جُمْلَةٌ مِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْأَسْوَاقِ


 ((جُمْلَةٌ مِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْأَسْوَاقِ))

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ آدَابَ السُّوقِ مِنْ جُمْلَةِ الْآدَابِ الَّتِي بَيَّنَهَا كِتَابُ رَبِّنَا, وَوَضَّحَتْهَا سُنَّةُ نَبِيِّنَا ﷺ.

وَقَدْ ذَكَرَ الْكِتَابُ وَذَكَرَتِ السُّنَّةُ آدَابًا لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ فَيَنْبَغِي لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي أَنْ يَتَخَلَّقَا بِالْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِ الْإِسْلَامِيَّةِ.

وَمَا أَحْوَجَ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الْوَقْتِ مِنْ تَارِيخِهِمْ إِلَى مَعْرِفَةِ الْآدَابِ الَّتِي دَلَّهُمْ عَلَيْهَا دِينُهُمْ, وَأَرْشَدَتْهُمْ إِلَيْهَا سُنَّةُ نَبِيِّهِمْ ﷺ.

وَمِنْ هَذِهِ الْآدَابِ:

*إِخْلَاصُ النِّيَّةِ: فَعَلَيْهِ أَنْ يُخْلِصَ نِيَّتَهُ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ لِإِعْفَافِ نَفْسِهِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى عِيَالِهِ، وَإِعْزَازِ الْمُسْلِمِينَ بِكَثْرَةِ ثَرْوَاتِهِمْ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُؤْجَرُ بِهِ الْعَبْدُ، وَلَا يَكُونُ هَمُّهُ جَمْعَ الْأَمْوَالِ تَكُثُّرًا وَبَطَرًا وَأَشَرًا وَإِعْجَابًا.

فَطَلَبُ الْكَسْبِ وَطَلَبُ الرِّبْحِ وَالْمَالِ هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُؤَسَّسًا عَلَى نِيَّةٍ صَالِحَةٍ، وَذَلِكَ لِإِعْفَافِ نَفْسِهِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى عِيَالِهِ، وَلِإِعْزَازِ الْمُسْلِمِينَ بِكَثْرَةِ ثَرْوَاتِهِمْ، وَلِحِيَاطَةِ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمُحْتَاجِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُؤْجَرُ بِهِ الْعَبْدُ.

 ((*وَمِنْ آدَابِ الْأَسْوَاقِ: ذِكْرُ اللهِ -تَعَالَى- وَحُسْنُ مُرَاقَبَتِهِ، فَذِكْرُ اللهِ يَلْتَزِمُهُ الْمُسْلِمُ فِي كُلِّ حَالٍ كَمَا عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَالسُّوقُ لَهُ دُعَاءٌ يَقُولُهُ الْمُسْلِمُ وَالْمُسْلِمَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ فَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كَلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ كَتَبَ اللهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ)) )) . خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ.

((مَنْ دَخَلَ السُّوقَ...)): قَالَ الطِّيبِيُّ: ((خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ مَكَانُ الْغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالِاشْتِغَالِ بِالتِّجَارَةِ؛ فَهُوَ مَوْضِعُ سَلْطَنَةِ الشَّيْطَانِ، وَمَجْمَعُ جُنُودِهِ، فَالذَّاكِرُ هُنَاكَ يُحَارِبُ الشَّيْطَانَ وَيَهْزِمُ جُنُودَهُ، فَهُوَ خَلِيقٌ بِمَا ذُكِرَ مِنَ الثَّوَابِ)).

*وَمِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: الْأَخْذُ بِالْأَسْبَابِ؛ وَذَلِكَ بِالدِّرَاسَةِ الْجَيِّدَةِ لِإِتْقَانِ مِهْنَةِ الْعَمَلِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ، وَمَعْرِفَةِ إِيجَابِيَّاتِهِ وَسَلْبِيَّاتِهِ، وَمُشَاوَرَةِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ فِيهِ، وَاتِّخَاذِ أَحْسَنِ السُّبُلِ الَّتِي فِي مَقْدُورِهِ لِتَحْصِيلِ أَحْسَنِ النَّتَائِجِ بِمُزَاوَلَةِ ذَلِكَ الْعَمَلِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ -كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ -رَحِمَهُ اللهُ- -: ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ، فَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنَّي فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ)).

فَيَأْخُذُ بِالْأَسْبَابِ مُتَوِّكِلًا عَلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- خَالِقِهَا.

وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ: ((وَاسْتَعِنْ بِاللهِ))، فَمَنْ أَخَذَ بِالْأَسْبَابِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُعْتَمِدًا عَلَى رَبِّ الْأَسْبَابِ، لَا أَنْ يَكُونَ مُعْتَمِدًا عَلَى هَذِهِ الْأَسْبَابِ، بَلْ يَكُونُ مُتَوَكِّلًا وَمُسْتَعِينًا بِاللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، مُعَلِّقًا قَلْبَهُ بِرَبِّهِ لِتَحْصِيلِ الرِّزْقِ، {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3].

*وَمِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: عَدَمُ الِانْشِغَالِ عَنِ الطَّاعَاتِ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُدَاوِمًا عَلَى التَّقْوَى، وَهِيَ مِنْ أَقْوَى الْأَسْبَابِ فِي تَحْصِيلِ الْأَرْزَاقِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2-3].

وَقَدْ أَثْنَى اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [النور: 37]، وَذَمَّ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- آخَرِينَ بِقَوْلِهِ: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الجمعة: 11].

قَالَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ-: ((لَا تَكُونَنَّ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ، وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَإِنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ، وَفِيهَا يَنْصِبُ رَايَتَهُ)).

*مِنْ آدَابِ الْأَسْوَاقِ: عَدَمُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ؛ فَقَدْ قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 9-10].

*مِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: طَلَبُ الرِّزْقِ الْحَلَالِ؛ قَالَ تَعَالَى: {قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ۚ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 100].

وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا} [البقرة: 168].

وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ»: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَلَهُ شَوَاهِدُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا، فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ)) .

*وَمِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: اجْتِنَابُ الشُّبُهَاتِ؛ فَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ)). وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) .

وَوَرَدَ الذَّمُّ فِيمَنْ لَا يُبَالِي مَنْ أَيْنَ أَصَابَ الْمَالَ؛ مِنْ حِلٍّ أَوْ حَرَامٍ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ مَا أَخَذَ؛ أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ)). وَهَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي ((الصَّحِيحِ)) .

يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَ وَلَا مَا أَخَذَ، أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ! هُوَ لَا يُبَالِي!!

نَسْأَلُ اللهَ الْعَافِيَةَ.

*مِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: تَعَلُّمُ أَحْكَامِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَهَذَا عَلَى الْوُجُوبِ، فَهَذَا وَاجِبٌ عَلَى مَنْ يُزَاوِلُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ أَحْكَامَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ -كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي ((السُّنَنِ))، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ-: ((طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)) .

فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ صَحِيحَ الْعُقُودِ مِنْ فَاسِدِهَا؛ حَتَّى لَا يَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَالْحَرَامِ.

وَيُرْوَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كَانَ يَطُوفُ بِالسُّوقِ وَيَضْرِبُ بَعْضَ التُّجَّارِ بِالدِّرَّةِ، وَيَقُولُ: ((لَا يَبِعْ فِي سُوقِنَا هَذَا إِلَّا مَنْ تَفَقَّهَ، وَإِلَّا أَكَلَ الرِّبَا شَاءَ أَمْ أَبَى)) .

فَكَانَ يَنْهَى عَنِ الْبَيْعِ فِي السُّوقِ إِلَّا مِمَّنْ قَدْ تَفَقَّهَ فِي مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَإِلَّا أَكَلَ الرِّبَا شَاءَ أَمْ أَبَى.. كَمَا قَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

*مِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: السَّمَاحَةُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ فَعَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((رَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ, وَإِذَا اشْتَرَى, وَإِذَا اقْتَضَى)). وَهَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي ((الصَّحِيحِ)) .

قَالَ الْحَافِظُ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي شَرْحِهِ: ((فِيهِ الْحَضُّ عَلَى السَّمَاحَةِ فِي الْمُعَامَلَةِ، وَاسْتِعْمَالُ مَعَالِي الْأَخْلَاقِ، وَتَرْكُ الْمُشَاحَّةِ، وَفِيهِ الْحَضُّ عَلَى تَرْكِ التَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ فِي الْمُطَالَبَةِ، وَفِيهِ الْحَضُّ عَلَى أَخْذِ الْعَفْوِ مِنْهُمْ)).

*وَمِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: تَجَنُّبُ الصَّخَبِ بِالْأَسْوَاقِ، وَهُوَ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ عِنْدَ الْمُعَامَلَةِ، فَهَذَا يَتَنَافَى مَعَ الْوَقَارِ.

وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- وَقَدْ سُئِلَ عَنْ وَصْفِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ، فَقَالَ: ((أَجَلْ؛ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِصِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ وَلَا صَخَّابٌ فِي الْأَسْوَاقِ -وَأَيْضًا بِالسِّينِ عَلَى الْمُعَاقَبَةِ بَيْنَ السِّينِ وَالصَّادِ، وَهُمَا بِمَعْنًى- وَلَا سَخَّابٌ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ؛ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَيَفْتَحُ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا)). وَالْحَدِيثُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ.

*مِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: إِنْظَارُ الْمُوسِرِ وَالْعَفْوُ عَنِ الْمُعْسِرِ؛ قَالَ تَعَالَى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280].

وَعَنْ حُذَيْفَةَ -كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((تَلَقَّتِ الْمَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَقَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا؟

قَالَ: كُنْتُ آمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا وَيَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُوسِرِ)).

وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَهُمْ: ((أَنْظِرُوا الْمُوسِرَ، وَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ)).

وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ -هُوَ-: ((كُنْتُ أُنْظِرُ الْمُوسِرَ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ الْمُعْسِرِ)).

قَالَ: ((فَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُ)).

قَالَ الْحَافِظُ -رَحِمَهُ اللهُ- : ((فَإِذَا أَعْسَرَ الْمَدْيُونُ وَجَبَ إِنْظَارُهُ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى ضَرْبِهِ وَلَا إِلَى حَبْسِهِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَحْدِيدِ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ، وَأَرْجَحُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا التَّحْدِيدَ إِنَّمَا يَعُودُ إِلَى الْعُرْفِ، فَمَنْ كَانَ حَالُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مِثْلِهِ يُعَدُّ يَسَارًا فَهُوَ مُوسِرٌ، وَعَكْسُهُ بِعَسْكِهِ)).

فَهَذَا الَّذِي اعْتَمَدَهُ الْحَافِظُ فِي ((الْفَتْحِ))، وَبِنَحْوِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ مِنْ قَبْلُ -رَحِمَ اللهُ عُلَمَاءَنَا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَجْمَعِينَ-.

*وَمِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: الصِّدْقُ وَالْأَمَانَةُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْتَنِبَ التاجرُ الْغِشَّ وَالْكَذِبَ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا أَمِينًا، وَلْيَحْذَرِ الْكَذِبَ وَالْكِتْمَانَ مَعَ مَنْ يَتَعَامَلُ مَعَهُمْ مِنَ الشُّرَكَاءِ وَالْعُمَلَاءِ؛ فَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا)). وَالْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) .

الصِّدْقُ وَالْأَمَانَةُ وَعَدَمُ التَّدْلِيسِ وَالْخِيَانَةِ..

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ -مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى كَوْمَةٍ مِنْ طَعَامٍ-، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا, فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟!»

قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.

قَالَ ﷺ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟! مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي». وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) .

قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يَبِيعُ سِلْعَةً يَعْلَمُ أَنَّ بِهَا دَاءً إِلَّا أَخْبَرَهُ)) ؛ أَيْ: إِلَّا أَخْبَرَ الْمُشْتَرِيَ.

هَذِهِ آدَابُ الْإِسْلَامِ، وَهَذِهِ قَوَاعِدُهُ: لَا غِشَّ، وَلَا خِدَاعَ، وَلَا تَدْلِيسَ، وَلَا تَزْيِيفَ.

*مِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: عَدَمُ تَرْوِيجِ السِّلْعَةِ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((الْحَلِفُ مُنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ)).

وَوَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: ((الْحَلِفُ الْكَاذِبُ..)).

وَمَعْنَى: ((مَنْفَقَةٌ))؛ أَيْ: يَكْثُرُ الْمُشْتَرُونَ وَيَرْغَبُونَ فِي سِلْعَتِهِ بِسَبَبِ حَلِفِهِ، ((مَمْحَقَةٌ)): مِنَ الْمَحْقِ وَهُوَ النَّقْصُ وَالْإِعْطَالُ.

وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ))، قَالَهَا النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.

قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا.. مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: ((الْمُسْبِلُ))؛ وَهُوَ الَّذِي يُطِيلُ ثَوْبَهُ أَسْفَلَ الْكَعْبَيْنِ، وَالْكَعْبُ: الْعَظْمُ النَّاتِئُ فِي جَانِبِ الرِّجْلِ.. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَا سُئِلَ عَنْهُمْ، قَالَ: ((الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ)) .

فَهَذَا -كَمَا تَرَى- مِنَ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يُجَانِبَهَا الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ عِنْدَ بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ وَمُعَامَلَتِهِ مَعَ إِخْوَانِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمَعَ غَيْرِهِمْ -أَيْضًا-؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَيْسَ بِغَشَّاشٍ بِحَالٍ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي)).

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ -الَّذِي يَمُنُّ بِالْعَطِيَّةِ يُعْطِيهَا، لَوْ لَمْ يُعْطِ لَكَانَ أَحْسَنَ- وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ))؛ الَّذِي يُرَوِّجُ السِّلْعَةَ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ، هَذَا مِنَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَهَؤُلَاءِ خَابُوا وَخَسِرُوا كَمَا قَالَ أَبُو ذَرٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

*مِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: الْإِكْثَارُ مِنَ الصَّدَقَاتِ.. لِمَاذَا؟!!

لِكَيْ يُطَهِّرَ الْمَالَ مِمَّا قَدْ يَشُوبُهُ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْإِثْمِ؛ فَعَنْ قَيْسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ نُسَمِّي السَّمَاسِرَةَ، فَمَرَّ بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ أَحْسَنُ، قَالَ: ((يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ! إِنَّ الشَّيْطَانَ وَالْإِثْمَ يَحْضُرَانِ الْبَيْعَ؛ فَشُوبُوا بَيْعَكُمْ بِالصَّدَقَةِ)). الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

السِّمْسَارُ أَعْجَمِيٌّ، وَكَانَ كَثِيرٌ مِمَّنْ يُعَالِجُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ مِنَ الْعَجَمِ، فَتَلَقَّى الْعَرَبُ هَذَا الْاسْمَ عَنْهُمْ، فَغَيَّرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى التِّجَارَةِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ((خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ نُسَمِّي السَّمَاسِرَةَ، فَمَرَّ بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ، فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ! إِنَّ الشَّيْطَانَ وَالْإِثْمَ يَحْضُرَانِ الْبَيْعَ؛ فَشُوبُوا بَيْعَكُمْ بِالصَّدَقَةِ)).

*وَمِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: أَنْ يَفِيَ الْمَدِينُ بِالدَّيْنِ إِذَا حَلَّ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَطْلُ  الْغَنِيِّ  ظُلْمٌ , فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَع ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .

وَهِيَ الْحَوَالَةُ, ((فَإِنَّهُ إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ -أَيْ: عَلَى غَنِيٍّ- فَلْيَتْبَعْ)). الْحَدِيثُ مُتَّفَقُ عَلَيْهِ.

وَالْمَطْلُ: مَنْعُ قَضَاءِ مَا اسْتُحِقَّ أَدَاؤُهُ.

فَـ((مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ؛ فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ)).

*وَمِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: عَدَمُ تَطْفِيفِ الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ؛ فَمِنْ كَبائِرِ الإِثْمِ وَعَظَائِمِ الذُّنُوبِ: تَطْفِيفُ المَكَايِيلِ وَالمَوَازِينِ.

وَالتَّطْفِيفُ: البَخْسُ وَالنَّقْصُ؛ فَهُوَ مُطَفِّفٌ، وَالْجَمْعُ: مُطَفِّفُونَ.

وَالْمَكَايِيلُ: جَمْعُ: مِكْيَالٍ، وَهُوَ وِعَاءُ الْكَيْلِ.

وَالْكَيْلُ: تَحْدِيدُ مِقْدَارِ الشَّيءِ بِوَاسِطَةِ آلَةٍ مُعَدَّةٍ لِذَلِكَ تُسَمَّى الْمِكْيَالَ.

وَالْمَوَازِينُ: جَمْعُ: مِيزَانٍ، وَهُوَ آلَةُ الْوَزْنِ، وَالْوَزْنُ: تَقْدِيرُ الشَّيءِ بِوَاسِطَةِ الْمِيزَانِ.

وَمِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ وُجُودُ هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ وَالْآلَاتِ الَّتِي تُساعِدُهُمْ عَلَى تَحْدِيدِ مَقَادِيرِ الْمَوْزُونَاتِ وَالْمَكِيلَاتِ، فَيَأْخُذُ الشَّخْصُ مَا يَجِبُ لَهُ تَامًّا، وَيُعْطِي مَا لِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ التَّمَامِ أَيْضًا.

قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} [الرحمن: 7-9].

وَقَالَ ﷺ فِي رِعَايَةِ الْمَوَازِينِ: «إِذَا وَزَنْتُمْ فَأَرْجِحُوا».

وَأَوْضَحُ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ تَجْعَلُ التَّلَاعُبَ فِي الْمَكَايِيلِ وَالْمَوَازِينِ كَبِيرَةً مُوبِقَةً مُهْلِكَةً؛ هِيَ قَوْلُ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 1-6].

وَالْوَيْلُ فِي أَحَدِ الْأَقْوَالِ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ يَتَهَدَّدُ بِهِ الرَّبُّ -جَلَّ وَعَلَا- أُولَئِكَ الَّذِينَ خَانُوا أَمَانَاتِهِمْ، وَبَاعُوا ذِمَمَهُمْ، وَتَعَدَّوْا عَلَى حُقُوقِ الْآخَرِينَ.

وَقَدْ حَذَّرَ نَبِيُّ اللهِ شُعَيْبٌ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِنْ بَخْسِ النَّاسِ أَشْيَاءَهُمْ وَالتَّطْفِيفَ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ، كَمَا حَكَى ذَلِكَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ؛ فَقَالَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [هود: 84-85].

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ فِي النَّسَبِ وَاللُّغَةِ وَالْمَوْطِنِ شُعَيْبًا -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، قَالَ: يَا قَوْمِ! وَحِّدُوا اللهَ وَلَا تَعْبُدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ مَا لَكُمْ فِي الْوَاقِعِ وَالْحَقِيقَةِ مِنْ مَعْبُودٍ حَقٍّ يَصِحُّ أَنْ يُعْبَدَ سِوَاهُ.

وَلَا تَكِيلُوا وَتَزِنُوا لِلْغَيْرِ نَاقِصًا وَتَسْتَوفُوا الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ لِأَنْفُسِكُمْ زَائِدًا، إِنِّي أَرَاكُمْ فِي نِعْمَةٍ وَسَعَةٍ تُغْنِيكُمْ عَنِ التَّطْفِيفِ، وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ يُدْرِكُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِالْعَذَابِ فَيُهْلِكَكُمْ جَمِيعًا فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ فِي الْآخِرَةِ بَعْدَ الْبَعْثِ لِلْحِسَابِ وَفَصْلِ الْقَضَاءِ وَتَحْقِيقِ الْجَزَاءِ.

وَيَا قَوْمِ! أَتِّمُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ وَافِيَيْنِ بِالْعَدْلِ، وَلَا تُطَفِّفُوا فِيهِمَا، وَلَا تَنْقُصُوا النَّاسَ مِمَّا اسْتَحَقُّوهُ شَيْئًا، وَلَا تَتَمَادَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بِأَعْمَالِكُمُ الْإِجْرَامِيَّةِ الظَّالِمَةِ، وَمَنْعِ النَّاسِ حُقُوقَهُمْ، وَقَطْعِ الطَّرِيقِ عَلَى الْمُسْافِرِينَ.

إِنَّ هَذَا الدَّاءَ الخَطِيرَ إِنَّمَا يَنْشَأُ عَادَةً مِنْ جَشَعِ النَّفْسِ، وَخَرَابِ الضَّمِيرِ، وَقِلَّةِ الخَشْيَةِ مِنَ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- يَمُرُّ بِالبَائِعِ فَيَقُولُ: «اتَّقِ اللهَ، وَأَوْفِ الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ، فَإِنَّ الْمُطَفِّفِينَ يُوقَفُونَ، حَتَّى إِنَّ الْعَرَقَ لَيُلْجِمُهُمْ إِلَى أَنْصَافِ آذَانِهِمْ».

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- لِأَصْحَابِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ: «إِنَّكُمْ قَدْ وُلِّيتُمْ أَمْرًا فِيهِ هَلَكَتِ الْأُمَمُ السَّابِقَةُ قَبْلَكُمْ».

قَالَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ: «وَيْلٌ ثُمَّ وَيْلٌ لِمَنْ يَبِيعُ بِحَبَّةٍ يُنْقِصُهَا جَنَّةً عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ؛ وَيَشْتَرِي بِحَبَّةٍ يَزِيدُهَا وَادِيًا فِي جَهَنَّمَ يُذِيبُ جِبَالَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «وَلَمْ يُنْقِصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَشِدَّةِ المَئُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ».

فَلَا بُدَّ مِنْ رِعَايَةِ الْعَدْلِ فِي الْبَيْعِ وَفِي الشِّرَاءِ وَفِي كُلِّ الْأَحْوَالِ؛ لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَا يَقْبَلُ الظُّلْمَ, وَقَدْ حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَجَعَلَهُ بَيْنَ الْعِبَادِ مُحَرَّمًا.

*وَيَنْبَغِي اجْتِنَابُ الْبُيُوعِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْأَشْيَاءِ الْمُحَرَّمَةِ وَالْخَبِيثَةِ؛ قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275].

وَقَالَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف:  157].

لَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَ الضَّمَائِرِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي لَا تُرَاقِبُ رَبَّهَا، وَحَذَّرَ كُلَّ مَنْ تُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ الْخَبِيثَةُ خِدَاعَ النَّاسِ وَأَكْلَ أَمْوَالِهِمْ بِالْبَاطِلِ مِنَ الْغِشِّ؛ فَقَدْ رَهَّبَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الغِشِّ، وَرَغَّبَ فِي النَّصِيحَةِ فِي البَيْعِ وَغَيْرِهِ.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَمِنْ آدَابِ السُّوقِ: عَدَمُ التَّعَدِّي عَلَى حُقُوقِ الْآخَرِينَ؛ وَمِنْ ذَلِكَ: نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أَنْ يَبِيعَ الْإِنْسَانُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ؛ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ». وَالْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-.

وَمِنْ صُوَرِ التَّعَدِّي عَلَى حُقُوقِ الْآخَرِينَ: الِاحْتِكَارُ الَّذِي يُمَثِّلُ تَلَاعُبًا بِأَقْوَاتِ النَّاسِ، وَيَضُرُّ بِالْبِلَادِ وَالْعِبَادِ؛ فَاحْتِكَارُ السِّلَعِ حَرَامٌ لَا يَجُوزُ, وَقَدْ نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ؛ فَعَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-, عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) » .

فَرَهَّبَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الِاحْتِكَارِ.

وَالِاحْتِكَارُ: هُوَ شِرَاءُ الشَّيْءِ وَحَبْسُهُ لِيَقِلَّ بَيْنَ النَّاسِ؛ فَيَغْلُوَ سِعْرُهُ، وَيُصِيبَهُمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ الضَّرَرُ.

وَالِاحْتِكَارُ حَرَّمَهُ الشَّارِعُ وَنَهَى عَنْهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الجَشَعِ، وَالطَّمَعِ، وَسُوءِ الخُلُقِ، وَالتَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ.

رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ مَعْمَرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ, وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ»، وَالخَاطِئُ: الآثِمُ، وَالمَعْنَى: لا يَجْتَرِئُ عَلَى هَذَا الفِعْلِ الشَّنِيعِ إِلَّا مَنِ اعْتَادَ المَعْصِيَةَ.

إِنَّ الأُمَّةَ تُعَانِي فِي هَذَا الوَقْتِ مِنْ هَذَا الدَّاءِ الوَبِيلِ الَّذِي حَرَّمَهُ الشَّرْعُ الشَّرِيفُ، وَنَدَّدَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَنْ فَعَلَهُ؛ وَهُوَ الِاحْتِكَارُ، فَإِنَّ أَكْثَرَ التُّجَّارِ الَّذِينَ يُتَاجِرُونَ فِي السِّلَعِ الغِذَائِيَّةِ، وَمَا أَشْبَهَ مِمَّا يَحْتَاجُهُ النَّاسُ حَاجَةً مَاسَّةً، يَقُومُونَ بِهَذَا العَمَلِ الشَّنِيعِ، وَيَتَوَفَّرُونَ عَلَى صَنِيعِهِ، مِمَّا يُؤَدِّي بِالأُمَّةِ إِلَى الوُقُوعِ فِي الفَوْضَى، وَالِاضْطِرَابِ فِي النِّظَامِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا يُعَجِّلُ بِالوُصُولِ إِلَى غَايَةِ المُؤَامَرَةِ الَّتِي يَأْتَمِرُ بِهَا وَفِيهَا أَعْدَاءُ الإِسْلَامِ.

فَأَمْثَالُ هَؤُلَاءِ يَدْعُوهُمْ جَشَعُهُمْ، وَعَدَمُ حِرْصِهِمْ عَلَى آخِرَتِهِمْ، إِلَى إِنْفَاذِ هَذَا الْمُخَطَّطِ الْمَلْعُونِ، الَّذِي يُؤَدِّي فِي النِّهَايَةِ إِلَى دُخُولِ الْأُمَّةِ فِي الْمَأْزِقِ الَّذِي لَا مَخْرَجَ لَهَا مِنْهُ، وَهَذَا كُلُّهُ يَصْنَعُونَهُ لِشَيْءٍ مَوْهُومٍ، فَإِنَّهُ إِذَا وَقَعَتِ الْفَوْضَى، أَوْ سَقَطَتِ الدَّوْلَةُ، أَوْ ذَهَبَ النِّظَامُ، فَإِنَّ أَصْحَابَ الْأَمْوَالِ لَنْ يَنْتَفِعُوا بِأَمْوَالِهِمْ، وَمَا سَيَكُونَ عِنْدَهُمُ حِينَئِذٍ مِنَ الْأَمْوَالِ فَإِنَّهَا لَا تُسَاوِي الْوَرَقَ الَّذِي طُبِعَتْ عَلَيْهِ، وَهَذَا يَقْضِي بِهِ الْعَقْلُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْوَاقِعُ، وَالسَّعِيدُ مَنِ اتَّعَظَ بِغَيْرِهِ.

وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الِاحْتِكَارَ يَكُونُ فِي حَالِ الضِّيقِ وَالضَّرُورَةِ، لَا فِي وَقْتِ السَّعَةِ؛ وَفِي الْبَلَدِ الصَّغِيرِ عَادَةً؛ وَمِنْ طَرِيقِ الشِّرَاءِ وَالِامْتِنَاعِ عَنِ الْبَيْعِ مِمَّا يَضُرُّ بِالنَّاسِ؛ لِأَنَّ فِي الْحَبْسِ ضَرَرًا بِالْمُسْلِمِينَ.

وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ -أَيْضًا- عَلَى أَنَّ الِاحتِكَارَ حَرَامٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ فِي الْأَقْوَاتِ، وَالطَّعَامِ؛ طَعَامِ الْإِنْسَانِ، مِثْلِ: الحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالذُّرَةِ، وَالْأُرْزِ، وَمَا أَشْبَهَ، وَالتِّينِ، وَالْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَاللَّوْزِ، وَنَحْوِهَا مِمَّا يَقُومُ بِهِ الْبَدَنُ.

وَكَذِلِكَ يَحْرُمُ الِاحْتِكَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ فِي طَعَامِ الْبَهَائِمِ؛ كَتِبْنٍ وَغَيْرِهِ مِنْ عَلَفِ الدَّوَابِّ؛ فَيَحْرُمُ الِاحْتِكَارُ فِيهَا.

وَيَحْرُمُ الِاحْتِكَارُ -أَيْضًا- عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَأَبِي يُوسُفَ فِي غَيْرِ الطَّعَامِ فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ، لَا فِي وَقْتِ السَّعَةِ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ الِاحْتِكَارُ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ، مِنَ الْكَتَّانِ، وَالْقُطْنِ، وَجَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ، أَوْ كُلِّ مَا أَضَرَّ بِالنَّاسِ حَبْسُهُ، قُوتًا كَانَ أَوْ لَا، وَلَوْ ثِيَابًا، أَوْ دَرَاهِمَ.

كَمَا يَصْنَعُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ يُرِيدُونَ الشَّرَّ لِلْأُمَّةِ، وَمِمَّنْ يَتَعَامَلُونَ عَلَى غَفْلَةٍ، وَلَا يَنْظُرُونَ فِي مَآلَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّهُ كُلَّمَا تَوَفَّرَتْ عُمْلَةٌ صَعْبَةٌ، تَوَفَّرُوا هُمْ عَلَى الِاسْتِحْوَاذِ عَلَيْها وَكَنْزِهَا؛ فَتَظَلُّ الْأَزْمَةُ قَائِمَةً، بَلْ إِنَّهَا تَزْدَادُ عُتُوًّا -وَإِلَى اللهِ الْمشْتَكَى-.

وَالْخُلَاصَةُ: أَنَّ الْجُمْهُورَ خَصُّوا الِاحْتِكَارَ بِالْقُوتَيْنِ: قُوتِ النَّاسِ، وَقُوتِ الْبَهَائِمِ؛ نَظَرًا لِلْحِكْمَةِ الْمُنَاسِبَةِ لِلتَّحْرِيمِ؛ وَهِيَ: دَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ النَّاسِ، وَالْأَغْلَبُ فِي ذَلِكَ إِنَّما يَكُونُ فِي الْقُوتَيْنِ. وَمَنَعَهُ الْمَالِكِيَّةُ -أَيْ: مَنَعُوا الِاحْتِكَارَ- مُطْلَقًا.

فَلْيَتَّقِ اللهَ أَقْوَامٌ لَا يَنْظُرُونَ إِلَى مَآلَاتِ الْأُمُورِ، وَلْيَحْرِصُوا عَلَى أَنْ يُرْضُوا اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَلْيَعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ.

وَعَلَيْهِمْ أَنْ يَتَّقُوا اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي دِينِهِمْ، وَفِي إِخْوَانِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهِمُ أَنْ يَتَّقُوا اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي الدَّوَابِّ؛ فَإِنَّ الِاحْتِكَارَ لِقُوتِ الدَّوَابِّ وَالْبَهَائِمِ مِمَّا حَرَّمَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- -كَمَا مَرَّ-.

 فَإِنَّ هَذَا الِاحْتِكَارَ لِقُوتِ الدَّوَابِّ لَا يَجُوزُ، بَلْ هُوَ مُحَرَّمٌ، فَكَيْفَ بِاحْتِكَارِ أَقْوَاتِ الْبَشَرِ، أَقْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ؟!!

عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَّقُوا اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَأَنْ يَفِيئُوا إِلَيْهِ، وَأَنْ يَخْرُجُوا مِنْ مَعَاصِيهِمْ، بِالْإِقْبَالِ عَلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَبَذْلِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ -وَهُوَ عَلَى عَكْسِ مَا يَفْعَلُونَ-: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ، مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ ثَوْبٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ثَوْبَ لَهُ»، فَمَا زَالَ يُعَدِّدُ مِنْ أَصْنَافِ الفَضْلِ، حَتَّى ظَنَّ الصَّحَابَةُ أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي الْفَضْلِ؛ يَعْنِي فِي الزِّيَادَةِ عَمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ ثِيَابٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ مَرْكُوبٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ.

إِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي الْمُوَاسَاةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ بِهَذَا الْعَمَلِ الشَّنِيعِ: وَهُوَ احْتِكَارُ مُتَطَلَّبَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَحَبْسُهَا حَتَّى يَغْلُوَ سِعْرُهَا وَثَمَنُهَا مِنْ أَجْلِ أَنْ يَتَكَسَّبُوا بِمُسْتَقْبَلِ بَلَدِهِمُ الْمُسْلِمِ، حَتَّى يَنْهَارَ وَحَتَّى تَضْمَحِلَّ قُوَى الْإِسْلَامِ فِيهِ؟!! فَهَذِهِ خِيَانَةٌ عُظْمَى.

 ((عَلَى أَنَّنَا نُؤَكِّدُ أَنَّ الرِّقَابَةَ عَلَى الْأَسْوَاقِ مِنَ الْوِلَايَاتِ الْعَامَّةِ لِلدَّوْلَةِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ التَّعَاوُنُ مَعَ كُلِّ الْأَجْهِزَةِ الْمَعْنِيَّةِ لِمَنْعِ كُلِّ جَرَائِمِ الْغِشِّ وَالِاحْتِكَارِ وَاسْتِغْلَالِ الْمُسْتَهْلِكِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الظَّوَاهِرِ السَّلْبِيَّةِ يُسْهِمُ بِقُوَّةٍ فِي تَحْقِيقِ الْأَمْنِ النَّفْسِيِّ لِلْمُجْتَمَعِ، وَيُسْهِمُ فِي دَفْعِ عَجَلَةِ الِاقْتِصَادِ الْجَادِّ، وَفِي التَّمَيُّزِ وَالْإِتْقَانِ مَحَلِّيًّا وَدَوْلِيًّا، أَمَّا الْغِشُّ فَبَابٌ وَاسِعٌ مِنْ أَبْوَابِ الْفَسَادِ وَتَدْمِيرِ اقْتِصَادِيَّاتِ الدُّوَلِ.

كَمَا أَنَّنَا نُؤَكِّدُ عَلَى أَنَّ الْإِشْرَافَ عَلَى الْأَسْوَاقِ وَمُرَاقَبَتَهَا أَمَانَةٌ كَبِيرَةٌ وَمَسْئُولِيَّةٌ عَظِيمَةٌ فِي أَيْدِي كُلِّ مَنْ كُلِّفَ بِمَهَمَّةٍ مِنْ مَهَامِّهَا، وَإِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- سَائِلٌ كُلَّ إِنْسَانٍ عَمَّا كُلِّفَ بِهِ أَحَفِظَ أَوْ ضَيَّعَ!!)) .

فَأُولُو الْأَمْرِ لَهُمْ -كَمَا حَدَّدَ الشَّرْعُ- أَنْ يَأْخُذُوا عَلَى أَيْدِي هَؤُلَاءِ -وَلَا يُبَالُونَ- مِنْ أَجْلِ إِعَادَةِ الْأَمْرِ إِلَى نِصَابِهِ، مَعَ عَدَمِ ظُلْمِهِمْ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَا احْتَكَرُوهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَلَوْ عَذَّرَهُمْ وَلِيُّ الْأَمْرِ بِأَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمُحْتَكَرَاتِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ لِيَرُدَّهَا عَلَى الْمُحْتَاجِينَ؛ فَلَعَلَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ.

وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.

فَهَذِهِ جُمْلَةٌ مِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالسُّوقِ, وَلَوْ أَنَّ الْإِنْسَانَ الْتَزَمَ هَذِهِ الْآدَابَ لَآتَاهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فَضْلًا عَظِيمًا, وَحَبَاهُ خَيْرًا كَثِيرًا؛ لِأَنَّ الْخَيْرَ كُلَّ الْخَيْرِ فِي اتِّبَاعِ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ, وَأَمَّا مُخَالَفَتُهُ فَشُؤْمٌ لَا يَتَأَتَّى مِنْ وَرَائِهَا إِلَّا كُلُّ شَرٍّ, نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرْزُقَنَا التَّوْحِيدَ وَالِاتِّبَاعَ, إِنَّهُ -تَعَالَى- هُوَ الْبَرُّ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ.

 

 

المصدر: ضَوَابِطُ الْأَسْوَاقِ وَآدَابُهَا

التعليقات


فوائد مفرغة قد تعجبك


  الْحَثُّ عَلَى الْإِيجَابِيَّةِ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ
  هَدَفُ الْيُهُودِ الْخَبِيثُ: هَدْمُ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى
  أَسْبَابُ تَحْصِيلِ مَعِيَّةِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْخَاصَّةِ
  الْعِيدُ وَاجْتِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ وَنَبْذُ الْخِلَافَاتِ
  تَرْبِيَةُ الطِّفْلِ عَلَى حَمْلِ أَمَانَةِ دِينِهِ وَأُمَّتِهِ
  خُطُورَةُ الشَّائِعَاتِ عَلَى الْأَفْرَادِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ
  عَاقِبَةُ نَقْضِ الْعُقُودِ وَالْعُهُودِ
  اهْتِمَامُ الْإِسْلَامِ بِالطِّفْلِ قَبْلَ وِلَادَتِهِ
  مَظَاهِرُ النِّظَامِ فِي عِبَادَةِ الْحَجِّ
  المَصْلَحَةُ العُلْيَا لِلْأُمَّةِ
  النَّبِيُّ ﷺ عَلَّمَ الْأُمَّةَ الْوَرَعَ فِي الْمُعَامَلَاتِ
  دَعْوَةُ الْمُسْلِمِينَ لِلتَّوْحِيدِ وَتَقْدِيمُ مَصْلَحَتِهِمْ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ
  مِنْ أَعْظَمِ مُوجِبَاتِ الْعِتْقِ مِنَ النَّارِ فِي رَمَضَانَ: تَقْوَى اللهِ
  حُسْنُ مُعَامَلَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِخَدَمِهِ وَشَفَقَتُهُ بِهِمْ
  الْأَطْفَالُ هِبَةٌ مِنَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَقُرَّةُ عَيْنٍ لِلْأَبَوَيْنِ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان