا، فَجِئْتُكَ مِنْ لَبَنِهَا بِمَا جِئْتُكَ بِهِ.

فَأَخَذَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يَسْتَقِيءُ حَتَّى طَرَحَ مَا دَخَلَ جَوْفَهُ -رَضِيَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهُ-.

وَعَلَى دَرْبِهِمَا سَارَ مَنْ بَعْدَهُمَا -رَضِيَ اللهُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَرَحِمَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ سَلَفَنَا الصَّالِحِينَ-.

*وَرَعُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ -رَحِمَهُ اللهُ-:

عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ اشْتَهَى يَوْمًا عَسَلًا، وَتَعْلَمُ أَنَّهُ رَدَّ كُلَّ مَا كَانَ مَالِكًا إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ حِلِّهِ فِي مِلْكِهِ إِيَّاهُ، حَتَّى صَارَ بِحَيْثُ لَا يَمْلِكُ إِلَّا قَمِيصًا وَاحِدًا يُغْسَلُ، فَيَظَلُّ هُنَالِكَ سَاتِرًا عَوْرَتَهُ حَتَّى يَجِفَّ ثُمَّ يَلْبَسُهُ، وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَتَحْتَ يَدِهِ خَزَائِنُ الْأَرْضِ رَحِمَهُ اللهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً-.

اِشْتَهَى يَوْمًا عَسَلًا، قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمَلِكِ -امْرَأَتُهُ رَحِمَهَا اللهُ الَّتِي صَبَرَتْ عَلَى مَا أَعَاشَهَا فِيهِ مِنْ شَظَفِ الْعَيْشِ؛ تَوَرُّعًا، مَعَ أُبَّهَةِ الْمُلْكِ، وَارْتِفَاعِ السِّيَادَةِ، وَتَمَلُّكِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ؛ إِذْ هِيَ تَحْتَ يَدِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ مَا زَالَ قَاصِدًا بِهَا الْمَقْصِدَ الْأَحْمَدَ حَتَّى أَقَامَهَا عَلَى شِبْهِ الزُّهْدِ الْكَامِلِ؛ تَقَشُّفًا وَتَوَرُّعًا، وَحِيَاطَةً لِدِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَنْ يَتَطَرَّقَ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا يَشُوبُهُ أَوْ يُكَدِّرُهُ، فَصَبَرَتْ -رَحِمَهَا اللهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً-.

فَلَمَّا اشْتَهَى عَسَلًا، وَجَّهَتْ غُلَامًا بِدِينَارٍ إِلَى طَرَسُوسَ، فَأَتَى بِعَسَلٍ جَيِّدٍ، وَمَا كَانَ مَكَانُهُمْ بِمَكَانِ عَسَلٍ يَكُونُ فِيهِ، ثُمَّ قَدَّمُوهُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا طَعِمَ مِنْهُ شَيْئًا، قَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا، وَكَيْفَ جِئْتُمْ بِهِ، وَمِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ بِهِ؟

قَالَ الْغُلَامُ: إِنِّي أَخَذْتُ دَابَّةً مِنْ دَوَابِّ الْبَرِيدِ، فَسَيَّرْتُهَا إِلَى طَرَسُوسَ، فَاشْتَرَيْتُ بِدِينَارٍ عَسَلًا فَجِئْتُ بِهِ.

فَرَفَعَ يَدَهُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-، وَقَالَ: ارْفَعْ هَذَا الْعَسَلَ، وَاذْهَبْ بِهِ إِلَى السُّوقِ فَبِعْهُ، ثُمَّ رُدَّ عَلَيْنَا رَأْسَ مَالِنَا، وَاجْعَلْ مَا زَادَ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ قَالَ -رَحِمَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ-: وَلَوْ كَانَ يَنْفَعُ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا أَنْ أَقِيئَهُ لَاسْتَقَئْتُ رَحِمَهُ اللهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً-.

فَكَانَ فِي الْوَرَعِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ، وَمَا هُوَ أَجَلُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ لِلنَّاسِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، تَأْتِيهِ الْوُفُودُ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَعْرِضُوا عَلَيْهِ الْأُمُورَ -أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ-، وَأَنْ يَتَبَاحَثُوا مَعَهُ فِيمَا يُهِمُّ الْمُسْلِمِينَ فِي دِيَارِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ، وَذُبَالَةٌ هُنَالِكَ خَافِتَةٌ إِنَّمَا تُسْتَمَدُّ مِنْ زَيْتٍ هُوَ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ سُؤَالَاتِهِمْ، وَانْقَضَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْلِمِينَ فِي دِيَارِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ، فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ مُتَبَسِّطِينَ قَائِلِينَ: وَكَيْفَ حَالُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَامَ مُسْرِعًا فَزِعًا، فَأَطْفَأَ الْمِصْبَاحَ وَالذُّبَالَةَ، يَقُولُ: أَمَّا الْآنَ فَلَيْسَ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.

فَهَذَا الضَّوْءُ لَا يَحِلُّ لَنَا أَنْ نَسْتَمِدَّهُ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْتُمْ تَسْأَلُونَ عَنْ حَالِي، وَهَذَا إِنَّمَا يُسْتَمَدُّ مِنْ زَيْتٍ هُوَ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَحِلُّ.

*وَرَعُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ -رَحِمَهُ اللهُ-:

وَلَا غَرْوَ أَنْ يَفْعَلَ الْإِمَامُ الْكَبِيرُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مِثْلَ هَذَا الْفِعْلِ، وَيَصْنَعُ كَهَذَا الصَّنِيعِ، فَإِنَّ الْإِمامَ -رَحِمَهُ اللهُ- ظَلَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يَطْعَمُ شَيْئًا وَقَدْ جَاوَزَ السَّبْعِينَ، ثُمَّ اسْتَعَارُوا لَهُ أَمْدَادًا مِنْ دَقِيقٍ، وَبِعِلْمِهِ صُنِعَ، غَيْرَ أَنَّهُ جِيءَ بِالْخُبْزِ عَلَى الْعَجَلَةِ، فَلَمَّا قُدِّمَ إِلَيْهِ، قَالَ: كَيْفَ خَبَزْتُمْ بِهَذِهِ الْعَجَلَةِ أَيْ: بِهَذِهِ السُّرْعَةِ-؟!

قَالُوا: يَا إِمَامُ! التَّنُّورُ، فِي بَيْتِ صَالِحٍ مَسْجُورٌ، فَخَبَزْنَا هُنَالِكَ.

فَقَالَ: اِرْفَعُوا.

فَرَفَعُوهُ، وَأَمَرَ بِالْخَوْخَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَيْتِ صَالِحٍ وَلَدِهِ فَسُدَّتْ؛ لِأَنَّ صَالِحًا كَانَ يَصِلُهُ بَعْضُ شَيْءٍ مِنْ صِلَاتِ السَّلَاطِينِ، مَعَ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُحَرِّمُهُ، حَتَّى إِنَّ صَالِحًا أَتَى فَزِعًا، يَقُولُ: يَا أَبَتِ، أَحَرَامٌ هِيَ؟

يَقُولُ: لَا .

وَلَكِنَّهُ يَتَوَرَّعُ عَنْهَا -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ-، حَتَّى إِنَّهُ لَيَبْلُغُ أَبْعَدَ مِنْ هَذَا -عَلَيْهِ رَحْمَةُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ-.

 كَانَ قَدْ أُغْشِيَ عَلَيْهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، فَانْتَبَهَ، فَوَجَدَ غُلَامًا يُرَوِّحُ عَلَيْهِ بِمِرْوَحَةٍ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟

قَالَ: غُلَامٌ لِعَمِّكَ إِسْحَاقَ.

قَالَ: اِرْفَعْ هَذِهِ الْمِرْوَحَةَ، وَاغْرُبْ عَنْ وَجْهِي؛ لِأَنَّ عَمَّهُ كَانَتْ تَصِلُهُ الصِّلَاتُ كَصَالِحٍ -رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى-.

 حَتَّى نَسَمَةُ الْهَوَاءِ لَا يَقْبَلُهَا الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً-!

هُوَ دِينُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَتَوَرَّعُ فِيهِ الْمُتَوَرِّعُونَ عَنْ أَكْلِ الْحَرَامِ، وَغِشْيَانِ الْحَرَامِ، وَالْوُقُوعِ فِي الشُّبُهَاتِ، وَقَالَ نَبِيُّنَا ﷺ: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، لَا يُبَالِي النَّاسُ فِيهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبُوا، أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ)) .

الْحَلَالُ عِنْدَهُمْ مَا وَقَعَ فِي الْيَدِ!! وَلَوْ كَانَ رِشْوَةً أَوْ غَصْبًا أَوْ سَرِقَةً!! مَا دَامَ وَقَعَ فِي الْيَدِ فَهُوَ حَلَالٌ!! وَالْحَرَامُ عِنْدَهُمْ مَا لَمْ يَقَعْ فِي الْيَدِ!!

وَمَا كَذَلِكَ دِينُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَا عَلَى هَذَا أَخَذَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِيثَاقَنَا أَمْرًا: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}، أَنْ يَكُونَ طَيِّبًا فِي ذَاتِهِ، طَيِّبًا فِي كَسْبِهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ طَيِّبًا فِي ذَاتِهِ، وَأَنْ يَكُونَ حَرَامًا فِي كَسْبِهِ، فَتَعْلَقُ بِهِ الْحُرْمَةُ أَيْضًا.

((مَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ)):

وَحَتَّى الشُّبْهَةُ نَهَى نَبِيُّنَا ﷺ عَنْ غِشْيَانِهَا، فَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ))  أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَسَّمَ الْأُمُورَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: ((إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ)): فَهَذَانِ قِسْمَانِ لَا يَشْتَبِهَانِ، بَيِّنٌ وَاضِحٌ ظَاهِرٌ لَا يَشْتَبِهُ.

 وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ اشْتِبَاهِهِ مَا أَتَى بَعْدُ مِنْ حَدِيثِهِ ﷺ: ((وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ))، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحُرْمَةَ لَا اشْتِبَاهَ فِيهَا فِي الْقِسْمِ الثَّانِي، وَأَنَّ الْحِلَّ لَا شُبْهَةَ فِيهِ، وَلَا اشْتِبَاهَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، ((إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ)).

لَيْسَ فِي دِينِ اللهِ مَا هُوَ مُشْتَبِهٌ فِي أَصْلِهِ بِحَيْثُ لَا يُعْلَمُ أَصْلًا، حَتَّى الْمُشْتَبِهُ يُرَدُّ إِلَى الْمُحْكَمِ، فَيُعْلَمُ عِلْمُهُ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي أَرَادَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.

 أَمَّا أَنْ يَكُونَ مُشْتَبِهًا اشْتِبَاهًا كَامِلًا بِحَيْثُ لَا يَبِينُ وَلَا يَتَّضِحُ، فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي دِينِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-؛ لِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ)).

 إِذَنْ، قَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ يَعْلَمُهُنَّ، وَمَا دَامَ قَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ قَدْ عَلِمَهُنَّ، فَهُنَّ مَعْلُومَاتٌ فِي أَصْلِهِنَّ، وَلَسْنَ بِحَيْثُ تُحِيطُ الشُّبْهَةُ وَالِاشْتِبَاهُ بِجُمْلَتِهِنَّ ذَاتًا وَصِفَةً، فَلَا يُعْلَمُ مِنْ خَبَرِهِنَّ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا الِاشْتِبَاهُ وَاقِعٌ عَلَى طَرِيقٍ نِسْبِيٍّ.

ثُمَّ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ حُكْمَ الْقِسْمِ الثَّالِثِ: ((فَمَنِ ابْتَعَدَ عَنِ الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ))،

وَضَرَبَ مِثَالًا مَادِّيًا مَعْلُومًا: ((أَلَا إِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ)).

 ثُمَّ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْوَاقِعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَالرَّاعِي يَرْتَعُ حَوْلَ الْحِمَى، وَحِمَى الْمُلُوكِ مَا حَمَوْهُ، فَجَعَلُوهُ مَحْمِيًّا بِحَيْثُ لَا يَقْرَبُ مِنْهُ إِلَّا مَنْ أَذِنُوا لَهُ، فَهُوَ مَحْمِيٌّ مِنَ الْعَامَّةِ، مَمْنُوعٌ مِنْهُمْ لَا يَغَشَوْنَهُ، لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَى، وَحِمَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مَحَارِمُهُ.

 وَالرَّجُلُ إِذَا وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ لَا مَحَالَةَ، فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَلْحَقَ الشُّبُهَاتِ بِالْحَرَامِ، وَلَكِنْ عَلَى نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التَّخْفِيفِ، ((فَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ))؛ إِذَنْ فَهِيَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ مَا تُذُرِّعَ بِهِ لِأَمْرٍ فَإِنَّ الْحُكْمَ حُكْمُهُ -أَيْ: حُكْمُ الشَّيْءِ-.

مَا كَانَ وَسِيلَةً لِلْوَاجِبِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَمَا أَدَّى إِلَى الْحَرَامِ فَهُوَ حَرَامٌ، ((فَالَّذِي يَقَعُ فِي الشُّبُهَاتِ يَقَعُ فِي الْحَرَامِ))، فَكَأَنَّمَا جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مُلْحَقًا بِالْقِسْمِ الثَّانِي، وَنَفَّرَ مِنْهُ ﷺ، وَحَذَّرَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غِشْيَانِهِ، وَالْوُقُوعِ فِيهِ.

((كَالرَّاعِي يَرْتَعُ حَوْلَ الْحِمَى)): لَا بُدَّ أَنْ تَنِدَّ مِنْهُ غَنَمَةٌ -شَاةٌ- أَوْ بَعِيرٌ؛ حَتَّى يَأْخُذَ شَيْئًا مِنَ الْحِمَى، فَيَلْحَقُهُ حِينَئِذٍ تَقْصِيرٌ وَتَقْصِيرٌ، ثُمَّ تَقَعُ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ وَتَعْزِيرٌ؛ لِذَلِكَ يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ)).

 فَابْتَعِدْ عَنْهَا؛ لِأَنَّكَ إِنِ اقْتَرَبْتَ وَقَعْتَ فِيهَا لَا مَحَالَةَ، وَالِاقْتِرَابُ مِنْهَا يَكُونُ بِالْوُقُوعِ فِي دَائِرَةِ الشُّبُهَاتِ ((مَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ))، كَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ الْهُمَامُ ﷺ.

((دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ)) النَّبِيُّ ﷺ عَلَّمَنَا الْوَرَعَ حَقًّا وَصِدْقًا؛ إِذْ يَجِدُ التَّمْرَةَ وَهُوَ جَائِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ سَاقِطَةً، يَرْفَعُهَا جَائِعًا إِلَى فِيهِ، ثُمَّ يَرُدُّهَا ﷺ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهَا مِمَّا يَحْرُمُ عَلَيْهِ، يَقُولُ: ((فَأَخْشَى أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ))، فَيَضَعُهَا عَنْ فِيهِ ﷺ.

((الْأَمْرُ بِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَالتَّحْذِيرُ مِنَ الْخِيَانَةِ)):

إِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- قَدْ أَمَرَ بِأَدَاءِ الْأَمَانَاتِ إِلَى أَرْبَابِهَا وَأَصْحَابِهَا، وَبَيَّنَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّهُ عَرَضَ الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ، فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا، وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا، وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ.

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ)) .

وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ -كَمَا فِي حَدِيثِ الْخَرَائِطِيِّ فِي ((مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ)) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، كَمَا فِي ((السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ))-، قَالَ: ((أَوَّلُ مَا يُرْفَعُ مِنْ دِينِكُمُ الْأَمَانَةُ، وَآخِرُهُ الصَّلَاةُ)) .

فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا بَيَّنَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عِظَمَ شَأْنِ الْأَمَانَةِ، وَجَعَلَ الْخِيَانَةَ مِنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي صِفَاتِ الْمُنَافِقِ: ((وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ)) .

 فَالْخِيَانَةُ لَيْسَتْ مِنْ صِفَاتِ الْمُخْلِصِ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِ ((وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ))، وَهِيَ مِنْ أَخَسِّ وَأَحْقَرِ الصِّفَاتِ؛ خَاصَّةً إِذَا كَانَتْ فِي مَقَامِ الِائْتِمَانِ.

 فَإِذَا ائْتَمَنَكَ إِنْسَانٌ فَكُنْتَ لَدَيْهِ أَمِينًا، فَائْتَمَنَكَ عَلَى أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ مِنْ عَمَلٍ أَوْ قَوْلٍ؛ ثُمَّ خُنْتَهُ -أَيْ: خَانَهُ الْأَبْعَدُ-؛ فَالْخِيَانَةُ فِي مَقَامِ الِائْتِمَانِ مِنْ أَخَسِّ وَأَحْقَرِ مَا يَكُونُ؛ لِذَلِكَ هِيَ مِنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ.

«الْأَمَانَةُ فِي الْعَمَلِ وَصُوَرٌ مِنْ أَكْلِ الْحَرَامِ فِي وَاقِعِنَا»:

وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَمَرَ بِأَدَاءِ الْأَمَانَاتِ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَاتِ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْحَيَاةِ؛ فَالْعِبَادَاتُ أَمَانَةٌ، وَالْخِيَانَةُ  فِيهَا أَنْ تُنْتَقَصَ، فَإِذَا انْتَقَصَ الْإِنْسَانُ مِنَ الْعِبَادَةِ فَهُوَ خَائِنٌ.

 وَالْمُعَامَلَاتُ أَمَانَةٌ، وَمَا يُسْتَأْمَنُ عَلَيْهِ الْمَرْءُ أَمَانَةٌ، وَالسِّرُّ أَمَانَةٌ، وَكُلُّ أَمْرٍ تَعَلَّقَ بِهِ أَمْرٌ وَنَهْيٌ فِي دِينِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فَهُوَ أَمَانَةٌ، وَالْخِيَانَةُ فِيهِ: أَلَّا يُؤْتَى بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ الْمَطْلُوبِ.

فَإِذَا كَانَ إِنْسَانٌ فِي عَمَلٍ؛ فَالْعَمَلُ الَّذِي اِسْتُؤْمِنَ عَلَيْهِ أَمَانَةٌ، فَإِذَا خَانَ فِيهِ فَهُوَ خَائِنٌ، وَجَزَاءُ الْخَائِنِ مَعْلُومٌ، وَكُلُّ مَنْ أُسْنِدَ إِلَيْهِ عَمَلٌ، فَلَمْ يَأْتِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ؛ فَقَدْ أَكَلَ مِنْ حَرَامٍ إِنْ كَانَ مُتَحَصِّلًا مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ عَلَى أَجْرٍ؛ شَاءَ أَمْ أَبَى.

1*الْمُوَظَّفُ الَّذِي يَتَحَصَّلُ عَلَى رَاتِبٍ، وَيُقَصِّرُ فِي عَمَلِهِ:

وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِذَا كَانَ مُوَظَّفًا يَتَحَصَّلُ عَلَى رَاتِبٍ فِي مُقَابِلِ عَمَلِهِ؛ كَثِيرٌ مِنْهُمْ -بَلْ جُلُّهُمْ- لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ مُسْتَأْجَرُونَ، هُمْ أُجَرَاءُ، مُسْتَأْجَرُونَ عَلَى حَسَبِ عَقْدٍ مُبْرَمٍ وَلَائِحَةٍ لَهَا بُنُودٌ، وَهُمْ فِي أَعْمَالِهِمْ يَنْبَغِي أَنْ يَلْتَزِمُوا بِمَا تَعَاقَدُوا عَلَيْهِ بَدْءًا.

وَكُلُّ مَنْ فَرَّطَ فَقَدْ تَحَصَّلَ عَلَى مَالٍ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ، وَهُوَ آكِلٌ مِنْ حَرَامٍ، وَهُوَ مُغَذٍّ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَانٍ بَيْتَهُ، وَمُقْتَنٍ مَرْكُوبَهُ مِنْ حَرَامٍ، هَذَا إِذَا كَانَتِ الْوَظِيفَةُ فِي نَفْسِهَا بِعَقْدٍ عَلَى مَا يَحِلُّ فِي دِينِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ لِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مِمَّا شَرَعَ اللهُ.

فَإِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي يَعْمَلُ فِي مَاخُورٍ يُقَدِّمُ الْخُمُورَ، وَيَقُومُ عَلَى الْعَمَلِ مُتَفَانِيًا فِيهِ بِإِخْلَاصٍ، يَقُولُ: إِنَّهُ يَتَحَصَّلُ عَلَى أَجْرِهِ بِعَرَقِ جَبِينِهِ!!

فَأَيُّ حُرْمَةٍ تَلْحَقُهُ، وَالْعَمَلُ حَرَامٌ فِي أَصْلِهِ؟!!

وَإِذَا كَانَ الْعَمَلُ حَلَالًا -كَالْغَالِبِ عَلَى جُمْلَةِ الْأَعْمَالِ-، فَوَقَعَ تَقْصِيرٌ فِيمَا تَمَّ التَّعَاقُدُ عَلَيْهِ أَصْلًا؛ فَإِنَّ الْكَسْبَ هَاهُنَا يَكُونُ مِنْ حَرَامٍ، وَمَا تَحَصَّلَ عَلَيْهِ لَحِقَتْهُ الْحُرْمَةُ لَا مَحَالَةَ.

فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ فِي مِهْنَةٍ هِيَ حَلَالٌ فِي أَصْلِ الشَّرْعِ؛ لَا يُؤَدِّيهَا كَمَا يَنْبَغِي، وَيَتَحَصَّلُ عَلَى رَاتِبِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤَدِّيَ الْمَنْفَعَةَ الَّتِي تَعَاقَدَ عَلَيْهَا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ، فَهُوَ آكِلٌ مِنْ حَرَامٍ.

*حُرْمَةُ تَقْدِيمِ الْمُوَظَّفِ مُوَاطِنًا قَبْلَ آخَرَ؛ مُحَابَاةً وَمُجَامَلَةً:

وَفِي تَرْجَمَةِ الشَّاطِبِيِّ الْإِمَامِ صَاحِبِ الْقِرَاءَاتِ، لَا صَاحِبِ ((الِاعْتِصَامِ)) - فَهُمَا اثْنَانِ عَلَمَانِ- فِي تَرْجَمَةِ الشَّاطِبِيِّ صَاحِبِ الْقِرَاءَاتِ -رَحِمَهُ اللهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً-، وَكَانَ أَكْمَهَ لَا يُبْصِرُ-، وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِ فِي الْإِقْرَاءِ: أَنَّهُ يَجْلِسُ لِلْمُسْتَفِيدِينَ بَعْدَ  صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ حَضَرَ أَوَّلًا فَلْيَقْرَأْ، فَإِذَا فَرَغَ قَالَ: مَنْ حَضَرَ ثَانِيًا فَلْيَقْرَأْ، وَهُوَ لَا يَرَاهُمْ، فَقَدْ يَأْتِي مُتَأَخِّرٌ؛ لِيَجْلِسَ مُتَقَدِّمًا عَلَى سَابِقٍ، فَيَقُولُ الشَّيْخُ -رَحِمَهُ اللهُ-: مَنْ حَضَرَ أَوَّلًا فَلْيَقْرَأْ، ثُمَّ مَنْ حَضَرَ ثَانِيًا فَلْيَقْرَأْ.

قَالَ بَعْضُ الْمُسْتَفِيدِينَ: فَذَهَبْتُ إِلَى الْمَجْلِسِ مُبَكِّرًا، بَعْدَمَا صَلَّيْتُ الصُّبْحَ جَلَسْتُ أَوَّلًا، وَجَاءَ ثَانٍ، فَلَمَّا أَرَادَ الْإِقْرَاءَ قَالَ: مَنْ حَضَرَ ثَانِيًا فَلْيَقْرَأْ.

 قَالَ: فَتَعَجَّبْتُ، خَالَفَ الشَّيْخُ عَادَتَهُ، قَالَ: فَأَخَذْتُ أَنْظُرُ فِي حَالِي وَنَفْسِي؛ لِأَرَى مِنْ أَيْنَ أُتِيتُ، فَإِذَا بِي قَدْ أَجْنَبْتُ وَلَمْ أَدْرِ، فَصَلَّيْتُ الصُّبْحَ مُتَوَضِّئًا، لَا مُغْتَسِلًا، قَالَ: فَقُمْتُ إِلَى الْمِغْطَسِ فِي الْمَسْجِدِ -وَكَانَتْ فِي الْمَسَاجِدِ قَدِيمًا-، قَالَ: فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ جَاءَ فَجَلَسَ فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ الثَّانِي قَدِ انْتَهَى مِنْ قِرَاءَتِهِ، فَقَالَ الْإِمَامُ: مَنْ حَضَرَ أَوَّلًا فَلْيَقْرَأْ.

فَإِذَا قَدَّمْتَ -وَأَنْتَ مُوَظَّفٌ فِي مَكَانٍ- لَاحِقًا عَلَى سَابِقٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا اسْتِسْمَاحٍ؛ فَقَدْ أَسَاءَ الْأَبْعَدُ، وَلَمْ يَقُمْ بِالْأَمَانَةِ الَّتِي نِيطَتْ بِعُنُقِهِ فِي وَظِيفَتِهِ.

*حُرْمَةُ تَحْصِيلِ الْمُوَظَّفِ أَمْوَالًا غَيْرَ رَاتِبِهِ في أَثْنَاءِ الْعَمَلِ:

إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَذَّرَ أَنْ يَأْخُذَ الْمَرْءُ شَيْئًا فِي أَثْنَاءِ الْعَمَلِ، يَعْنِي: فِي أَثْنَاءِ الْعَمَلِ كُلِّهِ، لَا فِي أَثْنَاءِ أَدَائِهِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَأْجَرٌ، قَدْ يَأْتِيهِ صَاحِبُ الْحَاجَةِ فِي بَيْتِهِ، لَا فِي عَمَلِهِ، فَيُعْطِيهِ؛ فَوَ اللَّهِ لَتَخْتَلِفَنَّ النَّظْرَةُ إِلَيْهِ؛ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ صَاحِبِ حَقٍّ.

وَهَذَا عِنْدَ سَلَفِنَا الصَّالِحِينَ؛ فَإِنَّ قَاضِيًا مِنَ الْقُضَاةِ الْوَرِعِينَ وَلِيَ الْقَضَاءَ وَكَانَ لَهُ كَارِهًا، وَجَاءَ يَوْمًا إِلَى الْخَلِيفَةِ فَزِعًا، فَيَقُولُ: أَقِلْنِي مِنَ الْقَضَاءِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَقِلْنِي مِنَ الْقَضَاءِ.

قَالَ: وَيْحَكَ! مَا دَهَاكَ؟!

قَالَ: إِنَّهُ لَيَتَرَدَّدُ عَلَيَّ خَصْمَانِ مُنْذُ شُهُورٍ فِي قَضِيَّةٍ لَا أَرَى وَجْهَ الصَّوَابِ فِيهَا، فَأَنَا أُؤَجِّلُهُمَا، يَجْلِسَانِ بَيْنَ يَدَيَّ عَلَى اسْتِوَاءٍ وَسَوَاءٍ، ثُمَّ إِنَّ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ أَرَادَ أَنْ يَصْنَعَ شَيْئًا؛ لِيَكْسِرَ بِهِ جُمُودَ الْقَاضِي فِي الْحُكْمِ، فَسَأَلَ الْحَاجِبَ: أَيُّ التَّمْرِ أَحَبُّ إِلَيْهِ؟

قَالَ: الْبَرْنِيُّ -وَهُوَ تَمْرٌ جَيِّدٌ-، وَلَمْ يَكُنْ بِأَوَانِهِ، وَلَا فِي مَكَانِهِ.

فَاحْتَالَ ذَلِكَ الْخَصْمُ حَتَّى اِسْتَجْلَبَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ تَمْرٍ بَرْنِيٍّ جَيِّدٍ، ثُمَّ دَفَعَهُ عَنْ طَرِيقِ الْحَاجِبِ، أَوْ وَلَدِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي، وَاِسْتَمْلَحَهُ.

ثُمَّ جَاءَ فَزِعًا بَعْدُ مِنْ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ إِلَى الْخَلِيفَةِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَسْتَقِيلَ مِنَ الْقَضَاءِ، فَقَالَ: وَيْحَكَ؟

قَالَ: وَاللهِ لَمَّا أَهْدَى إِلَيَّ، وَكَانَا قَبْلُ عِنْدِي مُسْتَوِيَيْنِ؛ فَوَ اللهِ لَمَّا أَهْدَى إِلَيَّ مَا اسْتَوَيَا فِي عَيْنَيَّ؛ فَأَقِلْنِي مِنَ الْقَضَاءِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَقَالَهُ.

*حُرْمَةُ هَدَايَا الْمُوَظَّفِينَ:

الْمُوَظَّفُ الَّذِي يَقْبَلُ لَا أَقُولُ: الرِّشْوَةَ -حَاشَا للهِ-، وَهَلْ يَأْخُذُ مُوَظَّفٌ رِشْوَةً؟! هُمْ جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْفَلَاحِ، أَيْدِيهِمْ مُتَوَضِّئَةٌ!! لَا يَأْكُلُونَ إِلَّا مِنَ الْحَلَالِ الصِّرْفِ الَّذِي لَا شُبْهَةَ فِيهِ!! حَاشَا للهِ أَنْ نَظُنَّ بِمُسْلِمٍ سُوءًا؛ وَلَكِنْ نَحْنُ نُرَكِّزُ الْآنَ عَلَى الْهَدِيَّةِ، وَهِيَ لَا تَحِلُّ، الْهَدِيَّةُ لَا تَحِلُّ؛ ((فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ، وَبَيْتِ أُمِّهِ؛ لِنَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا؟!)) .

وَاللهِ إِنَّهُ لَيَخْرُجُ مِنْ وَظِيفَتِهِ فَمَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ أَحَدٌ، وَلَا خَادِمُهُ، وَلَا يَحْتَرِمُهُ، وَلَا يُقَدِّرُهُ إِلَّا إِذَا كَانَ صَالِحًا.

 فَإِنَّهُ يُقَدَّرُ لِصَلَاحِهِ، وَأَمَّا لِمَنْصِبِهِ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ يَزُولَ عَنْهُ  أَوْ يَزُولَ عَنْهُ، إِمَّا أَنْ يَزُولَ هُوَ عَنِ الْمَنْصِبِ أَوْ يَزُولَ عَنْهُ الْمَنْصِبُ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ يَزُولَ عَنْهُ -وَقَدِّرْ أَنْتَ فَاعِلًا أَوْ مَفْعُولًا-، أَوْ يَزُولَ عَنْهُ وَقَدِّرْ أَنْتَ فَاعِلًا أَوْ مَفْعُولًا-، حَتَّى يُجْعَلَ كَالذُّبَابِ قِيمَةً، وَاحْتِقَارًا، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ.

فَنَحْنُ الْآنَ فِي الْهَدِيَّةِ، فِي أَدَاءِ الْأَمَانَةِ، فِي أَنْ تَكُونَ آتِيًا بِمَا كُلِّفْتَ بِهِ وَتَعَاقَدْتَ عَلَيْهِ.

*الرَّدُّ عَلَى شُبْهَةِ بَعْضِ الْمُوَظَّفِينَ: أَنَّ الرَّاتِبَ لَا يَكْفِيهِ!!

وَشُبْهَةٌ عَظِيمَةٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ الْوَظَائِفِ، يِقُولُونَ: الْمَالُ لَا يَكْفِي.

دَعْهَا! فَلَسْتَ مَجْبُورًا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّكَ إِنْ كُنْتَ مُكْرَهًا فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ أَصْلًا، وَإِنَّمَا أَنْتَ سَعَيْتَ إِلَيْهَا.

 وَقِيلَ لَكَ فِي بَدْءِ التَّعْيِينِ: الرَّاتِبُ قَلِيلٌ.

 تَقُولُ: هُوَ خَيْرٌ مِنْ عَدَمِهِ، وَنَحْنُ نَرْضَى بِالْقَلِيلِ.

 ثُمَّ يَأْتِيكَ مَا يَأْتِي ابْنَ آدَمَ، لَوْ كَانَ لَهُ وَادٍ مِنْ ذَهَبٍ لَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ إِلَيْهِ ثَانٍ، وَلَوْ كَانَ لَهُ ثَانٍ لَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ إِلَيْهِ ثَالِثٌ، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ.

فَإِذَا كَانَ لَا يَكْفِيكَ، دَعْهَا، غَيْرُكَ يُرِيدُهَا، إِنْ لَمْ تُؤَدِّ كَمَا تَعَاقَدْتَ فَأَنْتَ آكِلٌ مِنْ حَرَامٍ، آكِلٌ مِنْ سُحْتٍ؛ وَكُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ، هُوَ عَقْدٌ مِنَ الْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ، عَقْدُ إِجَارَةٍ، أَنْتَ مُسْتَأْجَرٌ، تَتَحَصَّلُ عَلَى مَالٍ فِي نَظِيرِ مَنْفَعَةٍ تُؤَدِّيهَا لِمَنِ اسْتَأْجَرَكَ، مِنْ مُعَلِّمٍ، وَطَبِيبٍ، وَعَامِلٍ، وَمُهَنْدِسٍ وَمَا أَشْبَهَ، كُلُّهُمْ مُسْتَأْجَرُونَ.

 وَعَمِّرْ قَبْرَكَ كَمَا عَمَّرْتَ قَصْرَكَ، وَاتَّقِ اللهَ، عَمِّرْ قَبْرَكَ كَمَا عَمَّرْتَ قَصْرَكَ، وَكُلُّ مَا تَتَحَصَّلُ عَلَيْهِ مِنْ فَائِدَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ.

وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَأْكُلُ بِدِينِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي!! الرَّجُلُ إِذَا كَانَ مَوْصُوفًا بِالصَّلَاحِ فَاشْتَرَى أَوْ بَاعَ؛ أُكْرِمَ لِصَلَاحِهِ، فَهُوَ يَأْكُلُ بِدِينِهِ، وَلَيْسَتِ الْعَادَةُ عِنْدَ بَائِعٍ وَمُشْتَرٍ، وَإِنَّمَا يُكْرِمُهُ لِلْبَرَكَةِ الَّتِي يَرْجُوهَا مِنْ وَرَائِهِ، فَهَذَا بَدَلُ بَرَكَةٍ كَبَدَلَاتِ الْمُوَظَّفِينَ!!

فَكُلُّ مَا تَحَصَّلَ عَلَيْهِ الْمُوَظَّفُ مِنْ هَدِيَّةٍ -لَا نَقُولُ الرِّشْوَةَ، حَاشَا للهِ، وَلَا السَّرِقَةَ، أَعُوذُ بِاللهِ، وَلَا الْغَصْبَ، وَلَا تَبْدِيدَ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا بِمَبْعَدَةٍ، هَذَا يَفْعَلُهُ الشَّيَاطِينُ، أَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَحَاشَا للهِ!!- نَتَكَلَّمُ الْآنَ فِي الْمَنْفَعَةِ الْحَاصِلَةِ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ مِنْ هَدِيَّةٍ وَمَا أَشْبَهَ، هِيَ لَا تَحِلُّ.

2*تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ لِأَصْحَابِ الْوِلَايَاتِ الدِّينِيَّةِ كَأَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ:

مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ حُرْمَةً: أَصْحَابُ الْوِلَايَاتِ مِنْ دِينِيَّةٍ شَرْعِيَّةٍ وَغَيْرِهَا.

 فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يُوَلَّى عَلَى أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعِبَادِيَّةِ، وَيُسِيءُ إِسَاءَةً بَالِغَةً، لَا يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَقَدْ كُلِّفَ، يَتَحَصَّلُ عَلَى رَاتِبِهِ مِنْ صَلَاتِهِ بِهِمْ؛ إِذْ فُرِّغَ لِذَلِكَ.

 أَوْ أَنْ يَكُونَ عَامِلًا فِي مَسْجِدٍ لَا يَقُومُ عَلَيْهِ، وَقَدْ يُمَكِّنُ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَيَكُونُ قَدْ أَتَى بِضِدِّ الْمَقْصُودِ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ لِأَجْلِهِ، فَهُوَ تَعَلَّقَتْ بِهِ الْحُرْمَةُ مِنْ جِهَتَيْنِ، بَلْ أَحَاطَتْ بِهِ الْحُرْمَةُ مُطْبِقَةً، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ.

عَلَيْنَا أَنْ نَجْتَهِدَ فِي أَكْلِ الْحَلَالِ الصِّرْفِ، وَالْبُعْدِ عَنِ الشُّبُهَاتِ.

3*نَصَائِحُ غَاليَةٌ لِلأَطِبَّاءِ، وَمُخَالَفَاتٌ لِبَعْضِهِمْ مَشْهُورَةٌ:

مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الطَّبِيبَ لَهُ الْحَقُّ عَلَى حَسَبِ الْعَقْدِ الْمُبْرَمِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وِزَارَةِ الصِّحَّةِ الَّتِي يَعْمَلُ أَجِيرًا لَدَيْهَا، لَهُ الْحَقُّ فِي أَنْ يَفْتَتِحَ، وَأَنْ يَتَّخِذَ لِنَفْسِهِ مَعَ عَمَلِهِ فِي الْمَشْفَى -فِي الْمُسْتَشْفَى- أَنْ يَتَّخِذَ لِنَفْسِهِ عِيَادَةً خَارِجِيَّةً، وَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهُوَ يَتَحَصَّلُ مَعَ رَاتِبِهِ عَلَى مَا يُسَمَّى بِـ (بَدَلِ عِيَادَةٍ).

 وَأَمَّا إِذَا اِفْتَتَحَ لِنَفْسِهِ، أَوِ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ عِيَادَةً خَارِجِيَّةً؛ فَإِنَّهُ يُخْصَمُ مِنْهُ بَدَلُ الْعِيَادَةِ فِي هَذِهِ الْحَالِ.

يَعْمَلُ فِي الْمُسْتَشْفَى فِي الْوَقْتِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ بِمَا يُرْضِي اللهَ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- وَعَلَى حَسَبِ مَا هُوَ مَطْلُوبٌ مِنْهَ.

 عَلَيْهِ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي عَمَلِهِ، وَلَا يَتَّخِذَ الْمُسْتَشْفَى كَالْأَعْرَافِ -مَنْطِقَةً وُسْطَى- إِمَّا أَنْ يَدْخُلَ إِلَيْهَا بِمَرِيضٍ أَتَى بِهِ مِنْ عِيَادَتِهِ؛ لِكَيْ يَسْتَكْمِلَ فِي الْمُسْتَشْفَى فُحُوصًا لِذَلِكَ الْمَرِيضِ، أَوْ يَأْخُذَ بِيَدِ مَرِيضٍ مِنَ الْمُسْتَشْفَى؛ لِيَذْهَبَ بِهِ إِلَى عِيَادَتِهِ!!

فَإِذَا ذَهَبَ الْمَرِيضُ إِلَى الطَّبِيبِ فِي عِيَادَتِهِ فَدَفَعَ أَجْرَ الْفَحْصِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى الطَّبِيبِ فَلَمْ يَسْتَطِعِ الطَّبِيبُ أَنْ يُشَخِّصَهُ، هَلْ يَجِبُ عَلَى الطَّبِيبِ أَنْ يَرُدَّ لِلْمَرِيضِ الْأَجْرَ الَّذِي دَفَعَهُ، أَوْ لَا يَجِبُ؟

هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَهُ بِأَنَّهُ جَاهِلٌ بِمَرَضِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ لَهُ تَشْخِيصًا، أَمْ يَخْدَعُهُ، ثُمَّ يَصِفُ لَهُ دَوَاءً لَيْسَ بِمُتَعَلِّقٍ بِمَرَضِهِ، فَيُكَلِّفُهُ مَالًا فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ وَيُمَكِّنُ لِلْمَرَضِ مِنْ جَسَدِهِ، وَيُفَوِّتُ عَلَيْهِ فُرْصَةَ شِفَاءٍ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ أَرْخَصَ ثَمَنًا، وَأَقَلَّ وَقْعًا عَلَى بَدَنِهِ مِمَّا يَتَأَتَّى بَعْدُ؟!

هَلْ يَظَلُّ سَادِرًا مَعَ جَهْلِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ تَشْخِيصَ مَرِيضِهِ، فَيَصِفُ لَهُ دَوَاءً، أَيَّ دَوَاءٍ كَمَا يَقُولُونَ: إِذَا لَمْ يَنْفَعْ لَا يَضُرُّ!

 لَا، هُوَ يَضُرُّ، يَضُرُّ بِالْمَرِيضِ مَالِيًّا، وَأَيْضًا يَضُرُّ بِهِ فِي بَدَنِهِ؛ لِأَنَّهُ يُمَكِّنُ لِلْمَرَضِ الْمَجْهُولِ الْهُوِيَّةِ الَّذِي لَمْ يَسْتَطِعْ لَهُ مَعْرِفَةً، يُمَكِّنُ لِهَذَا الْمَرَضِ فِي جَسَدِ الْمَرِيضِ، وَتَطُولُ الْمُدَّةُ عَلَى الْوُقُوعِ عَلَى الدَّوَاءِ الْمُنَاسِبِ لِلْمَرَضِ حَتَّى يَأْذَنَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِالْبُرْءِ وَالشِّفَاءِ.

وَأَيْضًا هُوَ عِنْدَمَا يَفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ فُرْصَةَ شِفَاءٍ فِي زَمَانٍ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الزَّمَنَ أَصْلُ الْمَالِ، وَأَنَّ الْمَالَ فَرْعُ الزَّمَنِ، وَإِذَنْ فَهُوَ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ زَمَانًا كَانَ مَحَلًّا لِكَسْبِ مَالٍ، فَهُوَ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ مَنْفَعَةً كَانَتْ تَعُودُ عَلَى الْفَرْدِ بِمَالٍ، وَتَعُودُ عَلَى الْمُجْتَمَعِ بِمَنْفَعَةٍ أَيْضًا.

وَلَكِنْ هَلْ يَجِبُ عَلَى الطَّبِيبِ إِذَا مَا جَهِلَ؟!

أَوَّلًا: هُوَ لَا يَجِبُ مُطْلَقًا، بَلْ يَنْبَغِي، بَلْ يَحْرُمُ عَلَى الطَّبِيبِ أَنْ يَعْمَلَ فِي غَيْرِ تَخَصُّصِهِ؛ وَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ طَبَّبَ وَهُوَ جَاهِلٌ بِالطِّبِّ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ» .

وَالْعَامِلُ فِي غَيْرِ تَخَصُّصِهِ جَاهِلٌ بِالتَّخَصُّصِ الَّذِي لَمْ يَتَخَصَّصْ فِيهِ، وَإِذَنْ فَهُوَ إِذَا عَالَجَ فِي غَيْرِ تَخَصُّصِهِ؛ فَهُوَ مُعَالِجٌ فِيمَا هُوَ بِهِ جَاهِلٌ، وَفِيمَا هُوَ لَهُ غَيْرُ عَالِمٍ، وَإِذَنْ فَلَا يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ مُتَعَرِّضًا لِمِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.

وَلَكِنْ هَلْ تَجِدُ طَبِيبًا يَقْوَى عَلَى أَنْ يَقُولَ لِمَرِيضِهِ: يَا صَاحِ، أَنَا لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقَعَ عَلَى كُنْهِ عِلَّتِكَ، وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُشَخِّصَ دَاءَكَ، أَنَا بِهِ جَاهِلٌ، وَلَمْ يَفْتَحِ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَيْنَ بَصِيرَتِي عَلَى حَقِيقَةِ دَائِكَ؟ فَاذْهَبْ إِلَى فُلَانٍ، فَأَنَا أَظُنُّ أَنْ تَجِدَ تَشْخِيصَكَ عِنْدَهُ، ثُمَّ يَرُدُّ لَهُ الْمَالَ، هَلْ يَقْوَى طَبِيبٌ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ؟!!

دَعْكَ مِنْ هَذِهِ، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الْمَالَ الَّذِي أَخَذَهُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعِ الْوُصُولَ إِلَى عَيْنِ التَّشْخِيصِ، أَوْ مُقَارِبًا لِلتَّشْخِيصِ لَا وَاقِعًا عَلَى عَيْنِهِ؟

يَقُولُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ الْمَالَ الَّذِي دُفِعَ لَمْ يُدْفَعْ مِنْ أَجْلِ الْوُصُولِ إِلَى عَيْنِ التَّشْخِيصِ، وَلَا مِنْ أَجْلِ الْوُصُولِ إِلَى حَقِيقَةِ الشِّفَاءِ؛ لِأَنَّ الشِّفَاءَ بِيَدِ اللهِ وَهَذِهِ أَسْبَابٌ، فَقَدْ يَأْتِي مِنْ وَرَائِهَا نَفْعٌ، وَقَدْ لَا يَتَأَتَّى مِنْ وَرَائِهَا نَفْعٌ.

إِذَنْ هُوَ يَدْفَعُ الْمَالَ؛ لِأُجْرَةٍ قَدْ أَجَّرَ بِهَا الطَّبِيبَ لِزَمَانٍ يَتَحَصَّلُ مِنَ الطَّبِيبِ عَلَى مَنْفَعَةٍ فِيهِ، وَهُوَ قَدِ اسْتَنْفَذَ هَذَا الزَّمَانَ عِنْدَمَا قَامَ الطَّبِيبُ بِفَحْصِهِ مُعْمِلًا فِيهِ عِلْمَهُ عَلَى الْوَجْهِ اللَّيِّقِ بِهَذَا الْأَمْرِ، فَوَقَعَ عَلَى مَا يَنْبَغِي، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعِ الْوُصُولَ إِلَى حَقِيقَةِ التَّشْخِيصِ، إِذَنْ فَهُوَ مُسْتَوْجِبٌ لِلْأَجْرِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.

وَبَعْضُهُمْ يَقُولُونَ: وَلَكِنَّهُ لَمْ يَصِلْ إِلَى شَيْءٍ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ، هَذَا أَمْرٌ كَمَا تَرَى عَسِيرٌ جِدًّا.

كَذَلِكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ الْعَامِّ فِي الْمُسْتَشْفَيَاتِ، هَلْ يَجُوزُ لِلطَّبِيبِ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنَ الْآلَاتِ الَّتِي هِيَ لِلْمُسْتَشْفَى خَاصَّةً، فَيَأْخُذُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ؛ لِأَنَّ عِيَادَتَهُ لَيْسَ بِهَا أَمْثَالُ هَذِهِ الْآلَاتِ، فَيَجْعَلُ ذَلِكَ لَدَيْهِ يَقُومُ بِهِ بِأَعْمَالٍ يَتَحَصَّلُ مِنْ وَرَائِهَا عَلَى أَجْرٍ، يَجُوزُ أَوْ لَا يَجُوزُ؟!!

4*نَصَائِحُ لِلتُّجَّارِ، وَخُطُورَةُ وُقُوعِهِمْ فِي الْغِشِّ وَالِاحْتِكَارِ:

النَّبِيُّ ﷺ رَهَّبَ مِنَ الغِشِّ، وَرَغَّبَ فِي النَّصِيحَةِ فِي البَيْعِ وَغَيْرِهِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا, فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟!»

قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.

قَالَﷺ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ؛ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي». رَوَاهُ مُسْلِمٌ .

وَمِنْ كَبائِرِ الإِثْمِ، وَعَظَائِمِ الذُّنُوبِ: تَطْفِيفُ المَكَايِيلِ وَالمَوَازِينِ.

وَالتَّطْفِيفُ: البَخْسُ وَالنَّقْصُ؛ فَهُوَ مُطَفِّفٌ، وَالجَمْعُ: مُطَفِّفُونَ.

قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9)﴾ [الرَّحْمَن: 7-9].

وَقَالَ ﷺ فِي رِعَايَةِ المَوَازِينِ: «إِذَا وَزَنْتُمْ؛ فَأَرْجِحُوا» .

وَالنَّبِيُّ ﷺ رَغَّبَ فِي السَّمَاحَةِ فِي البَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَحُسْنِ التَّقَاضِي وَالقَضَاءِ؛ فَعَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «رَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى». رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَاللَّفْظُ لَهُ .

وَرَهَّبَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الِاحْتِكَارِ -وَالِاحْتِكَارُ: هُوَ شِرَاءُ الشَّيْءِ، وَحَبْسُهُ؛ لِيَقِلَّ بَيْنَ النَّاسِ؛ فَيَغْلُوَ سِعْرُهُ، وَيُصِيبَهُمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ الضَّرَرُ.

وَالِاحْتِكَارُ حَرَّمَهُ الشَّارِعُ وَنَهَى عَنْهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الجَشَعِ، وَالطَّمَعِ، وَسُوءِ الخُلُقِ، وَالتَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ- رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ مَعْمَرٍ : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنِ احْتَكَرَ؛ فَهُوَ خَاطِئٌ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .

وَالأُمَّةُ تُعَانِي فِي هَذَا الوَقْتِ مِنْ هَذَا الدَّاءِ الوَبِيلِ -وَهُوَ الِاحْتِكَارُ- الَّذِي حَرَّمَهُ الشَّرْعُ الشَّرِيفُ، وَنَدَّدَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَنْ فَعَلَهُ.

 فَإِنَّ أَكْثَرَ التُّجَّارِ الَّذِينَ يُتَاجِرُونَ فِي السِّلَعِ الغِذَائِيَّةِ، وَمَا أَشْبَهَ مِمَّا يَحْتَاجُهُ النَّاسُ حَاجَةً مَاسَّةً، يَقُومُونَ بِهَذَا العَمَلِ الشَّنِيعِ، وَيَتَوَفَّرُونَ عَلَى صَنِيعِهِ، مِمَّا يُؤَدِّي بِالأُمَّةِ إِلَى الوُقُوعِ فِي الفَوْضَى، وَالِاضْطِرَابِ فِي النِّظَامِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا يُعَجِّلُ بِالوُصُولِ إِلَى غَايَةِ المُؤَامَرَةِ الَّتِي يَأْتَمِرُ بِهَا، وَفِيهَا أَعْدَاءُ الإِسْلَامِ.

عِبَادَ اللهِ! فَلْيَجْتَهِدِ الرَّجُلُ مِنْكُمْ فِي أَدَاءِ عَمَلِهِ عَلَى النَّحْوِ الْمَرْضِيِّ، فَإِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ قَدْ جَعَلَ لِلنَّاسِ مَعَ النَّاسِ الْمَنَافِعَ الَّتِي لَا تُحْصَى وَلَا تُعَدُّ.

أَسْأَلُ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- أَنْ يُطْعِمَنِي، وَإِيَّاكُمْ وَالْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ مِنَ الْحَلَالِ الصِّرْفِ الَّذِي لَا شُبْهَةَ فِيهِ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، هُوَ يَتَوَلَّى الصَالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-, صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَومِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((الْأَثَرُ الْمُدَمِّرُ لِأَكْلِ الْحَرَامِ في الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ)):

فَإِنَّ أَكْلَ الْحَرَامِ يُثْمِرُ هَذَا الثَّمَرَ الخَبِيثَ، وَهُوَ قَطْعُ الدُّعَاءِ؛ فَلَا اسْتِجَابَةَ، وَلَوْ ظَلَّ يَدْعُو حَتَّى تَفْنَى نَفْسُهُ في الدُّعَاءِ لَا يُسْتَجَابُ لَهُ، وَلَوْ مَدَّ يَدَهُ إِلَى السَّحَابِ، إِلَى عَنَانِ السَّمَاءِ وَهُوَ يَأْكُلُ مِنَ الْحَرَامِ، فِي بَطْنِهِ الْحَرَامُ، وَعَلى ظَهْرِهِ الْحَرَامُ، يُكْسَى مِنَ الْحَرَامِ، وَفِي بَيْتِهِ الْحَرَامُ، لَا يُسْتَجَابُ لَهُ.

أَكْلُ الْحَرَامِ يُثْمِرُ ثَمَرًا آخَرَ خَبِيثًا مُرًّا، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى الْجَنَّةِ كُلَّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ، كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ -مِنْ حَرَامٍ- فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ» .

لَقَدْ ضَرَبَ اللهُ الْأَمْثَالَ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ؛ لِلدَّلَالَةِ عَلَى شُؤْمِ الْمَعْصِيَةِ، وَعَلَى خُطُورَةِ مُخَالَفَةِ الرَّسُولِ الْأَكْرَمِ ﷺ.

 وَلِلْمَعْصِيَةِ آثَارٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا فِي حَالِ الْإِنْسَانِ، وَفِي كَوْنِهِ فِي حَيَاتِهِ الدُّنْيَا وَفِي بَرْزَخِهِ مِنْ بَعْدِ مَمَاتِهِ إِلَى أَنْ تَقُومَ قِيَامَتُهُ.

 وَفِي الْقِيَامَةِ فِي عَرَصَاتِهَا عِنْدَ الْعَرْضِ عَلَى رَبِّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي النَّارِ، وَبِئْسَ الْقَرَارُ -نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ-.

*عُقُوبَاتُ أَكْلِ الرِّبَا فِي الدُّنْيَا، وَالْبَرْزَخِ وَالْآخِرَةِ:

لَوْ أَخَذْتَ عَلَى ذَلِكَ مِثَالًا مَا ذَكَرَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْ أَثَرِ مَعْصِيَةِ الرِّبَا، وَالِاجْتَرَاءِ عَلَى هَذَا الْمُحَرَّمِ الْعَظِيمِ، وَأَثَرِهِ الْفَاعِلِ الْفَعَّالِ فِي الْخَلْقِ مِمَّنْ تَوَرَّطُوا فِيهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِمْ؛ لَكَفَاكَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ رَبِّكَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البَقَرَة: 279].

وَلَكَ أَنْ تَتَصَوَّرَ إِنْسَانًا دَخَلَ حَرْبًا مَعَ مَالِكِ الْقُوَى وَالْقُدَرِ!

 مَعَ الَّذِي يَقُولُ لِلشَّيْءِ: كُنْ فَيَكُونُ!

 مَعَ الْخَلَّاقِ الْعَظِيمِ الَّذِي أَمْرُهُ بَعْدَ الْكَافِ وَالنُّونِ، الَّذِي يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ بِمَا يُرِيدُ.

لَكَ أَنْ تَتَصَوَّرَ أَثَرَ هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَثَرَهَا فِي الْفَرْدِ وَفِي الْمُجْتَمَعِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، وَفِي دُنْيَا اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْ قَبْلِ الْمَمَاتِ، لَكَ أَنْ تَتَصَوَّرَ ذَلِكَ فِي قَوْلِ رَبِّكَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 279].

وَالَّذِي يَدْخُلُ فِي الْحَرْبِ مَعَ اللهِ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- وَمَعَ رَسُولِهِ ﷺ، لَكَ أَنْ تَتَصَوَّرَ اضْطِرَابَ نَفْسِهِ، وَقَلَقَ قَلْبِهِ، وَعَدَمَ اسْتِقْرَارِ حَيَاتِهِ.

 وَلَكَ أَنْ تَتَصَوَّرَ اخْتِلَافَ قَلْبِهِ عَلَيْهِ، وَتَمَرُّدَ ذَاتِهِ عَلَى وُجُودِهِ، لَكَ أَنْ تَتَصَوَّرَ كَيْفَ يَكُونُ كَالرِّيشَةِ فِي مَهَابِّ الرِّيَاحِ الْأَرْبَعِ، لَيْسَ لَهُ مِنَ اسْتِقْرَارٍ، وَلَا قَرَارٍ يَقَرُّ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ مِنَ اطْمِئْنَانٍ يُمْكِنُ أَنْ يَعُودَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي حَرْبٍ مَعَ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، هَذَا فِي الدُّنْيَا.

وَأَمَّا فِي الْبَرْزَخِ: فَإِنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَمَا فِي حَدِيثِ الْمَنَامِ الطَّوِيلِ الَّذِي رَوَاهُ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ الرَّسُولِ ﷺ -وَهُوَ فِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)) -رَحِمَهُ اللهُ-- : ((رَأَى النَّبِيُّ ﷺ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عِنْدَمَا أَتَاهُ آتِيَانِ فَأَخَذَا بِيَدَيْهِ، ثُمَّ انْطَلَقَا إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَرَأَى رَجُلًا يَسْبَحُ فِي نَهْرٍ مِنْ دَمٍ.

وَرَأَى رَجُلًا يَقِفُ عَلَى الشَّاطِئِ، وَعِنْدَهُ حِجَارَةٌ، فَيَسْبَحُ السَّابِحُ مَا يَسْبَحُ، ثُمَّ يَأْتِي فَيَفْغَرُ فَاهُ -يَعْنِي يَفْتَحُ فَمَهُ إِلَى آخِرِهِ- عِنْدَ ذَلِكَ الْوَاقِفِ عَلَى شَاطِئِ نَهْرِ الدِّمَاءِ هَذَا، فَيَأْخُذُ الرَّجُلُ الْوَاقِفُ عَلَى الشَّاطِئِ حَجَرًا مِنَ الْحِجَارَةِ الَّتِي عِنْدَهُ، فَيَجْعَلُهَا فِي فَمِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهَا -يَأْخُذُ هَذَا الْحَجَرَ فِي فَمِهِ-، ثُمَّ يَسْبَحُ فِي نَهْرِ الدَّمِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْبَحَ، ثُمَّ يَعُودُ، فَيَفْغَرُ فَاهُ -يَفْتَحُ فَمَهُ- فَيُلْقَمُ بَعْدَ ذَلِكَ حَجَرًا، يَظَلُّ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ يُقِيمَ اللهُ السَّاعَةَ)). فَهَذَا عِقَابُهُ فِي الْبَرْزَخِ.

وَأَمَّا فِي الْقِيَامَةِ: فَإِنَّهُ كَمَا وَصَفَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، يَقُومُ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ يُوفِضُونَ -يَنْطَلِقُونَ مُسْرِعِينَ-، وَأَمَّا هَذَا -أَيْ آكِلُ الرِّبَا- فَلَا يَقُومُ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ؛ يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: ((إِنَّ آكِلَ الرِّبَا يَقُومُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَجْنُونًا يُخْنَقُ)) .

{وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الحَديد: 20]. -نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ-.

إِنَّ الرِّبَا يُوَلِّدُ فِي النَّاسِ حُبَّ الذَّاتِ، فَلَا يَعْرِفُ الْمَرْءُ إِلَّا نَفْسَهُ، وَلَا يُهِمُّهُ إِلَّا مَصْلَحَتُهُ وَمَنْفَعَتُهُ، وَبِذَلِكَ تَنْعَدِمُ رُوحُ التَّضْحِيَةِ وَالْإِيثَارِ، وَتَنْعَدِمُ مَعَانِي حُبِّ الْخَيْرِ لِلْأَفْرَادِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ، وَتَحُلُّ مَحَلَّهَا رُوحُ حُبِّ الذَّاتِ، وَالْأَثَرَةُ، وَالْأَنَانِيَةُ، وَتَتَلَاشَى الرَّوَابِطُ الْأَخَوِيَّةُ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَأَخِيهِ الْإِنْسَانِ.

وَأَيْضًا، فَإِنَّ الرِّبَا يُوَلِّدُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغَضَاءَ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ، وَيَدْعُو إِلَى تَفْكِيكِ الرَّوَابِطِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالِاجْتَمَاعِيَّةِ بَيْنَ طَبَقَاتِ النَّاسِ، وَيَقْضِي عَلَى كُلِّ مَظَاهِرِ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَالتَّعَاوُنِ وَالْإِحْسَانِ فِي نُفُوسِ الْبَشَرِ.

وَلِلْمَعَاصِي فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآثَارِ الْعَظِيمَةِ الشَّيْءُ الْكَبِيرُ، مِنْهَا:

*أَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْتَكِسُ، يَرْتَكِسُ قَلْبُهُ، فَلَا يَقُومُ مِنْ بَعْدِهَا أَبَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصَّفّ: 5].

*ثُمَّ إِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يُعَاقِبُ صَاحِبَ الْمَعْصِيَةِ بِنِسْيَانِ نَفْسِهِ {نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} [الحَشْر: 19].

*وَيُعَاقِبُهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِنِسْيَانِهِمْ؛ يَعْنِي بِتَرْكِهِمْ، فَإِنَّ رَبَّكَ لَا يَضِلُّ وَلَا يَنْسَى {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67].

*ثُمَّ مَا يُحِيطُ بِهِ مِنَ اِجْتِرَاءِ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ قَبْلُ، يَقُولُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ: ((إِنِّي لَأَعْصِي اللهَ فَأَجِدُ ذَلِكَ فِي خُلُقِ دَابَّتِي وَامْرَأَتِي)) .

فَيَجْتَرِئُ عَلَى الْعَاصِي مَا لَمْ يَكُنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ قَبْلُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ قَبْلُ؛ إِذْ يَرْفَعُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ حِجَابَ الْهَيْبَةِ عَنْهُ بِمَعْصِيَتِهِ وَقَدْ هَتَكَهُ، وَيُخَلِّي اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، فَهُوَ الْعَنَاءُ الدَّائِمُ وَالنَّصَبُ الْمُقِيمُ -نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ-.

فَمَا مِنْ هَمٍّ، وَلَا غَمٍّ، وَلَا أَلَمٍ، وَلَا نَصَبٍ، وَلَا وَصَبٍ يُصِيبُ الْعَبْدَ فِي حَيَاتِهِ إِلَّا بِذَنْبٍ أَذْنَبَهُ، وَبِمَعْصِيَةٍ أَسْلَفَهَا.

*عُقُوبَاتُ الْغُلُولِ فِي الدُّنْيَا، وَالْقَبْرِ، وَالْآخِرَةِ:

لَوْ أَخَذْتَ مَعْصِيَةً أُخْرَى؛ لِكَيْ تَنْظُرَ فِي عُقُوبَتِهَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَفِي الْبَرْزَخِ مِنْ بَعْدِ الْوَفَاةِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، ثُمَّ فِي الْقِيَامَةِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي النَّارِ وَبِئْسَ الْقَرَارُ، لَعَرَفْتَ صِدْقَ ذَلِكَ يَقِينًا، فَخُذِ الْغُلُولَ مِثَالًا:

وَالْغُلُولُ فِي الْأَصْلِ هُوَ الْخِيَانَةُ، وَأَصْلُهُ: هُوَ أَنْ يَأْخُذَ الْإِنْسَانُ شَيْئًا مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْمَقَاسِمِ.

 وَهُوَ فِي زَمَانِنَا -كَمَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا-: الْمَالُ الْعَامُّ.

 فَالْمَالُ الْعَامُّ مَا أُخِذَ مِنْهُ فَهُوَ غُلُولٌ، وَالَّذِي يَتَنَزَّلُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ الْغُلُولِ هُوَ بِعَيْنِهِ مَا يَتَنَزَّلُ عَلَى الْمَالِ الْعَامِّ؛ لِأَنَّ الْمَالَ الْعَامَّ كَالْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، تَتَعَلَّقُ بِهِ ذِمَمُ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، فَلِكُلِّ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ حَقٌّ.

وَالِاعْتِدَاءُ عَلَى الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ كَالِاعْتِدَاءِ عَلَى الْمَالِ الْعَامِّ بِغَيْرِ حَقٍّ، هُوَ اعْتِدَاءٌ عَلَى مَا يَخُصُّ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ.

 فَالتَّوَرُّطُ فِي الْمَالِ الْعَامِّ بِأَخْذِ مَا لَا يَحِلُّ، أَوْ إِتْلَافِ مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُتْلَفَ كَالْأَخْذِ مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْمَقَاسِمِ، هُوَ أَكْبَرُ مِنَ الِاعْتَدَاءِ عَلَى الْمَالِ الْخَاصِّ؛ لِأَنَّ الْمَالَ الْخَاصَّ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِهِ ذِمَّةُ فَرْدٍ بِعَيْنِهِ، وَأَمَّا الْمَالُ الْعَامُّ، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْمَقَاسِمِ فَهُوَ أَمْرٌ تَتَعَلَّقُ بِهِ ذِمَمُ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.

فَعُقُوبَةُ الغُلُولِ كَمَا قَالَ اللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عِمْرَان: 161].

*وَأمَّا عُقُوبَتُهُ فِي الْقَبْرِ: فَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» : أنَّ النبيَّ ﷺ أَخْبَرَ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي غَلَّ شَمْلَةً يَوْمَ خَيْبَرٍ، فَقَالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرٍ مِنَ المَغَانِمِ قَبْلَ المَقَاسِمِ تَشْتَعِلُ عَلَيْهِ فِي قَبْرِهِ نَارًا».

وَالشَّمْلةُ: تَلْفِيعَةٌ، أَوْ هِيَ كِسَاءٌ يُمْكِنُ أنْ يُحِيطَ بِهِ المَرْءُ بَدَنَهُ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ كَمَا في «الصَّحِيحَيْنِ»  عَنْ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مَرَّ مَعَ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- على قُبُورٍ، فَقَالَ الصَّحَابَةُ: فُلَانٌ شَهِيدٌ، ثُمَّ قَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، ثُمَّ قَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ.

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْقَبْرِ الثَّالِثِ: «كلَّا، إِنِّي رَأَيْتُهُ في النَّارِ في بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَوْ عَبَاءَةٍ».

إِذَنْ؛ الْغُلُولُ: هُوَ الْأَخْذُ مِنَ الْمَالِ الْعَامِّ، يُعَاقَبُ بِهِ الْمُرْءُ في قَبْرِهِ؛ اِشْتِعَالًا لَهُ عَلَيْهِ في قَبْرِهِ كَمَا أَخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ.

*وَكَذَلِكَ الْعُقُوبَةُ بِهِ فِي الْمَوْقِفِ: فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ»  قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، ثُمَّ قَالَ: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ -وَهُوَ صَوْتُ الْفَرَسِ فِيمَا دُونَ الصَّهِيلِ-، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ.

لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ.

لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ -يَعْنِي غَلَّ ثِيَابًا أَوْ مَا يَسِيرُ مَسَارَ ذَلِكَ، وَيُدْرَجُ فِي سِلْكِهِ-، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ -يَعْنِي ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً-، فَيَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ : لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ».

وَعظَّمَ الرَّسُولُ ﷺ، وَشَدَّدَ فِي أَمْرِ الْغُلُولِ وَهُوَ الْأَخْذُ مِنَ الْمَالِ الْعَامِّ؛ لِأَنَّ الْمَالَ الْعَامَّ تَتَعَلَّقُ بِهِ ذِمَمُ جَمِيعِ أَفْرَادِ الْأُمَّةِ، فَمَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ الْعَامِّ سَرِقَةً وَاغْتِصَابًا، وَنَهْبًا فَكَأَنَّمَا سَرَقَ مِنْ جَمِيعِ أَفْرَادِ الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَسْرُوقَ الْمَغْلُولَ الْمُغْتَصَبَ الْمَنْهُوبَ يَتَعَلَّقُ بِذِمَمِ جَمِيعِ أَفْرَادِ الْأُمَّةِ، وَأَمَّا الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ فُلَانٍ بِعَيْنِهِ فَقَدْ تَعَلَّقَت ذِمَّتُهُ بِهَذَا الَّذِي سَرَقَ مِنْهُ وَحْدَهُ.

أَعَلِمْتَ لِمَاذَا يُشَدِّدُ الدِّينُ فِي سَرِقَةِ الْمَالِ الْعَامِّ؟!

أَعَلِمْتَ لِمَ يُشَدِّدُ الدِّينُ فِي مُوَاقَعَةِ الْمَرْءِ لِلْحَدَائِقِ الْعَامَّةِ تَخْرِيبًا وَإِفْسَادًا؟!!

وَلِمَ يُشَدِّدُ الدِّينُ فِي نَهْبِ وَسَلْبِ الْمُمْتَلَكَاتِ الْعَامَّةِ فِي الْمُؤَسَّسَاتِ، فِي الْمُسْتَشْفَيَاتِ، وَفِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَفِي الْمُوَصِّلَاتِ الْعَامَّةِ؟!

 لِأَنَّهُ مَالُ الْأُمَّةِ، وَهَلْ رَأَيْتَ عَاقِلًا يَسْرِقُ نَفْسَهُ؟!!

فَالَّذِي يَسْرِقُ مِنَ الْمَالِ الْعَامِّ، وَالَّذِي يُخَرِّبُ فِي الْمَالِ الْعَامِّ إِنَّمَا يُخَرِّبُ فِي مَالِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُعَجِّلُ بِدَمَارِ أُمَّتِهِ -وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ-.

النَّبِيُّ ﷺ إِنَّمَا جَاءَ بِالْخَيْرِ وَبِالْحَقِّ، فَاتَّبِعُوهُ تَهْتَدُوا.

*أَكْلُ الْحَرَامِ يُثْمِرُ أَجْيَالًا مُشَوَّهَةً، وَمُجْتَمَعَاتٍ عَلَى شَفَا هَلَكَةٍ:

إِنَّ الَّذِينَ لَا يَتَحَرُّونَ حَلَالًا مِنْ حَرَامٍ هُمُ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ الْهُمَامُ ﷺ: «يَأْتِي عَلىٰ النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْوَاحِدُ مِنْهُمْ مِنْ حَرَامٍ أَخَذَ أَمْ مِنْ حَلَالٍ» . فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.

يَأْكُلُ الْمَرْءُ مِنْ حَرَامٍ، فَتَتَخَلَّقُ نُطْفَتُهُ مِنْ حَرَامٍ، وَيُطْعِمُ أَهْلَهُ مِنْ حَرَامٍ، فَتَتَخَلَّقُ بُوَيْضَتُهَا مِنْ حَرَامٍ، ثُمَّ تَتَغَذَّى الْمَرْأَةُ مِنْ حَرَامٍ، فَيَدُورُ الدَّمُ بِالْغِذَاءِ إِلَى الْجَنِينِ فِي الرَّحِمِ يُغَذِّي الْجَنِينَ مِنْ حَرَامٍ، ثُمَّ تُرْضِعُ الْوَلِيدَ اللَّبَنَ الْحَرَامَ، ثُمَّ يُطْعَمُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْحَرَامِ، ثُمَّ تَرْجُو بَعْدَ ذَلِكَ نَجَابَةَ الْوَلَدِ؟؟!

 هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ!! دُونَ ذَلِكَ خَرْطُ الْقَتَادِ!!

فَلَا تَعْجَبَنَّ مِمَّا يَحْدُثُ لِتِلْكَ الْأَجْيَالِ الَّتِي انْفَلَتَتْ، فَإِنَّمَا هِيَ مِمَّنْ خُلِّقَ مِنْ حَرَامٍ، وَمِمَّنْ غُذِّيَ بِالْحَرَامِ، وَلَا يَتَوَرَّعُ وُلَاةُ أُمُورِهِمْ عَنِ الْأَكْلِ مِنَ الْحَرَامِ، وَلَا يَتَوَقُّونَ وَلَا يَتَحَرُّونَ الْحَلَالَ الصِّرْفَ الْمَحْضَ.

لَا يَتَوَرَّعُ الْمَرْءُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ حَرَامٍ، لَا يَتَوَرَّعُ الْمَرْءُ أَنْ يَأْكُلَ مِمَّا فِيهِ شُبْهَةٌ، وَلَا يَتَوَرَّعُ الْمَرْءُ وَلَا يُمْسِكُ عَنِ الْحَرَامِ، فَقُلْ لِي بِرَبِّكَ مَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُتَحَصَّلَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ؟!

أَعْظَمُ بَابٍ فِي الدِّينِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ هُوَ أَكْلُ الْحَلَالِ.

إِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ جَعَلَ مِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ الدِّينِ: أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ آخِذًا بِالْحَلَالِ الصِّرْفِ الْمَحْضِ الَّذِي لَا شُبْهَةَ فِيهِ.

فَاللهَ اللهَ فِي أَنْفُسِكِمْ عِبَادَ اللهِ، أَدُّوا أَعْمَالَكُمْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَرْضِيِّ عِنْدَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

اللَّهُمَّ أَطْعِمْنَا مِنَ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ الَّذِي لَا شُبْهَةَ فِيهِ.

اللَّهُمَّ أَطْعِمْنَا مِنَ الْحَلَالِ، وَيَسِّرْ لَنَا الْحَلَالَ.

اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشُّبُهَاتِ.

اللَّهُمَّ يَسِّرْ لَنَا الْحَلَالَ.

اللَّهُمَّ يَسِّرْ لَنَا الْحَلَالَ الْمَحْضَ.

اللَّهُمَّ أَبْعِدْ عَنَّا الشُّبُهَاتِ، وَأَبْعِدْ عَنَّا الْحَرَامَ.

اللَّهُمَّ أَحْسِنْ خِتَامَنَا يَا رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  مَخَاطِرُ الْإِدْمَانِ وَالْمُخَدِّرَاتِ
  سُبُلُ بِنَاءِ الْأُمَمِ وَدَوْرُ الْفَرْدِ فِيهَا
  الرد على الملحدين:الرد على بعض شبهات الملحدين، وبيان بعض صفات الخالق
  الرد على الملحدين:دليل العناية، وبيان ما يتعلق بهداية بعض الحيوان
  الرد على شبهات أنصار بيت المقدس
  جُملة مِن أحكامِ العيديْن
  رِقَابَةُ السِّرِّ وَرِعَايَةُ الضَّمِيرِ
  الرد على الملحدين:مبحث عن الطبيعة ما هي؟ وما هي مفاهيمها؟ وما حقيقة تأثيرها؟
  مصر بين حاضر الكفايات وماضي المجاعات
  إلى أهل المغرب الحبيب
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان