الدرس التاسع والعشرون : «التَّعَاوُنُ عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى»


«دُرُوسٌ مُهِمَّةٌ لِعُمُومِ المُسْلِمِينَ فِي رَمَضَانَ»

«الدرس التاسع والعشرون» 

«التَّعَاوُنُ عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى»

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّـه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّـهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَقَدْ قَالَ العَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ رَحِمَهُ اللهُ- فِي «وُجُوبِ التَّعَاوُنِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ»: قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [سورة المائدة: الآية 2].

فالبِرُّ: اسْمٌ جامعٌ لِكُلِّ ما أَمَرَ اللهُ به ورَسُولُهُ، وأَحَبَّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، مِنَ التَّحَقُّقِ بِعَقَائِدِ الدِّينِ وأَخْلَاقِهِ، والعَمَلِ بآدَابِهِ وأقوالِهِ وأفعالِهِ، مِنَ الشَّرَائِعِ الظَّاهِرَةِ والبَاطِنَةِ، ومِنَ القِيَامِ بِحُقُوقِ اللهِ وحُقُوقِ عِبَادِهِ، ومِنَ التَّعَاوُنِ على الجِهَادِ في سَبِيلِهِ إِجْمَالًا وتَفْصِيلًا، فَكُلُّ هذا داخِلٌ في التَّعَاوُنِ على البِرِّ.

ومِنَ التَّعَاوُنِ على التَّقْوَى: التَّعَاوُنُ على اجْتِنَابِ وتَوَقِّي ما نَهَى اللهُ ورَسُولُهُ عنه مِنَ الفَوَاحِشِ الظاهِرَةِ والبَاطِنَةِ، ومِنَ الإِثْمِ والبَغْيِ بغَيْرِ الحَقِّ، والقولِ على اللهِ بِلَا عِلْمٍ؛ بَلْ على تَرْكِ الكُفْرِ والفُسُوقِ والعِصْيَانِ.

«الأَمْرُ فِي القُرْآنِ بِالتَّعَاوُنِ عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى»

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [سورة المائدة: 2].

وتَعَاوَنُوا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ على فِعْلِ الخَيْرَاتِ الَّتِي هِيَ مِنْ مَرْتَبَةِ البِرِّ، وتَعَاوَنُوا على  القِيَامِ بِمُقْتَضَيَاتِ مَرْتَبَةِ التَّقْوَى التي تَتَحَقَّقُ لَكُمْ بِفِعْلِ الواجِبَاتِ، وتَرْكِ المُحَرَّمَاتِ، ولا يُعِنْ بعضُكم بَعْضًا على تَرْكِ ما أَمَرَ اللهُ بِفِعْلِهِ، وفِعْلِ ما أَمَرَ بِتَرْكِهِ، ومُجَاوَزَةِ حُدُودِ اللهِ، واتَّقُوا اللهَ، واحْذَرُوا أنْ تَتْرُكُوا ما أَمَرَكُمْ به، أوْ تَرْتَكِبُوا ما نَهَاكُمُ اللهُ عنه، إنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ لِمَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ(1).

وَقَالَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا-: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)﴾: أَقْسَمَ اللهُ سبحانه بالوَقْتِ الذي يَمُرُّ بهِ عُمْرُ الإِنْسَانِ، ويَجْرِي مِنْ غَيْبِ المُسْتَقْبَلِ إلى غَيْبِ المَاضِي، ولا يَنْتَفِعُ منه إلا لَحْظَةَ الحَاضِرِ إذا انْتَفَعَ مِنْهُ لِآخِرَتِهِ.

إنَّ الإنسانَ لَفِي خُسْرَانِ نُقْصَانٍ بِتَضْيِيعِ عُمْرِهِ في معصيةِ الله، واشْتِغَالِهِ بِالدُّنْيَا، واسْتِغْرَاقِهِ في طَلَبِهَا ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)إِلَّا الذين اسْتَثْنَاهُمُ اللهُ مِنْ عُمُومِ الإِنسانِ الذي هُوَ فِي خُسْرٍ، وهُمُ الذين تَحَقَّقُوا بِأَرْبَعِ صِفَاتٍ:

 

*الصِّفَةُ الأُولَى: الذين آمَنُوا بِالْأَرْكَانِ الإِيمَانِيَّةِ السِّتَّةِ إيمَانًا صَحِيحًا صَادِقًا، وهذه الصِّفَةُ عُنْوَانُ الِارْتِقَاءِ الفِكْرِيِّ والتَّصْمِيمِ الإِرَادِيِّ حَوْلَ القَضَايَا الإِيمَانِيَّةِ الكُبْرَى.

*والصِّفَةُ الثانِيَةُ: عَمِلُوا الصالحاتِ التي تَشْمَلُ كُلَّ عَمَلٍ مِنْ أعمالِ الخيرِ التي  يَدْفَعُ إليها الإِيمَانُ، ويَدْعُو إليها ويَحُثُّ عليها الإسْلَامُ، وهذه الصِّفَةُ عُنْوَانُ الِارْتِقَاءِ السُّلُوكِيِّ  في الحَيَاةِ.

*والصِّفَةُ الثالِثَةُ: أَوْصَى بَعْضُ المُؤْمِنِينَ بَعْضًا بالتَّمَسُّكِ بالحَقِّ اعْتِقَادًا وقَوْلًا وعَمَلًا، وهو يَشْمَلُ الأَمْرَ بالمعروفِ، والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ، والنَّصِيحَةَ العَامَّةَ، والدَّعْوَةَ إلى اللهِ، والتَّوَاصِي بالحَقِّ يَخْدُمُ رُكْنَ الإِيمَانِ، ومَا يَسْتَدْعِيهِ مِنْ كُلِّ قَضِيَّةِ حَقٍّ.

*والصِّفَةُ الرابِعَةُ: أَوْصَى بعضُهم بعضًا بالصبرِ على الطاعَاتِ، والصَّبْرِ عَنِ المُحَرَّمَاتِ، والصبرِ على البَلَاءِ والمَصَائِبِ، وتَحَمُّلِ الأَذَى في سَبِيلِ اللهِ، والثَّبَاتِ على ذلك، والتَّوَاصِي بالصَّبْرِ يَخْدُمُ رُكْنَ العَمَلِ الصَّالِحِ، وذلك لِأَنَّ الأَعْمَالَ الصالِحَةَ لا يَقُومُ بها الإِنْسَانُ إذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنَ الصَّبْرِ ما يَحْمِلُ بِهِ عِبْءَ مُخَالَفَةِ أَهْوَاءِ النَّفْسِ وشَهَوَاتِهَا.

«النَّبِيُّ ﷺ أَمَرَ المُؤْمِنِينَ أَنْ يَكُونُوا كَالْجَسَدِ الوَاحِدِ»

النَّبِيُّ ﷺ أَمَرَكُمْ بِالتَّوَادِّ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلُ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».

 

«الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ»

مِنْ حُقُوقِ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ: كَفُّ الْأَذَى عَنْهُ:

فَإِنَّ فِي أَذِيَّةِ المُسْلِمِينَ إِثْمًا عَظِيمًا، قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].

والغَالِبُ أَنَّ مَنْ تَسَلَّطَ عَلَى أَخِيهِ بِأَذَىً؛ فَإِنَّ اللهَ يَنْتَقِمُ مِنْهُ في الدُّنْيَا قَبْلَ الآخِرَةِ، وقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ».

وحُقُوقُ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ كَثِيرَةٌ، ولَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ المعْنَى الجَامِعُ لهذه الحُقُوقِ كلِّهَا قَوْلَ الرَّسُولِ ﷺ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ»، فإنَّه متى قَامَ بِمُقْتَضَى هذه الأُخُوَةِ؛ اجْتَهَدَ أنْ يَتَحَرَّى لَهُ الخيْرَ كُلَّهُ، وَأَنْ يَجْتَنِبَ كُلَّ مَا يَضُرُّهُ(1).

«تَرْغِيبُ النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّعَاوُنِ لِقَضَاءِ حَوَائِجِ المُسْلِمِينَ»

والرَّسُولُ ﷺ يُرَغِّبُ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِ المُسْلِمِينَ، وَفِي إِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ، ويُبَيِّنُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا أَحْسَنَ إِلَى أَخِيهِ؛ أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْهِ، وَإِذَا مَا سَعَى فِي حَاجَةِ أَخِيهِ؛ فَإِنَّ اللهَ -تبارك وتعالى- يَقْضِي حَوَائِجَهُ، وإذا ما شَفَعَ لِأَخٍ مِنْ إِخْوَانِهِ فِي أَمْرٍ مِنَ الأُمُورِ التي يَتَحَصَّلُ مِنْ وَرَائِهَا على نَفْعٍ، أَوْ يَسْتَدْفِعُ بِهَا ضُرًّا؛ فإنه لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَتَحَصَّلَ مِنْ أَخِيهِ علَى نَفْعٍ؛ ولَوْ بِهَدِيَّةٍ يُهْدِيهَا إليه، فَإِذَا شَفَعَ لِأَخِيهِ، فَأَهْدَى أَخُوهُ إِلَيْهِ بَعْدَ الشَّفَاعَةِ المَقْبُولَةِ؛ فإنَّهُ يَكُونُ قَدْ وَلَجَ في بابٍ مِنْ أَوْسَعِ أَبْوَابِ الرِّبَا.

 

«أَجْرٌ عَظِيمٌ لِمَنْ فَرَّجَ كُرُبَاتِ المُسْلِمِينَ»

عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «المسلمُ أخو المسلمِ، لا يَظْلِمُهُ، ولا يُسْلِمُهُ، مَن كان في حاجةِ أخيه؛ كان اللهُ في حاجتِهِ، ومَن فرَّجَ عن مُسْلِمٍ كُرْبَةً؛ فرَّجَ اللهُ عنه بها كُرْبَةً مِن كُرَبِ يومِ القيامةِ»، وشَتَّانَ مَا بَيْنَ كُرْبَةِ الدُّنْيَا وكُرْبَةِ الآخِرَةِ، فَهَذَا عَطَاءٌ مِنْ صَاحِبِ العَطَاءِ والفَضْلِ: «فرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، ومَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ». هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ على صِحَّتِهِ.

«فمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ»، ومَنْ فَضَحَ مُسْلِمًا أَوْ سَعَى في فُضُوحِهِ؛ فَضَحَهُ اللهُ -تبارك وتعالى- في الدنيا وعلى رؤوسِ الأشهادِ يوم القيامة.

«يا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ ولَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ في قَلْبِهِ؛ لا تَغْتَابُوا المُسْلِمِينَ، ولا تَتَبَّعُوا عَوْرَاتِهِم، فإنَّ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ؛ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ، ومَنْ تَتَبَّعَ اللهُ عورتَهُ؛ فَضَحَهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ».

ويُبَيِّنُ لنا النَّبِيُّ ﷺ في حَدِيثٍ حَسَنٍ، فَيَقُولُ: «ومَنْ مَشَى مَعَ مَظْلُومٍ حَتَّى يُثْبِتَ لَهُ حَقَّهُ؛ ثَبَّتَ اللهُ قدَمَيْهِ على الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزُولُ الأَقْدَامُ».

وعن أبي هُرَيْرَةَ -رضي اللهُ عنه- كما في «صَحِيحِ مسلمٍ» وغيرِهِ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا؛ نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ فِي الدُّنْيَا؛ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ فِي الدُّنْيَا؛ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ».

 

«قَضَاءُ حَوَائِجِ المُسْلِميِنَ سَبَبٌ في تَقْيِيدِ النِّعَمِ لَدَى العَبْدِ»

وعَنْ عبدِ اللهِ بْنِ عَمْروٍ -رضي اللهُ عنهما- قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ للهِ عندَ أقوامٍ نِعَمًا أقرَّهَا عندَهُم -يعني: جَعَلَهَا ثَابِتَةً عِنْدَهُم-؛ ما كانُوا في حَوَائِجِ المسلمينَ ما لم يَمَلُّوهُم، فإذا مَلُّوهُم نقلَهَا اللهُ إلى غيرِهِم». وهذا حديثٌ حَسَنٌ أخرجَهُ الطبرانيُّ في «المُعجمِ الكبيرِ».

وهو حَدِيثٌ مُهِمٌّ جِدًّا: «إنَّ للهِ عندَ أقوامٍ نِعَمًا أقرَّهَا عندَهُم؛ ما كانُوا في حوائِجِ المسلمينَ ما لم يَمَلُّوهُم»: فهَذِهِ النِّعَمُ التي جَعَلَهَا اللهُ -تبارك وتعالى- عندَ أَقْوَامٍ إنما جَعَلَهَا مِنْ أَجْلِ أَنْ يَقْضُوا بها حَوَائِجَ المُسْلِمِينَ، بِشَرْطِ ألَّا يَمَلُّوا مِنَ المسلمينَ ومِن طَلَبِهِم، وألَّا يُصِيبَهُمُ المَلَلُ في قَضَاءِ حَوَائِجِ إخوانِهِم بِنِعَمِ اللهِ الَّتِي عِنْدَهُمْ؛ لِأَنَّ اللهَ إنما جَعَلَ تلك النِّعَمَ عِنْدَ أُولَئِكَ الأَقْوَامِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَقْضُوا بِهَا حَوَائِجَ المُسْلِمِينَ «ما لَمْ يَمَلُّوهُم، فَإذَا مَلُّوهُمْ نَقَلَهَا اللهُ إِلَى غَيْرِهِم».

وعَنْ عبدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ -رضي اللهُ عنهما- قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ للهِ أَقْوَامًا اخْتَصَّهُمْ بالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ العِبَادِ، يُقِرُّهُمْ فِيهَا مَا بَذَلُوهَا، فإذا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ فَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِم». وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وفي هذا الحَدِيثِ يُبَيِّنُ لنا نَبِيُّنَا ﷺ أَنَّ أَقْوَامًا اخْتَصَّهُمُ اللهُ -تبارك وتعالى- بالنِّعَمِ لِيَكُونُوا سَاعِينَ في مَنَافِعِ عِبَادِهِ في أَرْضِهِ، ويُقِرُّ اللهُ -تبارك وتعالى- هؤلاء القَوْمَ في تِلْكَ النِّعَمِ ما بَذَلُوهَا لِعِبَادِهِ في أَرْضِهِ، فإذا مَنَعُوا النِّعَمَ أَنْ تُبْذَلَ لِأَصْحَابِ الحَاجَاتِ، وَفِي قَضَاءِ حَوَائِجِ المُسْلِمِينَ؛ نَزَعَ اللهُ -تبارك وتعالى- النِّعَمَ عن أُولَئِكَ القَوْمِ الَّذِينَ اخْتَصَّهُمْ بالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ العِبَادِ، فَحَولَّهَا إلى غَيْرِهِم.

وهذا أَمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِقُدْرَةِ اللهِ -تبارك وتعالى- ومَشِيئَتِهِ؛ لِأَنَّ الذي يُعْطَى الْيَوْمَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُعْطِيًا غَدًا، والذي يَأْخُذُ اليَوْمَ يُمكِنُ أنْ يَكُونَ مُعْطِيًا في غَدٍ، والذي يَكُونُ له اليَدُ العُلْيَا في يَوْمٍ؛ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ يَدُهُ السُّفْلَى في يَوْمٍ؛ لِأَنَّ اللهَ -تبارك وتعالى- يَرْفَعُ ويَخْفِضُ، واللهُ رَبُّ العَالَمِينَ يُعِزُّ ويُذِلُّ.

ولَيْسَ أَحَدٌ بمُسْتَحِقٍّ لِنِعْمَةٍ يُوَصِّلُهَا اللهُ -تبارك وتعالى- إِلَيْهِ، وإنما هُوَ مُحْضُ جُودٍ لا بَذْلُ مَجْهُودٍ، واللهُ -تبارك وتعالى- هو الذي يُعْطِي، وهُوَ الَّذِي يُؤْتِي البِرَّ مَنْ يَشَاءُ بِرَحْمَتِهِ، فَيَجْعَلُ ذلك الخَيْرَ عِنْدَ أَقْوَامٍ، فَإِنْ شَكَرُوا نِعْمَةَ اللهِ -تبارك وتعالى- عليهم؛ زادَهُمُ اللهُ -تبارك وتعالى- إِنْعَامًا، وثَبَّتَ النِّعَمَ لَدَيْهِمْ.

وإذا مَا جَحَدُوها فَلَمْ يَبْذُلُوهَا فِي حَوَائِجِ المُسْلِمِينَ، ولَمْ يُرَاعُوا أَنَّ اللهَ -تبارك وتعالى- لَمْ يَخْتَصَّهُمْ بِتِلْكَ النِّعَمِ لِأُمُورٍ جَعَلَهَا اللهُ -تبارك وتعالى- مُتَعَلِّقَةً بالمُسْتَضْعَفِينَ في أَرْضِهِ، إذا لم يُرَاعُوا ذلك، وظَنُّوا أَنَّها إِنَّما كانَتْ بِاسْتِحْقَاقٍ عِنْدَهُمْ؛ فَشَأْنُهُمْ كَشَأْنِ ذلك الرَّجُلِ الذي ظَنَّ أنَّ اللهَ -تبارك وتعالى- إنما آتَاهُ وأَعْطَاهُ على عِلْمٍ عِنْدَهُ، وأَنَّهُ بقُدُرَاتِهِ قَدْ تَحَصَّلَ على ما تَحَصَّلَ عليه، فَنَزَعَ اللهُ -تبارك وتعالى- عَنْهُ النِّعْمَةَ، وخَسَفَ به وبِدَارِهِ الأَرْضَ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.

ويُحَذِّرُ النَّبِيُّ ﷺ ويُنْذِرُ، ويُبَيِّنُ لَنَا ﷺ هَذَا الأَمْرَ الكَبِيرَ، فَيَقُولُ ﷺ: «ما مِنْ عَبْدٍ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ نِعْمَةً فَأَسْبَغَهَا عليه، ثم جَعَلَ مِنْ حَوَائِجِ النَّاسِ إِلَيْهِ فَتَبَرَّمَ؛ فَقَدْ عَرَّضَ تِلْكَ النِّعْمَةَ لِلزَّوَالِ».

يَتَبَرَّمُ مِنَ الناسِ ويَرُدُّهُم، ولا يُحْسِنُ اسْتِقْبَالَهُمْ، وإنما يُصِيبُهُ المَلَلُ، فَيُعْرِضُ عنهم، ويُغْلِظُ في الكَلَامِ الوَاصِلِ إليهم، ويَخْشُنُ في مُعَامَلَتِهِ مع الخَلْقِ في أَرْضِ اللهِ -جلَّ وعلا-؛ فقَدْ عَرَّضَ تلك النِّعْمَةَ لِلزَّوَالِ؛ لِأَنَّ اللهَ -تبارك وتعالى- إِنَّمَا جَعَلَهُ مُوَصِّلًا للنِّعْمَةِ إلى الخَلْقِ في الأَرْضِ.

ولَمْ يَجْعَلِ اللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- ذلك على عِلْمٍ عِنْدَ ذلك العَبْدِ، وإنما جَعَلَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ ذَلِكَ الأَمْرَ مَحْضَ بَذْلٍ لِلْجُودِ مِنْ لَدُنْهُ -جلَّ وَعَلَا-، وهو صَاحِبُ البِرِّ، فإذا تَبرَّمَ مِنْ حَوَائجِ الناسِ، وإذا مَا تَمَلْمَلَ مِنْ قَضَاءِ حَوَائِجِ الخلقِ؛ فقَدْ عَرَّضَ تلك النِّعْمَةَ لِلزَّوَالِ.

وعن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ -رضي الله عنه-، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قال: «لَا يَزَالُ اللهُ فِي حَاجَةِ العَبْدِ مَا دَامَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ».

يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ».

قِيلَ: أَرَأيْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟

قَالَ: «يَعْتَمِلُ بِيَدَهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ، وَيَتَصَدَّقُ».

قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟

قَالَ: «يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ».

قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟

قَالَ: «يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ أَوِ الخَيْرِ».

قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟

قَالَ: «يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ؛ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ».

حتى إذا مَا أَمْسَكَ الإِنْسَانُ عَنِ الشَّرِّ؛ فَقَدْ أتَى بالصَّدَقَةِ، إذا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَأْمُرَ بالمَعْرُوفِ وَأَنْ يَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ، وإذا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُعِينَ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ، وإذا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَعْتَمِلَ بِيَدِهِ، فَيَنْفَعُ اللهُ -تبارك وتعالى- به ذَاتَهُ، ويَتَصَدَّقُ على خَلْقِ اللهِ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَ عَنِ الشَّرِّ؛ فإنها صدقةٌ، فمَنْ أَمْسَكَ عَنِ الشَّرِّ؛ فقَد تَصَدَّقَ كما قالَ الرَّسُولُ ﷺ في هذا الحَدِيثِ المُتَّفَقِ على صِحَّتِهِ.

«أَفْضَلُ الأَعْمَالِ: إِدْخَالُ السُّرُورِ عَلى المُؤْمِنِ»

وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَفْضَلُ الأَعْمَالِ: إِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى المُؤْمِنِ، كَسَوْتَ عَوْرَتَهُ، أَوْ أَشْبَعْتَ جَوْعَتَهُ، أَوْ قَضَيْتَ لَهُ حَاجَةً».

النَّبِيُّ ﷺ يَجْعَلُ في قِمَّةِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وفي قِمَّةِ الأَعْمَالِ المَقْبُولَةِ عِنْدَ اللهِ -تبارك وتعالى-: إِدْخَالَ السُّرُورِ على المُؤْمِنِ: «كَسَوْتَ عَوْرَتَهُ، أو أَشْبَعْتَ جَوْعَتَهُ، أو قَضَيْتَ له حاجةً»، وذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ الحَاجَةَ مُنَكَّرَةً؛ لِيَدُلَّ عَلَى أَيِّ حَاجَةٍ قُضِيَتْ، قَضَيْتَ له حَاجَةً بمُطْلَقِ الحَاجَةِ.

فَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إلى اللهِ -عزَّ وجلَّ-: سُرُورٌ تُدْخِلُهُ على مسلمٍ، أو تَكْشِفُ عنهُ كُربَةً، أو تَطْرُدُ عنه جَزَعًا، أو تَقْضِي عنهُ دَيْنًا».

وذكَرَ الرسولُ ﷺ أَمْرًا عَظِيمًا جِدًّا، لو تَأَمَّلَ الإنْسَانُ فِيهِ تَأَمُّلًا صَحِيحًا؛ لَعَلِمَ أنَّ الأَعْمَالَ تَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهَا عِنْدَ اللهِ -تبارك وتعالى-، وأَنَّ اللهَ -جلَّ وعلا- لَمْ يَجْعَلِ الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ مَقْصُورَةً عَلَى أُمُورٍ بِعَيْنِهَا، وإنما جَعَلَ الخَيْرَ شَائِعًا في أَعْمَالِ البِرِّ والصَّلَاحِ.

جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ وَأَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟

فقالَ ﷺ: «أَحَبُّ النَّاسِ إلى اللهِ: أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وأَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ -عزَّ وجلَّ-: سُرُورٌ تُدْخِلُهُ على مُسْلِمٍ، تَكْشِفُ عنه كُرْبَةً، أو تَقْضِي عنه دَيْنًا، أوْ تَطْرُدُ عنه جُوعًا».

«اللهُ لا يُخْزِي مَنْ يُسَاعِدُ النَّاسَ»

عِنْدَمَا رَجَعَ النَّبيُّ ﷺ وَقَد أُوحِيَ إليه أَوَّل مَرَّةٍ، وَرَجَعَ يقولُ:  «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي»، قالَ: «إنِّي أَخْشَى أنْ يَكُونَ قَد أَصَابَنِي شَيءٌ».

قالت خَدِيجَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: «لا واللهِ، لا يُصِيبُكَ شَرٌّ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، واللهِ لا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا».

عِنْدَنَا دَلَالَتَانِ:

*الدَّلَالَةُ الأُولَى: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَتْ أَخْلَاقُهُ لا تَصَنُّعَ فيها، لأنَّ اللهَ تبارك وتعالى- كما أَخْبَرَ عن أَخْلَاقِهِ، جَعَلَهَا في الذِّرْوَةِ العُلْيَا مِن سُمُوِّ الأخلاقِ، وجَلَالِهَا وكَمَالِهَا وَبَهَائِهَا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، والتعبيرُ بـ «عَلَى» وَهِيَ الاسْتِعْلَاءُ، فهو على الخُلُقِ العظيمِ ﷺ، كأنه يَعْلُوهُ وَيَفُوقُهُ، ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ﷺ، فَكَانَ هَذَا مِمَّا طَبَعَ اللهُ على نَبِيِّهِ ﷺ، وَكَمَّلَهُ به، فَكَانَ في بيتِهِ وفي البيتِ تَبْدُو أَخْلَاقُ الرَّجُلِ- كان على أَحْسَنِ مَا يَكُونُ مِن الخُلُقِ، فهذه دلالةٌ.

*والدلالةُ الثانية: أنَّ صَنَائِعَ المَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وأنَّ الإنسانَ إذا كانَ مُحْسِنًا قَوْلًا وَفِعْلًا واعتقادًا؛ حَفِظَهُ اللهُ رَبُّ العَالمينَ عِنْدَ نُزُولِ المُلِمَّاتِ،  فَصَنَائِعُ المعروفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ.

قَالَت: «لا واللهِ، لا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا»، ثُمَّ ذَكَرَتِ العِلَّةَ: «إِنَّكَ لَتَحْمَلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتُعِينُ على نَوَائِبِ الدَّهْرِ»، إِذَنْ؛ مَا دُمْتَ كذلك؛ فإنه لا يُمْكِنُ بِحَالٍ أَبَدًا أنْ يُصِيبَكَ شَيْءٌ، أَوْ أَنْ يُخْزِيكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ-، أو أنْ يَتَخَلَّى عَنْكَ، ﷺ.

«المُوَاسَاةُ بِالمَالِ وَأَثَرُهَا في التَّكَافُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ بَيْنَ المُسْلِمِينَ»

الصَّدَقَةُ المُسْتَحَبَّةُ الَّتِي لَيْسَت بِمَفْرُوضَةٍ؛ تُشْرَعُ في كُلِّ وَقْتٍ، لِإِطْلَاقِ الْحَثِّ عليها في الكِتَابِ والسُّنَّةِ، ولِلتَّرْغِيبِ فيها:

قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: 177].

وقال تعالى: ﴿وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 280].

في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة رضي اللهُ عنه-: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُم اللهُ يومَ القيامَةِ في ظِلِّهِ، ذَكَرَ مِنْهُم: وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا؛ حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَت يَمِينُهُ».

*وَصَدَقَةُ السِّرِّ أَفْضَلُ؛ لقولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 271]؛ لأنَّهُ أَبْعَدُ عن الرِّيَاءِ إلَّا أَنْ يَتَرَتَّبَ على إِظْهَارِ الصَّدَقَةِ وإعلانِهَا مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ مِنَ اقْتِدَاءِ النَّاسِ به.

وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ طَيِّبَةً بها نَفْسُهُ، غَيْرَ مُمْتَنٍّ بها على المُحْتَاجِ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ﴾ [البقرة: 264].

*والصَّدَقَةُ في حَالِ الصِّحَّةِ أَفْضَلُ:

قالََ ﷺ لَمَّا سُئِلَ: أيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟

قال: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.

*والصَّدَقَةُ في أوقاتِ الحَاجَةِ أَفْضَلُ:

قالَ تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16)﴾ [البلد: 14-16].

*كمَا أنَّ الصَّدَقَةَ على الأَقَارِبِ والجِيرَانِ أَفْضَلُ مِنْهَا على الأَبْعَدِينَ؛ فَقَدْ أَوْصَى اللهُ بالأَقَارِبِ، وَجَعَلَ لَهُم حَقًّا على قَرِيبِهِم في كَثِيرٍ مِنَ الآيَاتِ؛ كقولِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ﴾ [الإسراء: 26].

وقالَ النبيُّ ﷺ: «الصَّدَقَةُ على المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وعلى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَان؛ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ وغيرُهُم مِن حديثِ سَلْمَانَ الضَّبِّيِّ رضي اللهُ عنه-، وَحَسَّنَهُ الترمذيُّ وغيرُهُ، وفي «الصَّحِيحَيْنِ»: «أَجْرَانِ؛ أَجْرُ القَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ».

فَاعْلَمْ أَنَّ فِي المَالِ حُقُوقًا سِوَى الزَّكَاةِ:

*نَحْوَ مُوَاسَاةِ القَرَابَةِ وَصِلَةِ إِخْوَانِكَ.

*وإِعْطَاءِ سَائِلٍ.

*وإِعَارَةِ مُحْتَاجٍ.

*وإِنْذَارِ مُعْسِرٍ.

*وإِقْرَاضِ مُقْتَرِضٍ.

قالَ تَعَالَى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: 19].

*ويجبُ إطعامُ الجَائِعِ، وَقِرَى الضَّيْفِ، وَكِسْوَةُ العَارِي، وَسَقْيُ الظَّمْآن؛ بَل ذَهَبَ الإمامُ مَالِكٌ رحمهُ اللهُ- إلى أنهُ يَجِبُ على المُسلمينَ فِدَاءُ أَسْرَاهُمْ؛ وَإِنِ اسْتَغْرَقَ ذلك أَمْوَالُهُم كُلُّهَا.

*كما أنه يُشْرَعُ لِمَنْ حَصَلَ على مَالٍ وبحَضْرَتِهِ أُنَاسٌ مِن الفُقَرَاءِ والمَسَاكين أنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ المَالِ المُكْتَسَبِ؛ قالَ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [النساء: 8].

هَذِهِ كُلُّهَا مِنْ مَحَاسِنِ دِينِ الإِسْلَامِ العَظِيمِ؛ لِأَنَّهُ دِينُ المُوَاسَاةِ والرَّحْمَةِ، دِينُ التَّعَاوُنِ والتَّآخِي فِي اللهِ، فَمَا أَجْمَلَهُ!! وَمَا أَجَلَّهُ!! وَمَا أَحْكَمَ تَشْرِيعَهُ!!

«لَوْ أَخَذْنَا بِتَعَالِيمِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَخْلَاقِهِ؛ لَاسْتَقَامَتِ الحَيَاةُ»

النَّبِيُّ ﷺ يُرْشِدُنَا إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ التَّعَالِيمِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ تَنْضَبِطَ العَلَاقَاتُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وَحَتَّى نَخْرُجَ إِذَا مَا أَخَذْنَا بِهَا مِنْ هَذِهِ الحَيْرَةِ المُظْلِمَةِ، وَمِنْ هَذَا الجُلْمُودِ الأَصَمِّ مِنَ الهَمِّ؛ حَتَّى نَسْتَطِيعَ أَنْ نَعُودَ بَشَرًا أَسْوِيَاءَ كَمَا خَلَقَنَا اللهُ -تبارك وتعالى-، وَحَتَّى تَعُودَ العَلَاقَاتُ السَّوِيَّةُ بَيْنَنَا كَمَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ بَيْنَنَا العَلَاقَاتُ السَّوِيَّةُ عَلَى مُقْتَضَى المَحَبَّةِ الدِّينِيَّةِ والمَوَدَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا خَيْرُ البَرِيَّةِ ﷺ.

نَسْألُ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ- أَنْ يَهْدِيَنَا لِأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا هُوَ، وأَنْ يُجَنِّبَنَا وَيَصْرِفَ عَنَّا سَيِّءَ الأَخْلَاقِ، لَا يَصْرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلَّا هُوَ، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وبِالإِجَابَةِ جَدِيرٌ.      

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.

 

 المصدر:دُرُوسٌ مُهِمَّةٌ لِعُمُومِ المُسْلِمِينَ فِي رَمَضَانَ

التعليقات


فوائد مفرغة قد تعجبك


  نَمَاذِجُ عَصْرِيَّةٌ لِلنِّفَاقِ الِاعْتِقَادِيِّ!!
  شَرَعَ اللهُ الزَّوَاجَ لِتَكْوِينِ أُسَرٍ يَخْرُجُ مِنْهَا نَشْءٌ مُوَحِّدٌ للهِ
  نَبِيُّ الرَّحْمَةِ ﷺ، وَدِينُهُ دِينُ الرَّحْمَةِ
  عِيدُكُمْ السَّعِيدُ بِالتَّطَهُّرِ مِنَ الشِّرْكِ، وَالْبِدَعِ وَالْمَعَاصِي
  الْمَعْنَى الْحَقُّ لِاسْتِفْتَاءِ الْقَلْبِ
  تَرْغِيبُ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ
  حَرْبُ الشَّائِعَاتِ ضِدَّ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الْعَصْرِ
  نِعْمَةُ الْمَاءِ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ عَلَيْنَا
  حِكَمُ تَشْرِيعِ الزَّكَاةِ
  رِعَايَةُ اللهِ لِيَتَامَى مِنْ خَيْرِ الْبَشَرِ
  فَسَادُ الْمُجْتَمَعَاتِ يَكُونُ بِسَبَبِ فَسَادِ الْأَفْرَادِ وَالْأُسَرِ
  سُنَّةُ التَّكْبِيرِ مُنْفَرِدًا فِي الطَّرِيقِ وَالْمُصَلَّى بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ
  الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ شِفَاءٌ وَحِفْظٌ بِقَدَرِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-
  خُطُورَةُ النِّفَاقِ وَالْمُنَافِقِينَ عَلَى الْأُمَّةِ
  بَعْضُ صُوَرِ أَكْلِ السُّحْتِ فِي زَمَانِنَا!!
  • شارك